علة طعام الربا افتيات وادخار
الشروح عليها
(عِلَّةُ) حُرْمَةِ (طَعَامِ الرِّبَا) أَيْ الطَّعَامُ الْمُخْتَصُّ بِالرِّبَا أَيْ رِبَا الْفَضْلِ يَعْنِي الرِّبَا فِي الطَّعَامِ (اقْتِيَاتٌ) أَيْ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِاسْتِعْمَالِهِ بِحَيْثُ لَا تَفْسُدُ عِنْدَ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ وَفِي مَعْنَى الِاقْتِيَاتِ إصْلَاحُ الْقُوتِ كَمِلْحٍ وَتَابِلٍ (وَادِّخَارٌ) بِأَنْ لَا يَفْسُدَ بِتَأْخِيرِهِ إلَى الْأَمَدِ الْمُبْتَغَى مِنْهُ عَادَةً وَلَا حَدَّ لَهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ بَلْ هُوَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: حُرْمَةِ) إنَّمَا قَدَّرَ حُرْمَةَ دَفْعًا لِمَا يُقَالُ: إنَّ الذَّوَاتَ كَالطَّعَامِ لَا تُعَلَّلُ، وَإِنَّمَا تُعَلَّلُ الْأَحْكَامُ
(قَوْلُهُ: أَيْ الطَّعَامُ الْمُخْتَصُّ بِالرِّبَا) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الْإِضَافَةَ لِلِاخْتِصَاصِ فَوَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الطَّعَامَ الرِّبَوِيَّ لَا يَتَّصِفُ بِالْحُرْمَةِ فَأَجَابَ بِأَنَّ فِي الْكَلَامِ قَلْبًا، وَالْأَصْلُ: عِلَّةُ حُرْمَةِ الرِّبَا فِي الطَّعَامِ أَوْ أَنَّ فِيهِ حَذْفَ مُضَافٍ ثَانٍ أَيْ عِلَّةُ حُرْمَةِ رِبَا الطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ تَأَمَّلْ، وَالْمُرَادُ بِالْعِلَّةِ الْعَلَامَةُ لَا الْبَاعِثُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَبْعَثَ الْمَوْلَى أَمْرٌ مِنْ الْأُمُورِ عَلَى أَمْرٍ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ الْبَاعِثُ الَّذِي يَبْعَثُ الْمُكَلَّفَ عَلَى الِامْتِثَالِ
(قَوْلُهُ: أَيْ رِبَا الْفَضْلِ) أَشَارَ الشَّارِحُ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّبَا هُنَا رِبَا الْفَضْلِ،
وَأَمَّا رِبَا النَّسَاءِ فَسَيَأْتِي أَنَّ عِلَّةَ حُرْمَتِهِ مُجَرَّدُ الطُّعْمِيَّةِ وُجِدَ الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ أَوْ وُجِدَ الِاقْتِيَاتُ فَقَطْ أَوْ لَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا
(قَوْلُهُ: عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) أَيْ كَمَا قَالَ ابْنُ نَاجِيٍّ وَحَكَى التَّادَلِيُّ حَدَّهُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ
(قَوْلُهُ: بَلْ هُوَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ) أَيْ فَالْمَرْجِعُ فِيهِ لِلْعُرْفِ وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الِادِّخَارِ مُعْتَادًا فَلَا عِبْرَةَ بِادِّخَارِ الرُّمَّانِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ لِأَنَّهُ نَادِرٌ
[فَصْلٌ فِي عِلَّةِ طَعَامِ الرِّبَا] ص (فَصْلٌ عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا اقْتِيَاتٌ وَادِّخَارٌ وَهَلْ لِغَلَبَةِ الْعَيْشِ تَأْوِيلَانِ) ش: تَقَدَّمَ أَنَّ الرِّبَا يَدْخُلُ فِي النُّقُودِ وَفِي الْمَطْعُومَاتِ فَلَمَّا انْقَضَى الْكَلَامُ عَلَى النَّوْعِ الْأَوَّلِ أَتْبَعَهُ بِالْكَلَامِ عَلَى النَّوْعِ الثَّانِي وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ رِبَا الْفَضْلِ يَدْخُلُ هُنَا فِي الطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ فَأَخَذَ يُبَيِّنُهُ بِأَنْ بَيَّنَ عِلَّةَ الرِّبَا مَا هِيَ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»
وَفِي رِوَايَةٍ الْآخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ وَقَصَرَ أَهْلُ الظَّاهِرِ عَلَى هَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ لِنَفْيِهِمْ الْقِيَاسَ
وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ بِالْقِيَاسِ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْمَنْعِ حَتَّى يُقَاسَ عَلَيْهَا وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا قَوْلَيْنِ (الْأَوَّلُ) أَنَّهَا الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ وَتَأَوَّلَ ابْنُ رُشْدٍ الْمُدَوَّنَةَ عَلَيْهِ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَمَعْنَى الِاقْتِيَاتِ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ مُقْتَاتًا، أَيْ تَقُومُ بِهِ الْبِنْيَةُ، وَمَعْنَى الِادِّخَارِ: أَنْ لَا يَفْسُدَ بِتَأْخِيرِهِ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ التَّأْخِيرُ عَنْ الْعَادَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْعِلَّةَ الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ، وَكَوْنُهُ مُتَّخَذًا لِلْعَيْشِ غَالِبًا، وَهَذَا الْقَوْلُ لِلْقَاضِيَيْنِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْقَصَّارِ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ وَعَبَّرَ عَنْهُ صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ بِالْمُقْتَاتِ الْمُدَّخَرِ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ لِلْمَعَاشِ غَالِبًا وَنَسَبَهُ لِلْبَغْدَادِيَّيْنِ، قَالَ: وَتَأَوَّلَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ زَرْبٍ الْمُدَوَّنَةَ عَلَيْهِ،
ثُمَّ ذَكَرَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، فَقَالَ: وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ شُيُوخِنَا إلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ التَّعْلِيقُ بِكَوْنِهِ أَصْلًا لِلْعَيْشِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ ادِّخَارُهُ غَالِبًا، وَكَوْنُهُ قُوتًا، قَالَ: وَعَلَى اخْتِلَافِ التَّعْلِيلَيْنِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِي الْبَيْضِ وَالتِّينِ؛ لِأَنَّهُمَا مُدَّخَرَانِ بِأَنْ يُشْوَى وَيُجْعَلَ فِي خَلٍّ أَوْ غَيْرِهِ
وَقِيلَ: غَيْرُ مُدَّخَرٍ وَقِيلَ: غَيْرُ مُقْتَاتٍ،
وَقِيلَ: مُقْتَاتٌ، كَمَا يَأْتِي قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْخِلَافُ فِيهِ خِلَافٌ فِي شَهَادَةٍ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَهَلْ لِغَلَبَةِ الْعَيْشِ مَعْنَاهُ هَلْ الْعِلَّةُ الِاقْتِيَاتُ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْفُرُوعَ الَّتِي يَذْكُرُهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فَسَيَذْكُرُ أَنَّ التِّينَ لَيْسَ رِبَوِيًّا، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَيَذْكُرُ أَنَّ الْبَيْضَ رِبَوِيٌّ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ بَقِيَّةَ الْأَقْوَالِ لِضَعْفِهَا عِنْدَهُ وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِهَا.
فَقَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ: الْعِلَّةُ الِاقْتِيَاتُ وَمَا يَصْلُحُهُ،
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ الِادِّخَارُ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ غَلَبَةُ الِادِّخَارِ وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ مُقَابِلِهِ فِي الْعِنَبِ الَّذِي لَا يَتَرَبَّبُ فَعَلَى الِادِّخَارِ يَخْرُجُ وَعَلَى غَلَبَتِهِ يَدْخُلُ،
وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: الْعِلَّةُ الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ أَوْ التَّفَكُّهُ، وَالِادِّخَارُ
وَقِيلَ: الْعِلَّةُ الْمَالِيَّةُ فَلَا يُبَاعُ ثَوْبٌ بِثَوْبَيْنِ، وَنُسِبَ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ،
وَهَذَا يُوجِبُ الرِّبَا فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ وَلَا يُمْكِنُ قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْعِلَّةُ مَالِيَّةُ الزَّكَاةِ وَنُسِبَ، لِرَبِيعَةَ،
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْعِلَّةُ الْكَيْلُ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الطَّعْمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَلَا حَدَّ لِلِادِّخَارِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَحَكَى التَّادَلِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ فِي بَعْضِ الْمَجَالِسِ أَنَّ حَدَّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ.
(الثَّانِي) قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ لَا بُدَّ مَعَ الِادِّخَارِ مِنْ شَرْطِ الْعَادَةِ فِيهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا ادِّخَارُهُ نَادِرٌ فَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجَوْزِ وَالرُّمَّانِ، وَهَذَا نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ، وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ كَرَاهَةَ التَّفَاضُلِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ مُدَّخَرٌ، وَيَيْبَسُ.
(الثَّالِثُ) لَا بُدَّ أَنْ يُقَالَ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَفِي مَعْنَى الِاقْتِيَاتِ مَا يَصْلُحُ لِلْقُوتِ لِيَدْخُلَ الْمِلْحُ وَالتَّوَابِلُ.
(الرَّابِعُ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِلطَّعَامِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ رِبَا الْفَضْلِ وَرِبَا النَّسَاءِ
وَأَمَّا الطَّعَامُ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ رِبَا النَّسَاءِ فَقَطْ وَلَا يَحْرُمُ فِيهِ رِبَا التَّفَاضُلِ فَهُوَ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا غَلَبَ اتِّخَاذُهُ لِأَكْلِ آدَمِيٍّ أَوْ لِإِصْلَاحِهِ أَوْ لِشُرْبِهِ فَيَدْخُلُ الْمِلْحُ وَالْفُلْفُلُ وَنَحْوُهُمَا، وَاللَّبَنُ لَا الزَّعْفَرَانُ،
وَإِنْ أَصْلَحَ لِعَدَمِ اتِّخَاذِهِ لِإِصْلَاحِهِ وَالْمَاءُ كَذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَعْنِي مَا يَحْرُمَانِ فِيهِ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى رِبَوِيًّا
بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى رِبَوِيًّا،
وَإِنْ دَخَلَهُ نَوْعٌ مِنْ الرِّبَا وَكَأَنَّهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَمَّا اسْتَكْمَلَ الْأَوَّلَ مِنْ نَوْعَيْ الرِّبَا نُسِبَ إلَيْهِ.
(الْخَامِسُ) تَخْصِيصُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورَةَ بِالذِّكْرِ لِيُنَبِّهَ بِالْبُرِّ عَلَى كُلِّ مُقْتَاتٍ فِي حَالِ الرَّفَاهِيَةِ وَتَعُمُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَبِالشَّعِيرِ عَلَى كُلِّ مَا يُقْتَاتُ فِي حَالِ الشِّدَّةِ كَالدُّخْنِ وَالذُّرَةِ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الِاقْتِيَاتِ،
وَإِنْ انْفَرَدَ بِصِفَةٍ أُخْرَى لِكَوْنِهِ عَلَفًا وَبِالتَّمْرِ عَلَى كُلِّ مَا يُقْتَاتُ وَفِيهِ حَلَاوَةٌ، وَيُسْتَعْمَلُ فَاكِهَةً فِي بَعْضِ الْأَمْصَارِ كَالزَّبِيبِ وَالْعَسَلِ وَبِالْمِلْحِ عَلَى كُلِّ مُصْلِحِ الْقُوتِ،
وَإِنْ كَانَ لَا يُسْتَعْمَلُ مِنْهُ إلَّا الْقَلِيلُ
[فَرْعٌ النُّخَالَة هَلْ حُكْمُهَا حُكْمُ الطَّعَامِ أَمْ لَا] (فَرْعٌ) قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي بَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ
قَالَ فِي الِاسْتِغْنَاءِ اُخْتُلِفَ فِي النُّخَالَةِ هَلْ حُكْمُهَا حُكْمُ الطَّعَامِ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ وَلَا بَيْعُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا وَلَا اقْتِضَاءُ الطَّعَامِ مِنْ ثَمَنِهَا
وَقِيلَ: يَجُوزُ جَمِيعُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا كَالْعَلَفِ انْتَهَى.
(عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا اقْتِيَاتٌ وَادِّخَارٌ) اُنْظُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يَحْرُمُ النَّسَأُ فِي بَيْعِ طَعَامٍ بِآخَرَ مُطْلَقًا، وَالطَّعَامُ مَا غَلَبَ اتِّخَاذُهُ لِأَكْلِ الْآدَمِيِّ أَوْ لِإِصْلَاحِهِ أَوْ لِشُرْبِهِ. فَيَدْخُلُ الْمِلْحُ وَالْفِلْفِلُ لَا الزَّعْفَرَانُ وَالْمَاءُ.
ابْنُ أَبِي يَحْيَى: وَلَا مَاءُ الْوَرْدِ وَالْمَصْطَكَى. الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَالصَّبْرُ. الرِّسَالَةُ: وَلَا الزَّرَارِيعُ الَّتِي لَا يُعْتَصَرُ مِنْهَا زَيْتٌ. ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا الْحُرْفُ وَهُوَ حَبُّ الرَّشَادِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا ذِكَارُ التِّينِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَا النَّارِنْجُ
بِخِلَافِ اللِّيمِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَحُكْمُ رِبَا الْفَضْلِ أَصْلٌ فِي الْأَرْبَعَةِ: الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ وَفِي عِلَّتِهِ اضْطِرَابٌ.
ثُمَّ قَالَ: فَالْأَقْوَالُ فِي هَذَا تِسْعَةٌ. عَبْدُ الْوَهَّابِ: التَّحْرِيمُ عِنْدَنَا مُتَعَلِّقٌ بِمَعَانِي هَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ دُونَ أَعْيَانهَا، وَالْعِلَّةُ أَنَّهَا مَأْكُولَةٌ مُدَّخَرَةٌ لِلْعَيْشِ غَالِبًا. فَنَصَّ عَلَى الْبُرِّ لِيُفِيدَ كُلَّ مُقْتَاتٍ تَعُمُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَتَقُومُ الْأَبْدَانُ بِهِ، وَنَصَّ عَلَى الشَّعِيرِ لِيُبَيِّنَ مُشَارَكَتَهُ لِلْبُرِّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَكُونُ قُوتًا فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ فَنَبَّهَ بِهِ عَلَى الدُّخْنِ وَغَيْرِهَا، وَنَصَّ عَلَى التَّمْرِ لِيُنَبِّهَ بِهِ عَلَى كُلِّ حَلَاوَةٍ وَمُدَّخَرَةٍ غَالِبًا كَالسُّكَّرِ وَالْعَسَلِ وَالزَّبِيبِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا، وَنَصَّ عَلَى الْمِلْحِ لِيُنَبِّهَ بِهِ عَلَى مَا أَصْلَحَ الْمُقْتَاتَ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ كَالْأَبَازِيرِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا
(ص) عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا اقْتِيَاتٌ وَادِّخَارٌ وَهَلْ لِغَلَبَةِ الْعَيْشِ تَأْوِيلَانِ (ش) الْمُرَادُ بِالْعِلَّةِ الْعَلَامَةُ أَيْ: عَلَامَةُ الطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ رِبَا الْفَضْلِ الِاقْتِيَاتُ وَهُوَ قِيَامُ الْبَيِّنَةِ بِهِ وَفَسَادُهَا بِعَدَمِهِ وَالِادِّخَارُ وَهُوَ عَدَمُ فَسَادِهِ بِالتَّأْخِيرِ وَلَا حَدَّ لَهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَإِنَّمَا الْمَرْجِعُ فِيهِ لِلْعُرْفِ وَحَكَى التَّادَلِيّ حَدَّهُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ وَهَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ الْوَصْفَيْنِ اتِّخَاذُهُ لِلْعَيْشِ غَالِبًا، أَوْ لَا يُشْتَرَطُ زِيَادَةٌ عَلَى الِاقْتِيَاتِ وَالِادِّخَارِ تَأْوِيلَانِ وَتَظْهَرُ
فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي رِبَوِيَّةِ التِّينِ وَالْبَيْضِ وَالْجَرَادِ وَالزَّيْتِ وَقَدْ اقْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي الْبَيْضِ وَالزَّيْتِ عَلَى أَنَّهُمَا رِبَوِيَّانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ وَذَكَرَ فِي الْجَرَادِ الْخِلَافَ فِي رِبَوِيَّتِهِ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي الْعِلَّةِ وَذَكَرَ أَنَّ التِّينَ لَيْسَ بِرِبَوِيٍّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ وَكَوْنُهُ مُتَّخَذًا لِلْعَيْشِ غَالِبًا، ثُمَّ نُخَالَةَ الْقَمْحِ طَعَامٌ
بِخِلَافِ نُخَالَةِ الشَّعِيرِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ حُرْمَةَ رِبَا الْفَضْلِ فِي الطَّعَامِ وَلَوْ فِي قَلِيلٍ فَلَا تُبَاعُ حَبَّةُ قَمْحٍ بِحَبَّتَيْنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ
(قَوْلُهُ: عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا) إضَافَةُ طَعَامٍ إلَى الرِّبَا مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إلَى الصِّفَةِ أَيْ: الطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ أَيْ: عِلَّةُ حُرْمَةِ إلَخْ
(فَائِدَةٌ) الطَّعَامُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا غَلَبَ اتِّخَاذُهُ لِأَكْلِ آدَمِيٍّ، أَوْ لِإِصْلَاحِهِ، أَوْ لِشُرْبِهِ اهـ. فَيَدْخُلُ الْمِلْحُ وَالْفُلْفُلُ لَا الزَّعْفَرَانُ وَمَاءُ الْوَرْدِ وَالْمَصْطَكَى وَالزَّرَارِيعُ الَّتِي لَا زَيْتَ لَهَا وَالْحَرْفُ وَهُوَ حَبُّ الرَّشَادِ وَقَوْلُهُ: أَوْ لِشُرْبِهِ عَطْفٌ عَلَى أَكْلٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ اللَّبَنُ؛ لِأَنَّهُ غَلَبَ اتِّخَاذُهُ لِشُرْبِ الْآدَمِيِّ وَيَخْرُجُ الْمَاءُ؛ لِأَنَّهُ غَلَبَ اتِّخَاذُهُ لِغَيْرِ شُرْبِ الْآدَمِيِّ لِكَثْرَةِ مَنْ يَشْرَبُهُ مِنْ الدَّوَابِّ وَيَرِدُ عَلَى هَذَا زَيْتُ الزَّيْتُونِ فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَلَا يَغْلِبُ اتِّخَاذُهُ لِلشُّرْبِ وَلَا لِلطَّعَامِ بَلْ الْغَالِبُ فِيهِ الْوَقِيدُ وَالْأَدْهَانُ وَنَحْوُهُمَا وَلَمْ يَغْلِبْ اتِّخَاذُهُ لِإِصْلَاحِ الطَّعَامِ أَيْضًا وَيُجَابُ بِأَنَّ أَصْلَ اتِّخَاذِهِ لِلطَّعَامِ وَلِإِصْلَاحِهِ وَمَا عَدَاهُ عَارِضٌ وَالْعَارِضُ لَا يُعْتَبَرُ، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ طَعَامًا فِي عُرْفٍ وَغَيْرَ طَعَامٍ فِي عُرْفٍ فَإِنَّ ابْنَ عَرَفَةَ قَالَ اللَّيْمُونُ طَعَامٌ وَالنَّارِنْجُ غَيْرُ طَعَامٍ وَكَأَنَّهُ أَجْرَاهُ عَلَى عُرْفِ بَلَدِهِ تُونُسَ أَنَّ اللُّيَّمَ يَصْبِرُ لِلْإِدَامِ وَالنَّارِنْجُ إنَّمَا يُصْنَعُ لِلْمَصْبَغَاتِ وَنَحْوِهَا وَلَا يُؤْكَلُ إلَّا نَادِرًا وَلَوْ عَكَسَ، أَوْ جَرَى مَجْرَى اللُّيَّمِ فِي بَلَدٍ لَكَانَ طَعَامًا.
اهـ.
وَانْظُرْ عَلَى أَنَّ كُلًّا طَعَامٌ هَلْ هُمَا جِنْسَانِ، أَوْ جِنْسٌ وَاحِدٌ لِتَقَارُبِ مَنْفَعَتِهِمَا وَهُوَ الظَّاهِرُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصْطَكَى تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعُرْفِ مِنْ اسْتِعْمَالِهَا كَالْفُلْفُلِ أَمْ لَا
(قَوْلُهُ: اقْتِيَاتٌ) وَفِي مَعْنَى الِاقْتِيَاتِ إصْلَاحُ الْقُوتِ فَيَدْخُلُ الْمِلْحُ وَالتَّوَابِلُ.
(قَوْلُهُ: وَهَلْ لِغَلَبَةِ الْعَيْشِ إلَخْ) وَهَلْ يُقْتَصَرُ فِي الْعِلَّةِ عَلَى مَا سَبَقَ، أَوْ يُشْتَرَطُ مَعَهَا كَوْنُهُ مُتَّخَذًا لِغَلَبَةِ الْعَيْشِ، أَوْ أَنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى مَعَ.
(قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِالْعِلَّةِ الْعَلَامَةُ) وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْعِلَّةِ الْمُؤَثِّرَةَ؛ لِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي الْأَشْيَاءِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ قَدِيمٌ فَلَا يُعْقَلُ فِيهِ تَأْثِيرٌ.
(قَوْلُهُ: الطَّعَامُ الرِّبَوِيُّ) هَذَا يُؤْذِنُ بِأَنَّ إضَافَةَ طَعَامٍ إلَى الرِّبَا مِنْ إضَافَةِ الْمَوْصُوفِ لِلصِّفَةِ لَكِنْ بِالتَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ الرِّبَوِيُّ لَا الرِّبَا أَيْ: عِلَّةُ حُرْمَةِ الرِّبَا فِي الطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ إلَّا أَنَّ فِي الْكَلَامِ رَكَّةً بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ فَسَّرَ الرِّبَوِيَّ بِمَا يَحْرُمُ فِيهِ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ عِلَّةُ حُرْمَةِ الرِّبَا فِي الطَّعَامِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ رِبَا الْفَضْلِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ قِيَامُ الْبِنْيَةِ بِهِ وَفَسَادُهَا بِعَدَمِهِ) أَيْ: ذُو قِيَامِ الْبِنْيَةِ بِهِ.
(قَوْلُهُ: وَفَسَادُهَا بِعَدَمِهِ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ لِعَدَمِ الْتِئَامِهِ بِمَا بَعْدَهُ مِنْ الْخِلَافِ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَعْنَى وَفَسَادُهَا بِعَدَمِهِ إذَا لَمْ يُوجَدْ إلَّا هُوَ أَفَادَهُ مُحَشِّي تت
(قَوْلُهُ: وَهُوَ عَدَمُ فَسَادِهِ بِالتَّأْخِيرِ) أَيْ: إلَى الْأَمَدِ الْمُبْتَغَى مِنْهُ أَيْ: الزَّمَنِ الَّذِي يُرَادُ لَهُ عَادَةً
(قَوْلُهُ: وَلَا حَدَّ لَهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) بَلْ هُوَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا الْمَرْجِعُ فِيهِ لِلْعُرْفِ وَالْعُرْفُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، ثُمَّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الِادِّخَارُ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ فَلَا يُلْتَفَتُ لِمَا كَانَ ادِّخَارُهُ نَادِرًا وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجَوْزِ وَالرُّمَّانِ كَمَا هُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ
وَكَذَا فِي الْبِطِّيخِ وَالتُّفَّاحِ وَلَوْ كَانَ يُدَّخَرُ فِي بَعْضِ الْأَقْطَارِ مِنْ شَرْحِ شب.
(قَوْلُهُ: اتِّخَاذُهُ لِلْعَيْشِ غَالِبًا) أَيْ: أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ اسْتِعْمَالَهُ فِي اقْتِيَاتِ الْآدَمِيِّ بِالْفِعْلِ كَقَمْحٍ، أَوْ أَنْ لَوْ اُسْتُعْمِلَ كَدُخْنٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْغَلَبَةِ الْأَكْثَرِيَّةَ بِالْفِعْلِ.
(قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ الِاقْتِيَاتُ إلَخْ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الزَّيْتَ تَقُومُ الْبِنْيَةُ بِهِ وَحْدَهُ أَنْ لَوْ اُقْتُصِرَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْخِلَافِ فِي الْعِلَّةِ) فَإِنْ قُلْنَا هِيَ الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ وَغَلَبَةُ الْعَيْشِ فَلَيْسَ بِرِبَوِيٍّ وَإِنْ قُلْنَا الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ فَقَطْ فَرِبَوِيٌّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
(قَوْلُهُ: وَذَكَرَ أَنَّ التِّينَ لَيْسَ بِرِبَوِيٍّ) وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ كَمَا قَرَّرَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا أَنَّ التِّينَ رِبَوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ نُخَالَةِ الشَّعِيرِ) أَيْ: فَلَيْسَتْ بِطَعَامٍ بِالْكُلِّيَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) :
سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ حُرْمَةِ رِبَا النَّسَاءِ وَهِيَ مُطْلَقُ الطُّعْمِيَّةِ عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ لَا التَّدَاوِي.
(فَصْلٌ) عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا. اقْتِيَاتٌ وَادِّخَارٌ، [منح الجليل] [فَصْلٌ عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا] فَصْلٌ) فِي بَيَانِ مَا يَحْرُمُ فِيهِ رِبَا الْفَضْلِ وَالنَّسَا مِنْ الطَّعَامِ وَبَيَانِ مَا هُوَ جِنْسٌ أَوْ أَجْنَاسٌ مِنْهُ وَمَا يَصِيرُ بِهِ الْجِنْسُ الْوَاحِدُ جِنْسَيْنِ وَمَا لَا يَصِيرُ وَالْبِيَاعَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا (عِلَّةُ) أَيْ عَلَامَةُ حِكْمَةِ حُرْمَةِ رِبَا (طَعَامِ الرِّبَا) أَيْ الطَّعَامِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ رِبَا الْفَضْلِ،
فَإِنَّ الْعِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ عَلَامَةٌ جَعَلَهَا الشَّارِعُ غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ. الْحَطّ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلَا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» .
وَفِي رِوَايَةٍ «الْآخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ» ، وَقَصَرَ الظَّاهِرِيَّةُ الْحُكْمَ عَلَى هَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ لِنَفْيِهِمْ الْقِيَاسَ، وَالْجُمْهُورُ الْقَائِلُونَ بِالْقِيَاسِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَيْهَا. وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْمَنْعِ حَتَّى يُقَاسَ عَلَيْهَا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى عَشْرَةِ أَقْوَالٍ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَيْنِ مِنْهَا الْأَوَّلُ (اقْتِيَاتٌ) أَيْ أَكْلُهُ لِقِيَامِ الْبُنْيَةِ بِهِ (وَادِّخَارٌ) أَيْ تَأْخِيرُهُ لِوَقْتِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ. ابْنُ الْحَاجِبِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ. قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وَتَأَوَّلَ ابْنُ رُشْدٍ الْمُدَوَّنَةَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَمَعْنَى الِاقْتِيَاتِ وَهَلْ لِغَلَبَةِ الْعَيْشِ؟
تَأْوِيلَانِ:
[منح الجليل] قِيَامُ الْبُنْيَةِ بِهِ مَعَ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى الِادِّخَارِ التَّأْخِيرُ الْمُعْتَادُ بِلَا فَسَادٍ. ابْنُ نَاجِي لَا حَدَّ لِزَمَنِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَيُرْجَعُ فِيهِ لِلْعُرْفِ، وَحَكَى التَّادَلِيُّ حَدَّهُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ مُعْتَادًا فَلَا يُعْتَبَرُ ادِّخَارُ الْجَوْزِ وَالرُّمَّانِ لِنُدُورِهِ. وَأَلْحَقَ بِالِاقْتِيَاتِ إصْلَاحَ الْمُقْتَاتِ. وَأَفَادَ بِالْعَطْفِ بِالْوَاوِ وَأَنَّ الْعِلَّةَ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْعِلَّةَ الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ وَكَوْنُهُ مُتَّخَذًا لِلْعَيْشِ غَالِبًا، وَهَذَا الْقَوْلُ لِابْنِ الْقَصَّارِ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ وَعَبَّرَ عَنْهُ عِيَاضٌ بِالْمُقْتَاتِ الْمُدَّخَرِ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ لِلْمَعَاشِ غَالِبًا وَنَسَبَهُ لِلْبَغْدَادِيَّيْنِ.
قَالَ: وَتَأَوَّلَ ابْنُ رِزْقٍ الْمُدَوَّنَةَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ شُيُوخِنَا إلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ التَّعْلِيلُ بِكَوْنِهِ أَصْلًا لِلْعَيْشِ غَالِبًا، وَالْمَدَارُ عَلَى ادِّخَارِهِ غَالِبًا وَكَوْنِهِ قُوتًا.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى هَذَا الْخِلَافِ بِقَوْلِهِ
وكالبقول نحو خس وهندبا وأما علة ربا الفضل في الطعام فأشار إليها بقوله: علة طعام الربا اقتيات وادخار،
قال الشبراخيتي: ثم إن ترك التركيب على ظاهره، فالعلة بمعنى العلامة والأمارة؛ أي أن علامة طعام الربا الاقتيات والادخار لخ،
وإن جعل فيه قلب مع حذف مضاف كانت العلة على حقيقتها بمعنى الجالبة للحكم، كالسرقة في القطع، وبهذا يتضح كلام عبد الباقي والخرشي الآتي،
وقال الخرشي: المراد بالعلة العلامة أي علامة الطعام الربوي الذي يحرم فيه ربا الفضل الاقتيات وهو قيام البنية به، والادخار وهو عدم فساده بالتأخير، ولا حد له على ظاهر المذهب، وإنما المرجع فيه للعرف، وحكى التادلي حده بستة أشهر. انتهى.
وقال عبد الباقي: علة حرمة طعام الربا. قال بناني على حذف مضاف: أي علة حرمة ربا طعام الربا المتقدمة في قوله: وحرم في نقد وطعام ربا فضل؛ إذ ما هنا مبني على ما تقدم، اقتياتٌ أي قيام البنية به، وجعل بعض معنى علة علامة قائلا: لأن ما ذكره المص علامة الحرمة وادخار لا يفسد المقتات بتأخيره إليه، وذكر علة الحرمة مع أن مختصره لتبيين ما به الفتوى يقتضي ترك العلة والدليل ليبين الجزءيات المقتاتة والمدخرة وغيرها، والذي هو صنف منها وغير صنف، ومبنى ذلك على قاعدتين وجوب المناجزة مع اختلاف الجنس، ووجوب المماثلة مع اتحاد الجنس، والبحث في الفروع إنما هو في تحقيق هاتين القاعدتين هل وجدتا أم لا؟
انتهى. ولابد من كون الادخار معتادا فلا عبرة بادخار الجوز والرمان لندوره،
وفي معنى المقتات ما يصلح القوت. قاله بناني.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.