والجديد تقديم الأسن على النسب
الشروح عليها
(وَالْجَدِيدُ تَقْدِيمُ الْأَسَنِّ) فِي الْإِسْلَامِ (عَلَى النَّسِيبِ) لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ «لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» وَلِأَنَّ فَضِيلَةَ الْأَسَنِّ فِي ذَاتِهِ وَالنَّسِيبِ فِي آبَائِهِ، وَفَضِيلَةُ الذَّاتِ أَوْلَى.
وَعَكَسَهُ الْقَدِيمُ لِخَبَرِ «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» وَعُلِمَ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِسِنٍّ فِي غَيْرِ الْإِسْلَامِ، فَيُقَدَّمُ شَابٌّ أَسْلَمَ أَمْسِ عَلَى شَيْخٍ أَسْلَمَ الْيَوْمَ،
فَإِنْ أَسْلَمَا مَعًا قُدِّمَ الشَّيْخُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ، وَبَحَثَهُ الطَّبَرِيُّ وَيُقَدَّمُ مَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ بِتَبَعِيَّتِهِ لِغَيْرِهِ،
وَإِنْ تَأَخَّرَ إسْلَامُهُ؛ لِأَنَّ فَضِيلَتَهُ فِي ذَاتِهِ، قَالَهُ الْبَغَوِيّ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا كَانَ إسْلَامُهُ قَبْلَ بُلُوغِ مَنْ أَسْلَمَ تَبَعًا،
أَمَّا بَعْدَهُ فَيَظْهَرُ تَقْدِيمُ التَّابِعِ.
وَالْمُرَادُ بِالنَّسِيبِ مَنْ يُنْسَبُ إلَى قُرَيْشٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ كَالْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ فَيُقَدَّمُ الْهَاشِمِيُّ وَالْمُطَّلِبِيُّ ثُمَّ سَائِرُ قُرَيْشٍ ثُمَّ الْعَرَبِيُّ ثُمَّ الْعَجَمِيُّ، وَيُقَدَّمُ ابْنُ الْعَالِمِ أَوْ الصَّالِحِ عَلَى ابْنِ غَيْرِهِ. وَتُعْتَبَرُ الْهِجْرَةُ أَيْضًا فَيُقَدَّمُ أَفْقَهُ فَأَقْرَأُ فَأَرْوَعُ فَأَقْدَمُ هِجْرَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِآبَائِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِالنِّسْبَةِ لِنَفْسِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَسَنُّ فَأَنْسَبُ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُنْتَسِبَ لِلْأَقْدَمِ هِجْرَةً مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُنْتَسِبِ لِقُرَيْشٍ مَثَلًا،
وَأَنَّ ذِكْرَ النَّسَبِ لَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الْأَقْدَمِ هِجْرَةً.
(قَوْلُهُ: قُدِّمَ الشَّيْخُ) لَا يُنَافِي هَذَا مَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِسِنٍّ فِي غَيْرِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ مَحَلُّهُ فِيمَا لَوْ عَارَضَتْهُ صِفَةٌ مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ، وَمَا هُنَا مَفْرُوضٌ فِي اسْتِوَائِهِمَا فِي الصِّفَاتِ كُلِّهَا، فَالشَّيْخُوخَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُقْتَضِيَةٌ لِلتَّرْجِيحِ
(قَوْلُهُ: إلَى قُرَيْشٍ أَوْ غَيْرُهُ) أَيْ قُرَيْشٌ، وَأَفْرَدَ الصَّمِيرَ لِكَوْنِ قُرَيْشٍ اسْمًا لِلْجَدِّ الَّذِي تُنْسَبُ إلَيْهِ الْقَبِيلَةُ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ الْعَرَبِيُّ) أَيْ ثُمَّ بَاقِي الْعَرَبِ
(قَوْلُهُ: وَيُقَدَّمُ ابْنُ الْعَالِمِ) أَيْ بَعْدَ الِاسْتِوَاءِ فِيمَا تَقَدَّمَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: فِي الْإِسْلَامِ) سَيَأْتِي أَنَّهُ يُقَدَّمُ بِكِبَرِ السِّنِّ أَخْذًا مِنْ الْخَبَرِ الْآتِي، فَلَعَلَّهُ إنَّمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ الْخِلَافِ (قَوْلُهُ: لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ «وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» أَيْ بِالنَّظَرِ لِكَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ قَوْلُهُ: بِالنِّسْبَةِ لِآبَائِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهِجْرَةِ آبَائِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَالْجَدِيدُ تَقْدِيمُ الْأَسَنِّ) فِي الْإِسْلَامِ (عَلَى النَّسِيبِ) ؛ لِأَنَّ فَضِيلَةَ الْأَوَّلِ فِي ذَاتِهِ،
وَالثَّانِي فِي آبَائِهِ إذْ هُوَ الْمَنْسُوبُ لِمَنْ يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ كَالْعَرَبِ بِتَفْصِيلِهِمْ وَكَالْعُلَمَاءِ أَوْ الصُّلَحَاءِ وَلَا عِبْرَةَ بِسِنٍّ فِي غَيْرِ الْإِسْلَامِ فَيُقَدَّمُ شَابٌّ أَسْلَمَ أَمْسِ عَلَى شَيْخٍ أَسْلَمَ الْيَوْمَ نَعَمْ بَحَثَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُمَا لَوْ أَسْلَمَا مَعًا وَاسْتَوَيَا فِي الصِّفَاتِ قُدِّمَ الْأَسَنُّ لِعُمُومِ خَبَرِ مُسْلِمٍ بِتَقْدِيمِ الْأَسَنِّ وَمَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ أَوْلَى مِمَّنْ أَسْلَمَ بِالتَّبَعِيَّةِ؛ لِأَنَّ فَضِيلَتَهُ فِي ذَاتِهِ نَعَمْ إنْ كَانَ بُلُوغُ التَّابِعِ قَبْلَ إسْلَامِ الْمُسْتَقِلِّ قُدِّمَ التَّابِعُ؛ لِأَنَّهُ أَقْدَمُ إسْلَامًا حِينَئِذٍ، وَخَبَرُ «وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» كَانَ لِجَمْعٍ مُتَقَارِبِينَ فِي الْفِقْهِ كَمَا فِي مُسْلِمٍ
وَفِي رِوَايَةٍ فِي الْعِلْمِ وَتُعْتَبَرُ الْهِجْرَةُ أَيْضًا فَيُقَدَّمُ أَفْقَهُ فَأَقْرَأُ فَأَوْرَعُ فَأَقْدَمُ هِجْرَةً بِالنِّسْبَةِ لِآبَائِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِالنِّسْبَةِ لِنَفْسِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَسَنُّ فَأَنْسَبُ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُنْتَسِبَ لِلْأَقْدَمِ هِجْرَةً مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُنْتَسِبِ لِقُرَيْشٍ مَثَلًا،
وَإِنَّ ذِكْرَ النَّسَبِ لَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الْأَقْدَمِ هِجْرَةً.
(قَوْلُهُ: إذْ هُوَ إلَخْ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي، وَالْمُرَادُ بِالنَّسِيبِ مَنْ يُنْسَبُ إلَى قُرَيْشٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ كَالْعُلَمَاءِ، وَالصُّلَحَاءِ فَيُقَدَّمُ الْهَاشِمِيُّ، وَالْمُطَّلِبِيُّ ثُمَّ سَائِرُ قُرَيْشٍ ثُمَّ الْعَرَبِيُّ ثُمَّ الْعَجَمِيُّ وَيُقَدَّمُ ابْنُ الْعَالِمِ أَوْ الصَّالِحِ عَلَى ابْنِ غَيْرِهِ. اهـ. قَالَ ع ش قَوْلُهُ ثُمَّ الْعَرَبِيُّ أَيْ بَاقِي الْعَرَبِ وَقَوْلُهُ م ر وَيُقَدَّمُ ابْنُ الْعَالِمِ إلَخْ أَيْ بَعْدَ الِاسْتِوَاءِ فِيمَا تَقَدَّمَ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ) أَيْ،
وَإِنْ تَأَخَّرَ إسْلَامُهُ سم
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ فَضِيلَتَهُ فِي ذَاتِهِ) قَدْ يُقَالُ: وَالْآخَرُ كَذَلِكَ
فَلَوْ قَالَ بِذَاتِهِ لَكَانَ أَنْسَبَ بَصْرِيٌّ
(قَوْلُهُ: وَخَبَرِ وَلْيَؤُمَّكُمْ إلَخْ) كَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَى قَوْلِ الْمَتْنِ، وَالْجَدِيدِ
(قَوْلُهُ: فَأَوْرَعُ إلَخْ) وَيَنْبَغِي أَخْذًا مِمَّا قَدَّمَهُ مِنْ الْبَحْثِ فَأَزْهَدُ فَأَوْرَعُ
(قَوْلُهُ: فَأَقْدَمُ هِجْرَةً بِالنِّسْبَةِ إلَخْ) وَقِيَاسُ مَا مَرَّ مِنْ تَقْدِيمِ مَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ تَبَعًا تَقْدِيمُ مَنْ هَاجَرَ بِنَفْسِهِ عَلَى مَنْ هَاجَرَ أَحَدُ آبَائِهِ،
وَإِنْ تَأَخَّرَتْ هِجْرَتُهُ مُغْنِي زَادَ الْإِيعَابُ وَظَاهِرُ تَقْدِيمِ مَنْ هَاجَرَ أَحَدُ أُصُولِهِ إلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْ هَاجَرَ أَحَدُ أُصُولِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَا عَلَى مَنْ هَاجَرَ بِنَفْسِهِ إلَيْهَا وَهَلْ يَدْخُلُ فِي الْأُصُولِ هُنَا الْأُنْثَى وَمَنْ أَدْلَى بِهَا كَأَبِي الْأُمِّ قِيَاسُ الْكَفَاءَةِ لَا وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْمَدَارَ هُنَاكَ عَلَى شَرَفِ مَا يَظْهَرُ عَادَةُ التَّفَاخُرِ بِهِ وَهُنَا عَلَى أَدْنَى شَرَفِهِ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ. اهـ. سم
(قَوْلُهُ: وَبِالنِّسْبَةِ لِنَفْسِهِ إلَخْ) لَا يَظْهَرُ وَجْهٌ لِتَخْصِيصِ الْهِجْرَةِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِالْهِجْرَةِ بِالنَّفْسِ فَتَأْتِي فِي الْآبَاءِ أَيْضًا بَصْرِيٌّ
(قَوْلُهُ: إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ) أَيْ بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ دَارِ الْحَرْبِ مُغْنِي
(قَوْلُهُ: فَعُلِمَ أَنَّ الْمُنْتَسِبَ إلَخْ) كَذَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَلَفْظِهِ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ الْمُنْتَسِبَ إلَى مَنْ هَاجَرَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُنْتَسِبِ إلَى قُرَيْشٍ مَثَلًا انْتَهَى وَكَتَبَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الشِّهَابُ الْبُرُلُّسِيُّ بِهَامِشِهِ مَا نَصُّهُ قَوْلُهُ وَبِمَا تَقَرَّرَ إلَخْ شُبْهَتُهُ فِي هَذَا أَنَّ الْهِجْرَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى النَّسَبِ وَيَرُدُّهُ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ تَصْرِيحُ الرَّافِعِيِّ بِأَنَّ فَضِيلَةَ وَلَدِ الْمُهَاجِرِ مِنْ حَيِّزِ النَّسَبِ مَعَ تَصْرِيحِ الشَّيْخَيْنِ بِتَقْدِيمِ قُرَيْشٍ عَلَى غَيْرِهَا. الثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي وَلَدِ الْأَسَنِّ، وَالْأَوْرَعِ وَالْأَقْرَأِ، وَالْأَفْقَهِ مِنْ غَيْرِ قُرَيْشٍ مَعَ وَلَدِ الْقُرَشِيِّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ ذَاهِبٌ إلَى ذَلِكَ لِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ عَلَى تَقْدِيمِ قُرَيْشٍ عَلَى غَيْرِهَا انْتَهَى.
اهـ. سم وَعِبَارَةُ الْحَلَبِيِّ قَوْلُهُ وَبِمَا تَقَرَّرَ أَيْ مِنْ تَقْدِيمِ الْمُهَاجِرِ عَلَى الْمُنْتَسِبِ عُلِمَ أَنَّ الْمُنْتَسِبَ إلَخْ وَعَلَى قِيَاسِهِ يَكُونُ الْمُنْتَسِبُ لِمَنْ يُقَدَّمُ مُقَدَّمًا عَلَى الْمُنْتَسِبِ لِمَنْ يُؤَخَّرُ فَابْنُ الْأَفْقَهِ مُقَدَّمٌ عَلَى ابْنِ الْأَقْرَأِ وَابْنُ الْأَقْرَأِ مُقَدَّمٌ عَلَى ابْنِ الْأَوْرَعِ وَلَا مَانِعَ مِنْ الْتِزَامِ ذَلِكَ ثُمَّ رَأَيْت أَنَّ الشِّهَابَ الْبُرُلُّسِيِّ اعْتَرَضَ الشَّارِحَ بِأَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ عَلَى تَقْدِيمِ قُرَيْشٍ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْعَرَبِ، وَالْعَجَمِ وَأَقُولُ: مُرَادُ الشَّيْخَيْنِ تَقْدِيمُ قُرَيْشٍ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْعَرَبِ، وَالْعَجَمِ لَا عَلَى الْأَفْقَهِ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْمَرَاتِبِ الَّتِي ذَكَرَهَا. اهـ. .
(قَوْلُهُ: وَمَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ) أَيْ، وَإِنْ تَأَخَّرَ إسْلَامُهُ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَقْدَمُ إسْلَامًا) قَدْ يُقَالُ هُوَ أَقْدَمُ إسْلَامًا،
وَإِنْ كَانَ بُلُوغُهُ بَعْدَ إسْلَامِ الْمُسْتَقِلِّ حَيْثُ تَقَدَّمَ إسْلَامُ مَتْبُوعِهِ عَلَى إسْلَامِ الْمُسْتَقِلِّ إلَّا أَنْ يُقَيَّدَ بِإِسْلَامِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ
(قَوْلُهُ: فَعُلِمَ أَنَّ الْمُنْتَسِبَ إلَخْ) كَذَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَلَفْظُهُ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ الْمُنْتَسِبَ إلَى مَنْ هَاجَرَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُنْتَسِبِ إلَى قُرَيْشٍ مَثَلًا. اهـ. وَكَتَبَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الشِّهَابُ الْبُرُلُّسِيُّ بِهَامِشِهِ مَا نَصُّهُ قَوْلُهُ وَبِمَا تَقَرَّرَ إلَخْ شُبْهَتُهُ فِي هَذَا أَنَّ الْهِجْرَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى النَّسَبِ وَيَرُدُّهُ أَمْرَانِ الْأَوَّلُ تَصْرِيحُ الرَّافِعِيِّ بِأَنَّ فَضِيلَةَ وَلَدِ الْمُهَاجِرِ مِنْ حَيِّزِ النَّسَبِ مَعَ تَصْرِيحِ الشَّيْخَيْنِ بِتَقْدِيمِ قُرَيْشٍ عَلَى غَيْرِهَا الثَّانِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي وَلَدِ الْأَسَنِّ، وَالْأَوْرَعِ، وَالْأَقْرَأِ، وَالْأَفْقَهِ مِنْ غَيْرِ قُرَيْشٍ مَعَ وَلَدِ الْقُرَشِيِّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ ذَاهِبٌ إلَى ذَلِكَ لِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ عَلَى تَقْدِيمِ قُرَيْشٍ عَلَى غَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. .
(وَالْجَدِيدُ تَقْدِيمُ الْأَسَنِّ عَلَى النَّسِيبِ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ «لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» وَلِأَنَّ فَضِيلَةَ الْأَسَنِّ فِي ذَاتِهِ وَالنَّسِيبِ فِي آبَائِهِ، وَفَضِيلَةُ الذَّاتِ أَوْلَى، وَالْعِبْرَةُ بِالْأَسَنِّ فِي الْإِسْلَامِ لَا بِكِبَرِ السِّنِّ، فَيُقَدَّمُ شَابٌّ أَسْلَمَ أَمْسِ عَلَى شَيْخٍ أَسْلَمَ الْيَوْمَ،
فَإِنْ أَسْلَمَا مَعًا فَالشَّيْخُ مُقَدَّمٌ لِعُمُومِ خَبَرِ مَالِكٍ. قَالَ الْبَغَوِيّ: وَيُقَدَّمُ مَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ تَبَعًا لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ وَإِنْ تَأَخَّرَ إسْلَامُهُ لِأَنَّهُ اكْتَسَبَ الْفَضْلَ بِنَفْسِهِ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا كَانَ إسْلَامُهُ قَبْلَ بُلُوغِ مَنْ أَسْلَمَ تَبَعًا،
أَمَّا بَعْدَهُ فَيَظْهَرُ تَقْدِيمُ التَّابِعِ،
وَلَوْ قِيلَ بِتَسَاوِيهِمَا حِينَئِذٍ لَمْ يَبْعُدْ. وَالْمُرَادُ بِالنَّسِيبِ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى قُرَيْشٍ أَوْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ كَالْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ، فَيُقَدَّمُ الْهَاشِمِيُّ وَالْمُطَّلِبِيُّ ثُمَّ سَائِرُ قُرَيْشٍ، ثُمَّ الْعَرَبِيُّ ثُمَّ الْعَجَمِيُّ، وَيُقَدَّمُ ابْنُ الْعَالِمِ وَالصَّالِحِ عَلَى ابْنِ غَيْرِهِ. .
تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِلتَّقْدِيمِ بِالْهِجْرَةِ، وَهِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بَعْدَهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَاَلَّذِي فِي التَّحْقِيقِ. وَاخْتَارَهُ فِي الْمَجْمُوعِ أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْأَسَنِّ وَالنَّسِيبِ، لِخَبَرِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا» .
وَفِي رِوَايَةٍ سِلْمًا «وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» وَتَأْخِيرُهَا عَنْ الْأَوْرَعِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ شَيْخُنَا فِي مَنْهَجِهِ.
وَفِي الرَّوْضَةِ: وَأَصْلُهَا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَجَمَاعَةٍ تَأْخِيرُهَا عَنْ السِّنِّ وَالنَّسَبِ، وَقِيَاسُ مَا مَرَّ مِنْ تَقْدِيمِ مَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ تَبَعًا تَقْدِيمُ مَنْ هَاجَرَ بِنَفْسِهِ عَلَى مَنْ هَاجَرَ أَحَدُ آبَائِهِ وَإِنْ تَأَخَّرَتْ هِجْرَتُهُ، وَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُنْتَسِبَ إلَى مَنْ هَاجَرَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ انْتَسَبَ لِقُرَيْشٍ مَثَلًا.
(وَالْجَدِيدُ تَقْدِيمُ الْأَسَنِّ عَلَى النَّسِيبِ) لِأَنَّ فَضِيلَةَ الْأَوَّلِ فِي ذَاتِهِ وَالثَّانِي فِي آبَائِهِ، وَفَضِيلَةٌ بِالذَّاتِ أَوْلَى، وَالْقَدِيمُ تَقْدِيمُ النَّسِيبِ لِأَنَّ فَضِيلَتَهُ مُكْتَسَبَةٌ بِالْآبَاءِ، وَفَضِيلَةُ الْآخَرِ مُضِيُّ زَمَنٍ لَا اكْتِسَابَ فِيهِ وَالْفَضِيلَةُ الْمُكْتَسَبَةُ أَوْلَى. وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ كَأَصْلِهِ عَنْ الْهِجْرَةِ وَهِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بَعْدَهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ.
وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَجَمَاعَةٍ تَأْخِيرُهَا عَنْ السِّنِّ وَالنَّسَبِ نَافِينَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ. وَعَنْ صَاحِبَيْ التَّتِمَّةِ وَالتَّهْذِيبِ: تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِمَا. وَاخْتَارَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالتَّحْقِيقِ وَقَدَّمَ فِيهِ الْوَرَعَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالسِّنِّ وَالنَّسَبِ، وَأَخَّرَهُ فِي التَّنْبِيهِ عَنْ الْكُلِّ وَأَقَرَّهُ فِي التَّصْحِيحِ.
قَوْلُهُ: (مُكْتَسَبَةٌ بِالْآبَاءِ) أَيْ فِي الْآبَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا. وَلِذَلِكَ قَالَ الرَّافِعِيُّ إنَّ شَرَفَ النَّسَبِ بِفَضِيلَةٍ اكْتَسَبَهَا الْآبَاءُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الشَّرَفَ الْحَاصِلَ لِهَذَا إنَّمَا سَرَى إلَيْهِ بِسَبَبِ فَضِيلَةٍ اكْتَسَبَهَا آبَاؤُهُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّ فَضِيلَةَ هَذَا مُكْتَسَبَةٌ لَهُ بِسَبَبِ آبَائِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ.
قَوْلُهُ: (وَاخْتَارَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمَا فِي التَّنْبِيهِ مَرْجُوحٌ فَيُقَدَّمُ بِالْوَرَعِ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَهِيَ عَلَى السِّنِّ وَهُوَ عَلَى النَّسَبِ، وَيُقَدَّمُ فِي الْهِجْرَةِ الْأَقْدَمُ هِجْرَةً عَلَى غَيْرِهِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ فَضِيلَةَ الْأَوَّلِ فِي ذَاتِهِ إلَخْ) لَمْ يَسْتَدِلَّ بِحَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ «لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، لِأَنَّ ظَاهِرَهُ كِبَرُ السِّنِّ الْمَعْرُوفُ وَلِأَنَّ النَّوَوِيَّ قَالَ: إنَّهُ خِطَابٌ لِمَالِكٍ وَرُفْقَتِهِ وَكَانُوا فِي الْإِسْلَامِ وَالنَّسَبِ وَالْهِجْرَةِ وَالْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ سَوَاءً اهـ.
وَالْعَجَبُ أَنَّ الْإِسْنَوِيَّ اسْتَدَلَّ بِهِ مَعَ نَقْلِهِ هَذَا الْكَلَامَ عَنْ النَّوَوِيِّ قُبَيْلَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ، وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَقَدْ يُوَجَّهُ مَا قَالَاهُ وَيُدْفَعُ الْإِشْكَالُ بِأَنْ نَقُولَ الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ
قَوْلُهُ: (وَالْقَدِيمُ تَقْدِيمُ النَّسِيبِ إلَخْ) اسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ يَعْنِي الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى وَقِيسَ عَلَيْهَا الصُّغْرَى وَعَلَى نَسَبِ قُرَيْشٍ غَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ فَضِيلَتَهُ مُكْتَسَبَةٌ بِالْآبَاءِ) عِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ لِأَنَّ شَرَفَ النَّسَبِ بِفَضِيلَةٍ اكْتَسَبَتْهَا الْآبَاءُ اهـ وَهِيَ أَوْضَحُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ، بَلْ عِبَارَتُهُ لَا تَكَادُ تُفْهَمُ فَتَأَمَّلْ
وَلَوْ قَالَ الْآبَاءُ لَوَافَقَ صَنِيعَ الرَّافِعِيِّ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
وسافروا جملةز قال: (والجديد: تقديم الأسن على النسيب) ؛ لحديث مالك المذكور، فيقدم شيخ غير قرشي على شاب قرشي.
والقديم: عكسه، ورجحه جماعة؛ لقوله صلي الله عليه وسلم:(قدموا قريشًا ولا تقدموها)، وسيأتي في (قسم الفيء والغنيمة).
والمعتبر سن مضى في الإسلام، فيقدم الشاب الناشئ في الإسلام على شيخ حديث الإسلام.
والصحيح: أنه لا تعتبر الشيخوخة، بل النظر إلى تفاوت السن.
والمراد بـ (النسب): ما يعتبر في كفاءة النكاح، كالانتساب إلى العلماء والصلحاء.
وقيل: المعتبر نسب قريش فقط.
فروع:
اتفقوا على أن الهجرة معتبرة؛ لأنها موروثة،
وقال الله تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقَاتَلَ}، ولحديث مالك بن الحويرث،
وقال الحسن: لا يجعل الله عز وجل عبدًا أسرع إليه كعبد أبطأ عنه.
فمن هاجر إلى النبي صلي الله عليه وسلم، أو هاجر إلينا من دار الحرب مقدم على من لهم يهاجر، أو تأخرت هجرته عن هجرته،
وكذا الحكم في أولادهم، واختلفوا في محل اعتبارها على أقوال:
أحدها: أنها مقدمة على السن والنسب، وهو الصحيح في (التحقيق)،
والمختار في (شرح المهذب).
والثاني: أنها مؤخرة عنهما.
والثالث: متوسطة، فيعتبر بعد السن وقبل النسب،
وقيل: بالعكس.
وليس في (الشرحين) ولا في (الروضة) تصريح بترجيح.
والمقيم أولى من المسافر، والبالغ أولى من الصبي وإن كان أفقه وأقرأن لأنه مجمع على صحة الاقتداء به،
فإن أورد على هذا إمامة عمرو بن سلمة بقومه .. فالجواب: أنه كان أكثرهم قرآنًا.
وإمام المسجد أحق من غيره، وباني المسجد لا يكون أحق بإمامته والتأذين فيه خلافًا لأبي حنيفة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.