وَيَحْرُمُ أَنْ يَشْهَدَ إلَّا بِمَا يَعْلَمُهُ بِرُؤْيَةٍ أَوْ سَمَاعٍ غَالِبًا لِجَوَازِهَا بِبَقِيَّةِ الْحَوَاسِّ قَلِيلًا
الشروح عليها
(وَيَحْرُمُ أَنْ يَشْهَدَ) أَحَدٌ (إلَّا بِمَا يَعْلَمُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} قَالَ الْمُفَسِّرُونَ هُنَا وَهُوَ يَعْلَمُ مَا شَهِدَ بِهِ عَنْ بَصِيرَةٍ وَإِيقَانٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الشَّهَادَةِ؟ فَقَالَ «تَرَى الشَّمْسَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ أَوْ دَعْ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ، وَالْمُرَادُ الْعِلْمُ فِي أَصْلِ الْمُدْرَكِ لَا فِي دَوَامِهِ، وَلِذَلِكَ يُشْهَدُ بِالدَّيْنِ مَعَ جَوَازِ دَفْعِ الْمَدِينِ لَهُ وَبِالْإِجَارَةِ وَالْبَيْعِ مَعَ جَوَازِ الْإِقَالَةِ وَنَحْوِهَا. أَشَارَ إلَيْهِ الْقَرَافِيُّ. فَمُدْرِكُ الْعِلْمِ الَّذِي تَقَعُ بِهِ الشَّهَادَاتُ يَكُونُ (بِرُؤْيَةٍ أَوْ سَمَاعٍ غَالِبًا لِجَوَازِهَا) أَيْ الشَّهَادَةِ (بِبَقِيَّةِ الْحَوَاسِّ) كَالذَّوْقِ وَاللَّمْسِ (قَلِيلًا) كَدَعْوَى مُشْتَرٍ مَأْكُولًا عَيَّبَهُ لِمَرَارَتِهِ وَنَحْوِهَا، فَتَشْهَدُ الْبَيِّنَةُ بِهِ،
(ويحرُم أن يشهد) أحد (إلا بما يعلمه) ؛بدليل قوله سبحانه وتعالى:{وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. قال المفسرون هنا: وهو يعلم ما شهد به عن بصيرة وإتقان. ومعناه: لكن من شهد بالحق فيكون الاستثناء منقطعاً.
وقال ابن عباس:" سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة. قال: ترى الشمس؟ قال على مثلها فاشهد أو دع " . رواه الخلال في " جامعه ".
وقال سبحانه وتعالى:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}.
وتخصيص هذه الثلاثة بالسؤال؛ لأن العلم بالفؤاد وهو يستند إلى السمع والبصر؛ لأن مدرك الشهادة غالباً: الرؤية والسماع، وهما بالبصر والسمع.
قال القرافي في الفرق السادس والعشرين والمائتين: تنبيه: اعلم أن قول العلماء: لا يجوز الشهادة إلا بالعلم ليس على ظاهره،
فإن ظاهره يقتضي: أنه لا يجوز أن يؤدي إلا ما هو قاطع به وليس كذلك، بل جائز له الأداء بما عنده من الظن الضعيف في كثير من الصور، بل المراد بذلك أن يكون أصل المدرك علماً فقط.
فلو شهد بقبض الدين جاز أن يكون الذي عليه الدين قد دفعه فتجوز الشهادة عليه بالاستصحاب الذي لا يفيد إلا الظن الضعيف،
وكذلك الثمن في المبيع مع احتمال دفعه، ويشهد بالملك الموروث لوارثه مع جواز بيعه بعد أن ورِثه، ويشهد بالإجارة ولزوم الأجرة مع جواز الإقالة بعد ذلك بناء على الاستصحاب.
والحاصل في هذه الصور كلها هو الظن الضعيف، ولا يكاد يوجد ما يبقى فيه العلم إلا القليل من الصور. من ذلك: النسب والولاء فإنه لا يقبل النقض فيبقى العلم على حاله.
ومن ذلك: الشهادة بالإقرار، فإنه إخبار عن وقوع النطق في الزمن الماضي وذلك لا يرتفع.
ومن ذلك: الوقف إذا حَكم به حاكم.
أما إذا لم يحكم به حاكم،
فإن الشهادة [إنما فيها الظن فقط إذا شهد بأن هذه الدار وقف؛ لاحتمال أن يكون حاكم حنفي حكم بنقضه. فتأمّل هذه المواطن، فأكثرها] إنما فيها الظن فقط. وإنفا العلم في أصل المدرك لا في دوامه.
قلت: وقوله: شهد بقبض الدين، وقوله: شهد بالإجارة كمسألة الإقرار؛ لأن وقوع الإجارة لفظ وقع في الزمن الماضي، وقبض الدين فعل وقع في الزمن الماضي فهو معلوم لا يرتفع. وإنما يرتفع بقاء حكمه، كما أن الإقرار لا يرتفع، بل هو معلوم. وإنما الظن في بقاء المقر به ودوام الإقرار. والذي يظهر أن مراده أنه شهد ببقاء الإجارة وبقاء المقبوض، وتصرفه يدل على هذا المراد. انتهى.
إذا علمت ذلك فإن مدرك العلم الذي يقع به الشهادة يكون (برؤيةٍ أو سماع غالباً، لجوازها) أي: جواز الشهادة (ببقية الحواسّ) ، كالذوق واللمس (قليلاً) ، كدعوى مشتر مأكولاً غبنه لمرارته أو نحو ذلك فتسمع البينة به.
فإذا تحمل الشاهد الشهادة على من يعرفه بعينه واسمه ونسبه جاز أن يشهد عليه مع حضوره،
وفي غيبته على الأصح.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.