وَلَا يُعِيدُ مَنْ قَلَّمَ ظُفْرَهُ أَوْ حَلَقَ رأسه
الشروح عليها
(وَلَا يُعِيدُ) مَحَلِّ الظُّفْرِ أَوْ الشَّعْرِ (مَنْ قَلَمَ) بِتَخْفِيفِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِهَا (ظُفْرَهُ أَوْ) (حَلَقَ رَأْسَهُ) بَعْدَ وُضُوئِهِ لِأَنَّ حَدَثَهُ قَدْ ارْتَفَعَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُعِيدُ مَنْ قَلَّمَ ظُفْرَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ) أَيْ عَلَى الْمَذْهَبِ
وَقِيلَ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ غَسْلِ مَوْضِعِ الظُّفْرِ وَالشَّعْرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَمِثْلُ مَنْ قَلَّمَ ظُفْرَهُ فِي عَدَمِ الْإِعَادَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مَنْ حَفَرَ عَلَى شَوْكَةٍ بَعْدَ الْوُضُوءِ
بِخِلَافِ زَوَالِ الْخُفِّ وَالْجَبِيرَةِ؛ لِأَنَّ مَسْحَ الْخُفِّ بَدَلٌ فَسَقَطَ عِنْدَ حُصُولِ مُبْدَلِهِ، وَالْجَبِيرَةُ مَقْصُودَةٌ بِالْمَسْحِ فَزَوَالُهَا زَوَالٌ لِمَا قُصِدَ
(قَوْلُهُ: وَفِي وُجُوبِ إعَادَةِ مَوْضِعِ لِحْيَتِهِ) أَيْ نَظَرًا لِسَتْرِ الشَّعْرِ لِلْمَحَلِّ وَقَدْ زَالَ وَحِينَئِذٍ فَيَغْسِلُ الْمَحَلَّ
ص (وَلَا يُعِيدُ مَنْ قَلَمَ ظُفْرَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ) ش: الظُّفْرُ بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَالَةُ وَضَمُّ الْفَاءِ عَلَى اللُّغَةِ الْفُصْحَى وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ، وَفِيهِ لُغَةٌ ثَانِيَةٌ بِكَسْرِ الظَّاءِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ، وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ بِضَمِّ الظَّاءِ وَسُكُونِ الْفَاءِ، وَفِيهِ لُغَةٌ رَابِعَةٌ وَهِيَ أُظْفُورٌ عَلَى وَزْنِ عُصْفُورٍ وَقَوْلُهُ: قَلَمَ مُقْتَضَى كَلَامِ الصِّحَاحِ أَنَّهُ مَعَ الظُّفْرِ الْوَاحِدِ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ. قَالَ: فِيهَا قَلَّمْتُ ظُفْرِي وَقَلَّمْتُ أَظْفَارِي يُشَدَّدُ لِلْكَثْرَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي بَابِ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْتَضَرِ
قَالَ فِي الصِّحَاحِ: يُقَالُ: قَلَّمْتُ ظُفْرِي يُرِيدُ بِالتَّخْفِيفِ،
وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ: قَلَمَ ظُفْرَهُ يَقْلِمُهُ قَلْمًا وَقَلَّمَهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُحْكَمِ أَنَّهُ يُقَالُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ مَعَ الظُّفْرِ الْوَاحِدِ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَوْ حَلَقَ شَعْرَ رَأْسَهُ فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُ غَسْلَ مَوْضِعِ الْأَظْفَارِ وَلَا يُعِيدُ مَسْحَ رَأْسِهِ.
وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَصِّهَا عَلَى اخْتِصَارِ صَاحِبِ الطِّرَازِ. قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ: إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَهُ ثَانِيَةً،
وَكَذَلِكَ قَالَ فِيمَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ بَعْدَ مَا تَوَضَّأَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمُ بَعْدَ كَلَامِ مَالِكٍ: وَبَلَغَنِي عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا مِنْ لَحْنِ الْفِقْهِ وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي مُرَادِهِ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُخْتَصِرِينَ، وَأَسْقَطَ الْبَرَاذِعِيُّ فِي اخْتِصَارِهِ تَقْلِيمَ الْأَظَافِرِ وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي مُرَادِهِ فَإِنَّ اللَّحَنَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مَعْنَاهُ الصَّوَابُ وَأَصْلُهُ الْفِطْنَةُ، وَبِسُكُونِهَا مَعْنَاهُ الْخَطَأُ وَنَقَلَ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ أَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ بِالسُّكُونِ عَلَى الصَّوَابِ وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ اللَّحْنَ مِنْ الْأَضْدَادِ، يُطْلَقُ عَلَى الصَّوَابِ وَعَلَى الْخَطَأِ فَإِنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْأَضْدَادِ إذَا كَانَ يُطْلَقُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: قَوْلُ ابْنِ أَبِي سَلَمَةَ هَذَا مِنْ لَحْنِ الْفِقْهِ فِيهِ تَأْوِيلَانِ فَقِيلَ: يَعْنِي مِنْ صَوَابِ الْفِقْهِ،
وَقِيلَ: يَعْنِي مِنْ خَطَأِ الْفِقْهِ.
قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: وَإِذَا قِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ صَوَابِ الْفِقْهِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ إلَى جَوَابِ مَالِكٍ أَوْ إلَى الْفِعْلِ أَيْ أَنَّهُ صَوَابٌ مِمَّنْ فَعَلَهُ يَعْنِي إعَادَةَ الْمَسْحِ وَغَسْلَ الْأَظْفَارِ،
وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ خَطَأِ الْفِقْهِ. غَيْرَ أَنَّ الْأَشْبَهَ بِعِلْمِ الرَّجُلِ أَنَّهُ عَابَ فِعْلَ ذَلِكَ انْتَهَى. وَنَحْوُهُ لِابْنِ بَشِيرٍ
وَكَذَا قَالَ فِي النُّكَتِ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِهِ الصَّوَابُ فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِنَا أَنَّهُ لَا يُعِيدُ،
وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْخَطَأُ فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي مَسْلَمَةَ مُوَافِقٌ لِمَالِكٍ وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ كَلَامِ مَالِكٍ: هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا إلَّا ابْنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ وَاَلَّذِي تَأَوَّلَهُ عَلَيْهِ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي إشْرَاقِهِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَالِكٍ
وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: رَوَيْنَاهُ بِسُكُونِ الْحَاءِ وَكُتِبَتْ مِنْ أَصْلِ الشَّيْخِ قَالَ سَحْنُونٌ: مَعْنَاهُ مِنْ خَطَأِ الْفِقْهِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ لَا غَيْرُ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ مَنْ قَالَ: يُرِيدُ بِالْخَطَأِ قَوْلَ مَنْ خَالَفْنَا، وَلَا إلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: صَوَابُ الْفِقْهِ يَعْنِي قَوْلَنَا؛ لِأَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ لَا يُوَافِقُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ وَيَرَى عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ الْوُضُوءَ وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِهِ أَيْضًا وَالْجُمْهُورُ مِنْ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ عَلَى خِلَافِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الصَّوَابَ فَتُفْتَحُ الْحَاءُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: بَلْ الظَّاهِرُ مَا قَالَهُ سَحْنُونٌ وَصَوَّبَهُ عِيَاضٌ أَنَّ مُرَادَهُ الْخَطَأُ فَتُسَكَّنُ الْحَاءُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَذْهَبُهُ الْإِعَادَةَ فَلَا يُصَوَّبُ غَيْرُ مَذْهَبِهِ.
(قُلْتُ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَصِحُّ تَصْوِيبُ مَذْهَبِهِ عَلَى كِلَا الضَّبْطَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بِالْفَتْحِ فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى الْفِعْلِ وَإِنْ كَانَ بِالسُّكُونِ فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى جَوَابِ مَالِكٍ غَيْرَ أَنَّ السُّكُونَ يَتَرَجَّحُ بِقَوْلِ الْقَاضِي عِيَاضٍ رَوَيْنَاهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي التَّنْبِيهَاتِ: " يُعِيدُ الْوُضُوءَ " أَنَّ وُضُوءَهُ انْتَقَضَ. قَالَ ابْنُ نَاجِي
وَمِثْلُهُ نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْهُ بِلَفْظِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ كَنَزْعِ الْخُفِّ وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْهُ وَاخْتَارَهُ أَنَّهُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ لَا أَنَّهُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بِنَفْسِ الْإِزَالَةِ.
(قُلْتُ) فَيَتَحَصَّلُ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ
وَكَذَا يَحْكِي ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فَقَالَ: وَلَوْ حَلَقَهُ فَفِي إعَادَةِ مَسْحِهِ ثَالِثُهَا يَبْتَدِئ الْوُضُوءَ، وَعَنْ الْأَوَّلِ مِنْهَا وَهُوَ إعَادَةُ مَسْحِهِ فَقَطْ لِنَقْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَاخْتِيَارِ اللَّخْمِيِّ،
وَالثَّانِي وَهُوَ عَدَمُ إعَادَةِ مَسْحِهِ لِلْمَذْهَبِ وَالثَّالِثُ وَهُوَ إعَادَةُ الْوُضُوءِ لِنَقْلِ عِيَاضٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ كَنَزْعِ الْخُفِّ وَظَاهِرُ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ وَابْنِ نَاجِي أَنَّ الْوُضُوءَ يَبْطُلُ فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ،
وَلَوْ أَعَادَ غَسْلَ مَوْضِعِ الْأَظْفَارِ وَمَسْحَ الرَّأْسِ بِالْقُرْبِ وَهُوَ بَعِيدٌ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْوُضُوءَ يَبْطُلُ بِنَزْعِ الْخُفِّ وَأَنَّ غَسْلَ مَا تَحْتَهُ بِالْقُرْبِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ: إنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ يَقُولُ بِذَلِكَ وَلَعَلَّ مُرَادَ ابْنِ يُونُسَ وَعِيَاضٍ بِمَا نَقَلَاهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ مَعَ الطُّولِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَاخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ هُوَ قَوْلُهُ بَعْدَ مَسْأَلَةِ مَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ بِضْعَةٌ مِنْهُ الْآتِيَةِ،
وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَتْ لَهُ وَفْرَةٌ فَحَلَقَهَا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْمَسْحَ انْتَهَى.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْفَرْضَ قَدْ سَقَطَ بِمَسْحِ الرَّأْسِ فَلَا يَعُودُ بِزَوَالِ شَيْءٍ مِنْهُ كَمَا إذَا مَسَحَ وَجْهَهُ فِي التَّيَمُّمِ أَوْ غَسَلَهُ فِي الْوُضُوءِ ثُمَّ قُطِعَ أَنْفُهُ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ كَانُوا يَحْلِقُونَ بِمِنًى ثُمَّ يَنْزِلُونَ إلَى طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَعَادَ مَسْحَ رَأْسِهِ إذَا حَلَقَهُ لِطَهَارَةِ الْوُضُوءِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُعِيدُهُ لِطَهَارَةِ الْجَنَابَةِ وَهِيَ كَانَتْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَنَابِتَ الشَّعْرِ لَمْ تُغْسَلْ وَهِيَ مِنْ الْبَشَرَةِ الْمَأْمُورِ بِغَسْلِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَرْقُ عَلَى الْمَذْهَبِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ نَزْعِ الْخُفِّ وَسُقُوطِ الْجَبِيرَةِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ مَسْحَ الشَّعْرِ أَصْلٌ فِي الْوُضُوءِ كَمَا تَقَدَّمَ
وَكَذَلِكَ غَسْلُ الْأَظْفَارِ، بِخِلَافِ مَسْحِ الْخُفِّ وَالْجَبِيرَةِ فَإِنَّهُ بَدَلٌ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ عِنْدَ ظُهُورِ الْأَصْلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ أَوْ قَلَّمَ ظُفْرَهُ بَعْدَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ لَمْ يُعِدْ غُسْلَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا فَإِنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى الْمُخَالِفِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِمَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(الثَّانِي) عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي مَسْلَمَةَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَلَيْسَ هُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِمَّنْ هُوَ خَارِجُ الْمَذْهَبِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَلَا يُعِيدُ مَنْ قَلَّمَ ظُفُرَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ) فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ فَقَلَّمَ أَظْفَارَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ لَمْ يُعِدْ مَسْحَهُ ابْنُ يُونُسَ: إذْ لَيْسَ الشَّعْرُ مِثْلَ الْخُفَّيْنِ لِأَنَّ الشَّعْرَ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ الْبَاجِيُّ: مَسْحُ الشَّعْرِ أَصْلٌ فِي الطَّهَارَةِ وَلَيْسَ بِبَدَلٍ،
فَمَنْ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ حَلَقَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَسْحِ وَكَانَ أَصْلًا فِي الطَّهَارَةِ كَالْبَشَرَةِ اللَّخْمِيِّ: عَلَى مَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ بِضْعَةٌ مِنْ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ بَعْدَ أَنْ تَوَضَّأَ غَسْلُ مَا ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ مَسْحُهُ إنْ شَقَّ ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ
(ص) وَلَا يُعِيدُ مَنْ قَلَّمَ ظُفْرَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ وَفِي لِحْيَتِهِ قَوْلَانِ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ إذَا قَلَّمَ ظُفْرَهُ أَوْ حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ لَا يُعِيدُ غَسْلَ مَوْضِعِ الظُّفْرِ وَلَا مَسْحَ بَشَرَةِ الشَّعْرِ عَلَى الْمَذْهَبِ لِأَنَّ الْفَرْضَ قَدْ سَقَطَ بِغَسْلِهِ أَوْ مَسْحِهِ فَلَا يَعُودُ بِزَوَالِهِ كَمَا إذَا مَسَحَ وَجْهَهُ فِي التَّيَمُّمِ أَوْ غَسَلَهُ فِي الْوُضُوءِ ثُمَّ قُطِعَ أَنْفَهُ وَاخْتُلِفَ إذَا حَلَقَ الشَّخْصُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً لِحْيَتَهُ أَوْ شَارِبَهُ كُلًّا أَوْ بَعْضًا أَوْ سَقَطَتْ بِنَفْسِهَا هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ غَسْلِ مَوْضِعِهَا أَوْ لَا قَوْلَانِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ اللِّحْيَةُ خَفِيفَةً أَوْ كَثِيفَةً كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِالْوُجُوبِ نَظَرَ إلَى سَتْرِ الشَّعْرِ لِلْمَحَلِّ وَقَدْ زَالَ فَيُغْسَلُ ذَلِكَ الْمَحَلُّ وَمِثْلُ مَنْ قَلَّمَ ظُفْرَهُ فِي عَدَمِ الْإِعَادَةِ مَنْ حَفَرَ عَلَى شَوْكَةٍ بَعْدَ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَحِلِّ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ نَقَلَهُمَا شَارِحُ الْوَغْلِيسِيَّةِ عَنْ بَعْضِ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ زَوَالِ الْخُفِّ وَالْجَبِيرَةِ أَنَّ مَسْحَ الْخُفِّ بَدَلٌ فَسَقَطَ عِنْدَ حُضُورِ مُبْدَلِهِ وَالْجَبِيرَةُ مَقْصُودَةُ الْمَسْحِ فَزَوَالُهَا زَوَالٌ لِمَا قُصِدَ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْفَرَائِضِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا أَتْبَعَهُ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهَا وَبَدَأَ مِنْهَا بِالدَّلْكِ فَقَالَ (وَالدَّلْكُ) أَيْ وَالْفَرِيضَةُ الْخَامِسَةُ الدَّلْكُ وَهُوَ وَاجِبٌ لِنَفْسِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَقَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِنَاءً عَلَى شَرْطِيَّتِهِ فِي حُصُولِ مُسَمَّى الْغَسْلِ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِانْغِمَاسِ لُغَةً
وَقِيلَ وَاجِبٌ لَا لِنَفْسِهِ بَلْ لِتَحَقُّقِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ أَوْ بِطُولِ الْمُكْثِ فِيهِ مَثَلًا
وَقِيلَ بَلْ يُسَنُّ أَوْ يُسْتَحَبُّ وَالْخِلَافُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ سَوَاءٌ.
(قَوْلُهُ: مِنْ قَلَّمَ) بِتَخْفِيفِ اللَّامِ مَعَ الْوَاحِدِ وَتَشْدِيدِهَا لِأَكْثَرَ مِنْهُ
(قَوْلُهُ: وَفِي لِحْيَتِهِ قَوْلَانِ) وَمِثْلُ اللِّحْيَةِ فِي الْخِلَافِ التَّحْذِيفُ الَّذِي يَفْعَلُهُ الْمَغَارِبَةُ فِي الْعَارِضَيْنِ وَالشَّوَارِبِ قَالَهُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْقُرْطُبِيَّةِ وَانْظُرْ هَلْ الْعَنْفَقَةُ كَالشَّوَارِبِ أَمْ لَا أَشَارَ إلَيْهِ الزَّرْقَانِيُّ
(قَوْلُهُ: عَلَى الْمَذْهَبِ) وَقِيلَ بَعِيدٌ
(قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ إذَا حَلَقَ الشَّخْصُ)
وَالرَّاجِحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ عَدَمُ الْإِعَادَةِ
(قَوْلُهُ: وَذَلِكَ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِلتَّعْمِيمِ أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ خَفِيفَةً أَوْ كَثِيفَةً
(قَوْلُهُ: بَدَلٌ) عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ وَقَوْلُهُ فَسَقَطَ أَيْ مَسْحُ الرَّأْسِ عِنْدَ حُضُورِ أَيْ عِنْدَ ظُهُورِ مَحِلِّ بَدَلِهِ
(قَوْلُهُ: مَقْصُودَةُ الْمَسْحِ) أَيْ مَقْصُودٌ مَسْحُهُمَا أَيْ إنَّ الْمَسْحَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا لَا بِالْمَوْضِعِ،
وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَسْحُ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا لُوحِظَ أَنَّهُ مَسْحُ الْمَوْضِعِ فَلَمْ يَحْتَجْ لِلْمَسْحِ عِنْدَ سُقُوطِهَا.
(قَوْلُهُ: وَقَوْلُ مَالِكٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْمَشْهُورِ
(قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى شَرْطِيَّتِهِ فِي حُصُولِ مُسَمَّى الْغَسْلِ) أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى {فَاغْسِلُوا} أَيْ فَلَا يُسَمَّى غَسْلًا إلَّا مَعَ وُجُودِهِ وَهُوَ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْعُضْوِ وَالْمُرَادُ بِالْيَدِ بَاطِنُ الْكَفِّ وَلَا يَسْقُطُ أَيْ الدَّلْكُ بِالنِّسْيَانِ وَيَكُونُ الْإِمْرَارُ مُقَارِنًا لِلصَّبِّ وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَغَيْرَ مُقَارِنٍ قَبْلَ ذَهَابِ الْمَاءِ عَنْ الْعُضْوِ عَلَى الصَّحِيحِ أَيْ قَبْلَ ذَهَابِ رُطُوبَةِ الْمَاءِ عَنْهُ إذْ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَاءِ بَاقِيًا بَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ بَقَاءُ الرُّطُوبَةِ فَقَطْ خِلَافًا لِلْقَابِسِيِّ فِي اشْتِرَاطِ الْمُقَارَنَةِ وَهُوَ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ.
(تَنْبِيهٌ) : وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَهُوَ أَنَّ الدَّلْكَ وَاجِبٌ لِنَفْسِهِ فَلَا يَكْفِي الِانْغِمَاسُ أَوْ الصَّبُّ مُجَرَّدًا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إمْرَارِ الْيَدِ إمْرَارًا مُتَوَسِّطًا وَلَوْ لَمْ تُزَلْ الْأَوْسَاخُ إلَّا أَنْ تَكُونَ مُتَجَسِّدَةً فَتَكُونَ حَائِلًا كَمَا فِي ك
(قَوْلُهُ: أَوْ بِطُولِ الْمُكْثِ) لَا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَى بِهِ لِفَسَادِهِ وَكَأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ، وَتَقْدِيرُهُ فَمَتَى تَحَقَّقَ إيصَالُ الْمَاءِ بِهِ أَوْ بِطُولِ الْمُكْثِ أَجْزَأَهُ (أَقُولُ) يَرِدُ أَنْ يُقَالَ إذَا كَانَ دَاخِلًا فِي مُسَمَّى الْغَسْلِ فَلَا حَاجَةَ إلَى عَدِّهِ فَرْضًا مُسْتَقِلًّا قَوْلُهُ: فِي الْمُجَاوَرَةِ) أَيْ وَهِيَ حَقِيقَةٌ فِي الْمُجَاوَرَةِ لُغَةً
(وَلَا يُعِيدُ) أَيْ لَا يَغْسِلُ مَحَلَّ الظُّفْرِ وَلَا يَمْسَحُ مَوْضِعَ الشَّعْرِ (مَنْ قَلَّمَ) بِفَتَحَاتٍ مُخَفَّفًا وَمُشَدَّدًا أَيْ قَصَّ (ظُفْرَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ) بَعْدَ وُضُوئِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّ حَدَثَهُ قَدْ ارْتَفَعَ بِغَسْلِ ظُفْرِهِ وَمَسْحِ شَعْرِهِ وَلَا يَعُودُ بِإِبَانَتِهِمَا.
لا زيادة له على هذه المسألة.
ولا يعيد من قلم ظفره يعني أن من توضأ ثم قلم ظفره بعد الوضوء وهو باق على وضوئه لا يعيد غسل موضع القلم ولو طال حيث لم ينثن، ولم يتعلق به وسخ يستر بعض رأس الإصبع،
فإن طال وتعلق به وسخ يستر بعض رأس الإصبع، أو انثنى على رأس الإصبع، وجب قلمه ووجب على المتوضي غسل ما تحته،
بخلاف ما إذا لم يطل ولم ينثن على رؤوس الأصابع فلا يجب قلمه ولا إزالة ما تحته من الوسخ، بل هي تعمق ووسوسة وخلاف ما عليه جمهور السلف الصالح، وقد تقدم أنها إذا طالت طولا غير معتاد يجب إزالة ما تحتها من الوسخ، ويقيد بذلك قوله: ووسخ الأظفار إن تركته … ما عليك حرج أو زلته واجمع رؤوسها بوسط الكف … واغسل فإن غسل ذاك يكفي والظفر كعنق على اللغة الفصحى، وبها جاء الكتاب العزيز، وكَقُفْلِ وعِلْمٍ بكسر العين، وفيه لغة رابعة وهي أظفور كعصفور، وقلم بالتخفيف والتشديد في الجمع كقلمت أظفاري قال زهير: لدى أسد شاكي السلاح مقذف … له لبد أظفاره لم تقلم ومقتضى كلام صاحب المحكم أنه يقال بالتخفيف والتشديد في الظفر الواحد، وقوله: "ولا يعيد من قلم" الخ مثل الوضوء في ذلك الغسل. (أو حلق رأسه) يعني أن من توضأ ثم حلق رأسه وهو باق على وضوئه لا يلزمه أن يعيد مسح رأسه، بل هو باق على وضوئه كما في مسألة قلم الظفر،
وكذا لا يعيد غسله مغتسل،
وما ذكره المص في مسألتي الظفر وحلق الرأس هو المذهب: وقيل يعيد مسح رأسه نقله اللخمي عن عبد العزيز بن أبي سلمة،
وقيل يبتدئ الوضوء نقله عياض عن عبد العزيز، ونقل ابن يونس عنه أنه انتقض وضوءه كنزع الخف. وظاهر كلام صاحب الطراز أن من حلق رأسه أو قلم ظفره بعد غسل الجنابة لم يعد غسل ذلك اتفاقا؛ لأنه ساقه في معرض الاحتجاج به على الخالف، وإنما يصح الاحتجاج بما هو متفق عليه. قاله الإمام الحطاب.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.