ولا يغسل الشهيد
الشروح عليها
(وَلَا يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ يُحْرَمَانِ لِمَا صَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ» ،
وَفِي رِوَايَةٍ " وَلَمْ يُصَلَّ " بِبِنَائِهِ لِلْمَفْعُولِ، وَرَوَى أَحْمَدُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تُغَسِّلُوهُمْ فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ أَوْ كَلْمٍ أَوْ دَمٍ يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَحِكْمَةُ ذَلِكَ أَيْضًا إبْقَاءُ أَثَرِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ وَالتَّعْظِيمُ لَهُمْ بِاسْتِغْنَائِهِمْ عَنْ دُعَاءِ الْقَوْمِ،
وَفِي ذَلِكَ حَثٌّ عَلَى الْجِهَادِ الَّذِي جُبِلَتْ النُّفُوسُ عَلَى حُبِّ الْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا الْمُنَافِي لِطَلَبِهِ غَالِبًا، وَلَيْسَ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ حَثٌّ؛ لِأَنَّ مَرْتَبَتَهَا لَا تُنَالُ بِالِاكْتِسَابِ.
وَأَمَّا خَبَرُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ فَصَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ» ، زَادَ الْبُخَارِيُّ " بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ " فَالْمُرَادُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ دَعَا لَهُمْ كَدُعَائِهِ لِلْمَيِّتِ وَالْإِجْمَاعُ يَدُلُّ لَهُ إذْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ لَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ عَرَّفَ مِنْ هَذَا حُكْمَهُ بِقَوْلِهِ
(قَوْلُهُ: أَمَرَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ بِدَفْنِهِمْ) أَيْ
وَأَمَّا مَنْ اُسْتُشْهِدَ قَبْلَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَأَهْلِ بَدْرٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِمْ عَنْهُ غُسْلٌ وَلَا عَدَمُهُ، وَلَعَلَّ حِكْمَةَ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَتَقَيَّدُونَ بِأَمْرِهِمْ.
وَأَمَّا أُحُدٌ فَلِشِدَّةِ مَا حَصَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهَا، بَاشَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنُقِلَ
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ أَوْ كَلْمٍ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي؛ لِأَنَّ الْكَلْمَ هُوَ الْجُرْحُ قَوْلُهُ: إذْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ الشَّهِيدِ
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَلَا يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ) فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ لِأَنَّهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْجَنَّةِ أَوْ يُبْعَثُ وَلَهُ شَاهِدٌ بِقَتْلِهِ وَهُوَ دَمُهُ أَوْ فَاعِلٌ لِأَنَّ رُوحَهُ تَشْهَدُ الْجَنَّةَ قَبْلَ غَيْرِهِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إلَخْ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ شَهِدَا لَهُ بِالْجَنَّةِ وَلِأَنَّهُ يُبْعَثُ وَلَهُ شَاهِدٌ بِقَتْلِهِ إذْ يُبْعَثُ وَجُرْحُهُ يَتَفَجَّرُ دَمًا وَلِأَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ يَشْهَدُونَهُ فَيَقْبِضُونَ رُوحَهُ اهـ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَلَا يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ يَحْرُمَانِ؛ لِأَنَّهُ حَيٌّ بِنَصِّ الْقُرْآنِ،
وَلِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ» . قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: جَاءَتْ الْأَحَادِيث مِنْ وُجُوهٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَنَّهُ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا حَدِيثُ «أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِمْ عَشَرَةً عَشَرَةً، وَفِي كُلِّ عَشَرَةٍ حَمْزَةُ حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعِينَ صَلَاةً» فَضَعِيفٌ وَخَطَأٌ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: يَنْبَغِي لِمَنْ رَوَاهُ أَنْ يَسْتَحِيَ عَلَى نَفْسِهِ اهـ.
وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ فَصَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ» . وَلِلْبُخَارِيِّ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَلِلْأَمْوَاتِ فَالْمُرَادُ أَنَّهُ دَعَا لَهُمْ كَالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَصَلِّ عَلَيْهِمْ}[التَّوْبَةَ] أَيْ اُدْعُ لَهُمْ، وَالْإِجْمَاعُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ عِنْدَنَا لَا يُصَلَّى عَلَى الشَّهِيدِ وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ، وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ إبْقَاءُ أَثَرِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ وَالتَّعْظِيمُ لَهُمْ بِاسْتِغْنَائِهِمْ عَنْ دُعَاءِ الْقَوْمِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ أَفْضَلُ مِنْ الشُّهَدَاءِ مَعَ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ فَضِيلَةٌ تُكْتَسَبُ فَرُغِّبَ فِيهَا وَلَا كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَةُ
(وَلَا يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ،
وَقِيلَ يَجُوزُ غُسْلُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمُ الشَّهَادَةِ،
وَقِيلَ تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ غُسْلُهُ وَتُتْرَكُ لِلِاشْتِغَالِ بِالْحَرْبِ. رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ» بِفَتْحِ اللَّامِ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ إبْقَاءُ أَثَرِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ وَالتَّعْظِيمُ لَهُمْ بِاسْتِغْنَائِهِمْ عَنْ دُعَاءِ الْقَوْمِ
قَوْلُهُ: (وَلَا يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِشَهَادَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَهُ بِالْجَنَّةِ، أَوْ لِأَنَّ دَمَهُ يَشْهَدُ لَهُ بِالْجَنَّةِ، أَوْ لِشَهَادَةِ دَمِهِ بِقَتْلِهِ حَيْثُ يُبْعَثُ وَهُوَ يَسِيلُ، أَوْ لِأَنَّهُ يُشَاهِدُ الْجَنَّةَ حِينَ مَوْتِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ تَشْهَدُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ قَبْضَ رُوحِهِ.
قَوْلُهُ: (إبْقَاءُ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّهُ فَضِيلَةٌ مُكْتَسَبَةٌ تُعْلَمُ بِأَثَرِهَا، وَبِهَذَا فَارَقَ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (ولا يغسل الشهيد ولا يصلي عليه) ؛ لأنه حي بنص القرآن. فيحرم غسله والصلاة عليه، سواء كان رجلًا أو امرأة، صغيرا أو كبيرًا، حرًا أم عبدًا،
ولو مجنونًا؛ لما روى البخاري (١٣٤٣) عن جابر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في قتلى أحد بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا).
قال الإمام الشافعي رضى الله عنه: جاءت الأحاديث من وجوه متوارة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصل عليهم)، ولم يصح حديث يخالف ذلك.
أما حديث عقبة بن عامر الذي في (الصحيحين)(خ ١٣٤٤ - م ٣٢٩٦): (أن النبي صلى الله علية وسلم خرج فصلى على قتلى أحد صلاته علي الميت)،
وفي رواية للبخاري (٤٠٤٢): (بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات) ... فالمراد: أنه دعا لهم كدعائه للميت.
والإجماع يدل علي هذا التأويل؛ لأن عندنا لا يصلى علي الشهيد، وعند الخصم وهو أبو حنيفة: لا يصلى علي القبر بعد ثلاثة أيام كما تقدم.
وأما حديث:(أنه صلى الله عليه وسلم صلى علي قتلى أحد عشرة عشرة،
وفي كل عشرة حمزة حتى صلى عليه سبعين صلاة) ... فضعيف. رواه أبو داوود مرسلًا (سيل ٤٣٨)، وهو خطأ؛ لأن شهداء أحد كانوا اثنين وسبعين، فلا تزيد الصلاة على سبع أو ثمان، ولا تزيد التكبيرات علي اثنتين وثلاثين؛ لأن عندنا وعندهم: التكبيرات أربع.
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: ينبغي لمن روى هذا الحديث أن يستحيي على نفسه، ولأن الشهيد طهره القتل والله غفر له، ويأتي يوم القيامة وكلمه يدمى: اللون لون الدم , والريح ريح المسك.
وقال المزني: يصلى على الشهيد ولا يغسل.
واتفقوا على أن الغسل إذا أدى إلى إزالة الدم ... حرم.
وسمي شهيدًا؛ وقيل: لأنه يشهد الجنة حال موته وغيره يشهدها يوم القيامة،
وقيل: لأنه يشهد على الأمم المتقدمة،
وقيل: لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة،
وقيل: لأنه شهد ما أعد الله له من الكرمة بالقتل،
وقيل: لأن دمه شاهد له بالإيمان وحسن الخاتمة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.