كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ يَحْرُمُ شُرْبُ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ مُطْلَقًا وَلَوْ لِعَطَشٍ بِخِلَافِ مَا نَجَسَ إلَّا لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَخَافَ تَلَفًا
الشروح عليها
(مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الْعِنَبِ أَوْ الشَّعِيرِ أَوْ غَيْرِهِمَا لِحَدِيثِ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرَقُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْفَرَقُ بِالتَّحْرِيكِ مِكْيَالٌ يَسَعُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، وَتَقَدَّمَ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَصَحَّحَهُ. وَعَنْ جَابِرٍ مِثْلُهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ عُمَرَ " نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ. وَالْخَمْرُ: مَا خَامَرَ الْعَقْلَ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَوْ) شَرِبَ الْمُسْكِرَ (لِعَطَشٍ) لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ رِيٌّ، بَلْ مَا فِيهِ مِنْ الْحَرَارَةِ يُزِيدُ الْعَطَشَ (بِخِلَافِ مَا نَجَسَ) فَيَجُوزُ شُرْبُهُ لِعَطَشٍ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْبَرْدِ وَالرُّطُوبَةِ،
وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لِدَوَاءٍ وَتَقَدَّمَ (إلَّا لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ) أَيْ الْمُسْكِرِ (وَخَافَ تَلَفًا) فَيَجُوزُ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ
*** [باب: حد المسكر] هذا (باب حد المسكر) يعني: الذي ينشأ عنه السكر. والسكر: اختلاط العقل.
والأصل في تحريم المسكر قوله سبحانه وتعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} وهذه الآية نص في التحريم من وجوه:
أحدها: أنه سماه رجسا، والرجس النجس، واستعمال النجس محرم. الثانى: أنه قال: (من عمل الشيطان) وأعمال الشيطان تكون محرمة؛ لأنها تقع على خلاف أوامر الله سبحانه وتعالى.
الثالث: أنه قال: (فاجتنبوه) فأمر باجتنابه ولا معنى للتحريم إلا ذلك.
وروى أبو سعيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يا أيها الناس إن الله يعرض في الخمر. ولعل الله سيعرض فيها أمرا.
فمن كان عنده فيها شيء فليبعه ولينتفع به. فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال صلى الله عليه وسلم: إن الله قد حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده شيء فلا يشرب ولا يبع. فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها " . رواه مسلم.
وأجمع المسلمون على تحريم الخمر، إلا أن الخلاف فيما يقع عليه اسم الخمر.
إذا تقرر هذا فالمذهب أنه: (كل مسكر خمر، يحرم شرب قليله وكثيره) . نقل ذلك الجماعة عن أحمد. (مطلقا) ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:" كل مسكر خمر وكل خمر حرام " . رواه الإمام أحمد وأبو داود.
وعن عائشة قالت: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: " كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام " . روه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
والفرق بالتحريك: مكيال يسع ستة عشر رطلا.
وقد روى ابن عمر [عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما أسكر كثيره فقليله حرام " . رواه أحمد] وابن ماجه والدارقطني وصححه.
ولأبي داود وابن ماجه والترمذي مثله من حديث جابر وقال عمر رضي الله تعالى عنه:" نزل تحريم الخمر وهي: من العنب والتمر والعسل والبر والشعير. والخمر ما خامر العقل " . متفق عليه.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة في عصير العنب: إذا طبخ وذهب ثلثاه، ونقيع التمر والزبيب: إذا طبخ وإن لم يذهب ثلثاه، ونبيذ الحنطة والذرة والشعير ونحو ذلك، نقيعا كان أو مطبوخا كل ذلك حلالى إلا ما بلغ السكر.
فأما عصير العنب إذا اشتد وقذف بالزبد أو طبخ فذهب أقل من ثلثيه، ونقييع التمر والزبيب إذا اشتد بغير طبخ فهذا محرم قليله وكثيره؛ لما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" حرمت الخمرة لعينها والسكر من كل شراب " .
ولنا: ما تقدم من الأحاديث،
وأن حديث ابن عباس رواه سعيد عن مسعر عن أبي عون عن ابن شداد عن ابن عباس أنه قال: " والمسكر من كل شراب ".
ولأن التحريم إنما شرع لما فيه من السكر الذي يضل به العقل ويحصل منه المحذور بالوقوع في المحظورات وارتكاب المنهيات كما اشار سبحانه وتعالى إلى ذلك في آية التحريم بقوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [المائدة: ??].
والقدر الذي يكون به السكر لا حد له،
فإن في الناس من يسكره القليل.
وكذلك تختلف الأشربة. فوجب أن يمنع من استعمال ما فيه هذه القوة المسكرة قليله وكثيره؛ ليندفع هذا المحذور بيقين. إذا تقرر هذا فإنه لا يحل شرب قليله (ولو لعطش. بخلاف ماء نجس) ؛ لما فيه من البرد والرطوبة.
بخلاف المسكر؛ لأن المسكر لا يحصل به ري؛ لأن ما فيه من الحرارة يزيد العطش، أو لتداو؛ لأن المتداوي به ليس بواثق من الشفاء به فإنه لا يمكن القطع بذلك فليس استعماله بضروري للصحة، وحصول البرء به موهوم فلا يباح به المحرم يقينا.
ويستثنى من إطلاق تحريم استعماله صورة واحدة أشيرإليها بقوله: (إلا لدفع لقمة غص بها، ولم يجد غيره، وخاف تلفا) ؛ لأنه مضطر.
* * * بابُ حَدِّ المُسْكِر أي: تناولِه، والإضافةُ لأدنى ملابَسَة، وهذا قد أشار إليه الشارح .
* قوله: (مطلقًا) ؛ أي: سواء كان من العنب، أو الشعير، أو غيرهما .
* قوله: (بخلاف ماءٍ نجس) ؛ لما فيه من البرد والرطوبة؛
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.