إن لم أشرب ماء هذا الكوز اليوم فكذا ولا ماء فيه أو كان فصبّ أو أطلق ولا ماء فيه لا يحنث
الشروح عليها
: (إنْ لَمْ أَشْرَبْ مَاءَ هَذَا الْكُوزِ الْيَوْمَ فَكَذَا، وَلَا مَاءَ فِيهِ أَوْ كَانَ فَصَبَّ أَوْ أَطْلَقَ، وَلَا مَاءَ فِيهِ لَا يَحْنَث، وَإِنْ كَانَ فَصُبَّ حَنِثَ) بَيَانٌ لِشَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ انْعِقَادِ الْيَمِينِ، وَهُوَ إمْكَانُ تَصَوُّرِ الْبِرِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ،
وَكَذَا مِنْ شَرْطِ بَقَائِهَا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ،
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِالِانْعِقَادِ مُوجِبًا لِلْبِرِّ عَلَى وَجْهٍ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْحَلِفِ، وَهُوَ الْكَفَّارَةُ، وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَصَوُّرِ الْأَصْلِ لِتَنْعَقِدَ فِي حَقِّ الْحَلِفِ وَبِهَذَا لَا تَنْعَقِدُ الْغَمُوسُ مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ، وَلَا فَرْقَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ بَيْنَ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِالطَّلَاقِ، وَلِهَذَا صَوَّرَهَا فِي الْمُخْتَصَرِ بِيَمِينِ الطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مَسْأَلَةَ الْكُوزِ، وَهِيَ مُفَرَّعَةٌ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَذَكَرَ أَنَّهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ وَجْهَانِ فِي الْمُقَيَّدَةِ وَوَجْهَانِ فِي الْمُطْلَقَةِ
أَمَّا فِي الْمُقَيَّدَةِ فَهِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ
إمَّا أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ مَاءٌ أَصْلًا أَوْ كَانَ فِيهِ مَاءٌ وَقْتَ الْحَلِفِ ثُمَّ صُبَّ قَبْلَ مُضِيِّ الْوَقْتِ،
وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يَحْنَثُ لِعَدَمِ انْعِقَادِ الْيَمِينِ فِي الْأَوَّلِ، وَلِبُطْلَانِهَا عِنْدَ الصَّبِّ فِي الثَّانِي عِنْدَهُمَا، وَلَا فَرْقَ فِي الْوَقْتِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْيَوْمَ أَوْ الشَّهْرَ أَوْ الْجُمُعَةَ.
وَأَمَّا الْمُطْلَقَةُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ مَاءٌ أَصْلًا فَلَا يَحْنَثُ لِعَدَمِ انْعِقَادِ الْيَمِينِ أَوْ كَانَ فِيهِ وَصُبَّ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ لِانْعِقَادِهَا لِإِمْكَانِ الْبِرِّ ثُمَّ يَحْنَثُ بِالصَّبِّ؛ لِأَنَّ الْبِرَّ يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَا فُرِّغَ فَإِذَا صُبَّ فَقَدْ فَاتَ الْبِرُّ فَيَحْنَثُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا لَوْ مَاتَ الْحَالِفُ وَالْمَاءُ بَاقٍ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ صَبَّهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ أَوْ مَالَ الْكُوزُ فَانْصَبَّ مَا فِيهِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ،
وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَيَحْنَثُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا غَيْرَ أَنَّهُ فِي الْمُؤَقَّتِ يَحْنَثُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ،
وَفِي الْمُطْلَقِ يَحْنَثُ لِلْحَالِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَاءٌ،
وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَاءٌ يَحْنَثُ عِنْدَ الصَّبِّ، وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي عَدَمِ حِنْثِهِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ فَشَمِلَ مَا إذَا عَلِمَ الْحَالِفُ أَنَّ فِيهِ مَاءً أَوْ لَا، وَمَا إذَا عَلِمَ أَنْ لَا مَاءَ فِيهِ، وَقَيَّدَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ بِعَدَمِ عِلْمِهِ بِأَنْ لَا مَاءَ فِيهِ،
وَأَمَّا إذَا عَلِمَ بِأَنْ لَا مَاءَ فِيهِ يَحْنَثُ بِالِاتِّفَاقِ. اهـ.
؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ وَقَعَتْ يَمِينُهُ عَلَى مَا يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ الْعَدَمُ فَيَحْنَثُ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ قَالَ لَا يَحْنَثُ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ. اهـ.
وَصَحَّحَ فِي التَّبْيِينِ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ إنْ لَمْ أَقْتُلْ فُلَانًا فَكَذَا، وَلِذَا أَطْلَقَ هُنَا فِي الْمُخْتَصَرِ وَجَزَمَ بِالْإِطْلَاقِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ تَفَرَّعَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلُ: مِنْهَا مَا لَوْ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ زَيْدًا الْيَوْمَ فَمَاتَ زَيْدٌ قَبْلَ مُضِيِّ الْيَوْمِ لَا يَحْنَثُ عِنْدَ هُمَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَمِنْهَا لَوْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ الْيَوْمَ فَأَكَلَهُ غَيْرُهُ قَبْلَ اللَّيْلِ. وَمِنْهَا لَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا دَيْنَهُ غَدًا، وَفُلَانٌ قَدْ مَاتَ، وَلَا عِلْمَ لَهُ أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ مُضِيِّ الْغَدِ أَوْ قَضَاهُ قَبْلَهُ أَوْ أَبْرَأَهُ فُلَانٌ قَبْلَهُ لَمْ تَنْعَقِدْ، وَمِنْهَا مَا لَوْ قَالَ لِزَيْدٍ إنْ رَأَيْتُ عَمْرًا فَلَمْ أُعْلِمْكَ فَعَبْدِي حُرٌّ فَرَآهُ مَعَ زَيْدٍ فَسَكَتَ، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا أَوْ قَالَ هُوَ عَمْرٌو لَا يُعْتَقُ عِنْدَهُمَا.
وَمِنْهَا لَوْ حَلَفَ لَا يُعْطِيهِ حَتَّى يَأْذَنَ فُلَانٌ فَمَاتَ فُلَانٌ ثُمَّ أَعْطَاهُ لَمْ يَحْنَثْ،
وَكَذَا لَيَضْرِبَنَّهُ أَوْ لَيُكَلِّمَنَّهُ، وَمِنْهَا لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ تَهَبِي لِي صَدَاقَكِ الْيَوْمَ فَأَنْت طَالِقٌ،
وَقَالَ أَبُوهَا إنْ وَهَبْتِ لَهُ صَدَاقَكِ فَأُمُّكِ طَالِقٌ فَحِيلَةُ عَدَمِ حِنْثِهِمَا أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْهُ بِمَهْرِهَا ثَوْبًا مَلْفُوفًا وَتَقْبِضَهُ فَإِذَا مَضَى الْيَوْمُ لَمْ يَحْنَثْ أَبُوهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَهَبْ صَدَاقَهَا، وَلَا الزَّوْجُ؛ لِأَنَّهَا عَجَزَتْ عَنْ الْهِبَةِ عِنْدَ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ سَقَطَ عَنْ الزَّوْجِ بِالْبَيْعِ ثُمَّ إذَا أَرَادَتْ عَوْدَ الصَّدَاقِ رَدَّتْهُ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ الْكُلُّ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَمِنْهَا مَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مِنْ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ رَجُلٌ قَالَ إنْ لَمْ أَدْخُلْ اللَّيْلَةَ الْبَلَدَ، وَلَمْ أَلْقَ فُلَانًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَدَخَلَ، وَلَمْ يُصَادِفْهُ فِي مَنْزِلِهِ فَلَمْ يَلْقَهُ حَتَّى أَصْبَحَ إنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ غَابَ عَنْ الْمَنْزِلِ وَقْتَ الْحَلِفِ يَحْنَثُ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا لَا يَحْنَثُ. اهـ.
وَمِنْهَا مَا فِي الْمُبْتَغَى، وَفِي يَمِينِهِ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ تَصِلْ صَلَاةَ الْفَجْرِ غَدًا فَأَنْت كَذَا لَا يَحْنَثُ بِحَيْضِهَا بُكْرَةً فِي الْأَصَحِّ. اهـ.
وَمِنْهَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ بَعْدَمَا أَصْبَحَ إنْ لَمْ أُجَامِعْكِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَأَنْت طَالِقٌ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ أَصْبَحَ وَقَعَ يَمِينُهُ عَلَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ نَهَارًا فَيَنْصَرِفُ إلَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ،
وَإِنْ نَوَى تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فَرْعًا لِمَسْأَلَةِ الْكُوزِ. وَمِنْهَا قَالَ إنْ نِمْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَامْرَأَتُهُ كَذَا، وَقَدْ انْفَجَرَ الصُّبْحُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ، وَهُوَ النَّوْمُ فِي اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ لَا يُتَصَوَّرُ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ صُمْتُ أَمْسِ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ. وَمِنْهَا مَا لَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَبِتْ اللَّيْلَةَ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِمَا.
وَمِنْهَا لَوْ غَابَ الرَّجُلُ عَنْ دَارِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَجَعَ فَظَنَّ أَنَّ الْمَرْأَةَ غَائِبَةٌ عَنْ الدَّارِ فَقَالَ إنْ لَمْ آتِ بِامْرَأَتِي إلَى دَارِي اللَّيْلَةَ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَتْ الْمَرْأَةُ كُنْتُ فِي هَذِهِ الدَّارِ لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمْ تَنْعَقِدْ،
وَإِنْ قَالَتْ كُنْتُ غَائِبَةً فَإِنْ صَدَّقَهَا الزَّوْجُ طَلُقَتْ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ، وَمِنْهَا مَا لَوْ قَالَ إنْ لَمْ تَرُدِّي الدِّينَارَ الَّذِي أَخَذْتِيهِ مِنْ كِيسِي فَأَنْت طَالِقٌ فَإِذَا الدِّينَارُ فِي كِيسِهِ لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ الْبِرَّ هُنَا لَمْ يُتَصَوَّرْ فَلَمْ تَنْعَقِدْ الْيَمِينُ فَلَا يَتَرَتَّبُ الْحِنْثُ بِمَنْزِلَةِ مَسْأَلَةِ الْكُوزِ، وَمِنْهَا قَوْمٌ حَلَّفَهُمْ السُّلْطَانُ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا خَرَاجَ تِلْكَ الْبَلْدَةِ إلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ فَأُدِّيَ الْخَرَاجُ كُلُّهُ لَكِنَّ بَعْضَهُمْ بِغَيْرِ أَمْرِ الْبَاقِينَ أَوْ أَدَّى الْخَرَاجَ كُلَّهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ غَيْرُهُمْ بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ لَمْ يَحْنَثُوا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛
لِأَنَّهُ لَمَّا أَدَّى وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَوْ غَيْرِهِمْ لَمْ يَبْقَ الْخَرَاجُ عَلَيْهِمْ فَلَا يُتَصَوَّرُ شَرْطُ الْبِرِّ فَتَبْطُلُ الْيَمِينُ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ بِوَقْتٍ الْكُلُّ فِي الْوَاقِعَاتِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا شَيْئًا مِنْ مَسَائِلِ هَذَا النَّوْعِ فِي تَعَلُّقِ الطَّلَاقِ عِنْدَ قَوْلِهِمْ وَزَوَالُ الْمِلْكِ بَعْدَ الْيَمِينِ لَا يُبْطِلُهَا.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ إمْكَانُ تَصَوُّرِ الْبِرِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ،
وَأَمَّا الْعَجْزُ عَنْ التَّصَوُّرِ فَلَا يَمْنَعُ انْعِقَادَهَا، وَلَا بَقَاءَهَا كَمَا أَطْبَقَتْ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْمُتُونِ فِي مَسْأَلَةِ صُعُودِ السَّمَاءِ، وَقَلْبِ الْحَجَرِ ذَهَبًا فَتَأَمَّلْ، وَكُنْ عَلَى بَصِيرَةٍ. اهـ.
أَقُولُ: الْمُرَادُ بِإِمْكَانِ تَصَوُّرِ الْبِرِّ تَصَوُّرُهُ حَقِيقَةً أَيْ بِأَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا عَقْلًا،
وَإِنْ اسْتَحَالَ عَادَةً كَمَا فِي مَسْأَلَةِ صُعُودِ السَّمَاءِ، وَقَلْبِ الْحَجَرِ ذَهَبًا، وَلِذَا انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ فِيهِ، وَلَمْ تَبْطُلْ بِالْعَجْزِ عَنْهُ عَادَةً كَمَا يَأْتِي
أَمَّا هُنَا فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكُوزِ مَاءٌ لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ أَصْلًا لِعَدَمِ إمْكَانِ تَصَوُّرِ شُرْبِهِ أَصْلًا لَا حَقِيقَةً، وَلَا عَادَةً،
وَإِذَا كَانَ فِيهِ مَاءٌ فَصُبَّ تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ ثُمَّ تَبْطُلُ عِنْدَ الصَّبِّ لِعُرُوضِ الْعَجْزِ حَقِيقَةً، وَعَادَةً فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ التَّصَوُّرِ هُنَا عَدَمُ الْإِمْكَانِ حَقِيقَةً، وَعَادَةً.
(قَوْلُهُ: وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَصَوُّرِ الْأَصْلِ إلَخْ) تَوْضِيحُهُ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ الْحَصِيرِيُّ فِي التَّحْرِيرِ شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ أَنَّ هَذِهِ يَمِينٌ غَيْرُ مَعْقُودَةٍ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ كَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَا مَعْقُودٌ عَلَيْهِ مَوْجُودٌ، وَلَا مُتَوَهَّمُ الْوُجُودِ، وَعَدَمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعَقْدِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ لِتَحَقُّقِ الْبِرِّ فَإِنَّ مَنْ أَخْبَرَ بِخَبَرٍ أَوْ وَعَدَ بِوَعْدٍ يُؤَكِّدُهُ بِالْيَمِينِ لِتَحَقُّقِ الصِّدْقِ فَكَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْبِرَّ ثُمَّ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ خَلَفًا عَنْهُ لِرَفْعِ حُكْمِ الْحِنْثِ، وَهُوَ الْإِثْمُ لِيَصِيرَ بِالتَّكْفِيرِ كَالْبَارِّ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْبِرُّ مُتَصَوَّرًا لَا تَنْعَقِدُ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ خَلَفًا عَنْهُ؛
لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ حُكْمُ الْيَمِينِ وَحُكْمُ الشَّيْءِ إنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ انْعِقَادِهِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ
بِخِلَافِ صُعُودِ السَّمَاءِ وَتَحْوِيلِ الْحَجَرِ ذَهَبًا وَالطَّيَرَانِ فِي الْهَوَاءِ وَشُرْبِ مَاءِ دِجْلَةَ؛ لِأَنَّ الْبِرَّ مُتَصَوَّرٌ فِي الْجُمْلَةِ لِجَوَازِ أَنْ يُقْدِرَ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدًا مِنْ عِبَادِهِ عَلَى صُعُودِ السَّمَاءِ، وَمَسِّهَا وَغَيْرِهِ فَتُوُهِّمَ وُجُودُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ صَعِدَ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - وَالْمَلَائِكَةُ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - تَصْعَدُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَكَمَا أَكْرَمَ آصف وَزِيرَ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَيْثُ قَالَ {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} ، وَأَنَّهُ خِلَافُ الْعَادَةِ فَبِاعْتِبَارِ التَّصَوُّرِ فِي الْجُمْلَةِ انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ وَبِاعْتِبَارِ الْعَجْزِ الثَّابِتِ عَادَةً حَنِثَ لِلْحَالِ، وَهَذَا الْعَجْزُ غَيْرُ الْعَجْزِ الْمُقَارِنِ لِلْيَمِينِ؛
لِأَنَّ هَذَا الْعَجْزَ عَنْ الْبِرِّ الْوَاجِبِ بِالْيَمِينِ وَبِهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ مُقَارِنًا لِلْيَمِينِ،
وَإِنْ كَانَ فِي الْكُوزِ مَاءٌ وَأُهْرِقَ قَبْلَ اللَّيْلِ بَطَلَتْ الْيَمِينُ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَبْقَى وَتَنْعَقِدُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً، وَفِيهِ مَاءٌ فَمَا دَامَ الْحَالِفُ وَالْمَحْلُوفُ قَائِمَيْنِ لَا يَحْنَثُ،
وَإِذَا هَلَكَ أَحَدُهُمَا يَحْنَثُ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ هَلَكَ الْمَحْلُوفُ يَحْنَثُ، وَقْتَ الْهَلَاكِ،
وَإِنْ هَلَكَ الْحَالِفُ يَحْنَثُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ بِفَوَاتِ الْبِرِّ فِي جَمِيعِ عُمُرِهِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ لِوُقُوعِ الْيَأْسِ عَنْ الْفِعْلِ،
وَإِنْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً إنْ كَانَ الْحَالِفُ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَائِمَيْنِ، وَمَضَى الْوَقْتُ حَنِثَ فِي قَوْلِهِمْ لِوُقُوعِ الْيَأْسِ عَنْ الْفِعْلِ فِي الْوَقْتِ الْمَشْرُوطِ،
وَإِنْ هَلَكَ الْحَالِفُ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَائِمٌ، وَمَضَى الْوَقْتُ لَا يَحْنَثُ عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْنَثُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ تَرْكُ الْفِعْلِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ فَإِذَا كَانَ مَيِّتًا فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَالْمَيِّتُ لَا يُوصَفُ بِالْحِنْثِ،
وَلَوْ هَلَكَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَالْوَقْتُ بَاقٍ وَالْحَالِفُ قَائِمٌ بَطَلَتْ الْيَمِينُ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَحْنَثُ. اهـ.
بِاخْتِصَارٍ.
(قَوْلُهُ: وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ مُقْتَضَى مَا اخْتَارَهُ فِي مَسْأَلَةِ إنْ لَمْ أَقْتُلْ فُلَانًا مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْعِلْمِ، وَعَدَمِهِ أَنْ يُحْمَلَ إطْلَاقُهُ هُنَا عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ لِيَكُنْ مَاشِيًا عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَإِنْ كَانَ فِي التَّبْيِينِ صَحَّحَ رِوَايَةَ الْإِطْلَاقِ لِاحْتِمَالِ اخْتِيَارِهِ رِوَايَةَ التَّفْصِيلِ كالإسبيجابي فَيَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافُ التَّصْحِيحِ وَالتَّرْجِيحِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لَكِنَّ الزَّيْلَعِيَّ فَرَّقَ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْكُوزِ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْقَتْلِ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَالِمًا فَقَدْ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى حَيَاةٍ يُحْدِثُهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ مُتَصَوَّرٌ
بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْكُوزِ فَإِنَّ مَا يُحْدِثُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ غَيْرُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَا أَطْلَقَهُ هُنَا جَارِيًا عَلَى إطْلَاقِهِ تَأَمَّلْ. اهـ.
أَيْ؛ لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ هُنَا مَاءٌ مَظْرُوفٌ فِي الْكُوزِ وَقْتَ الْحَلِفِ دُونَ الْحَادِثِ بَعْدَهُ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّهُ إذَا كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا مَاءَ فِيهِ يَكُونُ الْمُرَادُ مَاءً مَظْرُوفًا فِيهِ بَعْدَ الْحَلِفِ كَمَا فِي لَأَقْتُلَنَّ فُلَانًا فَإِنَّ الْقَتْلَ إزْهَاقُ الرُّوحِ فَإِذَا كَانَ عَالِمًا بِمَوْتِهِ يُرَادُ رُوحٌ مُسْتَحْدَثٌ.
(قَوْلُهُ: لَمْ تَنْعَقِدْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ عَدَمُ الِانْعِقَادِ فِيمَا إذَا كَانَ مَيِّتًا وَقْتَ الْحَلِفِ
أَمَّا إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ مُضِيِّ الْغَدِ أَوْ قَضَاهُ أَوْ أَبْرَأَهُ قَبْلَهُ تَبْطُلُ بَعْدَ الِانْعِقَادِ إذْ شَرْطُ بَقَاءِ الْمُؤَقَّتَةِ إمْكَانُ الْبِرِّ، وَقَدْ فَاتَ لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْجَوْهَرَةِ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ صُعُودِ السَّمَاءِ، وَقَلْبِ الْحَجَرِ ذَهَبًا أَنَّ الْمُؤَقَّتَةَ يَتَعَلَّقُ انْعِقَادُهَا بِآخِرِ الْوَقْتِ عِنْدَهُمَا يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدًا فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ لَمْ تَنْعَقِدْ صَحِيحٌ فِي الْكُلِّ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ قِيلَ بِالْبُطْلَانِ بَعْدَ الِانْعِقَادِ،
وَقِيلَ بِعَدَمِ الِانْعِقَادِ إلَّا فِي آخِرِ الْوَقْتِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْهَا لَوْ حَلَفَ لَا يُعْطِيهِ حَتَّى يَأْذَنَ فُلَانٌ) كَذَا فِي النُّسَخِ بِدُونِ تَقْيِيدِهِ بِالْيَوْمِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْفَتْحِ وَانْظُرْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْكُوزِ إذَا أَطْلَقَ، وَكَانَ فِيهِ مَاءٌ فَصُبَّ.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهَا عَجَزَتْ عَنْ الْهِبَةِ عِنْدَ الْغُرُوبِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ لَمْ يُمْكِنْهَا ذَلِكَ إذْ الْهِبَةُ لَا تُتَصَوَّرُ فِيمَا سَقَطَ مِنْ الْمَهْرِ فَالْمُرَادُ مِنْ الْعَجْزِ هُنَا هُوَ عَدَمُ الْإِمْكَانِ، وَأَقُولُ: قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ كَالْإِبْرَاءِ مِنْهُ إلَّا فِي مَسَائِلَ،
وَأَنَّ الْإِبْرَاءَ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ صَحِيحٌ فَمُقْتَضَاهُ صِحَّةُ الْهِبَةِ بَعْدَمَا ذَكَرَ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْبَرَاءَةِ فِي هَذَا فَيَكُونُ مِمَّا اُسْتُثْنِيَ هُنَا، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَشْبَاهِ بَعْدَ قَوْلِهِ الْإِبْرَاءُ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ صَحِيحٌ، وَعَنْ هَذَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِإِبْرَائِهَا عَنْ الْمَهْرِ ثُمَّ دَفَعَهُ لَهَا لَا يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ فَإِذَا أَبْرَأَتْهُ بَرَاءَةَ إسْقَاطٍ، وَقَعَ وَرَجَعَ عَلَيْهَا. اهـ فَتَأَمَّلْ هَذَا الْمَحَلَّ اهـ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي بَابِ التَّعْلِيقِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَزَوَالُ الْمِلْكِ لَا يُبْطِلُ الْيَمِينَ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَثُرَ وُقُوعُهُمَا فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت.
(قَوْلُهُ: وَمِنْهَا مَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ التَّقْيِيدُ بِالْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِنَاءً عَلَى تَقْيِيدِ مَسْأَلَةِ الْقَتْلِ وَالْكُوزِ بِهِ وَمَسْأَلَةِ الرَّغِيفِ، وَمَا شَاكَلَهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْإِسْبِيجَابِيِّ، وَقَدْ صَحَّحَ الزَّيْلَعِيُّ خِلَافَهُ، وَعَلَيْهِ فَلَا يَحْنَثُ مُطْلَقًا لِعَدَمِ إمْكَانِ تَصَوُّرِ الْبِرِّ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ اللَّيْلَةِ مَعَ غَيْبَتِهِ عَنْ الْمَنْزِلِ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْهَا مَا فِي الْمُبْتَغَى إلَخْ) سَيَأْتِي عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ فِي بَابِ الْيَمِينِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَحَنِثَ فِي لَا يَصُومُ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ يَحْنَثُ، وَذَكَرَ فِيهَا قَوْلًا ثَالِثًا فَرَاجِعْهُ هُنَاكَ.
(إن لم أشرب) من (ماء هذا الكوز اليوم، فكذا) أي: فزوجته طالق أو عبده حر (ولا ماء فيه، أو كان) فيه ماء (فصب) أي: أهريق ولو في إناء آخر كالباقي قبل الغروب، وسواء كان ذلك بفعل الحالف أو غيره أو لم يكن بفعل أحد كما هو ظاهر إطلاقه هذا (أو أطلق) يمينه عن قيد الوقت كاليوم مثلا (ولا ماء فيه لا يحنث) عندهما في الصور، وسواء علم وقت الحلف أن فيه ماء أو لم يعلم هو الأصح،
وقال الثاني: يحنث والخلاف، مبني على أن تصور البر شرط وإن كان فصب حنث.
لانعقاد اليمين المطلقة عن الوقت والبقاء المقيدة بالوقت عندهما إلى وقت وجوب البر وعند الثاني لا يشترط ذلك، وكان اعتبارها منعقدة للبر على وجه يظهر في الحلف وهو الكفارة قلنا: لا بد من تصور الأصل لتنعقد في حق الحلف ولذا لم تنعقد الغموس موجبة للكفارة لاستحالة البر فيها وإذا عرف هذا فعدم حنثه عندهما في المقيدة والمطلقة إذا لم يكن فيه ماء لعدم انعقاده اليمين،
وإن كان فيه ماء فصب لبطلان ما استحالة البر في آخر الوقت لا يقال: البر متصور في هذه الصورة / لأن عدد [٢٨٧/ب] القطرات المهراقة ممكنة فيجب أن يحنث عندهما لأن البر إنما يجب في هذه الصورة في آخر جزء من آخر اليوم يحنث لا يسع فيه غيره فلا يمكن القول فيه بإعادة الماء في الكوز وشربه في ذلك الزمان، كذا في (العناية) .
قال في (الحواشي السعدية) : وفيه تأمل ولعله وجهه أن الإعادة قبل آخر الوقت ممكنة فماله متصور، وعند أبي يوسف يحنث في المؤقتة في آخر الوقت وفي المطلقة إن لم يكن فيه ماء يحنث للحال
(إنْ لَمْ أَشْرَبْ مَاءَ هَذَا الْكُوزِ الْيَوْمَ فَكَذَا وَلَا مَاءَ فِيهِ أَوْ كَانَ فَصُبَّ أَوْ أَطْلَقَ وَلَا مَاءَ فِيهِ لَا يَحْنَثُ وَإِنْ كَانَ فَصُبَّ حَنِثَ) أَيْ رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ أَشْرَبْ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَلَيْسَ فِيهِ مَاءٌ أَوْ كَانَ فِيهِ مَاءٌ فَصُبَّ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَوْ أَطْلَقَ الْيَمِينَ أَيْ لَمْ يَقُلْ الْيَوْمَ وَلَيْسَ فِي الْكُوزِ مَاءٌ لَمْ يَحْنَثْ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَصُبَّ حَنِثَ أَيْ فِي الْمُطْلَقِ وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يَقُلْ الْيَوْمَ فَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ
إمَّا أَنْ يَكُونَ مُؤَقَّتَةً بِالْيَوْمِ أَوْ لَمْ تَكُنْ مُؤَقَّتَةً بِهِ وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى وَجْهَيْنِ
إمَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَاءٌ فَصُبَّ أَوْ لَا يَكُونُ فِيهِ مَاءٌ
أَمَّا فِي الْمُؤَقَّتِ لَا يَحْنَثُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَاءٌ يَسْتَحِيلُ الشُّرْبُ مِنْهُ وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُحَالِ لَا تَنْعَقِدُ
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِيهِ مَاءٌ فَصُبَّ قَبْلَ اللَّيْلِ لِأَنَّ الْبَرَّ فِي الْمُؤَقَّتِ يَجِبُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْتَحِيلُ الْبِرُّ فِيهِ فَبَطَلَتْ
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَاءٌ لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ لِاسْتِحَالَةِ الْبِرِّ لِلْحَالِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَاءٌ انْعَقَدَتْ لِلتَّصَوُّرِ ثُمَّ يَحْنَثُ بِالصَّبِّ لِأَنَّ الْبِرَّ يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَا فَرَغَ فَإِذَا صَبَّ فَقَدْ فَاتَ الْبِرُّ فَيَحْنَثُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا لَوْ مَاتَ الْحَالِفُ وَالْمَاءُ بَاقٍ وَهَذَا عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَحْنَثُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا غَيْرَ أَنَّهُ فِي الْمُؤَقَّتِ يَحْنَثُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ لِأَنَّ التَّوْقِيتَ لِلتَّوْسِعَةِ فَلَا يَجِبُ الْفِعْلُ إلَّا فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَلَا يَحْنَثُ قَبْلَهُ وَفِي الْمُطْلَقِ يَحْنَثُ لِلْحَالِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَاءٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَاءٌ يَحْنَثُ عِنْدَ الصَّبِّ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْبِرُّ كَمَا فَرَغَ وَقَدْ تَحَقَّقَ عَجْزُهُ لِلْحَالِ فِي الْفَارِغِ فَيَحْنَثُ فِي الْحَالِ وَعِنْدَ الصَّبِّ فِي الْمَشْغُولِ فَيَحْنَثُ فِي ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَأَصْلُهُ أَنَّ مِنْ شَرْطِ انْعِقَادِ الْيَمِينِ وَبَقَائِهَا التَّصَوُّرَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّصَوُّرُ بَلْ مَحَلُّهَا عِنْدَهُ خَبَرٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ سَوَاءٌ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ أَلَا تَرَى أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى مَسِّ السَّمَاءِ وَتَحْوِيلِ الْحَجَرِ ذَهَبًا تَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ عَقَدَهَا عَلَى خَبَرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَيْهِ وَعِنْدَهُمَا مَحَلُّهَا خَبَرٌ فِيهِ رَجَاءُ الصِّدْقِ لِأَنَّ مَحَلَّ الشَّيْءِ مَا يَكُونُ قَابِلًا لِحُكْمِهِ وَحُكْمُ الْيَمِينِ الْبِرُّ وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ رَجَاءُ الصِّدْقِ فَلَا يَنْعَقِدُ أَصْلًا كَيَمِينِ الْغَمُوسِ وَلَا يُقَالُ يُمْكِنُ أَنْ تَنْعَقِدَ الْيَمِينُ مُوجِبَةً لِلْبِرِّ عَلَى وَجْهٍ يَظْهَرُ فِي الْخَلْفِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّا نَقُولُ شَرْطُ انْعِقَادِ السَّبَبِ فِي حَقِّ الْخَلَفِ احْتِمَالُ الِانْعِقَادِ فِي حَقِّ الْأَصْلِ وَلَا احْتِمَالَ هُنَا لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْبِرِّ فَلَا يَنْعَقِدُ وَلَا يُقَالُ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُوجِدَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَاءَ فِي الْكُوزِ فَيَنْعَقِدُ كَمَا فِي الْيَمِينِ عَلَى تَحْوِيلِ الْحَجَرِ ذَهَبًا لِأَنَّا نَقُولُ الْمَاءُ الَّذِي يُوجِدُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ غَيْرُ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْكَائِنُ فِيهِ وَقْتَ الْيَمِينِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَصَوَّرِ الْوُجُودِ لِتَحَقُّقِ عَدَمِهِ فِيهِ
بِخِلَافِ تَحْوِيلِ الْحَجَرِ ذَهَبًا ثُمَّ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَرَّقَ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ فِي حَقِّ الْحِنْثِ فَحِنْثُهُ فِي الْمُقَيَّدِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَفِي الْمُطْلَقِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَاءٌ فِي الْحَالِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَاءٌ فَعِنْدَ الصَّبِّ وَهُمَا فَرَّقَا بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ فِيمَا إذَا كَانَ فِي الْكُوزِ مَاءٌ فَحَنَّثَاهُ عِنْدَ الصَّبِّ فِي الْمُطْلَقِ فِيهِ دُونَ الْمُقَيَّدِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي أَثْنَاءِ الْبَحْثِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْفُرُوقُ مِنْ الْمَعَانِي يَعْرِفُهُ مَنْ تَأَمَّلَ فِيهِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ ثُمَّ يَحْنَثُ بِالصَّبِّ) أَيْ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا. اهـ. هِدَايَةٌ
(قَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّهُ فِي الْمُؤَقَّتِ) يَعْنِي بِوَجْهَيْهِ وَهُمَا إذَا كَانَ فِيهِ مَاءٌ فَصَبَّ أَوْ لَمْ يَكُنْ. اهـ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ التَّوْقِيتَ لِلتَّوْسِعَةِ) أَيْ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَخْتَارَ الْفِعْلَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ فَمَا لَمْ يَمْضِ ذَلِكَ الْوَقْتُ لَا يَتَحَقَّقُ تَرْكُ الْفِعْلِ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ فَإِذَا فَاتَ الْجُزْءُ الْآخَرُ فَلَمْ يَفْعَلْ يَحْنَثُ حِينَئِذٍ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَحْنَثُ فِيهَا إذَا مَضَى الْيَوْمُ اهـ
(قَوْلُهُ وَأَصْلُهُ) أَيْ أَصْلُ هَذَا الْخِلَافِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَبَقَائِهَا التَّصَوُّرُ) أَيْ تَصَوُّرُ الْبِرِّ. اهـ.
(قَوْلُهُ فَلَا يَنْعَقِدُ أَصْلًا كَيَمِينِ الْغَمُوسِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَلَهُمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْيَمِينِ الْبِرُّ فَإِذَا فَاتَ الْبِرُّ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ خَلَفًا عَنْهُ ثُمَّ إذَا لَمْ يَتَصَوَّرْ الْبِرَّ لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ وَلَا حِنْثَ بِدُونِ انْعِقَادِ الْيَمِينِ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِلَا حِنْثٍ تَحْقِيقُهُ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تُوجِبُ الْكَفَّارَةَ لِذَاتِهَا وَلِهَذَا لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي اللَّغْوِ وَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ مَعَ أَنَّهُمَا يَمِينَانِ وَإِنَّمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ فَكُلُّ يَمِينٍ اسْتَحَالَ فِيهَا الْبِرُّ اسْتَحَالَ فِيهَا الْحِنْثُ فَلَمَّا اسْتَحَالَ شُرْبُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكُوزِ اسْتَحَالَ الْبِرُّ فَلَمَّا اسْتَحَالَ الْبِرُّ اسْتَحَالَ الْحِنْثُ لِأَنَّ التَّرْكَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَصِحُّ وُجُودُهُ وَهُنَا يَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ عِنْدَهُمَا سَوَاءٌ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَهِيَ مَا إذَا حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ فُلَانًا وَهُوَ مَيِّتٌ إنْ عَلِمَ بِمَوْتِهِ تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَا تَنْعَقِدُ وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى الْحَيَاةِ الْقَائِمَةِ وَلَمْ تَنْعَقِدْ الْيَمِينُ لِانْعِدَامِ الْمَحَلِّ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْكُوزِ وَإِذَا كَانَ عَالِمًا بِمَوْتِهِ فَقَدْ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى تَفْوِيتِ حَيَاةٍ يُعِيدُهَا اللَّهُ تَعَالَى وَذَلِكَ مُتَصَوَّرٌ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} وَتَفْوِيتُ الْحَيَاةِ الْمُحْدَثَةِ يَكُونُ قَابِلًا لِذَلِكَ الشَّخْصِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَتَنْعَقِدُ الْيَمِينُ ثُمَّ يَحْنَثُ مِنْ سَاعَتِهِ لِوُقُوعِ الْعَجْزِ عَادَةً. اهـ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.