هو أفضل ثمّ التّمتّع ثمّ الإفراد
الشروح عليها
(بَابُ الْقِرَانِ) هُوَ مَصْدَرُ قَرَنَ مِنْ بَابِ نَصَرَ وَفِعَالٌ يَجِيءُ مَصْدَرًا مِنْ الثَّلَاثِي كَلِبَاسٍ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُقَالُ قَرَنْت الْبَعِيرَيْنِ إذَا جَمَعْت بَيْنَهُمَا بِحَبْلٍ، وَسَيَأْتِي مَعْنَاهُ شَرْعًا ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُحْرِمِينَ أَرْبَعَةٌ مُفْرِدٌ بِالْحَجِّ إنْ أَحْرَمَ بِهِ مُفْرَدًا أَوْ مُفْرِدٌ بِالْعُمْرَةِ إنْ أَحْرَمَ بِهَا فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَطَافَ لَهَا كَذَلِكَ حَجَّ مِنْ عَامِهِ أَوْ لَا أَوْ طَافَ فِيهَا وَلَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ أَوْ أَحْرَمَ بِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَطَافَ كَذَلِكَ وَلَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ أَوْ حَجَّ وَأَلَمَّ بَيْنَهُمَا بِأَهْلِهِ إلْمَامًا صَحِيحًا، وَمُتَمَتِّعٌ إنْ أَتَى بِأَكْثَرِ أَشْوَاطِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بَعْدَمَا أَحْرَمَ بِهَا فَقَطْ مُطْلَقًا، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلِمَّ بِأَهْلِهِ إلْمَامًا صَحِيحًا وَقَارِنٌ إنْ أَحْرَمَ بِهِمَا مَعًا، أَوْ أَدْخَلَ إحْرَامَ الْحَجِّ عَلَى إحْرَامِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لَهَا أَكْثَرَ الْأَشْوَاطِ أَوْ أَدْخَلَ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ إلَى إحْرَامِ الْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لِلْقُدُومِ وَلَوْ شَوْطًا وَلَا إسَاءَةَ فِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَهُوَ قَارِنٌ مُسِيءٌ فِي الثَّالِثِ،
وَأَمَّا الْإِحْرَامُ الْمُبْهَمُ كَأَنْ يُحْرِمَ بِنُسُكٍ مُبْهَمٍ ثُمَّ يَصْرِفَهُ إلَى مَا شَاءَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ لَهُمَا الْإِحْرَامُ الْمُعَلَّقُ كَأَنْ يُحْرِمَ بِإِحْرَامٍ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ فَلَيْسَ خَارِجًا عَنْ الْأَرْبَعَةِ كَمَا لَا يَخْفَى. (قَوْلُهُ هُوَ أَفْضَلُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْإِفْرَادُ) بَيَانٌ لِأَمْرَيْنِ الْأَوَّلُ جَوَازُ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إلَّا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَمْرٍو وَعَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا كَانَ يَنْهَيَانِ عَنْ التَّمَتُّعِ، وَحَمَلَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى نَهْيِ التَّنْزِيهِ حَمْلًا لِلنَّاسِ عَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ لَا أَنَّهُمَا يَعْتَقِدَانِ بُطْلَانَهُ مَعَ عِلْمِهِمَا بِالْآيَةِ الشَّرِيفَةِ، وَحَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فَسْخُ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ ضَعِيفٌ؛
لِأَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ يَقْتَضِي خِلَافَهُ، وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَيْضًا،
أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} دَلِيلُ الْإِفْرَادِ.
وَقَوْلُهُ {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} دَلِيلُ الْقِرَانِ، وَقَوْلُهُ {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} دَلِيلُ التَّمَتُّعِ،
وَأَمَّا الثَّانِي فَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَجِّ»
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «مِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا وَمِنَّا مَنْ قَرَنَ وَمِنَّا مَنْ تَمَتَّعَ» الثَّانِي تَفْضِيلُ الْقِرَانِ ثُمَّ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْإِفْرَادُ، وَفَضَّلَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ الْإِفْرَادَ، وَفَضَّلَ أَحْمَدُ التَّمَتُّعَ وَأَصْلُهُ الِاخْتِلَافُ فِي حِجَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ الْكَلَامَ فِيهَا، وَأَوْسَعُهُمْ نَفَسًا فِي ذَلِكَ الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى أَلْفِ وَرَقَةٍ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْ الِاخْتِلَافِ أَيْسَرَ مِنْ هَذَا وَإِنْ كَانَ الْغَلَطُ فِيهِ قَبِيحًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُبَاحٌ يَعْنِي لَمَّا كَانَتْ الثَّلَاثَةُ مُبَاحَةً لَمْ يَكُنْ فِي الِاخْتِلَافِ تَغْيِيرُ حُكْمٍ لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ حِجَّةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى نَقْلِهَا كَانَ اخْتِلَافُهُمْ قَبِيحًا مِنْهُمْ فَمَا يُرَجِّحُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ قَارِنًا مَا رَوَاهُ عَلِيٌّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَأَنَسٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِرِوَايَاتٍ كَثِيرَةٍ وَعِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَحَفْصَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَمِمَّا يُرَجِّحُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ مُفْرِدًا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَمِمَّا يُرَجِّحُ أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا مَا ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَجَمَعَ أَئِمَّتُنَا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ سَبَبَ رِوَايَةِ الْإِفْرَادِ سَمَاعُ مَنْ رَأَى تَلْبِيَتَهُ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ، وَرِوَايَةِ التَّمَتُّعِ سَمَاعُ مَنْ سَمِعَهُ يُلَبِّي بِالْعُمْرَةِ، وَرِوَايَةِ الْقِرَانِ سَمَاعُ مَنْ سَمِعَهُ يُلَبِّي بِهِمَا، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ إفْرَادِ ذِكْرِ نُسُكٍ فِي التَّلْبِيَةِ وَعَدَمِ ذِكْرِ شَيْءٍ أَصْلًا وَجِهَةٌ أُخْرَى مَعَ نِيَّةِ الْقِرَانِ فَهُوَ نَظِيرُ سَبَبِ الِاخْتِلَافِ فِي تَلْبِيَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَكَانَتْ دُبُرَ الصَّلَاةِ أَوْ عِنْدَ اسْتِوَاءِ نَاقَتِهِ أَوْ حِينَ عَلَا عَلَى الْبَيْدَاءِ فَرَوَى كُلٌّ بِحَسَبِ مَا سَمِعَ، وَمَا يُرَجِّحُ الْقِرَانَ أَنَّ مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ رَوَى التَّمَتُّعَ فَتَنَاقَضَ
بِخِلَافِ مَنْ رَوَى التَّمَتُّعَ وَهُوَ بِلُغَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَعُرْفِ الصَّحَابَةِ أَعَمُّ مِنْ الْقِرَانِ، وَتَرَجَّحَ الْفَرْدُ الْمُسَمَّى بِالْقِرَانِ فِي الِاصْطِلَاحِ بِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ رَكْعَتَيْنِ» وَقُلْ عُمْرَةٌ فِي حِجَّةٍ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ امْتِثَالِ مَا أُمِرَ بِهِ فِي مَقَامِهِ الَّذِي هُوَ وَحْيٌ وَلِأَئِمَّتِنَا تَرْجِيحَاتٌ كَثِيرَةٌ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالصَّوَابُ الَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوَّلًا مُفْرِدًا ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ فَصَارَ قَارِنًا وَإِدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ جَائِزٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا وَعَلَى الْأَصَحِّ لَا يَجُوزُ لَنَا، وَجَازَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِلْكَ السَّنَةَ لِلْحَاجَةِ وَأَمَرَ بِهِ فِي قَوْلِهِ لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحِجَّةً فَمَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا اعْتَمَدَ أَوَّلَ الْإِحْرَامِ،
وَمَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا اعْتَمَدَ آخِرَهُ،
وَمَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَرَادَ التَّمَتُّعَ اللُّغَوِيَّ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ بِأَنْ كَفَاهُ عَنْ النُّسُكَيْنِ فِعْلٌ وَاحِدٌ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَعْتَمِرْ تِلْكَ السَّنَةَ عُمْرَةً مُفْرَدَةً لَا قَبْلَ الْحَجِّ وَلَا بَعْدَهُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ مِنْ إفْرَادِ الْحَجِّ مِنْ غَيْرِ عُمْرَةٍ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ جُعِلَتْ حِجَّتُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُفْرَدَةً لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ اعْتَمَرَ تِلْكَ السَّنَةَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ الْحَجَّ وَحْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَانِ اهـ.
وَبِهَذَا تَبَيَّنَ صِحَّةُ مَا فِي النِّهَايَةِ مِنْ أَنَّ مَحَلَّ الِاخْتِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ إنَّمَا هُوَ أَنَّ إفْرَادَ كُلِّ نُسُكٍ بِإِحْرَامٍ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ أَفْضَلُ أَوْ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ أَفْضَلُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِتَفْضِيلِ الْحَجِّ وَحْدَهُ عَلَى الْقِرَانِ وَتَبَيَّنَ بِهِ بُطْلَانُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا رَدًّا عَلَى صَاحِبِ النِّهَايَةِ.
وَمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ حِجَّةٌ كُوفِيَّةٌ وَعُمْرَةٌ كُوفِيَّةٌ أَفْضَلُ عِنْدِي مِنْ الْقِرَانِ فَلَيْسَ بِمُوَافِقٍ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي تَفْضِيلِ الْإِفْرَادِ فَإِنَّهُ يُفَضِّلُ الْإِفْرَادَ سَوَاءٌ أَتَى بِنُسُكَيْنِ فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي سُفْرَتَيْنِ وَمُحَمَّدٌ إنَّمَا فَضَّلَ الْإِفْرَادَ إذَا اشْتَمَلَ عَلَى سَفَرَيْنِ، وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ لُزُومِ مُوَافَقَةِ مُحَمَّدٍ لِلشَّافِعِيِّ.
(قَوْلُهُ وَطَافَ لَهَا كَذَلِكَ) أَيْ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَقَوْلُهُ أَوْ طَافَ فِيهَا أَيْ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَقَوْلُهُ كَذَلِكَ أَيْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ
(قَوْلُهُ فِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ) أَيْ مِنْ أَقْسَامِ الْقَارِنِ الثَّلَاثَةِ
(قَوْلُهُ وَفَضَّلَ أَحْمَدُ التَّمَتُّعَ) قَالَ الْمَرْحُومُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَفَنْدِي الْعِمَادِيُّ مُفْتِي دِمَشْقَ الشَّامِ فِي مَنْسَكِهِ الْمُسَمَّى الْمُسْتَطَاعَ مِنْ الزَّادِ مَا حَاصِلُهُ أَنِّي لَمَّا حَجَجْت اخْتَرْت التَّمَتُّعَ لِمَا أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ وَأَسْهَلُ مِنْ الْقِرَانِ لِمَا عَلَى الْقَارِنِ مِنْ مَشَقَّةِ جَمْعِ أَدَاءِ النُّسُكَيْنِ
وَلِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْجِنَايَةِ مِنْ الدَّمَيْنِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلِنُكْتَةٍ أُخْرَى كَانَ التَّمَتُّعُ بِهَا لِأَمْثَالِنَا أَحْرَى، وَهِيَ إمْكَانُ الْمُحَافَظَةِ عَلَى صِيَانَةِ إحْرَامِ الْحَجِّ لِلْمُتَمَتِّعِ مِنْ الرَّفَثِ وَالْفُسُوقِ وَالْجِدَالِ فَيُرْجَى لَهُ أَنْ يَكُونَ حَجُّهُ مَبْرُورًا؛ لِأَنَّهُ مُفَسَّرٌ بِمَا لَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِيهِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمُتَمَتِّعُ أَقْرَبَ إلَى الِاحْتِرَازِ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ إلَّا بِالْعُمْرَةِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ مِنْ الْحَرَمِ فَيُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ فِي ذَيْنِك الْيَوْمَيْنِ فَيَسْلَمَ حَجُّهُ
بِخِلَافِ الْمُفْرِدِ وَالْقَارِنِ يَبْقَيَانِ مُحْرِمَيْنِ بِالْحَجِّ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ أَيَّامٍ، وَقَلَّمَا يَقْدِرُ الْإِنْسَانُ عَلَى الِاحْتِرَازِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الشِّهَابُ أَحْمَدُ الْمَنِينِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ وَهُوَ كَلَامٌ نَفِيسٌ يُرِيدُ بِهِ أَنَّ الْقِرَانَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ أَفْضَلُ مِنْ التَّمَتُّعِ لَكِنْ قَدْ يَقْتَرِنُ بِهِ مَا يَجْعَلُهُ مَرْجُوحًا بِالنَّظَرِ إلَى التَّمَتُّعِ فَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ أَنْ يَحُجَّ الرَّجُلُ قَارِنًا وَلَا يَسْلَمُ إحْرَامُهُ مِنْ الرَّفَثِ وَالْفُسُوقِ وَالْجِدَالِ وَبَيْنَ أَنْ يَحُجَّ مُتَمَتِّعًا وَيَسْلَمُ إحْرَامُهُ عَنْهَا فَالْأَوْلَى فِي حَقِّهِ أَنْ يَحُجَّ مُتَمَتِّعًا لِيَسْلَمَ حَجُّهُ وَيَكُونَ مَبْرُورًا؛
لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ الْعُمْرِ فَلْيَحْرِصْ الْحَاجُّ مَهْمَا أَمْكَنَهُ عَلَى صَوْنِهِ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ لِئَلَّا يَضِيعَ سَعْيُهُ وَمَالُهُ اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ جُعِلَتْ حَجَّتُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُفْرَدَةً إلَخْ) أَيْ مِنْ غَيْرِ إدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَيْهَا وَهَذَا مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ كَمَا لَا يَخْفَى لَا كَمَا فَهِمَهُ الرَّمْلِيُّ
(قَوْلُهُ وَتَبَيَّنَ بِهِ بُطْلَانُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ) حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ النِّهَايَةِ وَلَمْ يَنْقُلْ فِيهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا قَالَهُ حَزْرًا وَاسْتِدْلَالًا بِمَوَاضِعِ الِاحْتِجَاجِ، وَإِطْلَاقُهُمْ أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ يَرُدُّهُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يُرَادُ بِهِ الْإِفْرَادُ بِالْحَجِّ وَأَيْضًا لَوْ كَانَ كَمَا قَالَهُ لَكَانَ مُحَمَّدٌ مَعَ الشَّافِعِيِّ وَكُلُّهُمْ كَانُوا مَعَهُ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ قَوْلَهُمَا خِلَافُ ذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ اهـ. وَجَزَمَ فِي الْفَتْحِ بِمَا فِي النِّهَايَةِ.
(قَوْلُهُ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ)
قَالَ فِي النَّهْرِ وَبِهِ اسْتَغْنَى عَمَّا فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة،
وَأَمَّا لُزُومُ كَوْنِ الْكُلِّ مَعَهُ فَمَمْنُوعٌ بِقَوْلِهِ عِنْدِي.
٢٣] باب القرآن أخره عن الإفراد وإن كان أفضل لتوقف معرفته على معرفة الإفراد
قال في (المغرب) : وهو مصدر قرن بين الحج والعمرة إذا جمع بينهما وفي (الصحاح (قرن بين الحج والعمرة قرانه بالكسر وقرنت البعيرين أقرنهما قرانه إذا جمعتهما في حبل واحد وذللت الحبل يسمى القران وقرنت الشيء بالشيء وصلته وقرنته صاحبته، ومنه قران الكواكب. (هو) أي: القرآن (أفضل) من التمتع فوق الإفراد أولى، (ثم التمتع) أفضل من الإفراد بالعمرة وأفهم كلامهم جواز الكل ولا خلاف في ذللت إنما الخلاف فيما هو الأفضل فظاهر الرواية كما هنا، وروى الحسن أفضلية الإفراد على التمتع ونسب إلى الشافعي ومالك أن الإفراد أفضل ثم التمتع ثم القرآن،
وقال أحمد: التمتع أفضل (ثم الإفراد) ومنشأ الخلاف اختلاف الصحابة في حجته محليه الصلاة والسلام، ورجح علماؤنا أنه كان قارنا إذ بتقديمه يمكن الجمع بين الروايات بان ما روى الإفراد سمعه يلبي بالحج وحد هـ،
ومن روى التمتع سمعه يلبي بالعمرة وحدها،
ومن روى القرآن وهو أن يهل بالعمرة، والحج من الميقات سمعه يلبي بهما، ونظيره ما هو في إهلاله عليه الصلاة والسلام وأيضًا في (الصحيحين) عن عمر سمعته عليه الصلاة والسلام بوادي العتيق يقول: (أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك ركعتين وقل عمرة في حجة) ومعلوم أنه لا بد له من امتثال ما أمر به في مقامه الذي هو فيه. واعلم أن من فضل الإفراد يحتمل أن يريد به إفراد الحج فقط والعمرة أو كل منهما بإحرام إلمام صحيح بينهما على حدة
قال في (النهاية) : والمواد الثالث استدلالا بمواضع الاحتجاج لقولهم في دليله: إن ما في الإفراد زيادة الإحرام والسفر والحلق وهذا لا يكون إلا بالإحرام ... ؟ الكل ولقول محمد: لأن إحرامهما لو اتحد لكان هو القرآن، ورده الشارع بأنه إنما قاله حرزا واستدلالا بمواضع الخلاف لا نقلاً وإطلاقهم أفضلية الإفراد يرده لأن ظاهره يراد به الأفراد بالحج وأيضا لو كان كما قال وكان محمد مع الشافعي أو كلهم كانوا معه لأن محمدًا لم يبين أن قولهما خلاف ذلك فيحتمل أن يكون مجمعا عليه انتهى، لكن جزم في (فتح القدير) بما في (النهاية) وهو الحق فقد قال النووي: الصواب الذي نعتقده أنه- صلى الله عليه وسلم- أحرم بالحج مفردًا ثم أدخل عليه العمرة فصار قارنًا)، وهذا الإدخال وإن كان لا يجوز لنا على الأفصح، إلا أنه يجوز له- صلى الله عليه وسلم- للحاجة، ويؤيد ذلك أنه لم يعتمر تلك السنة عمرو مفردة لا قبل الحج ولا بعده، وقدمنا أنه لا خلاف أن القران أفضل من إفراد الحج بلا عمرة ولو جعلت حجته صلى الله عليه وسلم مفردة لزم أن لا يكون اعتمد تلك السنة ولم يقل أحد أن الحج وحده أفضل من القران انتهى، ولزوم كون محمد مع الشافعي ممنوع لما أنه يفضل الإفراد سواء أتى بالنسكين في سافرة واحدة أو في سفرتين ومحمد إنما فضله إذا اشتمل على سفرتين كذا في (البحر) وبه استغنى عما في (الحواشي السعدية (من أنه يجوز أن يكون معه على هذه الرواية
وأما لزوم كون الكل معه فممنوع بقوله عندي. (وهو أن يهل) أي: يحرم، وعدل عنه إيماء إلى أنه يرفع صوته بالتلبية
(بَابُ الْقِرَانِ) الْقِرَانُ مَصْدَرٌ مِنْ قَرَنْت إذَا جَمَعْت بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُقَالُ قَرَنْت الْبَعِيرَيْنِ إذَا جَمَعْت بَيْنَهُمَا بِحَبْلٍ وَالْقَارِنُ الْجَامِعُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (هُوَ أَفْضَلُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْإِفْرَادُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْقِرَانُ حَكَاهُ الْفُورَانِيُّ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ أَشْهَبُ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ ثُمَّ الْإِفْرَادُ ثُمَّ الْقِرَانُ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «تَمَتَّعَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ وَأَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيُحْلِلْ ثُمَّ يُهِلْ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ وَلَمْ يُحْلِلْ هُوَ مِنْ شَيْءٍ حُرِّمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ» الْحَدِيثَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ» بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ «تَمَتَّعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ وَلِلشَّافِعِيِّ حَدِيثُ جَابِرٍ قَالَ «أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَجِّ خَالِصًا لَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ فَقَدِمْنَا مَكَّةَ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَطُفْنَا وَسَعَيْنَا ثُمَّ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نُحِلَّ وَقَالَ لَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْت ثُمَّ قَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت مُتْعَتَنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَلْ لِلْأَبَدِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَحَكَى جَابِرٌ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ لَبَّيْكَ» الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ لَسْنَا نَنْوِي إلَّا الْحَجَّ لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَقَالَتْ عَائِشَةُ: إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَفْرَدَ الْحَجَّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخَذْت بِرِوَايَةِ جَابِرٍ لِتَقَدُّمٍ صُحْبَتِهِ وَحُسْنِ سِيَاقِهِ لِابْتِدَاءِ الْحَدِيثِ وَبِرِوَايَةِ عَائِشَةَ لِفَضْلِ حِفْظِهَا وَبِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ لِقُرْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَادَّعَى أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ أَفْرَدُوا الْحَجَّ وَاخْتِلَافُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ فِي كَرَاهِيَةِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ دُونَ الْإِفْرَادِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُمَا وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْقِرَانُ رُخْصَةٌ» فَالْعَزِيمَةُ أَوْلَى؛
وَلِأَنَّ فِي الْإِفْرَادِ زِيَادَةُ التَّلْبِيَةِ وَالسَّفَرُ وَالْحَلْقُ فَكَانَ أَوْلَى وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} وَإِتْمَامُهُمَا أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ كَذَا فَسَّرَتْهُ الصَّحَابَةُ، وَهُوَ الْقِرَانُ وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا
وَعَنْهُ «سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالتَّكْرَارُ لِتَأْكِيدِ أَمْرِ الْقِرَانِ وَعَنْ «مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ شَهِدْت عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَعُثْمَانَ يَنْهَى عَنْ الْمُتْعَةِ وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ ذَلِكَ أَهَلَّ بِهِمَا لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ فَقَالَ مَا كُنْت أَدَعُ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» لِقَوْلِ أَحَدٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّهُ قَالَ «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ ثُمَّ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَقَالَ سُرَاقَةُ «قَرَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَالَ الْهِرْمَاسُ بْنُ زِيَادٍ الْبَاهِلِيُّ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقُولُ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ» وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ «أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ كَيْفَ أَهْلَلْت قُلْت أَهْلَلْت بِإِهْلَالِك فَقَالَ أَنِّي سُقْت الْهَدْيَ وَقَرَنْت» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كَانَ قَارِنًا» وَرَوَى ذَلِكَ عَنْهُ سِتَّةَ عَشْرَ صَحَابِيًّا بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ وَهُمْ عُمَرُ وَابْنُهُ وَعَلِيٌّ وَجَابِرٌ وَعِمْرَانُ وَالْبَرَاءُ وَأَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو قَتَادَةَ وَابْنُ أَبِي أَوْفَى وَسُرَاقَةُ وَأَبُو طَلْحَةَ وَالْهِرْمَاسُ وَعَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ؛
وَلِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ فَأَشْبَهَ الصَّوْمَ مَعَ الِاعْتِكَافِ وَالْحِرَاسَةَ فِي سَبِيلِ اللَّه تَعَالَى مَعَ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالتَّلْبِيَةُ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ نُسُكٍ، وَهُوَ إرَاقَةُ الدَّمِ وَفِيهِ امْتِدَادُ إحْرَامِهِمَا
بِخِلَافِ الْمُتَمَتِّعِ وَالْمُفْرِدِ وَالسَّفَرُ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَالْحَلْقُ خُرُوجٌ عَنْ الْعِبَادَةِ فَلَا يَتَرَجَّحُ بِهَا إذْ الْمَقْصُودُ بِمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْقِرَانُ رُخْصَةٌ» نَفْيُ قَوْلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ أَوْ بِسُقُوطِ سَفَرِ الْعُمْرَةِ صَارَ رُخْصَةً؛ وَلِأَنَّ فِيمَا قُلْنَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَخْبَارِ كُلِّهَا فَكَانَ أَوْلَى بَيَانُهُ أَنَّ الْقَارِنَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُلَبِّيَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَبِأَحَدِهِمَا عَلَى الِانْفِرَادِ فِي اللَّفْظِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُلَبِّي بِهِمَا تَارَةً وَبِأَحَدِهِمَا أُخْرَى فَمَنْ سَمِعَهُ يُلَبِّي بِالْحَجِّ فَقَطْ قَالَ كَانَ مُفْرِدًا وَمَنْ سَمِعَهُ يُلَبِّي بِالْعُمْرَةِ قَالَ كَانَ مُتَمَتِّعًا وَمَنْ سَمِعَهُ يُلَبِّي بِهِمَا أَوْ عَرَفَ حَقِيقَةَ الْحَالِ قَالَ كَانَ قَارِنًا؛
وَلِأَنَّ مَا يَرْوِيه الشَّافِعِيُّ يُثْبِتُ الْحَجَّ وَمَا يَرْوِيهِ أَحْمَدُ يُثْبِتُ الْعُمْرَةَ فَثَبَتَا وَمَا نَرْوِيهِ نَحْنُ يُثْبِتُ الْجَمِيعَ فَلَا تَنَافِي مَعَ أَنَّ الْمُثْبِتَ أَوْلَى مِنْ النَّافِي؛ وَلِأَنَّ بَعْضَ مَا رَوَيْنَا يَنُصُّ عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ قَرَنَتْ وَفِي بَعْضِهَا يَنُصُّ الرَّاوِي أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سَمِعَتْهُ يُلَبِّي بِهِمَا فَكَانَ مُفَسَّرًا بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ؛ وَلِأَنَّ مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ رَوَى خِلَافَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ فَتَعَيَّنَ تَرْكُ رِوَايَتِهِمْ لِلتَّنَاقُضِ وَلَوْلَا خَوْفُ الْإِطَالَةِ لَأَوْرَدْنَاهَا مُفَصَّلَةً
وَقِيلَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَارِنَ عِنْدَنَا يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ وَعِنْدَهُ طَوَافًا وَاحِدًا وَسَعْيًا وَاحِدًا لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا» وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ
أَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ الصَّبِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ أَنَّهُ قَالَ «كُنْت رَجُلًا نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمْت وَأَهْلَلْت بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ قَالَ فَسَمِعَنِي زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ وَسَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَنَا أَهِلُّ بِهِمَا فَقَالَا لَهَذَا أَضَلُّ مِنْ بَعِيرِ أَهْلِهِ فَكَأَنَّمَا حُمِّلَ عَلَيَّ بِكَلِمَتِهِمَا جَبَلٌ فَقَدِمْت عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَخْبَرْته فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمَا فَلَامَهُمَا وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيِّك - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ «ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ وَقَالَ سَبِيلُهُمَا وَاحِدٌ وَطَافَ لَهُمَا طَوَافَيْنِ وَسَعَى لَهُمَا سَعْيَيْنِ وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْنَعُ كَمَا صَنَعْت» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ أَنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ؛
وَلِأَنَّ الْقِرَانَ هُوَ الْجَمْعُ وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ إلَّا أَحَدَهُمَا لَمْ يَكُنْ جَامِعًا؛ وَلِأَنَّهُ لَا تَدَاخُلَ فِي الْعِبَادَةِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَبَطَلَ مَا قَالَ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ غَيْرُ مَرْفُوعٍ قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ فَلَا يُعَارِضُ الْمَرْفُوعَ وَحَدِيثُ جَابِرٍ مُتَنَاقِضٌ؛ لِأَنَّهُ رَوَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كَانَ مُفْرِدًا» عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً وَمَعْنَى حَدِيثِ عَائِشَةَ
أَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا جَمْعَ مُتْعَةٍ لَا جَمْعَ قِرَانٍ؛ لِأَنَّ حُجَّتَهُمْ الْمَضْمُومَةَ إلَى الْعُمْرَةِ كَانَتْ مَكِّيَّةً ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْإِفْرَادِ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْبَيَانِ هَلْ هُوَ إفْرَادُ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوْ إفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِإِحْرَامٍ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ شَرْحِ الْهِدَايَةِ الْمُرَادُ الثَّالِثُ دُونَ الْأَوَّلَيْنِ اسْتِدْلَالًا بِمَوَاضِع الِاحْتِجَاجِ فَإِنَّهُ قَالَ مِنْ جِهَةِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ فِي الْإِفْرَادِ زِيَادَةَ التَّلْبِيَةِ وَالسَّفَرَ وَالْحَلْقَ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا بِإِحْرَامٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ حَجَّةٌ كُوفِيَّةٌ وَعُمْرَةٌ كُوفِيَّةٌ أَفْضَلُ عِنْدِي مِنْ الْقِرَانِ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ الْوَاقِعَ فِيهِ، إنَّمَا هُوَ فِي أَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ أَفْضَلُ أَوْ الْجَمْعُ بَيْنُهُمَا أَفْضَلُ
وَأَمَّا كَوْنُ الْقِرَانِ أَفْضَلَ مِنْ الْحَجِّ وَحْدَهُ فَمَا لَا خِلَافَ فِيهِ لِأَنَّ فِي الْقِرَانِ الْحَجَّ وَزِيَادَةً وَجُعِلَ نَظِيرَ هَذَا الِاخْتِلَافِ اخْتِلَافُهُمْ فِي أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِتَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ أَفْضَلُ أَمْ بِتَحْرِيمَتَيْنِ أَفْضَلُ وَلَمْ يَنْقُلْ فِيهِ شَيْئًا وَإِنَّمَا قَالَهُ حَزْرًا وَاسْتِدْلَالًا بِمَوَاضِعِ الِاحْتِجَاجِ وَإِطْلَاقُهُمْ أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ يَرُدُّهُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يُرَادُ بِهِ الْإِفْرَادُ بِالْحَجِّ وَأَيْضًا لَوْ كَانَ كَمَا قَالَهُ لَكَانَ مُحَمَّدٌ مَعَ الشَّافِعِيِّ أَوْ كُلُّهُمْ كَانُوا مَعَهُ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ قَوْلَهُمَا خِلَافُ ذَلِكَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
(قَوْلُهُ الْقِرَانُ مَصْدَرٌ) وَمَصْدَرُ الثَّلَاثِي يَجِيءُ عَلَى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا فِعَالٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنْ بَابِ قَتَلَ وَفِي لُغَةٍ مِنْ بَابِ ضَرَبَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِحْرَامِ وَالِاسْمُ الْقِرَانُ مِثْلُ كِتَابٍ كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَرَنَ الشَّخْصُ لِلسَّائِلِ إذَا جَمَعَ لَهُ بَعِيرَيْنِ فِي قِرَانٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْحَبْلُ وَالْقَرَنُ بِفَتْحَتَيْنِ لُغَةً فِيهِ قَالَ الثَّعَالِبِيُّ لَا يُقَالُ لِلْحَبْلِ قَرَنٌ حَتَّى يُقْرَنَ فِيهِ بَعِيرَانِ اهـ
(قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ هَكَذَا نَقَلَ أَصْحَابُنَا قَوْلَ مَالِكٍ وَلَكِنْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْإِفْرَادُ بِالْحَجِّ أَحَبُّ إلَى مَالِكٍ مِنْ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ اهـ
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَقَالَ مَالِكٌ: وَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَانِ؛ لِأَنَّ لَهُ ذِكْرًا فِي الْقُرْآنِ وَلَا ذِكْرَ لِلْقِرَانِ فِيهِ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا ذِكْرَ لِلْقِرَانِ فِي كَلَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَنَقُولُ لَا نُسَلِّمُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} وَقَدْ جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ إتْمَامَهُمَا أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَقَالَ لَوْلَا هَدْيِي) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ هَكَذَا ضَبَطَهُ الشَّارِحُ بِالْقَلَمِ اهـ قَوْلُهُ وَقَالَتْ عَائِشَةُ: إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَفْرَدَ الْحَجَّ») رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ». اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ وَبِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ لِقُرْبِهِ إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْهَا الشَّارِحُ
(قَوْلُهُ وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْقِرَانُ رُخْصَةٌ» )
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ. اهـ.
(قَوْلُهُ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ إلَخْ)
قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ فِي الْأَدَاءِ مُتَعَذِّرٌ
بِخِلَافِ الصَّوْمِ مَعَ الِاعْتِكَافِ وَالْحِرَاسَةِ مَعَ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا حَقِيقَةً فِي الْإِحْرَامِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْأَرْكَانِ عِنْدَنَا بَلْ شَرْطٌ فَلَا يَتِمُّ التَّشْبِيهُ، وَأَيْضًا عَلِمْت أَنَّ مَوَاضِعَ الْخِلَافِ مَا إذَا أَتَى بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَكِنْ أَفْرَدَ كُلًّا مِنْهُمَا فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ يَكُونُ الْقِرَانُ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ إحْرَامِهِمَا أَفْضَلَ فَمُلَاقَاةُ التَّشْبِيهِ تَكُونُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا صَامَ يَوْمًا بِلَا اعْتِكَافٍ ثُمَّ اعْتَكَفَ يَوْمًا آخَرَ بِلَا صَوْمٍ نَفْلًا أَوْ حَرَسَ لَيْلًا بِلَا صَلَاةٍ وَصَلَّى لَيْلَةً بِلَا حِرَاسَةٍ يَكُونُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَفْضَلَ، وَهَذَا لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ فَيَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ وَلَا يَكُونُ إلَّا بِسَمْعٍ؛
لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْأَثْوَبِيَّةِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِهِ اهـ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قِيلَ الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ إذَا قَرَنَ يَصِيرُ مُخَالِفًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ
فَلَوْ كَانَ الْقِرَانُ أَفْضَلَ مِنْ الْإِفْرَادِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِأَفْضَلَ مِمَّا أُمِرَ
وَكَذَا لَوْ أَمَرَهُ وَاحِدٌ بِالْحَجِّ وَآخَرُ بِالْعُمْرَةِ فَقَرَنَ لَا يُجْزِئُهُ، وَقَدْ أَتَى بِالْأَفْضَلِ قُلْنَا: إنَّهُ مَأْمُورٌ بِصَرْفِ النَّفَقَةِ إلَى عِبَادَةٍ تَقَعُ لِلْآمِرِ عَلَى الْخُلُوصِ، وَهِيَ إفْرَادُ الْحَجِّ لَهُ وَقَدْ صَرَفَهَا إلَى عِبَادَةٍ تَقَعُ لِلْآمِرِ وَعِبَادَةٍ تَقَعُ لِنَفْسِهِ فَكَانَ مُخَالِفًا لِأَمْرِهِ فَيَضْمَنُ،
وَكَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ، إنَّمَا لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَهُ بِإِخْلَاصِ سَفْرَةٍ لَهُ، وَإِنْفَاقِ مَالِهِ فِي كُلِّ سَفْرَةٍ وَلَمْ يَفْعَلْ فَيَضْمَنُ. اهـ. دِرَايَةٌ
(قَوْلُهُ فَأَشْبَهَ الصَّوْمَ مَعَ الِاعْتِكَافِ وَالْحِرَاسَةَ) يَعْنِي يَحْمِي الْغُزَاةَ وَيُصَلِّي أَيْضًا. اهـ. كَاكِيٌّ
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمُتَمَتِّعِ) تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ، وَفِيهِ امْتِدَادُ إحْرَامِهِمَا وَقَوْلُهُ وَالْمُفْرِدُ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ نُسُكٍ فَهُوَ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوَّشٌ فَاعْلَمْهُ اهـ
(قَوْلُهُ الْقِرَانُ رُخْصَةٌ) أَيْ لَوْ صَحَّ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ نَفْيُ قَوْلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ إلَخْ) وَكَانُوا يُحْرِمُونَ بِالْعُمْرَةِ حِينَ يَنْسَلِخُ ذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ فَنَفَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ الْقِرَانُ رُخْصَةٌ يَعْنِي أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ جَائِزَةٌ وَلَمْ يُرِدْ بِهَا حَقِيقَةَ الرُّخْصَةِ، وَهِيَ مَا بُنِيَ عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ بَلْ الْقِرَانُ عَزِيمَةٌ كَالْإِفْرَادِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ قَوْلُهُ هَلْ هُوَ إفْرَادُ الْحَجَّةِ) كَذَا بِخَطِّ الشَّارِحِ. اهـ.
(قَوْلُهُ أَفْضَلُ عِنْدِي مِنْ الْقِرَانِ) وَوَجْهُهُ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِسَفَرَيْنِ أَشَقُّ عَلَى الْبَدَنِ مِنْ سَفَرٍ وَاحِدٍ وَأَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا مَا لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ نَهْيٌ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ فِي التَّمَتُّعِ
(قَوْلُهُ وَأَمَّا كَوْنُ الْقِرَانِ) الَّذِي بِخَطِّ الشَّارِحِ وَأَمَّا كَوْنُ الْقَارِنِ
(قَوْلُهُ وَجَعَلَ) أَيْ فِي النِّهَايَةِ
(قَوْلُهُ وَأَيْضًا لَوْ كَانَ إلَخْ) أَيْ فَلْيَكُنْ مَعَهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ قَوْلَهُمَا خِلَافُ ذَلِكَ) أَيْ بَلْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ عِنْدِي اهـ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.