ثمّ استقبل الحجر الأسود مكبّرًا مهلّلًا مستلمًا بلا إيذاءٍ
الشروح عليها
(قَوْلُهُ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ مُكَبِّرًا مُهَلِّلًا مُسْتَلِمًا بِلَا إيذَاءٍ) لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَذَلِكَ وَلِنَهْيِ عُمَرَ عَنْ الْمُزَاحَمَةِ وَلِأَنَّ الِاسْتِلَامَ سُنَّةٌ وَالْكَفَّ عَنْ الْإِيذَاءِ وَاجِبٌ فَالْإِتْيَانُ بِالْوَاجِبِ مُتَعَيِّنٌ، وَالِاسْتِلَامُ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَيُقَبِّلَهُ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ وَضَعَ يَدَيْهِ وَقَبَّلَهُمَا أَوْ إحْدَاهُمَا فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَمَسَّ الْحَجَرَ شَيْئًا كَالْعُرْجُونِ وَنَحْوِهِ، وَقَبَّلَهُ لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ لِلزَّحْمَةِ اسْتَقْبَلَهُ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ، وَجَعَلَ بَاطِنَهُمَا نَحْوَ الْحَجَرِ مُشِيرًا بِهِمَا إلَيْهِ وَظَاهِرَهُمَا نَحْوَ وَجْهِهِ هَكَذَا الْمَأْثُورُ وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى الْحَجَرِ فَعَلَ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالْفَارُوقِ بَعْدَهُ وَقَوْلُ الْقِوَامِ الْكَاكِيِّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَسْجُدَ عِنْدَنَا ضَعِيفٌ، وَهَذَا التَّقْبِيلُ الْمَسْنُونُ إنَّمَا يَكُونُ بِوَضْعِ الشَّفَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَصْوِيتٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ؛
لِأَنَّ تَحِيَّةَ الْبَيْتِ الطَّوَافُ فَإِنْ كَانَ حَلَالًا فَيَطُوفُ طَوَافَ التَّحِيَّةِ وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فَطَوَافُ الْقُدُومِ وَهُوَ أَيْضًا تَحِيَّةٌ إلَّا أَنَّهُ خُصَّ بِهَذِهِ الْإِضَافَةِ،
وَإِنْ دَخَلَ فِي يَوْمِ النَّحْرِ بَعْدَ الْوُقُوفِ فَطَوَافُ الْفَرْضِ يُغْنِي كَصَلَاةِ الْفَرْضِ تُغْنِي عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ أَوْ بِالْعُمْرَةِ فَطَوَافُ الْعُمْرَةِ، وَلَا يُسَنُّ فِي حَقِّهِ طَوَافُ الْقُدُومِ وَاسْتَثْنَى عُلَمَاؤُنَا مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا دَخَلَ فِي وَقْتٍ مُنِعَ النَّاسُ مِنْ الطَّوَافِ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ مَكْتُوبَةٌ أَوْ خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ لِلْمَكْتُوبَةِ أَوْ الْوِتْرِ أَوْ سُنَّةٍ رَاتِبَةٍ أَوْ فَوْتِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَكْتُوبَةِ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ الصَّلَاةَ عَلَى الطَّوَافِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، ثُمَّ يَطُوفُ وَفِي قَوْلِهِ الْحَجَرُ دُونَ أَنْ يَصِفَهُ بِالسَّوَادِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ حِينَ أُخْرِجَ مِنْ الْجَنَّةِ كَانَ أَبْيَضَ مِنْ اللَّبَنِ، وَإِنَّمَا اسْوَدَّ بِمَسِّ الْمُشْرِكِينَ وَالْعُصَاةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
(قَوْلُهُ وَالِاسْتِلَامُ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ أَنْ يَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَيْهِ وَيُقَبِّلَهُ بِفِيهِ بِلَا صَوْتٍ وَفِي الْخَانِيَّةِ ذَكَرَ مَسْحَ الْوَجْهِ بِالْيَدِ مَكَانَ التَّقْبِيلِ لَكِنْ بَعْدَ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ كَذَا فِي الْمُجْتَبَى وَمَنَاسِكِ الْكَرْمَانِيِّ، زَادَ فِي التُّحْفَةِ وَيُرْسِلُهُمَا ثُمَّ يَسْتَلِمُ وَفِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا الصَّحِيحُ أَنْ يَرْفَعَهُمَا حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى الْحَجَرِ إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ وَهَلْ يُنْدَبُ السُّجُودُ عَلَيْهِ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا ذَلِكَ وَعَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُهُ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ، وَقَالَ رَأَيْت عُمَرَ فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ فَفَعَلْتُهُ» رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْحَاكِمُ وَفِي الْمِعْرَاجِ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُقَبِّلُهُ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ مَالِكٌ السُّجُودُ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ وَعِنْدَنَا الْأَوْلَى أَنْ لَا يَسْجُدَ لِعَدَمِ الرِّوَايَةِ فِي الْمَشَاهِيرِ، وَجَزَمَ فِي الْبَحْرِ بِضَعْفِ مَا فِي الْمِعْرَاجِ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ صَاحِبُ الدَّارِ أَدْرَى اهـ.
أَيْ أَنَّ الْكَاكِيَّ صَاحِبَ الْمِعْرَاجِ أَدْرَى بِالْحُكْمِ عِنْدَنَا مِنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيِّ وَلِذَا نَقَلَهُ فِي الْفَتْحِ وَأَقَرَّهُ أَقُولُ: حَيْثُ صَحَّ الْحَدِيثُ يُتَّبَعُ،
وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ فِي الْمَشَاهِيرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَهِيَ تَثْبُتُ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فَبِالصَّحِيحِ أَوْلَى، وَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةً حَتَّى يَتَوَقَّفَ فِيهَا عَلَى نَصٍّ مِنْ الْمُجْتَهِدِ مَا لَمْ يَثْبُتُ عَنْهُ خِلَافُهَا فَيُتَّبَعُ مَا ثَبَتَ عَنْهُ وَلِذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَشَى فِي اللُّبَابِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، فَقَالَ
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْجُدَ عَلَيْهِ وَيُكَرِّرَهُ مَعَ التَّقْبِيلِ ثَلَاثًا اهـ قَالَ شَارِحُهُ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ رَشِيدُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ
وَكَذَا نَقَلَ السُّجُودَ عَنْ أَصْحَابِنَا الْعِزُّ بْنُ جَمَاعَةَ لَكِنْ نَقَلَ الْكَاكِيُّ إلَخْ.
(ثم استقبل الحجر) الأسود لأنك تبدأ حين دخولك بتحية البيت وهي الطواف دون الصلاة اقتداء بفعله عليه الصلاة والسلام وإلا أن تدخل في وقت منع الناس من الطواف فيه أو كان عليه فائتة أو خاف خروج وقت المكتوبة أو فوت جماعتها أو الوتر أو سنة راتبة فيقدم كل ذلك على الطواف ثم طف فإن كنت حلالاً فطواف التحية أو محرمًا بالحج فطواف القدوم هذا إن دخل قبل النحر وإن دخل فيه أغنى طواف الفرض عن التحية أو بالعمرة فطوافها وللطواف قدوم لها كذا في (الفتح) /.
ووصف الحجر بالأسود باعتبار ما هو عليه الآن وإلا فقد أخرج الترمذي وصححه من حديث ابن عباس مرفوعًا: (نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضًا من اللبن فسودته خطايا بني أدم) قال العسقلاني: وطعن بعض الملحدين كيف سودته الخطايا ولم تبيضه الطاعات أجيب عنه بأن الله أجرى عادته أن السواد يصبغ ولا يتصبغ وبأن في ذلك عظة ظاهرة هي تأثير الذنوب في الحجارة السواد فالقلوب أولى لكن أخرج الهندي في (فضائل مكة) بسند ضعيف عن ابن عباس: (إنما غير بالسواد لئلا ينظر أهل الدنيا لزينة الجنة) فإن ثبت هذا فهو الجواب (مهللاً مكبرًا) مستلمًا بلا إيذاء وطف مضطبعًا، لأنه- صلي الله عليه وسلم- دخل المسجد فبدأ بالحجر فاستقبله فكبر وهلل رواه أحمد (مستلمًا) إليه استلامه تناوله باليد أو القبلة أو مسحه بالكف من السلمة بفتح السين وكسر اللام وهي الحجر والاستلام طلبه كذا في (المغرب) .
وقال الأزهري: من السلام بالفتح بمعنى التحية ولهذا سمي المحيا عند أهل اليمن لأن الناس يحيونه وعند الفقهاء هو أن يضع كفيه عليه ويقبله ففيه بلا صوت وفي (الخانية) ذكر مسح الوجه باليد مكان التقبيل لكن بعد أن يرفع يديه كما في الصلاة كذا في (المجتبى) و (مناسك الكرماني) زاد في (التحفة) ويرسلهما ثم يستلم وفي (البدائع) وغيرها الصحيح أن يرفعهما حذو منكبيه وهل يندب السجود عليه نقل ابن عبد السلام الشافعي عن أصحابنا ذلك وعن ابن عباس أنه كان يقبله ويسجد عليه وقال: رأيت عمر فعل ذلك ثم قال: (رأيت وسول الله- صلي الله عليه وسلم- يفعله ففعلت) رواه ابن المنذر والحاكم وصححه في (المعراج) وعن الشافعي أنه يقبله ويسجد عليه وعليه جمهور أهل العليا وقال مالك: السجود عليه بدعة وعندنا الأولى أن لا يسجد لعدم الرواية في المشاهير وجزم في (البحر) بضعف ما في (المعراج) وفيه نظر إذ صاحب الدار أدرى. (بلا إيذاء) لقوله- صلي الله عليه وسلم-: (لعمر إنك رجل قوى لا تزاحم الناس على الحجر فتؤذي الضعيف إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وكبر وهلل) رواه أحمد لأبنه سنة والتحرز عن الإيذاء واجب وأورد أن كف النظر عن العورة واجب وقد ترك لإقامة سنة الختان وأجيب بأنه من سوق الهدي ولأنه لا خلف له
بخلاف الاستلام قال بعض المتأخرين: والصواب أن يقال: وجوب الكف مقيد بغير الضرورة ومنها الختان
والحاصل أنه إن لم يمكنه تقبيله بلا إيذاء وضع يديه وقبلهما أو أحدهما فإن لم يقدر أمر شيئا كالعرجون وقبله فإن لم يقدر رفع يديه على ما مر والمقتبلة بباطن كفيه وفي بقية الرفع في الحب يجعل يعني ناطق كفيه نحو السمراء إلا عند الجمرتين فنحو الكعبة في ظاهر الرواية كذا في (الخانية) .
(ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ مُكَبِّرًا مُهَلِّلًا مُسْتَلِمًا بِلَا إيذَاءٍ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَبَدَأَ بِالْحَجَرِ فَاسْتَقْبَلَهُ فَكَبَّرَ وَهَلَّلَ»«وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ يَا عُمَرُ، إنَّك رَجُلٌ قَوِيٌّ فَلَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِي الضَّعِيفَ إنْ وَجَدْت خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ وَهَلِّلْ وَكَبِّرْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِلَامَ سُنَّةٌ وَتَرْكُ الْإِيذَاءِ وَاجِبٌ فَالْإِتْيَانُ بِالْوَاجِبِ أَوْلَى وَكَيْفِيَّةُ الِاسْتِلَامِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْحَجَرِ وَيُقَبِّلَ الْحَجَرَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْذِيَ أَحَدًا لِقَوْلِ ابْنُ عُمَرَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ
وَعَنْهُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «اسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ وَوَضَعَ شَفَتَهُ عَلَيْهِ وَبَكَى طَوِيلًا فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ يَا عُمَرُ هَهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْحَجَرِ وَقَبَّلَهُمَا لِقَوْلِ نَافِعٍ رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ وَقَالَ مَا تَرَكْته مُنْذُ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ أَمَسَّ الْحَجَرَ شَيْئًا كَالْعُرْجُونِ وَنَحْوَهُ وَقَبَّلَهُ لِقَوْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ،
وَإِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ رَفَعَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ وَجَعَلَ بَاطِنَهُمَا نَحْوَ الْحَجَرِ مُشِيرًا بِهِمَا إلَيْهِ كَأَنَّهُ وَاضِعٌ يَدَيْهِ عَلَيْهِ وَظَاهِرُهُمَا نَحْوَ وَجْهِهِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ» وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا وَجَدَ الزِّحَامَ عَلَى الْحَجَرِ اسْتَقْبَلَهُ وَكَبَّرَ وَدَعَا إنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى الْحَجَرِ سَجَدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ سَجَدَ عَلَيْهِ فَقَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ هَكَذَا وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ وَيَقُولُ إنِّي أَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُك لَمَا قَبَّلْتُك رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَزَادَ الْأَزْرَقِيُّ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ قَالَ وَبِمَ قُلْت قَالَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ وَأَيْنَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} قَالَ فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَسَحَ ظَهْرَهُ فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ ظَهْرِهِ فَقَرَّرَهُمْ أَنَّهُ الرَّبُّ وَأَنَّهُمْ الْعَبِيدُ ثُمَّ كَتَبَ مِيثَاقَهُمْ فِي رَقٍّ وَكَانَ هَذَا الْحَجَرُ لَهُ عَيْنَانِ وَلِسَانٌ فَقَالَ لَهُ افْتَحْ فَاكَ فَأَلْقَمَهُ ذَلِكَ وَجَعَلَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَالَ تَشْهَدُ لِمَنْ وَافَاك بِالْمُوَافَاةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ أَعِيشَ فِي قَوْمٍ لَسْت فِيهِمْ يَا أَبَا الْحَسَنِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عُمَرُ؛
لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ فَخَشِيَ أَنْ يَظُنَّ الْجَاهِلُ أَنَّ اسْتِلَامَ الْحَجَرِ مِنْ ذَلِكَ فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِهِ إلَّا تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلِيٌّ لَمْ يُخَالِفْهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ وَعُمَرُ لَمْ يُنْكِرْ نَفْعَهُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَيَقُولُ بَعْدَ الِاسْتِلَامِ اللَّهُمَّ إيمَانًا بِك وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِك وَوَفَاءً بِعَهْدِك وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ إلَيْك بَسَطْت يَدِي وَفِيمَا عِنْدَك عَظُمَتْ رَغْبَتِي فَاقْبَلْ دَعْوَتِي وَأَقِلْنِي عَثْرَتِي وَارْحَمْ تَضَرُّعِي وَجُدْ لِي بِمَغْفِرَتِك وَأَعِذْنِي مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ يَقُولُهُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ مُسْتَلِمًا) يَعْنِي بَعْدَ الرَّفْعِ لِلِافْتِتَاحِ وَالتَّكْبِيرِ تَسْتَلِمُهُ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ وَيُقَبِّلْ الْحَجَرَ) ثُمَّ هَذَا التَّقْبِيلُ لَا يَكُونُ لَهُ صَوْتٌ اهـ فَتْحٌ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْحَجَرِ وَقَبَّلَهُمَا) وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ مَسَحَ الْوَجْهَ بِالْيَدِ مَكَانَ تَقْبِيلِ الْيَدِ. اهـ. فَتْحٌ قَالَ ابْنُ الْمُلَقَّنِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ لَا يُشْرَعُ التَّقْبِيلُ إلَّا لِلْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالْمُصْحَفِ وَلِأَيْدِي الصَّالِحِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَلِلْقَادِمَيْنِ مِنْ السَّفَرِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ أَمْرَدَ وَلَا امْرَأَةً مُحَرَّمَةً وَلِوُجُوهِ الْمَوْتَى الصَّالِحِينَ وَمَنْ نَطَقَ بِعِلْمٍ أَوْ حِكْمَةٍ يُنْتَفَعُ بِهَا وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَفِعْلِ السَّلَفِ
فَأَمَّا تَقْبِيلُ الْأَحْجَارِ وَالْقُبُورِ وَالْجُدَرَانِ وَالسُّتُورِ وَأَيْدِي الظَّلَمَةِ وَالْفَسَقَةِ وَاسْتِلَامِ ذَلِكَ جَمِيعِهِ فَلَا يَجُوزُ.
وَلَوْ كَانَتْ أَحْجَارَ الْكَعْبَةِ أَوْ الْقَبْرَ الْمُشَرَّفَ أَوْ جِدَارَ حُجْرَتِهِ أَوْ سُتُورَهُمَا أَوْ صَخْرَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَإِنَّ التَّقْبِيلَ وَالِاسْتِلَامَ وَنَحْوَهُمَا تَعْظِيمٌ وَالتَّعْظِيمُ خَاصٌّ بِاَللَّهِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا فِيمَا أَذِنَ فِيهِ اهـ قَوْلُهُ لَا يُشْرَعُ التَّقْبِيلُ إلَّا لِلْحَجَرِ الْأَسْوَدِ أَيْ وَعَتَبَةِ الْكَعْبَةِ نَصَّ عَلَيْهَا فِي الْمَجْمَعِ وَسَتَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ
وَكَذَلِكَ الرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ نَصَّ عَلَيْهِ الْوَلْوَالِجِيُّ وَالشَّارِحُ. اهـ.
(قَوْلُهُ كَالْعُرْجُونِ) ، وَهُوَ الْعَذْقُ الَّذِي يُعْوَجُّ وَيُقْطَعُ مِنْهُ الشَّمَارِيخُ فَيَبْقَى عَلَى النَّخْلِ يَابِسًا وَفِي الْمُغْرِبِ أَصْلُ الْكِبَاسَةِ لِانْعِرَاجِهِ وَاعْوِجَاجِهِ. اهـ. كَاكِيٌّ
(قَوْلُهُ بِمِحْجَنٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ عُودٌ مُعَقَّفُ الرَّأْسِ وَمَائِلُهُ وَالْحَجَنُ الِاعْوِجَاجُ وَالْمِحْجَنَةُ الْجُوكَانُ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ، وَإِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى الْحَجَرِ سَجَدَ إلَخْ)
قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهَلْ يُسْتَحَبُّ السُّجُودُ عَلَى الْحَجَرِ عَقِيبَ التَّقْبِيلِ فَعَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُهُ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ بِجَبْهَتِهِ وَقَالَ رَأَيْت عُمَرَ قَبَّلَهُ ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ ذَلِكَ فَفَعَلْته» رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سَجَدَ عَلَى الْحَجَرِ» وَصَحَّحَهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ مُرْسَلُ صَحَابِيٍّ لِمَا صَرَّحَ بِهِ مِنْ تَوَسُّطِ عُمَرَ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ قِوَامَ الدِّينِ الْكَاكِيَّ قَالَ وَعِنْدَنَا الْأَوْلَى أَنْ لَا يَسْجُدَ لِعَدَمِ الرِّوَايَةِ فِي الْمَشَاهِيرِ وَنَقَلَ السُّجُودَ عَنْ أَصْحَابِنَا الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي مَنَاسِكِهِ اهـ قَالَ السُّرُوجِيُّ فِي الْغَايَةِ وَكَرِهَ مَالِكٌ وَحْدَهُ السُّجُودَ عَلَى الْحَجَرِ وَقَالَ إنَّهُ بِدْعَةٌ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. اهـ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.