ولا يسافر بها حتى يراجعها
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَلَا يُسَافِرُ بِهَا) يَعْنِي يَحْرُمُ عَلَيْهِ السَّفَرُ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} وَلِحُرْمَتِهِ لَمْ يَكُنْ رَجْعَةً لِأَنَّ الرَّجْعَةَ مَنْدُوبَةٌ، وَالْمُسَافَرَةُ بِهَا حَرَامٌ، وَمُرَادَةٌ إذَا كَانَ يُصَرِّحُ بِعَدَمِ رَجْعَتِهَا
أَمَّا إذَا سَكَتَ كَانَتْ رَجْعَةً دَلَالَةً كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَشَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْقَاضِي، وَفَتَاوِيهِ، وَالْبَدَائِعِ، وَغَايَةِ الْبَيَانِ مُعَلِّلِينَ بِأَنَّ السَّفَرَ دَلَالَةُ الرَّجْعَةِ فَانْتَفَى بِهِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ السَّفَرَ لَيْسَ دَلَالَةَ الرَّجْعَةِ، وَأَوْرَدَ أَنَّ التَّقْبِيلَ بِشَهْوَةٍ يَكُونُ رَجْعَةً،
وَإِنْ نَادَى عَلَى نَفْسِهِ بِعَدَمِ الرَّجْعَةِ، وَجَوَابُهُ الْفِرَاقُ بِالْحِلِّ، وَالْحُرْمَةِ كَمَا نَقَلْنَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَأَجَابَ الشُّمُنِّيُّ بِأَنَّ التَّقْبِيلَ رَجْعَةٌ حَقِيقَةً لَا دَلَالَةً
بِخِلَافِ السَّفَرِ فَإِنَّهُ رَجْعَةٌ دَلَالَةً لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ شَيْئًا تَثْبُتُ بِهِ الرَّجْعَةُ قَيَّدَ بِالسَّفَرِ أَيْ بِإِنْشَائِهِ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا فِي السَّفَرِ لَهَا أَنْ تَمْشِيَ مَعَهُ ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَمُرَادُهُ مِنْ الْمُسَافَرَةِ بِهَا إخْرَاجُهَا مِنْ بَيْتِهَا لَا السَّفَرُ الشَّرْعِيُّ الْمُقَدَّرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ إخْرَاجُهَا إلَى مَا دُونَهُ أَيْضًا لِلنَّهْيِ الْمُطْلَقِ لَكِنْ لَا يَكُونُ رَجْعَةً دَلَالَةً، وَاعْلَمْ أَنَّ الْهِدَايَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُرْمَةَ الْمُسَافَرَةِ بِهَا مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا لَمْ يُرَاجِعْهَا فِي عِدَّتِهَا لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُبْطِلَ لِلْعِصْمَةِ عَمَلٌ عَمِلَهُ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ حَتَّى احْتَسَبَتْ الْأَقْرَاءَ الْمَاضِيَةَ مِنْ الْعِدَّةِ فَكَانَتْ الْمُسَافَرَةُ بِأَجْنَبِيَّةٍ
أَمَّا إذَا رَاجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ عَمَلَهُ فَزَالَتْ الْحُرْمَةُ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(ولا يسافر بها) أي: بالمطلقة الرجعية لقوله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن} نزلت في الرجعة وبحرمته لم يجعل رجعة لأنها مندوبة والمسافرة حرام قيل: ولا دلالة له لأن الكلام فيمن يصرح بعدم رجعتها،
وكذا لا يحل إخراجها إلى ما دون السفر لأن مناط الحرمة إنما هو الخروج لا خصوص السفر إلا إذا أشهد على رجعتها وفي (الهداية) ما يدل على أن الحرمة مفيدة بما إذا لم يراجعها في العدة فإن راجعها زالت الحرمة كذا في (البحر) وفيه نظر يعرفه من تدبر ما في (الهداية) والله الموفق،
(وَلَا يُسَافِرُ بِهَا) ، وَقَالَ زُفَرُ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا لِأَنَّ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا قَائِمٌ فَصَارَ كَأَنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا، وَلِأَنَّ الْمُسَافَرَةَ تَكُونُ رَجْعَةً دَلَالَةً لِكَوْنِهَا حَرَامًا بِدُونِهَا لِلنَّهْيِ عَنْ الْإِخْرَاجِ وَالْخُرُوجِ فَظَاهِرُ حَالِهِ اجْتِنَابُ الْمُحَرَّمِ فَصَارَ الْإِخْرَاجُ كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ} الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ بِدَلِيلِ سِيَاقِهِ وَسِبَاقِهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَطَلِّقُوهُنَّ} وقَوْله تَعَالَى {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}
فَلَوْ كَانَتْ الْمُسَافَرَةُ رَجْعَةً لِمَا نَهَى عَنْهَا لِكَوْنِهَا مَنْدُوبًا إلَيْهَا، وَلِأَنَّهُمَا ضِدَّانِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَالْآخَرَ مَأْمُورٌ بِهِ فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ وَتَعْلِيلُهُ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ فَيَكُونُ مَرْدُودًا. وَقَوْلُهُ تَكُونُ رَجْعَةً دَلَالَةً لِكَوْنِهَا حَرَامًا بِدُونِهَا إلَخْ يَبْطُلُ بِإِخْرَاجِهَا إلَى مَا دُونَ السَّفَرِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ لِلنَّهْيِ أَيْضًا وَمَعَ هَذَا لَا تَكُونُ رَجْعَةً وَالدَّلَالَةُ فِعْلٌ يَخْتَصُّ بِالنِّكَاحِ وَالْمُسَافَرَةِ لَا تَخْتَصُّ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَجُوزُ لَهَا مَعَ الْمَحْرَمِ فَصَارَتْ كَالْخَلْوَةِ وَالْخُرُوجِ إلَى مَا دُونَ السَّفَرِ، وَلِأَنَّ تَرَاخِيَ عَمَلِ الْمُبْطِلِ وَهُوَ الطَّلَاقُ لِلْحَاجَةِ إلَى الْمُرَاجَعَةِ فَإِذَا لَمْ يُرَاجِعْهَا حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ إلَيْهَا وَظَهَرَ أَنَّ الْمُبْطِلَ عَمِلَ عَمَلَهُ مِنْ وَقْتِ وُجُودِهِ، وَلِهَذَا تُحْتَسَبُ الْأَقْرَاءُ مِنْ الْعِدَّةِ،
وَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ بَاقِيًا لَمَا اُحْتُسِبَتْ إذْ الْعِدَّةُ لِصِيَانَةِ الْمَاءِ وَصَوْنِ الْمَاءِ بِالنِّكَاحِ أَبْلَغُ مِنْهُ بِالْعِدَّةِ فَصَارَ كَالْمَبِيعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ حَيْثُ تَأَخَّرَ عَمَلُهُ لِحَاجَتِهِ إلَى الْفَسْخِ فَإِذَا لَمْ يُفْسَخْ حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ عَمِلَ الْبَيْعُ عَمَلَهُ مِنْ وَقْتِ وُجُودِهِ حَتَّى اسْتَحَقَّهُ الْمُشْتَرِي بِزَوَائِدِهِ الْحَاصِلَةِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَلَا يَلْزَمُنَا إسْنَادُ عَمَلِهِ فِي حَقِّ حُرْمَةِ الْخَلْوَةِ بِهَا؛ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ مِنْ ضَرُورَاتِ السُّكْنَى فَلَا يُمْكِنُ إبَاحَتُهَا بِدُونِ حِلِّهَا مُطْلَقًا، وَهَذَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْخَلْوَةَ بِهَا لَا تُكْرَهُ إلَّا إذَا خَافَ أَنْ يُرَاجِعَهَا بِغَيْرِ إشْهَادٍ وَهُوَ مَكْرُوهٌ وَغَيْرُهُ أَطْلَقَ الْكَرَاهِيَةَ فِيهَا فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فَصَارَتْ كَالْخَلْوَةِ وَالْخُرُوجِ إلَى مَا دُونَ السَّفَرِ) أَيْ فَإِنَّهُمَا لَا يَكُونَانِ رَجْعَةً اهـ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.