وكفّر لكلٍّ
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَكَفَّرَ لِكُلٍّ) أَيْ: لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ إذَا عَزَمَ عَلَى وَطْئِهَا؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لِرَفْعِ الْحُرْمَةِ وَهِيَ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهِنَّ وَإِنَّمَا قَالَ وَكَفَّرَ لِكُلٍّ وَلَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ كَانَ مُظَاهِرًا مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّ مَالِكًا وَأَحْمَدَ قَالَا يَكُونُ مُظَاهِرًا مِنْ الْكُلِّ وَلَكِنْ اكْتَفَيَا بِكَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ قُيِّدَ بِالظِّهَارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ آلَى مِنْهُنَّ كَانَ مُولِيًا مِنْهُنَّ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا فِي الْإِيلَاءِ تَجِبُ لِهَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ لَيْسَ بِمُتَعَدِّدٍ
وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ مِرَارًا فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ ظِهَارٍ كَفَّارَةٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الْأَوَّلَ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَغَيْرُهُ،
وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَجْلِسِ وَالْمَجَالِسِ
وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ وَقَدَّمْنَا فِي بَابِ التَّعْلِيقِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ الظِّهَارَ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مَتَى عُلِّقَ بِشَرْطٍ مُتَكَرِّرٍ فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ كَمَا لَوْ قَالَ: كُلَّمَا دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي يَتَكَرَّرُ الظِّهَارُ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ
بِخِلَافِ الْيَمِينِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ: وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَجْلِسِ وَالْمَجَالِسِ) أَيْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي صُورَةِ عَدَمِ نِيَّةِ التَّكْرَارِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ عَلَى الْمِنَحِ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ عِبَارَةِ الْفَتْحِ خِلَافُهُ حَيْثُ قَالَ لَوْ كَرَّرَ الظِّهَارَ مِنْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ تَتَكَرَّرُ الْكَفَّارَةُ بِتَعَدُّدِهِ إلَّا إنْ نَوَى بِمَا بَعْدَ الْأَوَّلِ تَأْكِيدًا فَيُصَدَّقُ قَضَاءً فِيهِمَا لَا كَمَا قِيلَ فِي الْمَجْلِسِ لَا الْمَجَالِسِ وَأَصْرَحُ مِنْهَا عِبَارَةُ الشرنبلالية،
وَلَوْ أَرَادَ التَّكْرَارَ صُدِّقَ فِي الْقَضَاءِ إذَا قَالَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ لَا مَجَالِسَ كَمَا فِي السِّرَاجِ اهـ.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ إذَا ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ مِرَارًا فِي مَجْلِسٍ أَوْ فِي مَجَالِسَ فَإِنَّهُ يَجِبُ لِكُلِّ ظِهَارٍ كَفَّارَةٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الظِّهَارَ الْأَوَّلَ فَيَكُونُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ الْأَوَّلَ إيقَاعٌ وَالثَّانِيَ إخْبَارٌ فَإِذَا نَوَى الْإِخْبَارَ حُمِلَ عَلَيْهِ
قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ: إذَا قَالَ: أَرَدْتُ التَّكْرَارَ صُدِّقَ فِي الْقَضَاءِ إذَا قَالَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَلَا يُصَدَّقُ فِيمَا إذَا قَالَ ذَلِكَ فِي مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ
بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي الْوَجْهَيْنِ اهـ.
فَقَدْ ظَهَرَ بِمَا سَمِعْتَهُ مِنْ النُّقُولِ أَنَّ النِّزَاعَ فِيمَا إذَا نَوَى التَّكْرَارَ
أَمَّا إذَا لَمْ يَنْوِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَجْلِسِ وَالْمَجَالِسِ بِلَا نِزَاعٍ فَظَهَرَ عَدَمُ صِحَّةِ مَا مَرَّ عَنْ الرَّمْلِيِّ وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذَا الْإِيهَامِ الْبَاقَانِيُّ فِي شَرْحِهِ الْمُلْتَقَى وَمَشَى فِي مَتْنِ التَّنْوِيرِ عَلَى مَا فِي الْيَنَابِيعِ
فَقَالَ: فَإِنْ عَنَى التَّكْرَارَ بِمَجْلِسٍ صُدِّقَ وَإِلَّا لَأَزَادَ شَارِحُهُ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْمُؤَلِّفُ تَبَعًا لِلْفَتْحِ خِلَافُهُ وَجَزَمَ الْمَقْدِسِيَّ بِمَا فِي الْفَتْحِ وَلَمْ يُعَرِّجْ فِي النَّهْرِ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَجْلِسِ وَالْمَجَالِسِ بَلْ أَطْلَقَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَ اشْتَبَهَ عَلَى شَارِحِ التَّنْوِيرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ اعْتَمَدَ مَا فِي الْيَنَابِيعِ تَأَمَّلْ [فَصْلٌ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَار] (فَصْلٌ فِي الْكَفَّارَةِ) .
بقوله: (وكفر للكل) أي: لكل واحدة منهن عند عزمه على استباحة وطئها، قيده بالظهار لأنه لو آلى منهن كان عليه كفارة واحدة، والفرق [فصل في الكفارة] وهي: تحرير رقبة أنها في الظهار لرفع الحرمة وهي متعددة بتعددهن وفي الإيلاء لهتك حرمة الله تعالى وهو الواحد،
ولو كرر الظهار من واحدة في مجلس أو مجالس تكررت الكفارة عليه إلا إذا نوى التأكيد بالثاني فيصدق قضاء ولو علقه بنكاحها بأن قال: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي مائة مرة كان عليه بكل مرة كفارة كما في (التاتارخانية) .
فروع أنت علي كظهر أمي في رجب ورمضان وكفر في رجب أجزأه عنهما،
ولو ظاهر واستثنى يوم الجمعة مثلاً لم يجز كذا في (الفتح) وفي (التاتارخانية) إذا تزوجتك فأنت طالق ثم قال: إذا تزوجتك فأنت كظهر أمي فتزوجها وقع الطلاق ولا يلزم الظهار عند الإمام وقالا: لزماه جميعًا كذا في (البحر) والمذكور في (الخانية) لزومها جميعًا في هذه الصورة لأنهما يقعان في حالة واحدة
وكذا لو قال: إذا تزوجتك فأنت علي كظهر أمي فأنت طالق فتزوجها لزماه،
ولو قال: إذا تزوجتك فأنت طالق وأنت علي كظهر أمي فتزوجها يقع الطلاق ولا يلزمها الظهار في قول الإمام وقالا: لزماه جميعًا بناء على أن الترتيب في التعليق يوجب الترتيب في النزول عنده وعندهما لا يوجب انتهى والله الموفق للصواب.
[فصل في الكفارة] وهي كما في (القاموس) ما كفر به من نحو صدقة وصوم وقال غيره: هي من كفر الله عنه الذنب وكفر عن يمينه فعل الكفارة،
(وَكَفَّرَ لِكُلٍّ) أَيْ كَفَّرَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ،
وَقَالَ مَالِكٌ يَكْفِيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إذَا ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُنَّ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكُنَّ ثُمَّ قَرِبَهُنَّ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهَذَا لِأَنَّ الظِّهَارَ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ كَالْإِيلَاءِ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ الظِّهَارُ يَمِينٌ لِأَنَّ فِيهِ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ، وَذَلِكَ يَمِينٌ فَلَا تَجِبُ فِيهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَنَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ لِانْتِهَاءِ الْحُرْمَةِ وَهِيَ تَثْبُتُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَتَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ بِتَعَدُّدِهَا
بِخِلَافِ الْإِيلَاءِ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ فِيهِ لِهَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تَتَعَدَّدُ إلَّا بِتَعَدُّدِ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ الظِّهَارَ يَمِينٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ الظِّهَارَ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ، وَزُورٌ مَحْضٌ، وَالْيَمِينَ تَصَرُّفٌ مَشْرُوعٌ مُبَاحٌ، وَلِهَذَا اخْتَلَفَتْ كَفَّارَتُهُمَا فَكَيْفَ يُجْعَلُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْيَمِينَ
إمَّا بِاَللَّهِ، أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ أَوْ بِالتَّعْلِيقِ بِشَرْطٍ وَلَمْ يُوجَدُ وَاحِدٌ مِنْهَا فِي الظِّهَارِ.
(قَوْلُهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ) هُوَ ابْنُ قُدَامَةَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ كَذَا بِخَطِّ الشَّارِحِ
(قَوْلُهُ فَلَا يَتَعَدَّدُ إلَّا بِتَعَدُّدِ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى) وَذُكِرَ فِي الْغَايَةِ أَنَّ هَذِهِ تُخَالِفُ مَذْهَبَنَا لِأَنَّ تَكَرُّرَهُ يَدُلُّ أَنَّهُ سَبَبٌ وَهُمْ مَنَعُوا تَقْدِيمَهُ وَلَوْ كَانَ سَبَبًا لَجَازَ وَهَذَا سَهْوٌ لِأَنَّهُ يَنْقَلِبُ سَبَبًا بِالْحِنْثِ اهـ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ [فَصْلٌ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَار] (فَصْلٌ فِي الْكَفَّارَةِ).
لَمَّا كَانَتْ الْحُرْمَةُ بِالظِّهَارِ حُرْمَةً مُؤَقَّتَةً إلَى وُجُودِ الْمَنْهِيِّ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ شَرَعَ فِي هَذَا الْفَصْلِ لِبَيَانِ ذَلِكَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ مَشْرُوعَةٌ عَلَى التَّرْتِيبِ دُونَ التَّخْيِيرِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَهَا بِحَرْفِ الْفَاءِ وَهِيَ لِلتَّرْتِيبِ الْإِعْتَاقُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ثُمَّ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْإِعْتَاقِ ثُمَّ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الصَّوْمِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} وَالْمُرَادُ مِنْ عِتْقِ الرَّقَبَةِ إعْتَاقُ الرَّقَبَةِ لِأَنَّهُ إذَا وَرِثَ أَبًا فَنَوَى بَدْءَ الْكَفَّارَةِ لَمْ يُجْزِهِ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ وَالشَّهِيدُ فِي الْكَافِي وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ بِلَا صُنْعٍ مِنْهُ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ بِلَا صُنْعٍ مِنْهُ أَيْضًا وَالْكَفَّارَةُ شَرْطٌ فِيهَا التَّحْرِيرُ وَهُوَ صُنْعٌ مِنْهُ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ.
اهـ. أَتْقَانِيٌّ قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ مِنْ عِتْقِ الرَّقَبَةِ إلَخْ أَيْ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَكَفَّارَةُ الظِّهَارِ عِتْقُ رَقَبَةٍ. اهـ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.