أدناه شاةٌ
الشروح عليها
(بَابُ الْهَدْيِ) .
هُوَ فِي اللُّغَةِ مَا يُهْدَى إلَى الْحَرَمِ مِنْ شَاةٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ بَعِيرٍ الْوَاحِدُ هَدْيَةٌ كَمَا يُقَالُ جَدْيٌ فِي جَدْيَةِ السَّرْجِ وَيُقَالُ هَدْيٌ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى فَعِيلٍ الْوَاحِدَة هَدِيَّةٌ كَمَطِيَّةٍ، وَمَطِيٍّ، وَمَطَايَا كَذَا فِي الْمُغْرِبِ (قَوْلُهُ: أَدْنَاهُ شَاةٌ، وَهُوَ إبِلٌ وَبَقَرٌ وَغَنَمٌ) يُفِيدُ أَنَّ لَهُ أَعْلَى، وَهُوَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْأَفْضَلَ الْإِبِلُ وَالْأَدْنَى الشَّاةُ وَالْبَقَرُ وَسَطٌ، وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} بِالشَّاةِ، وَأَرَادَ بِالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ بَيَانَ أَنْوَاعِ مَا يُهْدَى إلَى الْحَرَمِ فَالْهَدْيُ لُغَةً وَشَرْعًا وَاحِدٌ
لَا أَنَّ تِلْكَ الْأَنْوَاعَ تُسَمَّى هَدْيًا مِنْ غَيْرِ إهْدَاءٍ إلَى الْحَرَمِ وَحِينَئِذٍ فَإِطْلَاقُ الْهَدْيِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مَجَازٌ ثُمَّ الْوَاحِدُ مِنْ النَّعَمِ يَكُونُ هَدْيًا بِجَعْلِهِ صَرِيحًا هَدْيًا أَوْ دَلَالَةً، وَهِيَ
إمَّا بِالنِّيَّةِ أَوْ بِسَوْقِ بَدَنَةٍ إلَى مَكَّةَ،
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْهَدْيِ ثَابِتَةٌ عُرْفًا؛ لِأَنَّ سَوْقَ الْبَدَنَةِ إلَى مَكَّةَ فِي الْعُرْفِ يَكُونُ لِلْهَدْيِ لَا لِلرُّكُوبِ وَالتِّجَارَةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَأَرَادَ بِهِ السَّوْقَ بَعْدَ التَّقْلِيدِ لَا مُجَرَّدَ السَّوْقِ، وَأَفَادَ بِبَيَانِ الْأَدْنَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ، وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ شَاةٌ؛ لِأَنَّهَا الْأَقَلُّ،
وَإِنْ عَيَّنَ شَيْئًا لَزِمَهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُرَاقُ دَمُهُ فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ يَجُوزُ أَنْ يُهْدِيَ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْعَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ يَتَأَدَّى بِالْقِيمَةِ فَكَذَا مَا أَوْجَبَهُ الْعَبْدُ،
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ أَجْزَأَهُ أَنْ يُهْدِيَ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ،
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُهْدِيَ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ شَيْئَيْنِ الْإِرَاقَةَ وَالتَّصَدُّقَ فَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى التَّصَدُّقِ كَمَا فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ
بِخِلَافِ جَزَاءِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا أَوْجَبَ الْهَدْيَ أَوْجَبَ غَيْرَهُ، وَهُوَ الْإِطْعَامُ، وَهُنَا النَّاذِرُ مَا أَوْجَبَ إلَّا الْهَدْيَ فَتَعَيَّنَ،
وَلَوْ بَعَثَ بِقِيمَتِهِ فَاشْتَرَى بِمَكَّةَ مِثْلَهُ وَذَبَحَهُ جَازَ قَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمُخْتَصَرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَأْوِيلَ رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ،
وَمَنْ نَذَرَ شَاةً فَأَهْدَى جَزُورًا فَقَدْ أَحْسَنَ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْقِيمَةِ لِثُبُوتِ الْإِرَاقَةِ فِي الْبَدَلِ الْأَعْلَى كَالْأَصْلِ.
وَقَالُوا إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ شَاتَيْنِ فَأَهْدَى شَاةً تُسَاوِي شَاتَيْنِ قِيمَةً لَمْ يُجْزِهِ، وَهِيَ مُرَجِّحَةٌ لِرِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبَ،
وَإِنْ كَانَ الْمَنْذُورُ شَيْئًا لَا يُرَاقُ دَمُهُ فَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا تَصَدَّقَ بِعَيْنِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ،
وَإِنْ كَانَ عَقَارًا تَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ التَّصَدُّقُ بِهِ فِي الْحَرَمِ، وَلَا عَلَى فُقَرَاءِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ فِيهِ مَجَازٌ عَنْ التَّصَدُّقِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا أَلْحَقَ بِلَفْظِ الْهَدْيِ مَا يُبْطِلُهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ كَمَا لَوْ قَالَ: هَذِهِ الشَّاةُ هَدْيٌ إلَى الْحَرَمِ أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ إنَّمَا يُوجَبُ بِاعْتِبَارِ إضْمَارِ مَكَّةَ بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ فَإِذَا صَرَّحَ بِالْحَرَمِ أَوْ الْمَسْجِدِ تَعَذَّرَ هَذَا الْإِضْمَارُ إذْ قَدْ صَرَّحَ بِمُرَادِهِ
[بَابُ الْهَدْيِ] (قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُهْدِيَ قِيمَتَهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُهْدِيَ مِثْلَهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ النَّهْرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُهْدِيَ مِثْلَهُ أَيْضًا
لا زيادة له على هذه المسألة.
باب الهدي] أدناه شاة، وهو إبل، وبقر، وغنم وما جاز في الضحايا جاز في الهدايا الحديث وإنما علقه الإمام بالمشيئة بعد صحة الحديث لما أن خبر الواحد لا يفيد اليقين بل الظن، ولا شك أن هذا من الأمور التي طريقها العلم فإن سقوط الفرض عن ذمة الميت بعد القطع باشتغاله أمر يشهد به على الحق سبحانه وتعالى، فاحتيج إلى المشيئة،
بخلاف ما طريقه العمل فإنه لا يحتاج إليها.
خاتمة: على المأمور بالحج أن يرد ما فضل عن نفقة نفسه ذهاباً وإياباً وما يحتاج إليه من كسوة ونحوها إلا أن يتبرع له الوارث أو يوصي بذلك الميت بناء على صحة وصيته
وقيل: لا يجوز ذكره الإسبيجابي وليس له إطعام أحد ولا دخول حمام ولا شراء دهن سراج ولا دواء ولا إعطاء أجرة حجام ولا خادم إلا أن يكون ممن لا يخدم نفسه،
ولو نوى الإقامة بمكة نصف شهر سقطت نفقته من مال الميت ثم إذا عاد تعود عند محمد، وهو الأظهر خلافاً للثاني.
قالوا: هذا في زمانهم أما في زماننا فلا يقدر أن يخرج إلا مع الناس فعلى هذا إذا كان مقامه بمكة غيرها لانتظار القافلة فنفقته في مال الميت وإن كان أكثر من نصف شهر وفي (الظهيرية) : مات وعليه حجة الإسلام فحج عنه رجل بأمره غير أنه لم ينو فرضاً ولا نفلاً. جاز عن حجة الإسلام
بخلاف ما إذا نوى نفلاً وفي وصايا العمرة أوصى بأن يحج عنه بألف من ماله فأحج الوصي من مال نفسه ليرجع في التركة ليس له ذلك لأن الوصية باللفظ فيعتبر لفظ الموصي، وهو إضافة المال إلى نفسه والله الموفق للصواب.
[باب الهدي] (أدناه شاة) لما كان هدي المتعة والقرآن والإحصار وجزاء الصيد والجناية
فرع معرفة ذلك أخره
(فَصْلٌ) الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمَعْرُوفِ ذَاهِبًا وَآيِبًا مِنْ غَيْرِ تَبْذِيرٍ، وَلَا تَقْتِيرٍ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثِيَابِهِ وَرُكُوبِهِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَمَا فَضَلَ يَرُدُّهُ عَلَى وَرَثَتِهِ أَوْ وَصِيِّهِ إلَّا إذَا تَبَرَّعَ بِهِ الْوَارِثُ، أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ الْمَيِّتُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ أَحَدًا إلَى طَعَامِهِ، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَلَا يُقْرِضُ أَحَدًا، وَلَا يَصْرِفُ الدَّرَاهِمَ بِالدَّنَانِيرِ، وَلَا يَشْتَرِي بِهَا مَاءً لِوُضُوئِهِ، وَلَا يَدْخُلُ بِهَا الْحَمَّامَ، وَلَا يَشْتَرِي بِهَا دُهْنَ السِّرَاجِ، وَلَا يَدَّهِنُ بِهِ، وَلَا يَتَدَاوَى بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا يَحْتَجِمُ بِهِ، وَلَا يُعْطِي أُجْرَةَ الْحَلَّاقِ مِنْهُ إلَّا أَنْ يُوَسِّعَ عَلَيْهِ الْمَيِّتُ أَوْ الْوَارِثُ، وَلَا يُنْفِقُ عَلَى مَنْ يَخْدُمُهُ إلَّا إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يَخْدُمُ نَفْسَهُ وَلَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا سَقَطَتْ نَفَقَتُهُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ ثُمَّ إذَا عَادَ تَعُودُ نَفَقَتُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَعُودُ وَلَوْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ مَسِيرَةَ سَفَرٍ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ سَقَطَتْ نَفَقَتُهُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ فِي رُجُوعِهِ،
وَإِنْ تَوَطَّنَ بِمَكَّةَ سَقَطَتْ نَفَقَتُهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ثُمَّ إذَا عَادَ لَا تَعُودُ بِالِاتِّفَاقِ،
وَإِنْ كَانَتْ الْإِقَامَةُ بِهَا قَدْرَ الْعَادَةِ حَتَّى تَخْرُجُ الْقَافِلَةُ لَا تَسْقُطُ لِلضَّرُورَةِ،
وَكَذَا إذَا دَخَلَ فِي الطَّرِيقِ بَلْدَةٌ،
فَإِنْ أَقَامَ بِهَا الْقَدْرَ الْمُعْتَادَ فَنَفَقَتُهُ لَا تَسْقُطُ، وَإِلَّا سَقَطَتْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا وَلَوْ تَعَجَّلَ إلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ تَكُونُ نَفَقَتُهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ إلَى عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُنْفِقَ فِي الطَّرِيقِ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ لَا غَيْرُ فَإِنْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ مَالَ الْمَيِّتِ جَازَ عَنْهُ وَإِلَّا فَلَا وَيَضْمَنُ مَالَ الْمَيِّتِ وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ لِلْمَيِّتِ؛ إذْ لَوْ كَانَ لَهُ ثَوَابُ الْإِنْفَاقِ لَا غَيْرُ لَحَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَهُ عَنْ الْمَيِّتِ،
وَلَوْ سَلَكَ طَرِيقًا آخَرَ أَبْعَدَ مِنْ الْمُعْتَادِ وَتَكُونُ النَّفَقَةُ فِيهِ أَكْثَرَ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَسْلُكُهُ النَّاسُ فَلَهُ ذَلِكَ وَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ حِمَارًا يَرْكَبُهُ،
وَيَجُوزُ إحْجَاجُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ،
وَكَذَا يَجُوزُ إحْجَاجُ الصَّرُورَةِ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَحُجَّ لِنَفْسِهِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِمْ وَالْأَوْلَى أَنْ يُحِجَّ رَجُلًا عَالِمًا بِالْمَنَاسِكِ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ الْخِلَافِ، وَأَقْدَرُ عَلَى الْمَنَاسِكِ مِنْ السَّعْيِ وَالْهَرْوَلَةِ وَكَشْفِ الرَّأْسِ وَالْحَلْقِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ إحْجَاجُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَقْدِرَانِ أَنْ يُؤَدِّيَا عَنْ أَنْفُسِهِمَا فَكَذَا عَنْ غَيْرِهِمَا،
وَكَذَا قَالَ: لَا يَجُوزُ إحْجَاجُ الصَّرُورَةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ فَقَالَ مِنْ شُبْرُمَةَ فَقَالَ أَخٌ لِي أَوْ قَرِيبٌ لِي قَالَ حَجَجْت عَنْ نَفْسِك قَالَ لَا قَالَ حُجَّ عَنْ نَفْسِك ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ لَيْسَ فِي الْبَابِ أَصَحُّ مِنْهُ وَلِأَنَّ حَجَّهُ يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لَهُ كَصَوْمِ رَمَضَانَ عِنْدَنَا؛
وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ النَّفَلُ لِلصَّرُورَةِ، وَلَنَا حَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ وَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ لَهَا: حُجِّي عَنْ أَبِيك وَلَمْ يَسْأَلْهَا هَلْ حَجَّتْ عَنْهَا أَوْ لَا وَهَلْ هِيَ أَمَةٌ أَوْ حُرَّةٌ وَلَوْ كَانَ شَرْطًا لَسَأَلَهَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ لَبَيَّنَهُ لَهَا وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيمَا رَوَى؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَهُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ،
وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ لَقَالَ: وَقَعَ حَجُّك هَذَا عَنْ نَفْسِك فَلَمْ يَبْقَ لَهُ حَجٌّ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ حَجَّهُ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ مِنْهُ
بِخِلَافِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ صَوْمٌ آخَرُ وَفِي الْحَجِّ شُرِعَ فِيهِ النَّفَلُ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْعُمَرِ وَقْتٌ لَهُ؛ وَلِهَذَا لَوْ أَدَّاهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ لَا يَنْوِي الْقَضَاءَ بَلْ يَنْوِي الْأَدَاءَ، وَلَا كَذَلِكَ الصَّوْمُ،
وَيَجُوزُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَهُ بِفَسْخِ حَجِّهِ عَنْ شُبْرُمَةَ ثُمَّ يُحْرِمُ بِحَجٍّ عَنْ نَفْسِهِ وَهَذَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِرَفْضِ الْحَجِّ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ شُبْرُمَةَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ أَبَا الْفَرَجِ ذَكَرَ لَهُ طُرُقًا وَبَيَّنَ ضَعْفَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا أَحَجُّوا عَنْهُ بِأَمْرِهِ،
وَإِنْ أَحَجُّوا عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، أَوْ حَجَّ عَنْهُ الْوَارِثُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ سَقَطَ عَنْهُ الْحَجُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ «رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّ أُمِّي مَاتَتْ فِي الْحَجِّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: نَعَمْ» وَإِنَّمَا قَرَنَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْجَوَازِ مِنْ بَابِ الْعِلْمِ، وَسُقُوطُ الْحَجِّ بِفِعْلِ الْوَارِثِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ قَطْعًا فَعَلَّقَ السُّقُوطَ بِالْمَشِيئَةِ احْتِرَازًا عَنْ الشَّهَادَةِ عَلَى اللَّهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ قَطْعًا، وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (بَابُ الْهَدْيِ) الْهَدْيُ مَا يُهْدَى مِنْ النَّعَمِ إلَى الْحَرَمِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (أَدْنَاهُ شَاةٌ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ شَاةٌ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ: الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ إلَخْ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَلَوْ حَجَّ الْمَأْمُورُ مَاشِيًا فَقَدْ خَالَفَ وَيَقَعُ الْحَجُّ عَنْ نَفْسِهِ وَهُوَ ضَامِنٌ لِلنَّفَقَةِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْحَجَّ كَانَ بِحَسَبِ الْإِيجَابِ، وَالْإِيجَابُ كَانَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ رَاكِبًا، وَلَمْ يَأْتِ عَلَى الرَّاحِلَةِ الْمَأْمُورُ فَيَجِبُ الضَّمَانُ
وَكَذَا لَوْ حَجَّ وَقَطَعَ أَكْثَرَ الطَّرِيقِ مَاشِيًا لِمَا عُرِفَ أَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَوْ حَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ عَلَى الْحِمَارِ كَرِهْتُ لَهُ ذَلِكَ، وَالْجَمَلُ أَفْضَلُ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ اهـ
(فَرْعٌ) لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ لَا يُجْزِيهِ الْحَجُّ مَاشِيًا حَتَّى يَضْمَنَ الْمَأْمُورُ النَّفَقَةَ لَوْ حَجَّ مَاشِيًا، وَيَكُونَ الْحَجُّ لَهُ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْهَدْيِ اهـ
(قَوْلُهُ: فِي رُجُوعِهِ) أَيْ إلَى رُجُوعِهِ اهـ شُمُنِّيٌّ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ثُمَّ عِنْدَنَا الْمُحْرِمُ الَّذِي يَحُجُّ عَنْ الْمَيِّتِ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْعَاجِزِينَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْفُصُولِ الْمُتَقَدِّمَةِ يَحُجُّ عَنْهُ بِنَفَقَةٍ وَسَطٍ مِنْ غَيْرِ تَقْتِيرٍ، وَلَا إسْرَافٍ ذَاهِبًا وَجَائِيًا رَاكِبًا غَيْرَ مَاشٍ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطٍ الْأُجْرَةِ عَلَى الصَّحِيحِ كَذَا ذُكِرَ فِي الطَّحَاوِيِّ حَتَّى لَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِلْحَجِّ عَنْهُ فَفَعَلَ لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَحْمَدَ لِلْأَجِيرِ نَفَقَةُ مِثْلِهِ، وَيَقَعُ الْحَجُّ عَنْ الْحَاجِّ دُونَ الْآمِرِ كَذَا نَصَّ فِي شَرْحِ الْكَافِي، وَالْأَصْلُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ لَا مَدْخَلَ لِلْكَافِرِ أَصْلًا فِيهَا كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا، وَكُلُّ عِبَادَةٍ لِلْكَافِرِ فِيهَا مَدْخَلٌ كَعِمَارَةِ الرَّبْطِ وَالْمَشَاهِدِ وَالطُّرُقِ وَالْمَقَابِرِ وَشَدِّ الثُّغُورِ وَنَحْوِهَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ: تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَى الْحَجِّ وَيَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ وَيَقَعُ الْحَجُّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ اعْتِبَارًا لِسَائِرِ الْعُقُودِ،
وَذَكَرَ فِي الْكِفَايَةِ لِأَبِي الْحَسَنِ الْمَعْرُوفِ بِالْعَبْدَرِيِّ: وَلَوْ اسْتَأْجَرَ لِيَحُجَّ عَنْهُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَقَعَ الْحَجُّ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ يَقَعُ الْحَجُّ عَنْ الْحَاجِّ وَلِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ ثَوَابُ النَّفَقَةِ اهـ كَلَامُ الْكَرْمَانِيِّ مَعَ حَذْفٍ
(فَائِدَةٌ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَلَوْ بَدَأَ الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ ثُمَّ بِالْعُمْرَةِ لِنَفْسِهِ لَا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ لِلْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِحَجَّةٍ مِيقَاتِيَّةٍ كَمَا أُمِرَ، وَمَا دَامَ مَشْغُولًا بِالْعُمْرَةِ فَنَفَقَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ،
فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا فَنَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ،
فَإِنْ أُمِرَ بِالْحَجِّ فَبَدَأَ بِالْعُمْرَةِ لِنَفْسِهِ ثُمَّ بِالْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ قَالُوا: يَضْمَنُ جَمِيعَ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَفَرِ الْحَجِّ، وَقَدْ أَنْفَقَ فِي سَفَرِ الْعُمْرَةِ؛ وَلِأَنَّهُ أُمِرَ بِحَجَّةٍ مِيقَاتِيَّةٍ وَقَدْ أَتَى بِحَجَّةٍ مَكِّيَّةٍ فَيَكُونُ مُخَالِفًا بِاتِّفَاقٍ بَيْنَنَا،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَصِحُّ عَنْ الْمَيِّتِ اهـ
(فَرْعٌ) وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ لِيَحُجَّ عَنْ الْمَيِّتِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَأَخَّرَ الْحَجَّ عَنْ وَقْتِهِ حَتَّى مَضَتْ السَّنَةُ وَحَجَّ مِنْ قَابِلٍ جَازَ عَنْ الْمَيِّتِ وَلَا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ السَّنَةِ هُنَا لِلِاسْتِعْجَالِ دُونَ تَعَيُّنِ الْأَمْرِ فَصَارَ كَرَجُلٍ وَكَّلَ وَكِيلًا بِعِتْقِ عَبْدِهِ غَدًا أَوْ بَيْعِهِ غَدًا فَأَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ بَعْدَ غَدٍ جَازَ كَذَا هُنَا خِلَافًا لِزُفَرَ وَلَوْ مَرِضَ الْمَأْمُورُ فِي الطَّرِيقِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ الْمَالَ إلَى غَيْرِهِ لِيَحُجَّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَذِنَ لَهُ فَيَصِحُّ بِحُكْمِ الْإِذْنِ،
وَلَوْ أَنَّ الْحَاجَّ عَنْ الْمَيِّتِ وَصَلَ إلَى عَرَفَةَ وَمَاتَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عَنْ الْمَيِّتِ لِوُجُودِ مُعْظَمِ أَرْكَانِ الْحَجِّ بِنَصِّ: الْحَجُّ عَرَفَةَ وَلَوْ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنْ رَجَعَ قَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ فَهُوَ حَرَامٌ عَلَى النِّسَاءِ فَيَرْجِعُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ بِنَفَقَتِهِ وَيَقْضِي مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ جَنَابَتِهِ،
وَلَوْ حَجَّ الْمَأْمُورُ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ أَدَاءُ الْمَنَاسِكِ، وَقَدْ حَصَلَ لَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مَنْ يَذْهَبُ وَيَرْجِعُ لِيَحْصُلَ لِلْمَيِّتِ ثَوَابٌ فِي الذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ جَمِيعًا اهـ مَنَاسِكُ الْكَرْمَانِيِّ فِي فَصْلِ مَا يَكُونُ الْحَاجُّ الْمَأْمُورُ مُخَالِفًا، وَمَا لَا يَكُونُ اهـ قَوْلُهُ: وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا أَحَجُّوا إلَخْ) اُنْظُرْ إلَى الْحَاشِيَةِ عِنْدَ قَوْلِ الشَّارِحِ: ثُمَّ الْعِبَادَاتُ أَنْوَاعٌ إلَخْ.
[بَابُ الْهَدْيِ] (بَابُ الْهَدْيِ) لَمَّا جَرَى ذِكْرُ الْهَدْيِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ نُسُكًا وَجَزَاءً وَمُؤْنَةً شَرَعَ فِي بَيَانِ أَنْوَاعِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هَذَا الْبَابُ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَبْوَابُ السَّابِقَةُ فَإِنَّ الْهَدْي
إمَّا لِمُتْعَةٍ أَوْ قِرَانٍ أَوْ إحْصَارٍ أَوْ جَزَاءِ صَيْدٍ أَوْ كَفَّارَةِ جِنَايَةٍ أُخْرَى فَأَخَّرَهُ عَنْهَا؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ هَدْيِ الْمُتْعَةِ أَوْ الْقِرَانِ
فَرْعُ مَعْرِفَةِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَكَذَا الْبَاقِي وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ حَوَالَاتٍ تَسْتَدْعِي سَبْقَ تَصَوُّرَاتِ مَفْهُومَاتِهَا وَتَصْدِيقَاتِ بَعْضِ أَحْكَامٍ مِنْهَا. اهـ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.