لا تخرجي إلّا بإذني شرط لكلّ خروجٍ إذنٌ
الشروح عليها
(قَوْلُهُ: لَا تَخْرُجِي إلَّا بِإِذْنِي شَرْطٌ لِكُلِّ خُرُوجٍ إذْنٌ بِخِلَافِ إلَّا أَنْ وَحَتَّى) أَيْ
بِخِلَافِ لَا تَخْرُجِي إلَّا أَنْ آذَنَ لَكِ أَوْ حَتَّى أَنْ آذَنَ لَكِ فَأَذِنَ لَهَا مَرَّةً انْتَهَتْ الْيَمِينُ حَتَّى لَوْ خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ ثُمَّ خَرَجَتْ بَعْدَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا يَحْنَثُ وَالْفَرْقُ فِي الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى خُرُوجٌ مَقْرُونٌ بِالْإِذْنِ؛ لِأَنَّهُ مُفَرَّغٌ لِلْمُتَعَلِّقِ فَصَارَ الْمَعْنَى إلَّا خُرُوجًا مُلْصَقًا بِهِ فَمَا لَمْ يَكُنْ مُلْصَقًا بِالْإِذْنِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْيَمِينِ لِعُمُومِ النَّكِرَةِ فَيَحْنَثُ بِهِ،
وَفِي الثَّانِي الْإِذْنُ غَايَةٌ أَمَّا فِي حَتَّى فَظَاهِرٌ،
وَأَمَّا فِي إلَّا أَنْ فَتَجُوزُ بِإِلَّا فِيهَا لِتَعَذُّرِ اسْتِثْنَاءِ الْإِذْنِ مِنْ الْخُرُوجِ وَبِالْمَرَّةِ يَتَحَقَّقُ فَيَنْتَهِي الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ،
وَأَمَّا لُزُومُ تَكْرَارِ الْإِذْنِ فِي دُخُولِ بُيُوتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَعَ تِلْكَ الصِّيغَةِ {إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} فَبِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ، وَهُوَ تَعْلِيلُهُ بِالْأَذَى {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ} وَتَمَامُهُ فِي الْأُصُولِ فِي بَحْثِ الْبَاءِ، وَلَا يَرِدُ أَنَّ إلَّا أَنْ آذَنَ بِمَعْنَى إلَّا بِإِذْنِي؛ لِأَنَّ أَنْ وَالْفِعْلَ فِي تَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ الْبَاءِ، وَإِلَّا صَارَ الْمَعْنَى إلَّا خُرُوجًا إذْنِي فَصَارَ كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ
أَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ تَقْدِيرِ الْبَاءِ مَحْذُوفَةً أَوْ مَا قُلْنَا مِنْ جَعْلِهَا بِمَعْنَى حَتَّى مَجَازًا أَيْ حَتَّى آذَنَ لَكِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ كَالْأَوَّلِ، وَعَلَى الثَّانِي يَنْعَقِدُ عَلَى إذْنٍ وَاحِدٍ،
وَإِذَا لَزِمَ فِي إلَّا أَنَّ أَحَدَ الْمَجَازَيْنِ وَجَبَ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا، وَمَجَازُ غَيْرِ الْحَذْفِ أَوْلَى مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي وَصْفِ نَفْسِ اللَّفْظِ، وَمَجَازُ الْحَذْفِ تَصَرُّفٌ فِي ذَاتِهِ بِالْإِعْدَامِ مَعَ الْإِرَادَةِ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ شَرْطٌ أَنَّهُ لَوْ نَوَى الْإِذْنَ مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ يُصَدَّقْ قَضَاءً، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ لَكِنَّهُ يُصَدَّقُ دِيَانَةً؛ لِأَنَّهُ نَوَى مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ فَيُسْتَعَارُ بِمَعْنَى حَتَّى لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي
بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَى التَّعَدُّدَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ حَيْثُ يُصَدَّقُ قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ، وَفِيهِ تَشْدِيدٌ عَلَى نَفْسِهِ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ إلَّا بِإِذْنٍ بِغَيْرِ إذْنِي فَيُشْتَرَطُ لِكُلِّ خُرُوجٍ إذْنٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدٌ مَعَ وُجُودِ الْبَاءِ وَالرِّضَا وَالْأَمْرُ وَالْعِلْمُ كَالْإِذْنِ فِيمَا ذَكَرْنَا،
وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجْت إلَّا بِقِنَاعٍ أَوْ بِمِلْحَفَةٍ،
وَلَوْ قَالَ لَهَا أَذِنْتُ لَكِ فِي الْخُرُوجِ كُلَّمَا أَرَدْت فَخَرَجَتْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لَا يَحْنَثُ فَإِنْ نَهَاهَا عَنْ الْخُرُوجِ بَعْدَ ذَلِكَ صَحَّ النَّهْيُ، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَبِهِ أَخَذَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ،
وَلَوْ أَذِنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ ثُمَّ قَالَ لَهَا كُلَّمَا نَهَيْتُكِ فَقَدْ أَذِنْتُ لَكِ فَنَهَاهَا لَا يَصِحُّ نَهْيُهُ إيَّاهَا،
وَلَوْ أَذِنَ لَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَا عَهْدَ لَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ فَخَرَجَتْ حَنِثَ كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهَا، وَهِيَ نَائِمَةٌ أَوْ غَائِبَةٌ لَمْ تَسْمَعْ فَخَرَجَتْ حَنِثَ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ
أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ يَكُونُ إذْنًا،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْإِذْنُ يَصِحُّ بِدُونِ الْعِلْمِ وَالسَّمَاعِ فِي قَوْلِهِمْ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي الْأَمْرِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لَا يَثْبُتُ الْأَمْرُ بِدُونِ الْعِلْمِ وَالسَّمَاعِ
وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَكُونُ الْإِذْنُ إلَّا بِالسَّمَاعِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ إيقَاعُ الْخَبَرِ فِي الْإِذْنِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالسَّمَاعِ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ إذْنَ الْعَبْدِ فِي التِّجَارَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالسَّمَاعِ،
وَلَوْ كَنَسَتْ الْبَيْتَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ فَخَرَجَتْ إلَى بَابِ الدَّارِ لِكَنْسِ الْبَابِ حَنِثَ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وَلَوْ أَذِنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ إلَى بَعْضِ أَهْلِهَا فَلَمْ تَخْرُجْ ثُمَّ خَرَجَتْ فِي، وَقْتٍ آخَرَ إلَى بَعْضِ أَهْلِهَا قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ أَخَافُ أَنْ يَحْنَثَ،
وَلَوْ أَنَّ الْمَرْأَةَ سَمِعَتْ سَائِلًا يَسْأَلُ شَيْئًا بَعْدَمَا مَنَعَهَا زَوْجُهَا عَنْ الْخُرُوجِ إلَّا بِإِذْنِهِ فَقَالَ لَهَا الزَّوْجُ ادْفَعِي هَذِهِ الْكِسْرَةَ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ السَّائِلُ بِحَيْثُ لَا تَقْدِرُ الْمَرْأَةُ عَلَى الدَّفْعِ إلَيْهِ إلَّا بِالْخُرُوجِ فَخَرَجَتْ لَا يَحْنَثُ، وَإِلَّا فَيَحْنَثُ،
وَلَوْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا تُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ حَتَّى أَصِيرَ مُطَلَّقَةً فَقَالَ الزَّوْجُ نَعَمْ فَخَرَجَتْ طَلُقَتْ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الزَّوْجِ هَذَا لِلتَّهْدِيدِ لَا لِلْإِذْنِ.
وَلَوْ قَالَ لَهَا اُخْرُجِي أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ خَرَجْتِ لَيُخْزِيَنَّكِ اللَّهُ تَعَالَى وَنَحْوَ ذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَكُونُ إذْنًا،
وَكَذَا لَوْ غَضِبَتْ الْمَرْأَةُ وَتَأَهَّبَتْ لِلْخُرُوجِ فَقَالَ الزَّوْجُ دَعُوهَا تَخْرُجُ لَمْ يَكُنْ إذْنًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْإِذْنَ،
وَكَذَا لَوْ قَالَ الزَّوْجُ فِي غَضَبِهِ اُخْرُجِي يَنْوِي التَّهْدِيدَ وَالتَّوْعِيدَ يَعْنِي اُخْرُجِي حَتَّى تَطْلُقِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إذْنًا،
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ خَرَجْتِ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَأَنْت طَالِقٌ فَخَرَجَتْ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ طَالِقٌ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى تَخْرُجَ مَرَّةً أُخْرَى إلَّا أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الْيَمِينِ مُخَاشَنَةً كَانَتْ بَيْنَهُمَا فِي الْخُرُوجِ فَمَتَى كَانَتْ كَذَلِكَ لَا يَحْنَثُ،
وَإِنْ خَرَجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ كَانَتْ عَلَى الْخُرُوجِ الْأَوَّلِ الْكُلُّ مِنْ الظَّهِيرِيَّةِ،
وَفِي الْمُبْتَغَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِي قَوْلِهِ لَهَا إنْ خَرَجْتِ مِنْ الدَّارِ إلَّا بِإِذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ لَا يَحْنَثُ بِخُرُوجِهَا لِوُقُوعِ غَرَقٍ أَوْ حَرْقٍ غَالِبٍ فِيهَا،
وَكَذَا فِي الْقُنْيَةِ. اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ خَمْرًا بِغَيْرِ إذْنِهَا فَأَذِنَتْ لَهُ أَنْ يَشْرَبَهَا فِي دَارِ كَذَا فَشَرِبَهَا فِي غَيْرِهَا حَنِثَ. اهـ.
وَفِي بَابٍ آخَرَ مِنْهَا إنْ دَفَعْتِ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِي فَأَنْت طَالِقٌ فَدَفَعَتْ مِنْ مَالِ نَفْسِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَقَعْ. اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ إلَى السَّبَبِ الدَّاعِي إلَى الْيَمِينِ كَمَا لَا يَخْفَى. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنٍ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ ثُمَّ خَرَجَتْ مَرَّةً ثَانِيَةً بِغَيْرِ إذْنٍ لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِانْحِلَالِ الْيَمِينِ بِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ،
وَلَوْ أَذِنَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَدَخَلَتْ وَخَرَجَتْ مِرَارًا فِي الْعَشَرَةِ لَا يَحْنَثُ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُخَاطَبُ الزَّوْجَةَ أَوْ الْعَبْدَ حَتَّى لَوْ قَالَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ إنْ خَرَجْتَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ إلَّا بِإِذْنِي فَأَنْت حُرٌّ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ لِكُلِّ خُرُوجٍ إذْنٌ
فَلَوْ قَالَ لَهُ أَطِعْ فُلَانًا فِي جَمِيعِ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ فَأَمَرَهُ فُلَانٌ بِالْخُرُوجِ فَخَرَجَ فَالْمَوْلَى حَانِثٌ لِوُجُودِ شَرْطِ الْحِنْثِ، وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِالْخُرُوجِ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِطَاعَةِ فُلَانٍ،
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمَوْلَى لِرَجُلٍ ائْذَنْ لَهُ فِي الْخُرُوجِ فَأَذِنَ لَهُ الرَّجُلُ فَخَرَجَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِالْخُرُوجِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ فُلَانًا بِالْإِذْنِ،
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ قُلْ يَا فُلَانُ مَوْلَاكَ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الْخُرُوجِ فَقَالَ لَهُ فَخَرَجَ فَإِنَّ الْمَوْلَى حَانِثٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ، وَإِنَّمَا أَمَرَ فُلَانًا بِكَذِبٍ،
وَلَوْ قَالَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ بَعْدَ يَمِينِهِ مَا أَمَرَكَ بِهِ فُلَانٌ فَقَدْ أَمَرْتُكَ بِهِ فَأَمَرَهُ الرَّجُلُ بِالْخُرُوجِ فَخَرَجَ فَالْمَوْلَى حَانِثٌ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمَوْلَى مِنْ هَذَا أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا بِرِضَاهُ فَإِذَا قَالَ مَا أَمَرَكَ بِهِ فُلَانٌ فَقَدْ أَمَرْتُكَ بِهِ فَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ فُلَانًا يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ وَالرِّضَا بِالشَّيْءِ بِدُونِ الْعِلْمِ بِهِ لَا يُتَصَوَّرُ فَلَمْ يَعْلَمْ كَوْنَ هَذَا الْخُرُوجِ مَرْضِيًّا بِهِ فَلَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهُ مُسْتَثْنًى فَبَقِيَ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ،
وَلَوْ قَالَ الْمَوْلَى لِلرَّجُلِ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ فِي الْخُرُوجِ فَأَخْبَرَ الرَّجُلُ بِهِ الْعَبْدَ لَمْ يَحْنَثْ الْمَوْلَى.
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ خَرَجْتِ إلَّا بِإِذْنِي ثُمَّ قَالَ لَهَا إنْ بِعْتِ خَادِمَك فَقَدْ أَذِنْتُ لَكِ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ هَذَا إذْنًا؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَرَةٌ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَقَيَّدَ بِالزَّوْجَةِ وَالْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا إلَّا بِإِذْنِ فُلَانٍ أَوْ حَتَّى يَأْذَنَ أَوْ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ أَوْ إلَّا أَنْ يَقْدَمَ فُلَانٌ أَوْ حَتَّى يَقْدَمَ أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ فِي دَارِهِ وَاَللَّهِ لَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِي فَإِنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ الْإِذْنُ فِي هَذَا كُلِّهِ؛
لِأَنَّ قُدُومَ فُلَانٍ لَا يَتَكَرَّرُ عَادَةً وَالْإِذْنُ فِي الْكَلَامِ يُتَنَاوَلُ كُلَّمَا يُوجَدُ مِنْ الْكَلَامِ بَعْدَ الْإِذْنِ،
وَكَذَا خُرُوجُ الرَّجُلِ مِمَّا لَا يَتَكَرَّرُ عَادَةً
بِخِلَافِ الْإِذْنِ لِلزَّوْجَةِ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا ذَلِكَ الْخُرُوجَ الْمَأْذُونَ فِيهِ لَا كُلَّ خُرُوجٍ إلَّا بِنَصٍّ صَرِيحٍ فِيهِ مِثْلِ أَذِنْتُ لَكِ أَنْ تَخْرُجِي كُلَّمَا أَرَدْتِ الْخُرُوجَ وَنَحْوِهِ فَكَانَ الِاقْتِصَارُ فِي هَذَا الْوُجُودِ الصَّارِفِ عَنْ التَّكْرَارِ لَا؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ فِي الْكُلِّ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِالْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ دَخَلَ هَذِهِ الدَّارَ إلَّا أَنْ يَنْسَى فَدَخَلَهَا نَاسِيًا ثُمَّ دَخَلَ بَعْدَ ذَلِكَ ذَاكِرًا لَمْ يَحْنَثْ
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إنْ دَخَلَ هَذِهِ الدَّارَ إلَّا نَاسِيًا فَدَخَلَهَا نَاسِيًا ثُمَّ دَخَلَهَا ذَاكِرًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ كُلِّ دُخُولٍ دُخُولًا بِصِفَةٍ فَبَقِيَ مَا سِوَاهُ دَاخِلًا تَحْتَ الْيَمِينِ
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَعْنِي حَتَّى فَلَمَّا دَخَلَهَا نَاسِيًا انْتَهَتْ الْيَمِينُ، وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ عَبْدِي حُرٌّ إنْ دَخَلْتُ هَذِهِ الدَّارَ دَخْلَةً إلَّا أَنْ يَأْمُرَنِي فُلَانٌ فَأَمَرَهُ فُلَانٌ مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَقَدْ سَقَطَتْ الْيَمِينُ
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إلَّا أَنْ يَأْمُرَنِي بِهَا فُلَانٌ بِزِيَادَةِ بِهَا فَأَمَرَهُ فَدَخَلَ ثُمَّ دَخَلَ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْأَمْرِ فِي كُلِّ دَخْلَةٍ كَقَوْلِهِ إلَّا بِأَمْرِ فُلَانٍ كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى كَمَا فِي الْبَدَائِعِ أَيْضًا،
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْتِ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ إلَّا لِأَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ فَأَنْت طَالِقٌ، وَلِلْمَرْأَةِ حَقٌّ عَلَى رَجُلٍ فَأَرَادَتْ أَنْ تَدَّعِيَ ذَلِكَ وَخَرَجَتْ لِأَجْلِهِ قَالُوا إنْ كَانَتْ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تُوَكِّلَ بِذَلِكَ حَنِثَ الْحَالِفُ،
وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى أَنْ تُوَكِّلَ لَا يَحْنَثُ،
وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا تَخْرُجَ امْرَأَتُهُ إلَّا بِعِلْمِهِ فَخَرَجَتْ، وَهُوَ يَرَاهَا فَمَنَعَهَا لَمْ يَحْنَثْ،
وَلَوْ أَذِنَ لَهَا بِالْخُرُوجِ فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ عِلْمِهِ لَا يَحْنَثُ،
وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا فَخَرَجَتْ، وَهُوَ يَرَاهَا لَا يَحْنَثُ أَيْضًا. اهـ.
ثُمَّ انْعِقَادُ الْيَمِينِ عَلَى الْإِذْنِ فِي قَوْلِهِ إنْ خَرَجْتِ إلَّا بِإِذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ وَاَللَّهِ لَا تَخْرُجِينَ إلَّا بِإِذْنِي مُقَيَّدٌ بِبَقَاءِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ إنَّمَا يَصِحُّ مِمَّنْ لَهُ الْمَنْعُ
فَلَوْ أَبَانَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَخَرَجَتْ بِلَا إذْنٍ لَمْ يَحْنَثْ،
وَإِنْ كَانَ زَوَالُ الْمِلْكِ لَا يُبْطِلُ الْيَمِينَ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْعَقِدْ إلَّا عَلَى مُدَّةِ بَقَاءِ النِّكَاحِ،
وَكَذَا فِي الْعَبْدِ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ مِلْكِ الْمَوْلَى وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ حَلَفَ لَيُعْلِمَنَّهُ بِكُلِّ دَاعِرٍ دَخَلَ الْبَلْدَةَ تَقَيَّدَ بِقِيَامِ وِلَايَتِهِ، وَهَذَا
بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا تَخْرُجُ امْرَأَتُهُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ، وَلَا عَبْدُهُ فَبَانَتْ مِنْهُ أَوْ خَرَجَ الْعَبْدُ عَنْ مِلْكِهِ ثُمَّ خَرَجَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِحَالِ قِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْمِلْكِ لِانْعِدَامِ دَلَالَةِ التَّقْيِيدِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: إلَّا بِإِذْنِهِ فَيُعْمَلُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فَإِنْ عَنَى بِهِ مَا دَامَتْ امْرَأَتُهُ دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُدَيَّنُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ،
وَكَذَلِكَ مَنْ طُولِبَ بِحَقٍّ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ دَارِ مُطَالِبهِ حَنِثَ بِالْخُرُوجِ زَالَ ذَلِكَ الْحَقُّ أَوْ لَمْ يَزُلْ لِمَا قُلْنَا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ،
وَفِي الْمُحِيطِ رَجُلٌ حَلَّفَهُ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ بُخَارَى إلَّا بِإِذْنِهِمْ فَجُنَّ أَحَدُهُمْ قَالَ لَا يَخْرُجُ،
وَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ فَخَرَجَ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ الْإِذْنُ الَّذِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ،
وَلَوْ قَالَ إلَّا بِإِذْنِ فُلَانٍ فَمَاتَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بَطَلَتْ الْيَمِينُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ فَوَاتَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ يَمْنَعُ بَقَاءَ الْيَمِينِ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَهُ لَا يَمْنَعُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: يَلْزَمُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ، وَلَا يَرِدُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . .
لا زيادة له على هذه المسألة.
(لا تخرجي إلا بإذني) أو بأمري أو بعلمي أو برضاي أو لا تخرجي بغير إذني (شرط لكل خروج إذن) ، لأن المستثنى خروج مقرون بالإذن فما وراء الخروج المطلق بالإذن داخل في الحظر العام وهو النكرة المؤولة بالفعل في سياق النقل فإذا خرجت مرة واحدة بلا إذن حنث
بخلاف إلا أن، وحتى.
بشرط بقاء النكاح حتى لو أبانها ثم تزوجها فخرجت بلا إذن لم تطلق وإن بان زوال الملك لا يبطل اليمين لأنها لم تنعقد إلا على مدة بقاء النكاح، كذا في (الفتح) .
[٢٨٣/أ] قال الشارح: وهذا / صحيح إذا كانت الزوجة قائمة وقت اليمين،
أما إذا قال ذلك لأجنبي أو لأجنبية بأن قال: إن خرجت إلا بإذني فعبدي حر أو امرأتي طالق فينبغي أن يصح ولا يتقيد بشيء انتهى. وفيه تأمل
ويشترط أيضا أن لا يكون الخروج لوقوع غرق أو حرق غالب فإن كان لم يحنث كما في (المنتقى) ثم إذا حنث بخروجها مرة بغير إذن لم يحنث بخروجها مرة أخرى لعدم ما يوجب التكرار، وانحلت اليمين بالأول كذا في (الظهيرة) .
قالوا: وطريق إسقاط هذا الإذن أن يقول: كل ما أردت فقد أذنت لك ولو نهاها عنه بعد ذلك لم يعمل نهيه عند ابي يوسف خلافا لمحمد وبه أخذ ابن الفضل وأجمعوا أنه لو أذن لها في خرجة ثم نهاها عن تلك الخرجة فإن نهيه يعمل ولو أذن لها ثم قال: كلما نهيت فقد أذنت لك فيها لم يصح نهيه
ويشترط في إذنه لها أن تسمعه
فلو كان غير مسموع لم يكن إذا قبل هذا قولهما وعند أبي يوسف وزفر يكون إذنا،
والصحيح أنه على قولهما أيضا لا يكون إلا بالسماع وأن تفهمه
فلو أذن لها بالعربية ولا عهد لها بها فخرجت حنث،
وأن تقوم قرينة على أنه لم يرد الإذن
فلو قال لها: اخرجي أما والله لو خرجت ليخزيك الله لا يكون يمينا صرح به محمد رحمه الله تعالى
وكذا لو قال لها في غضب: اخرجي ينوي التهوية لم يكن إذنا إذ المعنى حينئذ اخرجي حتى تطلقي ولو نوى الإذن مرة واحدة باللفظ المذكور صدق ديانة لا قضاء وعليه الفتوى لأنه يحتمل كلامه لكنه خلاف الظاهر.
وفي (المحيط) حلفه ثلاثة رجال أنه لا يخرج من بخارى إلا بإذنهم فأجاز أحدهم لا يخرج ولو مات أحد الثلاثة فخرج لم يحنث لأنه ذهب الإذن الذي وقعت عليه اليمين،
ولو قال: إلا بإذن فلان فمات المحلوف عليه بطلت اليمين عندهما خلافا لأبي يوسف
(لَا تَخْرُجْ إلَّا بِإِذْنِي شُرِطَ لِكُلِّ خُرُوجٍ إذْنٌ بِخِلَافِ إلَّا أَنْ وَحَتَّى) أَيْ لَوْ حَلَفَ لَا تَخْرُجْ امْرَأَتُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ يُشْتَرَطُ الْإِذْنُ فِي كُلِّ خُرُوجٍ حَتَّى لَوْ أَذِنَ لَهَا مَرَّةً فَخَرَجَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ مَرَّةً أُخْرَى يَحْنَثُ
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إلَّا أَنْ آذَنَ لَك أَوْ حَتَّى آذَنَ لَك فَإِنَّهُ بِالْإِذْنِ مَرَّةً تَنْتَهِي الْيَمِينُ حَتَّى لَوْ أَذِنَ لَهَا مَرَّةً فَخَرَجَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ مَرَّةً أُخْرَى بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا يَحْنَثُ
أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا إذَا قَالَ إلَّا بِإِذْنِي فَلِأَنَّهُ اسْتَثْنَى خُرُوجًا بِصِفَةٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ مُلْصَقًا بِالْإِذْنِ لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ فَكُلُّ خُرُوجٍ لَا يَكُونُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ كَانَ دَاخِلًا فِي الْيَمِينِ وَصَارَ شَرْطًا لِلْحِنْثِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ} أَيْ لَا يُوجَدُ نُزُولٌ إلَّا بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ قَالَ إنْ خَرَجْت إلَّا بِمِلْحَفَةٍ أَوْ بِقِنَاعٍ وَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ لَهَا كُلَّمَا أَرَدْت الْخُرُوجَ فَقَدْ أَذِنْت لَك فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ ثُمَّ نَهَاهَا لَمْ يَعْمَلْ نَهْيُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَلَوْ أَذِنَ لَهَا فِي خَرْجَةٍ ثُمَّ نَهَاهَا عَنْ تِلْكَ الْخَرْجَةِ يَعْمَلُ نَهْيُهُ بِالْإِجْمَاعِ وَمُحَمَّدٌ يَعْتَبِرُ الْعَامَّ بِالْخَاصِّ وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ يَبْطُلُ الْيَمِينُ بِالْعَامِّ لِاسْتِحَالَةِ بَقَائِهَا مَعَ إطْلَاقِ جَمِيعِ الْخُرُوجِ
بِخِلَافِ الْخَاصِّ لِأَنَّ الْيَمِينَ بَاقِيَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِهَا فَكَذَا يَصِحُّ النَّهْيُ وَلَوْ نَوَى الْإِذْنَ مَرَّةً يُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ حَتَّى لَا يَحْنَثَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ إذَا خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَإِنَّمَا صَارَ مُحْتَمَلًا لَهُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ غَايَةً بِمَعْنَى حَتَّى بَعْدَ مَا كَانَ اسْتِثْنَاءً وَبَيْنَ الْغَايَةِ وَالِاسْتِثْنَاءِ مُنَاسَبَةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ مَا بَعْدَهُمَا يُخَالِفُ مَا قَبْلَهُمَا فَصَحَّتْ الِاسْتِعَارَةُ وَقَالُوا إنَّ هَذَا الْإِذْنَ يَتَقَيَّدُ بِحَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَا يَصِحُّ إلَّا مِمَّنْ لَهُ الْمَنْعُ وَهُوَ الزَّوْجُ كَالْوَالِي إذَا اسْتَحْلَفَ رَجُلًا لَيُعْلِمَنَّهُ بِكُلِّ دَاعِرٍ دَخَلَ الْبَلَدَ يَتَقَيَّدُ بِحَالِ وِلَايَتِهِ وَهَذَا صَحِيحٌ إذَا كَانَتْ الزَّوْجَةُ قَائِمَةً وَقْتَ الْيَمِينِ
وَأَمَّا إذَا قَالَ ذَلِكَ لِأَجْنَبِيٍّ أَوْ لِأَجْنَبِيَّةٍ بِأَنْ قَالَ إنْ خَرَجْت إلَّا بِإِذْنِي فَعَبْدِي حُرٌّ أَوْ امْرَأَتِي طَالِقٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِشَيْءٍ
وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ مَا إذَا قَالَ إلَّا أَنْ آذَنَ لَك أَوْ حَتَّى آذَنَ لَك فَلِأَنَّ كَلِمَةَ حَتَّى لِلْغَايَةِ فَيَنْتَهِي الْيَمِينُ بِهَا وَكَلِمَةُ أَنْ مَحْمُولَةٌ عَلَيْهَا لِأَنَّ حَقِيقَتَهَا وَهِيَ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مُتَعَذِّرٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْإِذْنُ مُسْتَثْنًى مِنْ الْخُرُوجِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ لَا تَخْرُجُ هِيَ إلَّا بِإِذْنِي أَوْ خُرُوجًا أَنْ آذَنَ لَك وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ فَتَعَيَّنَ حَمْلُهَا عَلَى كَلِمَةِ حَتَّى فَتَكُونُ لِلْغَايَةِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْغَايَةِ وَالِاسْتِثْنَاءِ
بِخِلَافِ قَوْلِهِ إلَّا بِإِذْنِي حَيْثُ لَا يُحْمَلُ عَلَى كَلِمَةِ حَتَّى إلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ غَيْرُ مُتَعَذِّرَةٍ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا تَخْرُجُ إلَّا خُرُوجًا مُلْصَقًا بِإِذْنِي فَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى تَرْكِ الْحَقِيقَةِ فَإِنْ قِيلَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} فَتَكْرَارُ الْإِذْنِ شَرْطٌ لِجَوَازِ الدُّخُولِ فَبَطَلَ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ أَنَّهَا لِلْغَايَةِ كَحَتَّى قُلْنَا تَكْرَارُ الْإِذْنِ فِيهِ عَرَفْنَاهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْ خَارِجٍ وَهُوَ أَنَّ دُخُولَ دَارِ إنْسَانٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ حَرَامٌ فَصَارَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى {لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} أَوْ عَرَفْنَاهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ} الْآيَةَ.
فَصَارَتْ الْعِلَّةُ هِيَ الْإِيذَاءَ وَلَوْ نَوَى التَّعَدُّدَ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ آذَنَ لَك صُدِّقَ قَضَاءً لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ وَفِيهِ تَشْدِيدٌ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ كَلِمَةَ أَنْ وَمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ فَتَكُونُ الْبَاءَ فِيهِ مُقَدَّرَةً فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ إلَّا بِأَنْ آذَنَ لَك وَلِأَنَّ فِيهِ تَغْلِيظًا عَلَى نَفْسِهِ فَيُصَدَّقُ
بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَهُوَ مَا إذَا نَوَى الْإِذْنَ مَرَّةً بِقَوْلِهِ إلَّا بِإِذْنِي حَيْثُ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْفِيفَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا يُصَدَّقُ وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ إنْ بَاعَ فُلَانٌ مَالِي إلَّا بِإِذْنِي وَإِلَّا أَنْ آذَنَ لَهُ لِمَا بَيَّنَّا وَالرِّضَا وَالْأَمْرُ كَالْإِذْنِ فِيمَا ذَكَرْنَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. اهـ. وَلْوَالِجِيٌّ
(قَوْلُهُ لِأَنَّ حَقِيقَتَهَا وَهِيَ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً إلَخْ) قَالَ الرَّازِيّ وَفِي قَوْلِهِ إلَّا أَنْ آذَنَ لَك لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّ أَنْ مَعَ الْفِعْلِ مَصْدَرٌ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ اسْتَثْنَى الْإِذْنَ مِنْ الْخُرُوجِ وَهَذَا بَاطِلٌ لِعَدَمِ الْمُجَانَسَةِ وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الْخُرُوجِ إذْ لَوْ قُلْت إلَّا خُرُوجًا أَنْ آذَنَ لَك لَاخْتَلَّتْ فَتَعَيَّنَ مَجَازُهُ وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ غَايَةَ الِاتِّصَالِ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ حُكْمَ الْمَصْدَرِ وَالْمُغَيَّا يَنْتَهِي بِالْمُسْتَثْنَى وَالْغَايَةِ وَمَا بَعْدَهُمَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهُمَا. اهـ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.