ثمّ إلى المحصّب فطف للصّدر سبعة أشواطٍ
الشروح عليها
(قَوْلُهُ ثُمَّ إلَى الْمُحَصَّبِ) أَيْ ثُمَّ رُحْ إلَيْهِ وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ الْأَبْطَحُ مَوْضِعٌ ذَاتُ حَصًى بَيْنَ مِنًى وَمَكَّةَ، وَلَيْسَتْ الْمَقْبَرَةُ مِنْهُ وَكَانَتْ الْكُفَّارُ اجْتَمَعُوا فِيهِ وَتَحَالَفُوا عَلَى إضْرَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِيهِ إرَاءَةً لَهُمْ لَطِيفَ صُنْعِ اللَّهِ بِهِ وَتَكْرِيمَهُ بِنُصْرَتِهِ فَصَارَ ذَلِكَ سُنَّةً كَالرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ، وَعِبَارَةُ الْمَجْمَعِ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَالَ ثُمَّ يَنْزِلُ بِالْمُحَصَّبِ فَإِنَّ الرَّوَاحَ إلَيْهِ لَا يَسْتَلْزِمُ النُّزُولَ فِيهِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَيَنْزِلُ بِالْمُحَصَّبِ سَاعَةً وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيُصَلِّي فِيهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَيَهْجَعُ هَجْعَةً ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ اهـ.
فَحَاصِلُهُ أَنَّ النُّزُولَ بِهِ سَاعَةً مُحَصِّلٌ لِأَصْلِ السُّنَّةِ،
وَأَمَّا الْكَمَالُ فَمَا ذَكَرَهُ الْكَمَالُ. (قَوْلُهُ فَطُفْ لِلصَّدْرِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ وَهُوَ وَاجِبٌ إلَّا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ) وَلَهُ خَمْسَةُ أَسَامٍ مَا فِي الْكِتَابِ لِأَنَّهُ يَصْدُرُ عَنْهُ أَيْ يَرْجِعُ وَالصَّدْرُ الرُّجُوعُ وَطَوَافُ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّهُ يُوَدِّعُ الْبَيْتَ بِهِ وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ لِأَجْلِهِ يُفِيضُ إلَى الْبَيْتِ مِنْ مِنًى وَطَوَافُ آخِرِ عَهْدٍ بِالْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُ لَا طَوَافَ بَعْدَهُ وَطَوَافُ الْوَاجِبِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالصَّدْرِ الَّذِي هُوَ الرُّجُوعُ فَعِنْدَنَا هُوَ الرُّجُوعُ عَنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هُوَ الرُّجُوعُ إلَى أَهْلِهِ وَيُبْتَنَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ طَافَ لِلصَّدْرِ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ لِشُغْلٍ لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ،
وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِلِاخْتِصَاصِ وَهُوَ
إمَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الصَّدْرَ سَبَبٌ أَوْ شَرْطٌ وَكُلٌّ مِنْهُمَا سَابِقٌ عَلَى الْحُكْمِ وَهُوَ بِمَا قُلْنَا وَعَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ مُتَأَخِّرًا عَنْ الْحُكْمِ وَالْفَرَاغُ عَنْ الْأَفْعَالِ يُسَمَّى صُدُورًا وَرُجُوعًا عَنْهَا إلَى الْحَالَةِ الَّتِي كَانَتْ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَقْتَهُ وَلَهُ وَقْتَانِ وَقْتُ الْجَوَازِ وَوَقْتُ الِاسْتِحْبَابِ، فَالْأَوَّلُ أَوَّلُهُ بَعْدَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ إذَا كَانَ عَلَى عَزْمِ السَّفَرِ حَتَّى لَوْ طَافَ كَذَلِكَ ثُمَّ أَطَالَ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ وَلَوْ سَنَةً وَلَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ بِهَا، وَلَمْ يَتَّخِذْهَا دَارًا جَازَ طَوَافُهُ
وَأَمَّا آخِرُهُ فَلَيْسَ بِمُوَقَّتٍ مَا دَامَ مُقِيمًا حَتَّى لَوْ أَقَامَ عَامًا لَا يَنْوِي الْإِقَامَةَ فَلَهُ أَنْ يَطُوفَ وَيَقَعُ أَدَاءً،
وَالثَّانِي أَنْ يُوقِعَهُ عِنْدَ إرَادَةِ السَّفَرِ حَتَّى رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَوْ طَافَهُ ثُمَّ أَقَامَ إلَى الْعِشَاءِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَطُوفَ طَوَافًا آخَرَ لِيَكُونَ تَوْدِيعُ الْبَيْتِ آخِرَ مَوْرِدِهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْمُصَنِّفُ لَهُ نِيَّةً مُعَيَّنَةً فَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ طَافَ بَعْدَمَا أَحَلَّ النَّفْرَ وَنَوَى التَّطَوُّعَ أَجْزَأَهُ عَنْ الصَّدْرِ كَمَا لَوْ طَافَ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَقَعَ عَنْ الْفَرْضِ، وَأَفَادَ بِبَيَانِ صِفَتِهِ أَنَّهُ لَوْ نَفَرَ وَلَمْ يَطُفْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ فَيَطُوفَهُ، لَكِنْ قَالُوا مَا لَمْ يُجَاوِزْ الْمَوَاقِيتَ فَإِنْ جَاوَزَهَا لَمْ يَجِبْ الرُّجُوعُ عَيْنًا بَلْ
إمَّا أَنْ يَمْضِيَ وَعَلَيْهِ دَمٌ،
وَإِمَّا أَنْ يَرْجِعَ فَيَرْجِعَ بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْمِيقَاتَ لَا يُجَاوَزُ بِلَا إحْرَامٍ فَيُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ فَإِذَا رَجَعَ ابْتَدَأَ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ ثُمَّ يَطُوفُ لِلصَّدْرِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِتَأْخِيرِهِ، وَقَالُوا الْأَوْلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ وَيُرِيقَ دَمًا؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ وَأَيْسَرُ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ ضَرَرِ الْتِزَامِ الْإِحْرَامِ وَمَشَقَّةِ الطَّرِيقِ وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهِ مِنْ السُّنَّةِ أَحَادِيثُ أَصْرَحُهَا مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَانُوا يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَنْصَرِفَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» ، وَأَرَادَ بِأَهْلِ مَكَّةَ مَنْ اتَّخَذَ مَكَّةَ أَوْ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ دَارًا فَلَا طَوَافَ صَدْرٍ عَلَى مَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ
وَكَذَا الْآفَاقِيُّ الَّذِي اتَّخَذَ مَكَّةَ دَارًا ثُمَّ بَدَا لَهُ الْخُرُوجُ وَقَيَّدَهُ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنْ يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ النَّفْرَ الْأَوَّلَ،
وَأَمَّا إنْ نَوَاهُ بَعْدَهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. اهـ.
وَالظَّاهِرُ الْإِطْلَاقُ وَحَكَى الْخِلَافَ فِي الْمَجْمَعِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْرِ الْأَوَّلِ الرُّجُوعُ إلَى مَكَّةَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ
وَكَذَا لَا طَوَافَ صَدْرٍ عَلَى مَكِّيٍّ إذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْهَا وَقَيَّدَ بِالْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَمِرَ لَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافُ الصَّدْرِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ أَدْرَكَ الْحَجَّ فَإِنَّ فَائِتَ الْحَجِّ لَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافُ الصَّدْرِ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ مُسْتَحِقٌّ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ كَالْمُعْتَمِرِ
وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا سَعْيَ عَلَيْهِ وَلَا رَمْيَ فِي هَذَا الطَّوَافِ لِعَدَمِ ذِكْرِهِمَا، وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ مَعَ أَهْلِ مَكَّةَ فِي سُقُوطِهِ عَنْهُمْ لِمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ
وَلِمَا عُلِمَ أَنَّ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ تَسْقُطُ بِالْعُذْرِ، وَقَدْ صَرَّحَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ بِسُقُوطِ طَوَافِ الصَّدْرِ بِالْعُذْرِ وَالْحَيْضِ، وَالنِّفَاسُ عُذْرٌ وَلِهَذَا
قَالَ فِي الْمُحِيطِ لَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ يَلْزَمُهَا طَوَافُ الصَّدْرِ،
وَإِنْ جَاوَزَتْ بُيُوتَ مَكَّةَ مَسِيرَةَ سَفَرٍ وَطَهُرَتْ فَلَيْسَ عَلَيْهَا الْعَوْدُ،
وَكَذَا لَوْ انْقَطَعَ دَمُهَا فَلَمْ تَغْتَسِلْ وَلَمْ يَذْهَبْ وَقْتُ الصَّلَاةِ حَتَّى لَوْ خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ لَمْ يَلْزَمْهَا الْعَوْدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا أَحْكَامُ الطَّاهِرَاتِ وَقْتَ الطَّوَافِ،
وَإِنْ خَرَجَتْ وَهِيَ حَائِضٌ ثُمَّ اغْتَسَلَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ إلَى مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ تُجَاوِزَ الْمَوَاقِيتَ فَعَلَيْهَا الطَّوَافُ وَإِنْ جَاوَزَتْ فَلَا تَعُودُ إلَّا بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ
وَأَشَارَ بِطَوَافِ الصَّدْرِ إلَى الرُّجُوعِ إلَى أَهْلِهِ وَعَدَمِ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ وَلِهَذَا
قَالَ فِي الْمَجْمَعِ بَعْدَهُ ثُمَّ يَعُودُ إلَى أَهْلِهِ، وَالْمُجَاوَرَةُ بِهَا مَكْرُوهَةٌ يَعْنِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لَا تُكْرَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} وَالْمُجَاوَرَةُ هِيَ الْعُكُوفُ وَلَهُ أَنَّ الْمُجَاوَرَةَ فِي الْعَادَةِ تُفْضِي إلَى الْإِخْلَالِ بِإِجْلَالِ بَيْتِ اللَّهِ لِكَثْرَةِ الْمُشَاهَدَةِ، وَالْعُكُوفُ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى اللُّبْثِ دُونَ الْمُجَاوَرَةِ، وَقَدْ قَرَّرَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فِيهَا كَلَامًا حَسَنًا فَرَاجِعْهُ.
(قَوْلُهُ بَيْنَ مِنًى وَمَكَّةَ) وَحْدَهُ مَا بَيْنَ الْجَبَلِ الَّذِي عِنْدَ مَقَابِرِ مَكَّةَ وَالْجَبَلِ الَّذِي يُقَابِلُهُ مُصْعِدًا فِي الشِّقِّ الْأَيْسَرِ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إلَى مِنًى مُرْتَفِعًا عَنْ بَطْنِ الْوَادِي كَذَا فِي اللُّبَابِ
(قَوْلُهُ فَإِنَّ الرَّوَاحَ إلَيْهِ لَا يَسْتَلْزِمُ النُّزُولَ فِيهِ)
قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ فِي هَذَا الْبَابِ اسْتَعْمَلَ الرَّوَاحَ إلَى الشَّيْءِ بِمَعْنَى النُّزُولِ فِيهِ وَمِنْهُ ثُمَّ رُحْ إلَى مِنًى ثُمَّ إلَى عَرَفَاتٍ اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ.
(قَوْلُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ) فِيهِ بَيَانٌ لِمَأْخَذِ التَّقْيِيدِ مِنْ كَلَامِهِ، وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْمُعْتَمِرَ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِلتَّقْيِيدِ وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُ هَذَا بِعَيْنِهِ مِنْ الْمُؤَلِّفِ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَاقْطَعْ التَّلْبِيَةَ بِأَوَّلِهَا فَقَالَ وَقَيَّدَ بِالْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ مُدْرِكًا لِلْحَجِّ وَمَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ تَغْيِيرِ قَيَّدَ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ هُنَا إلَى لَمْ يُقَيِّدْ تَحْرِيفٌ نَاشِئٌ عَنْ عَدَمِ الْفَهْمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ النُّسْخَةُ كَذَلِكَ لَتَنَاقَضَ مَعَ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَمِرَ إلَخْ وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ إلَخْ؛
لِأَنَّ عَدَمَ التَّقْيِيدِ يُفِيدُ بِسَبَبِ إطْلَاقِهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمُعْتَمِرِ وَفَائِتِ الْحَجِّ طَوَافُ الصَّدْرِ لَا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ،
وَأَمَّا عِبَارَةُ النَّهْرِ حَيْثُ قَالَ وَلَمْ يُقَيِّدْ فَيَرُدُّ عَلَيْهَا مَا قُلْنَا وَيَبْقَى تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ ضَائِعًا فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ مَعَ أَهْلِ مَكَّةَ فِي سُقُوطِهِ عَنْهُمْ لِمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ وَلِمَا عُلِمَ أَنَّ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ تَسْقُطُ بِالْعُذْرِ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا بَعْدَ قَوْلِهِ فِي سُقُوطِهِ عَنْهُمْ لِمَا عُلِمَ فِي وَاجِبَاتِ الْحَجِّ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ جَاوَزَتْ بُيُوتَ مَكَّةَ مَسِيرَةَ سَفَرٍ) هَذَا الْقَيْدُ غَيْرُ مُعْتَبَرِ الْمَفْهُومِ دَلَّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ
وَكَذَا قَوْلُ شَارِح اللُّبَابِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْعُمْرَانِ صَارَتْ مُسَافِرَةً بِدَلِيلِ جَوَازِ الْقَصْرِ فَلَا يَلْزَمُهَا الْعَوْدُ وَلَا الدَّمُ اهـ
(قَوْلُهُ وَالْمُجَاوَرَةُ بِهَا مَكْرُوهَةٌ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَبِقَوْلِهِ قَالَ الْخَائِفُونَ الْمُحْتَاطُونَ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ قَالَ وَلَا يُظَنُّ أَنَّ كَرَاهَةَ الْقِيَامِ تُنَاقِضُ فَضْلَ الْبُقْعَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ عِلَّتُهَا ضَعْفُ الْخَلْقِ وَقُصُورُهُمْ عَنْ الْقِيَامِ بِحَقِّ الْمَوْضِعِ
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ كَوْنُ الْجِوَارِ فِي الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ كَذَلِكَ يَعْنِي مَكْرُوهًا عِنْدَهُ فَإِنَّ تَضَاعُفَ السَّيِّئَاتِ وَتَعَاظُمَهَا إنْ فُقِدَ فِيهَا فَمَخَافَةُ السَّآمَةِ وَقِلَّةِ الْأَدَبِ الْمُفْضِي إلَى الْإِخْلَالِ بِوُجُوبِ التَّوْقِيرِ وَالْإِجْلَالِ قَائِمٌ.
(ثم) رح (إلى المحصب) بضم الميم وفتح المهملتين موضع ذو حصل بين مكة ومنى، وليست المقابر منه فانزل به لأنه- صلى الله عليه وسلم- نزل به قصدًا لا اتفاقا على الأصح، وذلك أن الكفار كانوا يتحالفون فيه على إضراره عليه الصلاة والسلام فلما أجلاهم الله وأعز الإسلام نزل عليه الصلاة والسلام قراءة للطيف صنع الله به وتكويمه بنصرته فصار سنة يكون مسيئا بنوكها بلا عذر، وأدناها أن يقيم فيه ساعة، وكمالها أن يصلي فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويهجع هجعة ثم يدخل مكة.
قال في (البحر) : وعبارته في (المجمع) : ثم ينزل إذا نزل بالمحصب أولى لأن الرواح إليه لا يستلزم النزول فيه، ولا يخفى أن المصنف في هذا الباب استعمل الرواح إلى الشيء بمعنى النزول فيه ومنه ثم رد إلى منى ثم إلى عرفات (فطف) الفاء فصيحة أي: إذا رحت إليه ونزلت (للصدر) بفتحتين يعني الرجوع عن أفعال الحج ويقال له؟ طواف الوداع والإفاضة وآخر عهد بالبيت والواجب وعن الثاني وابن زياد أنه الرجوع إلى الوطن، وأثر الخلاف يظهر فيما لو أتى به ثم قام بمكة لحاجة لا يعيده عندنا خلافًا لهم نعم يندب الإعادة وأول وقته لم بعد طواف الزيارة إذا كان على عزم السفر لو طاف كذلك ثم أطال الإقامة بمكة ولم ينوها ولم يتخذها دارت جاز طوافه ولا أجر له وهو مقيم، بل لو أقام عامًا لا ينوي الإقامة فله أن يطوف ويقع أداء نعم المستحب إيقاعه عند إرادة السفر،
ولو نفر ولم يطف وما عليه ما لم يجاوز الميقات الرجوع ليطوف،
فإن جاوزه خير بين إراقة الدم والرجوع بإحرام جديد بعمرة مبتدئًا ثم بطوافها ثم بالصدر ولا شيء عليه لتأخيره، والأول أولى تيسيرًا عليه ونفعًا للفقراء. (سبعة أشواط) بيان لكميته والركن منه أكثرها، والظاهر أن ما مر من الخلاف في معنى الأكثر يأتي هنا يفترق الحال في أن الباقي من طواف الركن يجبر بالدم وفي هذا في الصادقة كما في (المحيط) ويصلي بعده ركعتين ولم يذكرهما اكتفاء بما مر،
(ثُمَّ إلَى الْمُحَصَّبِ) أَيْ رُحْ إلَى الْمُحَصَّبِ وَانْزِلْ بِهِ، وَهُوَ الْأَبْطَحُ وَيُسَمَّى الْحَصْبَاءَ وَالْبَطْحَاءَ وَالْخَيْفَ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْجَبَلِ الَّذِي عِنْدَهُ مَقَابِرُ مَكَّةَ وَالْجَبَلُ الَّذِي يُقَابِلُهُ مُصْعِدًا فِي الشِّقِّ الْأَيْسَرِ وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إلَى مِنًى مُرْتَفِعًا عَنْ بَطْنِ الْوَادِي وَلَيْسَتْ الْمَقْبَرَةُ مِنْ الْمُحَصَّبِ وَالْحَصْبَاءُ الْحَصَى وَالْأَبْطَحُ مَسِيلٌ وَاسِعٌ فِيهِ دِقَاقُ الْحَصْبَاءِ وَالْخَيْفُ مَا انْحَدَرَ مِنْ غِلَظِ الْجَبَلِ وَارْتَفَعَ عَنْ مَسِيلِ الْمَاءِ،
وَإِذَا وَصَلَ إلَيْهِ دَعَا سَاعَةً نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدْعِيَةِ وَالنُّزُولُ فِيهِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ بِسُنَّةٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ نُزُولُ الْأَبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، وَإِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَى الْمَدِينَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَيْسَ التَّحْطِيبُ بِسُنَّةٍ، إنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَأْمُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَنْزِلَ بِالْأَبْطَحِ حِينَ خَرَجَ مِنْ مِنًى وَلَكِنِّي جِئْت فَضَرَبْت لَهُ فِيهِ قُبَّةً فَنَزَلَ وَكَانَ عَلَى ثَقَلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَنَا أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «قَالَ نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى كُفْرِهِمْ» وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ حَالَفَتْ قُرَيْشًا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ وَلَا يُؤْوُهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا إلَيْهِمْ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَمَالَئُوا عَلَى مُقَاطَعَتِهِمْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا فَعُلِمَ أَنَّ نُزُولَهُ كَانَ قَصْدًا وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ النُّزُولُ بِهِ سُنَّةٌ فَقِيلَ لَهُ، إنَّ رَجُلًا يَقُولُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ فَقَالَ كَذَبَ أَنَاخَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَيُّ سُنَّةٍ أَقْوَى مِنْ هَذَا فَإِنَّ فِعْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَصْدًا وَفِعْلَ الْخُلَفَاءِ مِنْ بَعْدِهِ قَدْ ثَبَتَ فِيهِ.
وَكَانَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ظَنًّا مِنْهُمَا فَلَا يُعَارِضْ الْمَرْفُوعَ وَالْمُثْبِتُ يُقَدَّمُ أَيْضًا عَلَى النَّافِي قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (فَطُفْ لِلصَّدْرِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُحَصَّبِ ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً ثُمَّ رَكِبَ إلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلَا يَرْمُلُ فِي هَذَا الطَّوَافِ لِمَا بَيَّنَّا وَيُسَمَّى هَذَا طَوَافَ الصَّدْرِ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُرُ عَنْهُ أَيْ يَرْجِعُ وَالصَّدْرُ رُجُوعٌ وَطَوَافُ الْوَدَاعِ؛
لِأَنَّهُ يُوَدِّعُ بِهِ الْبَيْتَ وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ لِأَجْلِهِ يُفِيضُ إلَى الْبَيْتِ مِنْ مِنًى وَطَوَافُ آخِرِ عَهْدٍ بِالْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُ لَا طَوَافَ بَعْدَهُ وَطَوَافُ الْوَاجِبِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ) أَيْ أَسْهَلَ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ) وَأَبُو رَافِعٍ هَذَا مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْدَاهُ لَهُ الْعَبَّاسُ فَلَمَّا بُشِّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِسْلَامِ الْعَبَّاسِ أَعْتَقَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْمُهُ أَسْلَمُ
وَقِيلَ إبْرَاهِيمُ وَقِيلَ ثَابِتٌ وَقِيلَ هُرْمُزُ. اهـ.
(قَوْلُهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ) الْخَيْفُ خَيْفَانِ خَيْفُ مِنًى وَخَيْفُ بَنِي كِنَانَةَ، وَهُوَ الْمُحَصَّبُ وَسُمِّيَ بِالْمُحَصَّبِ لِأَنَّ السَّيْلَ يَحْمِلُ الْحَصْبَاءَ مِنْ مَوْضِعِ الْجَرْيِ فَتَقِفُ فِيهِ. اهـ. كَاكِيٌّ
(قَوْلُهُ حَيْثُ تَقَاسَمَتْ) أَيْ تَعَاهَدَتْ وَتَحَالَفَتْ. اهـ. كَيْ
(قَوْلُهُ عَلَى كُفْرِهِمْ) وَفِي الْفَوَائِدِ قَوْلُهُ عَلَى شِرْكِهِمْ أَيْ مَعَ شِرْكِهِمْ وَعَلَى بِمَعْنَى مَعَ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ يَقُولُ الشِّعْرَ عَلَى صِغَرِ سِنِّهِ أَيْ مَعَ صِغَرٍ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ يَكُونُونَ مَعَ الشِّرْكِ لَا مَحَالَةَ يَحْلِفُونَ مِنْ شِرْكِهِمْ لَا، إنَّهُمْ كَانُوا شُرَكَاءَ وَفِي وَقْتِ الْحَلِفِ كَانُوا مُسْلِمِينَ. اهـ. كَاكِيٌّ
(قَوْلُهُ وَطَوَافَ الْإِفَاضَةِ) هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ هُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ
وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ هُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ
وَقَالَ فِي نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ الْإِفَاضَةُ الزَّحْفُ وَالدَّفْعُ فِي السَّيْرِ بِكَثْرَةٍ وَلَا يَكُونُ إلَّا عَنْ تَفَرُّقٍ وَجَمْعٍ وَأَصْلُ الْإِفَاضَةِ الصَّبُّ فَاسْتُعِيرَتْ لِلدَّفْعِ فِي السَّيْرِ وَأَصْلُهُ أَفَاضَ نَفْسَهُ أَوْ رَاحِلَتَهُ فَرَفَضُوا ذَكَرَ الْمَفْعُولَ حَتَّى أَشْبَهَ غَيْرَ الْمُتَعَدِّي وَمِنْهُ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ يُفِيضُ مِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ فَيَطُوفُ ثُمَّ يَرْجِعُ وَأَفَاضَ الْقَوْمُ فِي الْحَدِيثِ يُفِيضُونَ إذَا انْدَفَعُوا فِيهِ اهـ لَكِنَّ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ هُنَا مُوَافِقٌ لِمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَدْ قَدَّمَ الشَّارِحُ فِي الْوَرَقَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أَنَّ طَوَافَ الرُّكْنِ يُسَمَّى طَوَافَ الْإِفَاضَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَطَافَ الْوَاجِبَ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ. اهـ. غَايَةٌ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.