وفرار إن بلغ المسلمون النصف ولم يبلغوا اثني عشر ألفا
الشروح عليها
(وَ) حُرِّمَ (فِرَارٌ) مِنْ الْعَدُوِّ (إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ) الَّذِينَ مَعَهُمْ سِلَاحٌ (النِّصْفَ) مِنْ عَدَدِ الْكُفَّارِ كَمِائَةٍ مِنْ مِائَتَيْنِ (وَلَمْ يَبْلُغُوا) أَيْ الْمُسْلِمُونَ (اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا) فَإِنْ بَلَغُوا حُرِّمَ الْفِرَارُ وَلَوْ كَثُرَ الْكُفَّارُ جِدًّا مَا لَمْ تَخْتَلِفْ كَلِمَتُهُمْ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَحُرِّمَ فِرَارٌ) أَيْ فِي الْجِهَادِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ كِفَائِيًّا أَوْ عَيْنِيًّا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ
(قَوْلُهُ: إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ) أَيْ فَإِذَا بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ نِصْفَ الْعَدُوِّ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ الْفِرَارُ مَا لَمْ يَكُنْ مَدَدُ الْكُفَّارِ حَاصِلًا وَلَا مَدَدَ لِلْمُسْلِمِينَ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَثُرَ الْكُفَّارُ) أَيْ،
وَلَوْ كَانَ مَدَدُهُمْ مُتَّصِلًا وَلَا مَدَدَ لِلْمُسْلِمِينَ
(قَوْلُهُ: مَا لَمْ تَخْتَلِفْ إلَخْ) الْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى اخْتَلَفَتْ كَلِمَتُهُمْ جَازَ الْفِرَارُ مُطْلَقًا،
وَلَوْ بَلَغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا فَإِنْ لَمْ تَخْتَلِفْ حُرِّمَ الْفِرَارُ إنْ بَلَغُوا نِصْفَ الْعَدُوِّ فَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْ نِصْفِهِ جَازَ لَهُمْ الْفِرَارُ إنْ لَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ فَعَلِمْتَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ، وَلَمْ يَبْلُغُوا إلَخْ قَيْدٌ فِي الْمَفْهُومِ لَا فِي الْمَنْطُوقِ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَحُرِّمَ فِرَارٌ إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ وَجَازَ إنْ نَقَصُوا وَلَمْ يَبْلُغُوا إلَخْ
(وَفِرَارٌ إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ) . اللَّخْمِيِّ: اعْتِبَارُ الْقُوَّةِ عَلَى الْقِتَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْعَدُوِّ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: الْأَكْثَرُ مِنْ الْقَوْلِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْعَدَدِ فَلَا تَفِرُّ الْمِائَةُ مِنْ الْمِائَتَيْنِ وَإِنْ كَانُوا أَشَدَّ جَلَدًا وَأَكْثَرَ سِلَاحًا.
وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَذَلِكَ فِي الْقُوَّةِ. ابْنُ يُونُسَ: الْمُعْتَبَرُ الْعَدَدُ مَعَ تَقَارُبِ الْقُوَّةِ فِي السِّلَاحِ،
أَمَّا لَوْ لَقِيَ مِائَةَ غَيْرٍ مُعَدَّةً ضِعْفُهَا مُعَدًّا فَلَا، لِأَنَّ الْوَاحِدَ مُعَدًّا يَعْدِلُ عَشْرَةً غَيْرَ مُعَدِّينَ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا كَانَ الْعَدُوُّ ضِعْفَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفِرُّوا مِنْهُ وَلَوْ فَرَّ إمَامُهُمْ،
وَمَنْ فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَإِنَّمَا تَظْهَرُ تَوْبَتُهُ بِثُبُوتِهِ فِي زَحْفٍ آخَرَ. اُنْظُرْ الْمَازِرِيَّ فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا فَرُّوا لَا يَلْزَمُ مَنْ ثَبَتَ أَنْ يَقِفَ لِأَكْثَرَ مِنْ ضِعْفِهِ (وَلَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا) أَنْكَرَ سَحْنُونَ قَوْلَ الْعِرَاقِيِّينَ لَا يَفِرُّ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ عَدُوٍّ وَلَوْ كَثُرَ، وَعَزَا ابْنُ رُشْدٍ قَوْلَ الْعِرَاقِيِّينَ لِأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ بِهِ، وَمَا ذَكَرَ إنْكَارَ سَحْنُونٍ أَصْلًا
(ص) وَفِرَارٌ إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ بَلَغَ عَدَدُهُمْ نِصْفَ عَدَدِ الْكُفَّارِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الْفِرَارُ حِينَئِذٍ،
وَلَوْ فَرَّ الْإِمَامُ وَقَدْ كَانَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَنَعَ الْفِرَارَ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} الْآيَةَ ثُمَّ نَسَخَهُ بِقَوْلِهِ {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}
وَقِيلَ لَيْسَتْ بِنَاسِخَةٍ بَلْ مُخَصِّصَةٌ لِتِلْكَ ثُمَّ نَسَخَهُ بِقَوْلِهِ {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} الْآيَةَ وَالْفِرَارُ مِنْ الْكَبَائِرِ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ وَتَوْبَتُهُ كَغَيْرِهِ وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ الْقَائِلِ بِأَنَّهَا لَا تُعْرَفُ إلَّا بِتَكَرُّرِ جِهَادِهِ وَعَدَمِ فِرَارِهِ اهـ غَيْرُ مَنْقُولٍ وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ (وَلَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا) وَاوُ الْحَالُ وَهُوَ رَاجِعٌ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ أَيْ
لَا إنْ نَقَصُوا عَنْ النِّصْفِ فَيَجُوزُ الْفِرَارُ وَالْحَالُ أَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا فَهُوَ قَيْدٌ فِي الْمَفْهُومِ،
فَإِنْ بَلَغَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا حَرُمَ الْفِرَارُ،
وَإِنْ زَادَ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى الضِّعْفِ حَيْثُ لَمْ تَخْتَلِفْ كَلِمَتُهُمْ وَأَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ السِّلَاحُ،
فَإِنْ اخْتَلَفَتْ كَلِمَتُهُمْ جَازَ وَكَذَا إنْ كَانَ الْعَدُوُّ بِمَحَلِّ مَدَدٍ وَلَا مَدَدَ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِذَا اُعْتُبِرَ هَذَا فِيمَا إذَا بَلَغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا اُعْتُبِرَ فِيمَا إذَا بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ وَكَانُوا دُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا
(قَوْلُهُ وَفِرَارٌ) ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْقِتَالُ مُتَعَيِّنًا بِأَنْ كَانَ كِفَائِيًّا أَوْ مَنْدُوبًا كَاَلَّذِي يَأْتِي بَعْدَ قِيَامِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ بِغَيْرِهِ
(قَوْلُهُ إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ) ،
وَلَوْ شَكًّا أَوْ تَوَهُّمًا وَالْمُعْتَبَرُ هُنَا وَفِي الشَّرْطِ الْآتِي الْعُدَّةُ لَا الْقُوَّةُ وَالْجَلَدُ هَذَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي اعْتِبَارِهِ الْقُوَّةَ وَالْجَلَدَ
(قَوْلُهُ وَقِيلَ لَيْسَتْ بِنَاسِخَةٍ بَلْ مُخَصِّصَةٍ) أَخَّرَهُ لِضَعْفِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْمُخَصِّصِ أَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا لِلْعَامِّ وَهُنَا لَا مُنَافَاةَ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِمْ ذِكْرُ فَرْدٍ مِنْ الْعَامِّ بِحُكْمِ الْخَاصِّ لَا يُخَصِّصُ الْعَامَّ.
(تَنْبِيهٌ) : تُخَصَّصُ الْحُرْمَةُ بِمَنْ فَرَّ أَوَّلًا مِنْ النِّصْفِ إنْ فَرَّ الْبَعْضُ ثُمَّ الْبَاقُونَ
(قَوْلُهُ وَتَوْبَتُهُ كَغَيْرِهِ) أَيْ وَهِيَ الْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ وَالنَّدَمُ عَلَى مَا فَعَلَ وَالْإِقْلَاعُ فِي الْحَالِ إذَا كَانَ مُتَلَبِّسًا بِالْمَعْصِيَةِ
(قَوْلُهُ، وَإِنْ زَادَ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى الضِّعْفِ) كَذَا فِي نُسْخَتِهِ أَيْ بِأَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ اثْنَيْ عَشَرَ وَالْكُفَّارُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا
(قَوْلُهُ حَيْثُ لَمْ تَخْتَلِفْ كَلِمَتُهُمْ) أَيْ وَأَنْ يَكُونَ فِي ثَبَاتِهِمْ نِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ وَإِلَّا جَازَ الْفِرَارُ حَيْثُ ظَنَّ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْعَدُوَّ يَقْتُلُهُمْ
(قَوْلُهُ وَكَذَا إنْ كَانَ الْعَدُوُّ إلَخْ)
وَكَذَا إنْ كَانَ لَا سِلَاحَ مَعَهُمْ
(وَ) حَرُمَ (فِرَارٌ) مِنْ عَدُوٍّ عَلَى مُسْلِمٍ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ الْجِهَادُ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ مَنْدُوبًا (إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ) الَّذِينَ مَعَهُمْ سِلَاحٌ (النِّصْفَ) مِنْ عَدَدِ الْكُفَّارِ كَمِائَةٍ مِنْ مِائَتَيْنِ وَلَوْ فَرَّ الْأَمِيرُ فَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْجُمْهُورِ الْعَدَدُ لَا الْقُوَّةُ وَالْجَلَدُ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَتَخْتَصُّ الْحُرْمَةُ بِمَنْ فَرَّ أَوَّلًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ سِلَاحٌ أَوْ لَمْ يَبْلُغُوا النِّصْفَ فَلَا يَحْرُمُ (وَلَمْ يَبْلُغُوا) أَيْ الْمُسْلِمُونَ (اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا) عَطْفٌ عَلَى مَفْهُومٍ إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ، وَقَيَّدَ فِيهِ أَيْ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا النِّصْفَ وَلَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا جَازَ الْفِرَارُ أَوْ الْحَالُ أَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ إلَّا تَحَرُّفًا [منح الجليل] عَشَرَ أَلْفًا،
فَإِنْ بَلَغُوهَا حَرُمَ وَلَوْ كَثُرَ الْكُفَّارُ جِدًّا مَا لَمْ تَخْتَلِفْ كَلِمَتُهُمْ وَإِلَّا جَازَ لِخَبَرِ «لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ إلَّا أَنْ تَخْتَلِفَ كَلِمَتُهُمْ» ، وَمَا لَمْ يَكُنْ الْعَدُوُّ بِمَحَلِّ مَدَدِهِ وَلَا مَدَدَ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِلَّا جَازَ.
وَفِي بَعْضِ التَّقَايِيدِ مَحَلُّ الْحُرْمَةِ أَيْضًا إذَا كَانَ فِي الِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا نِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ذَلِكَ وَظَنَّ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَقْتُلُونَهُمْ جَازَ الْفِرَارُ انْتَهَى.
فَإِنْ كَانَ ظَنُّ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْكُفَّارِ رُجِعَ لِلتَّقْيِيدِ الثَّانِي،
وَإِنْ كَانَ لِشَجَاعَتِهِمْ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ، وَالْفِرَارُ الْمُحَرَّمُ مِنْ الْكَبَائِرِ فَتَسْقُطُ الْعَدَالَةُ بِهِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَارِّ إلَّا أَنْ يَتُوبَ. ابْنُ عَرَفَةَ تَظْهَرُ تَوْبَتُهُ بِثُبُوتِهِ فِي زَحْفٍ آخَرَ، وَنَازَعَهُ الْآبِي قَائِلًا: بَلْ هِيَ بِالنَّدَمِ وَالْإِقْلَاعِ وَالْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْكَبَائِرِ أَفَادَهُ عب. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَلَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، هَذَا الْقَيْدُ ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَنَسَبَهُ لِأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَسَلَّمَهُ وَابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ غَازِيٍّ فِي تَكْمِيلِهِ وَأَقَرَّاهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِمَادِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَنْكَرَهُ سَحْنُونٌ وَنَسَبَهُ لِلْعِرَاقِيِّينَ، وَاسْتَبْعَدَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ عَوَّلَ عَلَى ابْنِ رُشْدٍ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ» ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ.
وَقَوْلُ " ز " مَا لَمْ يَكُنْ الْعَدُوُّ بِمَحَلِّ مَدَدِهِ، وَلَا مَدَدَ لِلْمُسْلِمِينَ إلَخْ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ هَذَا الْقَيْدَ هُنَا وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِيمَا إذَا بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ وَلَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَنَصُّهُ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَحِلُّ فِرَارُ مِائَةٍ مِنْ ضَعْفِهَا وَلَوْ كَانَ أَشَدَّ سِلَاحًا وَقُوَّةً وَجَلَدًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ بِمَحَلِّ مَدَدِهِ وَلَا مَدَدَ لِلْمُسْلِمِينَ فَفِي التَّوْلِيَةِ سِعَةٌ اهـ.
وَأَمَّا الِاثْنَا عَشَرَ أَلْفًا فَلَا يَفِرُّونَ وَلَوْ كَانَ الْعَدُوُّ أَضْعَافَ أَضْعَافِهِمْ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ بِمَحَلِّ مَدَدِهِ، هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ. وَقَوْلُ " ز " وَنَازَعَهُ الْآبِي إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ إذْ ابْنُ عَرَفَةَ لَمْ يَقُلْ إنَّ حَقِيقَةَ التَّوْبَةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى ثُبُوتِهِ فِي زَحْفٍ آخَرَ، وَإِنَّمَا قَالَ ظُهُورُهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ.
وفرار إن بلغ المسلمون النصف؛ يعني أنه يحرم على المسلمين الذين معهم سلاح أن يفروا من العدو إذا كان المسلمون على النصف منهم فأكثر، فلا يجوز أن يفر مسلم واحد عن اثنين من الكفار، ولا اثنان من المسلمين عن أربعة من الكفار، ولا عشرة من المسلمين عن عشرين من الكفار، ولا مائة عن مائتين ونحو ذلك ولو فر الإمام. وقوله: "إن بلغ المسلمون النصف" ،
ولو شكا أو توهما، ولو كانوا أشد سلاحا وجلدا وقوة ما لم يكن العدو بمحل مدده ولا مدد للمسلمين، ففي التولية سعة، والمعتبر هنا وفي الثانية العدد عند ابن القاسم والجمهور لا القوة ولا الجلد خلافا لابن الماجشون، وتختص الحرمة بمن فر أولا من النصف إن فر البعض ثم الباقون،
فإن لم يكن معهم سلاح لم يحرم،
وكذا يقال فيما بعده كإن نقصوا عن النصف ولو واحدا. ولم يبلغوا اثنى عشر ألفا، قيد في المفهوم؛ يعني أن محل جواز الفرار للمسلمين الذين هم أقل من النصف حيث لم يبلغ المسلمون اثني عشر ألفا،
وأما إن بلغ المسلمون اثني عشر ألفا فإنه يحرم عليهم الفرار،
ولو نقص عددهم عن نصف عدد الكفار ولو كثر الكفار ما لم تختلف كلمة المسلمين، وإلا جاز لهم الفرار لخبر: (لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة إلا أن تختلف كلمتهم (٢) )،
وإن بلغ المسلمون العدد المذكور بقيده حرم الفرار ولو كان العدد بمحل مدده ولا مدد للمسلمين، بل ولو كان العدو أضعاف أضعافهم كما هو ظاهر كلامهم، وقوله: "ولم يبلغوا اثني عشر ألفا" ، هذا القيد ذكره ابن رشد ونسبه لأكثر أهل المعلم. نقله أبو الحسن وسلمه.
وكذا نقله ابن عرفة وابن غازي في تكميله وأقراه، وذلك يدل على اعتماده وإن أنكره سحنون ونسبه للعراقيين، ويؤيده الحديث: (لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة (١) ). أخرجه الترمذي وحسنه وأحمد في مسنده وأبو داوود والحاكم وصححه وأقره الذهبي.
وفي بعض التقاييد أن محل حرمة الفرار إذا كان في الاثني عشر نكاية للعدو،
فإن لم يكن فيهم ذلك وظن المسلمون أن الكفار يقتلونهم جاز الفرار. واعلم أن الفرار المحرم من الكبائر ولا تجوز شهادة صاحبه إلا أن يتوب. ابن عرفة: تظهر توبته في زحف آخر. هذا وفي الحطاب عن السهيلي ما نصه: إن قيل كيف فر الصحابة يوم حنين وهو من الكبائر؟ قلنا لم يجمع على أنه من الكبائر إلا في يوم بدر،
وكذلك قال الحسن ونافع مولى ابن عمر،
ويدل له قوله تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ} ، فيومئذ إشارة ليوم بدر، ثم نزل التخفيف في الفارين يوم حنين،
فقال: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} الآية: وفي تفسير ابن سلام: كان الفرار من الزحف من الكبائر يوم بدر،
وكذلك يكون من الكبائر في ملحمة الروم الكبرى وعند الدجال، وأيضا فإنهم رجعوا وقاتلوا حتى فتح الله تعالى عليهم. انتهى. وفيه: -أي الحطاب- عن القرطبي ما نصه: قال عياض: ولم يختلف أنه متى جهل منزلة بعضهم في مراعاة العدد لم يجز الفرار. انتهى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.