شهدوا بحدٍّ متقادمٍ سوى حدّ القذف لم يحدّ
الشروح عليها
[بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا وَالرُّجُوع عَنْهَا] (قَوْلُهُ: شَهِدُوا بِحَدٍّ مُتَقَادِمٍ سِوَى حَدِّ الْقَذْفِ لَمْ يُحَدَّ) أَيْ شَهِدُوا بِسَبَبِ حَدٍّ وَهُوَ الزِّنَا أَوْ السَّرِقَةُ أَوْ شُرْبُ الْخَمْرِ لَا بِنَفْسِ الْحَدِّ
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ مُتَقَادِمٌ مَعْنَاهُ مُتَقَادِمٌ سَبَبُهُ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْحُدُودَ الْخَالِصَةَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى تَبْطُلُ بِالتَّقَادُمِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ حِسْبَتَيْنِ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ، وَالسَّتْرُ فَالتَّأْخِيرُ إنْ كَانَ لِاخْتِيَارِ السَّتْرِ فَالْإِقْدَامُ عَلَى الْأَدَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ لِضَغِينَةٍ هَيَّجَتْهُ أَوْ لِعَدَاوَةٍ حَرَّكَتْهُ فَيُتَّهَمُ فِيهَا،
وَإِنْ كَانَ التَّأْخِيرُ لَا لِلسَّتْرِ يَصِيرُ فَاسِقًا آثِمًا فَتَيَقَّنَّا بِالْمَانِعِ
بِخِلَافِ التَّقَادُمِ فِي حَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ فِيهِ حَقُّ الْعِبَادِ لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ الْعَارِ عَنْهُ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، وَالتَّقَادُمُ غَيْرُ مَانِعٍ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ وَلِأَنَّ الدَّعْوَى فِيهِ شَرْطٌ فَيُحْمَلُ تَأْخِيرُهُمْ عَلَى انْعِدَامِ الدَّعْوَى فَلَا يُوجِبُ تَفْسِيقَهُمْ وَلَا يَرِدُ حَدُّ السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى لَيْسَ بِشَرْطٍ لِلْحَدِّ؛ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا مَرَّ، وَإِنَّمَا شَرْطٌ لِلْمَالِ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ يُدَارُ عَلَى كَوْنِ الْحَدِّ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يُعْتَبَرُ وُجُودُ التُّهْمَةِ فِي كُلِّ فَرْدٍ وَلِأَنَّ السَّرِقَةَ تُقَامُ عَلَى الِاسْتِشْرَارِ عَلَى غِرَّةٍ مِنْ الْمَالِكِ فَيَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ إعْلَامُهُ وَبِالْكِتْمَانِ يَصِيرُ فَاسِقًا آثِمًا
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِكَوْنِ التَّقَادُمِ مُبْطِلًا لَهَا إلَى أَنَّ التَّقَادُمَ يَمْنَعُ الْإِقَامَةَ بَعْدَ الْقَضَاءِ حَتَّى لَوْ هَرَبَ بَعْدَ مَا ضُرِبَ بَعْضَ الْحَدِّ ثُمَّ أُخِذَ بَعْدَ مَا تَقَادَمَ الزَّمَانُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِمْضَاءَ مِنْ الْقَضَاءِ فِي بَابِ الْحُدُودِ فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ الشَّهَادَةِ حَالَ الِاسْتِيفَاءِ وَبِالتَّقَادُمِ لَمْ تَبْقَ الشَّهَادَةُ فَلَا يَصِحُّ هَذَا الْقَضَاءُ الَّذِي هُوَ الِاسْتِيفَاءُ وَقَيَّدَ بِالشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِسَبَبِ حَدٍّ مُتَقَادِمٍ حُدَّ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُعَادِي نَفْسَهُ إلَّا فِي حَدِّ الشُّرْبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ،
فَإِنَّ التَّقَادُمَ فِيهِ يُبْطِلُ الْإِقْرَارَ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ.
وَلَمْ يُفَسِّرْ الْمُصَنِّفُ التَّقَادُمَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ لَمْ يُقَدِّرْهُ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا فَوَّضَهُ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي فِي كُلِّ عَصْرٍ لَكِنَّ الْأَصَحَّ مَا عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُقَدَّرُ بِشَهْرٍ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهُ عَاجِلٌ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْهَا أَيْضًا وَقَدْ اعْتَبَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ أَيْضًا وَعِنْدَهُمَا هُوَ مُقَدَّرٌ بِزَوَالِ الرَّائِحَةِ
فَلَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِالشُّرْبِ بَعْدَهَا لَا تُقْبَلُ وَقَدْ جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِهِ فَظَاهِرُهُ كَغَيْرِهِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ فَعُلِمَ أَنَّ الْأَصَحَّ اعْتِبَارُ الشَّهْرِ إلَّا فِي شُرْبِ الْخَمْرِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْمُصَنِّفُ كَوْنَ التَّقَادُمِ لِبُعْدِ الْمَكَانِ عَنْ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ بَلْ يَكُونُ بِنَحْوِ مَرَضٍ أَوْ خَوْفِ طَرِيقٍ
وَحَاصِلُهُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَنَعَ الشَّاهِدَ مِنْ الْمُسَارَعَةِ إلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَهُوَ عُذْرٌ بِقَدْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ وُجُوبَ الْحَدِّ عَلَى الشُّهُودِ إذَا شَهِدُوا بِزِنًا مُتَقَادِمٍ وَذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ لَوْ شَهِدُوا بِزِنًا مُتَقَادِمٍ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ يُحَدُّ الشُّهُودُ حَدَّ الْقَذْفِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُحَدُّونَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُحَدُّونَ) أَقُولُ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ فَقَدْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْكَافِي حَيْثُ قَالَ وَإِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى رَجُلٍ بِزِنًا قَدِيمٍ لَمْ آخُذْ بِشَهَادَتِهِمْ وَلَا أَحَدِهِمْ. اهـ. وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ،
فَإِنَّ شَهَادَتَهُمْ كَامِلَةٌ. [أَثْبَتُوا زِنَاهُ بِغَائِبَةٍ]
(شهدوا بحد متقادم) فيه تساهل فإنهم إنما يشهدون بسبب الحد والتقادم صفة له في الحقيقة كذا وهو شهر في الأصح (سوى حد القذف لم يحد) لعدم الشهادة للتهمة وذلك / أن الشاهد مخير في الابتداء بين الستر والأداء فتأخيره إن كان ميلا إلى الستر [٣٠٣/ب] فالإقدام على الأداء بعد ذلك لعداوة حركته،
وإن لم يكن كان بالتأخير فاسقا
بخلاف حد القذف لأن الدعوى فيه شرطا لما فيه من حقوق العبد فحمل التأخير على انعدام الدعوى، وأورد أنها شرط في السرقة أيضا ومع هذا لا تقبل الشهادة فيها بالتقادم.
وأجاب فاضي خان بأنها إنما لا تقبل لا للتهمة في الشهود بل للخلل في الدعوى، وذلك أن صاحب المال مخير في الابتداء فإذا أخر فقد اختار الستر فلم يبق له حق دعوى السرقة والحد بل حق دعوى المال فقط، إلا أن هذا يقتضي أن الشهود لو علموا بالسرقة فلم يعلموه حتى مضى شهر، فادعى تسمع الدعوى ولا تقبل الشهادة، واعلم أن جزمهم بفسقه ينافي ما جزموا فيه من أن أداها في الحدود قد انتسخ ويمكن أن يجاب بأنه بعد اختيار الأداء يصير واجبا كما في النوافل تجب بالشروع، كذا في (الحواشي السعدية) .
ويضمن المال ولو أثبتوا زناه بغائبة حد
بخلاف السرقة وإن أقر بالزنا بمجهولة حد وإن شهدوا عليه بذلك لا كاختلافهم في طوعها.
وقد يقال المنسوخ إنما هو تعين الأداء ولذا
قال في (الفتح) : إنه مأمور بأحد أمرين الستر أو الأداء احتسابا فأحد الأمرين واجب مخير كخصال الكفارة انتهى. قيد بالشهادة لأنه لو أقر بحد متقادم حد لانتفاء العلة إلا في حد الشرب عندهما خلافا لمحمد على ما سيأتي، ولا بد أن يكون التقادم لغير عذر فإن كان له كمرض أو بعد مسافة أو خوف طريق قبلت وحد
(بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا وَالرُّجُوعِ عَنْهَا) قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(شَهِدُوا بِحَدٍّ مُتَقَادِمٍ سِوَى حَدِّ الْقَذْفِ لَمْ يُحَدَّ) مَعْنَاهُ إذَا لَمْ يَمْنَعْهُمْ عَنْ الشَّهَادَةِ عَلَى الْفَوْرِ بُعْدُهُمْ عَنْ الْإِمَامِ وَحَدُّ التَّقَادُمِ شَهْرٌ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يُقَدِّرْهُ بِشَيْءٍ وَفَوَّضَهُ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي عَلَى مَا هُوَ دَأْبُهُ فِي الْمُقَدَّرَاتِ الْمُتَرَدِّدَةِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ
وَأَشَارَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إلَى أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهُ قَالَ وَإِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ بِسَرِقَةٍ أَوْ بِشُرْبِ خَمْرٍ أَوْ بِزِنًا بَعْدَ حِينٍ لَمْ يُؤْخَذْ بِهِ وَيَضْمَنُ السَّرِقَةَ
وَكَذَا أَشَارَ الطَّحَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَيْهِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِأَنَّ الشَّهْرَ وَمَا فَوْقَهُ آجِلٌ وَمَا دُونَهُ عَاجِلٌ أَصْلُهُ مَسْأَلَةُ الْيَمِينِ فِيمَا إذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ دَيْنَ فُلَانٍ عَاجِلًا فَإِنْ قَضَاهُ فِيمَا دُونَ الشَّهْرِ بَرَّ وَإِلَّا فَلَا وَحَدُّ التَّقَادُمِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ السُّكْرِ بِغَيْرِهَا انْقِطَاعُ الرَّائِحَةِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُوَ يَجْعَلُهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْحُدُودِ عَلَى مَا يَجِيءُ فِي مَوْضِعِهِ وَالْإِقْرَارُ لَا يُمْنَعُ بِالتَّقَادُمِ خِلَافًا لِزُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُوَ يَعْتَبِرُهُ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي هِيَ إحْدَى الْحُجَّتَيْنِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا تَبْطُلُ الْحُدُودُ بِالتَّقَادُمِ وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ إنَّمَا صَارَتْ حُجَّةً بِاعْتِبَارِ وَصْفِ الصِّدْقِ وَتَقَادُمُ الْعَهْدِ لَا يُخِلُّ بِالصِّدْقِ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً كَالْإِقْرَارِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ وَلَنَا قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَيُّمَا قَوْمٍ شَهِدُوا فِي حَدٍّ لَمْ يَشْهَدُوا بِهِ عِنْدَ حَضْرَتِهِ فَإِنَّمَا هُمْ شُهُودُ ضِغْنٍ وَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ وَلِأَنَّ الشَّاهِدَ مَتَى عَايَنَ الزِّنَا وَنَحْوَهُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ حِسْبَتَيْنِ حِسْبَةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لِيُقَامَ الْحَدُّ فَيَحْصُلَ الِانْزِجَارُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} وَحِسْبَةُ السَّتْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ فَإِنَّ الشَّارِعَ نَدَبَ إلَيْهِ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ سَتَرَ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ عَوْرَتَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عَوْرَاتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
وَقَالَ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وَتَأْخِيرُهُمْ الْأَدَاءَ لَا يَخْلُو
إمَّا أَنْ يَكُونَ لِلسَّتْرِ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ لِلسَّتْرِ فَالْإِقْدَامُ عَلَى الْأَدَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ لِضَغِينَةٍ حَرَّكْتُهُمْ فَيُتَّهَمُونَ فِيهَا وَلَا شَهَادَةَ لِلْمُتَّهَمِ وَإِنْ كَانَ لَا لِلسَّتْرِ صَارُوا آثِمِينَ فَاسِقِينَ بِالتَّأْخِيرِ لِأَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَتَأْخِيرَهَا فِسْقٌ وَلِهَذَا لَوْ أَخَّرَ الشَّهَادَةَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ بَعْدَ طَلَبِ الْمُدَّعِي بِلَا عُذْرٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ
بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ وَلِأَنَّ تُهْمَةَ الضَّغِينَةِ لَا تُتَصَوَّرُ فِيهِ وَلِأَنَّهُ لَا يُعَادِي نَفْسَهُ وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يَبْطُلُ بِالتُّهْمَةِ وَالْفِسْقِ
بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ لِأَنَّ الدَّعْوَى شَرْطٌ فِيهَا فَالتَّأْخِيرُ لِعَدَمِ الدَّعْوَى إذْ لَا يَصِحُّ بِدُونِهَا فَكَانُوا مَعْذُورِينَ بِالتَّأْخِيرِ فَإِنْ قِيلَ الدَّعْوَى شَرْطٌ فِي السَّرِقَةِ وَمَعَ هَذَا لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ فِيهَا بِالتَّقَادُمِ قُلْنَا الدَّعْوَى لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الْحَدِّ وَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ لِلْمَالِ وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى السَّرِقَةِ بِدُونِ الدَّعْوَى تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا وَيُحْبَسُ السَّارِقُ إلَى أَنْ يَجِيءَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ وَإِنَّمَا لَا يُقْطَعُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالُهُ لَا يَعْرِفُ السَّارِقَ فَيُتَّهَمُونَ بِالتَّأْخِيرِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَلِأَنَّ السَّرِقَةَ تُقَامُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِسْرَارِ عَلَى غِرَّةٍ مِنْ الْمَالِكِ فَيَجِبُ عَلَى مَنْ عَرَفَ إعْلَامُهُ فَيَصِيرُ فَاسِقًا بِالْكِتْمَانِ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ يُدَارُ عَلَى كَوْنِهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا تُعْتَبَرُ التُّهْمَةُ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ إذْ التُّهْمَةُ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فَيُكْتَفَى بِالصُّورَةِ لِأَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ بِصُورَةِ الشُّبْهَةِ كَمَا يَسْقُطُ بِمَعْنَاهُ فَإِنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ يَسْقُطُ بِمَعْنَاهُ وَدَعْوَاهُ تَسْقُطُ بِصُورَتِهِ ثُمَّ التَّقَادُمُ كَمَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ فِي الِابْتِدَاءِ يَمْنَعُ بَعْدَ الْقَضَاءِ حَتَّى لَوْ هَرَبَ بَعْدَمَا ضُرِبَ بَعْضَ الْحَدِّ ثُمَّ أُخِذَ بَعْدَ تَقَادُمِ الْعَهْدِ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّ الْإِمْضَاءَ مِنْ الْقَضَاءِ فِي الْحُدُودِ بِدَلِيلِ عَمَى الشُّهُودِ وَرِدَّتِهِمْ بَعْدَ الْقَضَاءِ قَبْلَ الْإِمْضَاءِ حَيْثُ يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الشُّهُودِ لِأَنَّ سُقُوطَ الْحَدِّ عَنْ الزَّانِي لِنَوْعِ شُبْهَةٍ وَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ لِإِيجَابِ الْحَدِّ عَلَى الشُّهُودِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ مُتَقَادِمٍ) قَالَ الْكَمَالُ إسْنَادُهُ فِي الْحَقِيقَةِ إلَى ضَمِيرِ السَّبَبِ أَيْ مُتَقَادِمٍ سَبَبُهُ وَهُوَ الزِّنَا مَثَلًا وَهُوَ الْمَشْهُودُ بِهِ وَقَوْلُهُ شَهِدُوا بِحَدٍّ تَسَاهُلٌ فَإِنَّهُمْ إنَّمَا يَشْهَدُونَ بِسَبَبِ الْحَدِّ وَالتَّقَادُمُ صِفَةٌ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ. اهـ. فَتْحٌ وَالتَّقَادُمُ مِنْ الْقِدَمِ بِمَعْنَى الْقَدِيمِ وَهُوَ خِلَافُ الْحَدِيثِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ شَهِدُوا بِحَدٍّ مُتَقَادِمٍ أَيْ بِحَدٍّ قَدِيمٍ سَبَبُهُ لَا حَدِيثٍ وَالْقَدِيمُ يَكُونُ بِمَعْنَى الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ أَوْ بِزِنًا بَعْدَ حِينٍ لَمْ يُؤْخَذْ بِهِ) وَقَدْ جَعَلُوهُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْأَيْمَانِ إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ حِينًا وَأَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يُقَدِّرْهُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ جَهَدْنَا بِأَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يُقَدِّرَهُ لَنَا فَلَمْ يَفْعَلْ وَفَوَّضَهُ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي فِي كُلِّ عَصْرٍ فَمَا رَآهُ بَعْدَ مُجَانَبَةِ الْهَوَى تَفْرِيطًا فَهُوَ تَقَادُمٌ وَمَا لَا يُعَدُّ تَفْرِيطًا غَيْرُ مُتَقَادِمٍ وَأَحْوَالُ الشُّهُودِ وَالنَّاسِ وَالْعُرْفِ تَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ نَظَرٍ نَظَرٌ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ فِيهَا تَأْخِيرٌ فَنَصْبُ الْمَقَادِيرِ بِالرَّأْيِ مُتَعَذِّرٌ.
اهـ. فَتْحٌ قَوْلُهُ وَقَدْ جَعَلُوهُ أَيْ لَفْظَ حِينٍ اهـ
(قَوْلُهُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْمُجَرَّدِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَوْ سَأَلَ الْقَاضِي الشُّهُودَ مَتَى زَنَى بِهَا فَقَالُوا مُنْذُ أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ أُقِيمَ الْحَدُّ وَإِنْ قَالُوا شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ النَّاطِفِيُّ فَقَدْ قَدَّرَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِشَهْرٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ وَالْإِقْرَارُ لَا يُمْنَعُ بِالتَّقَادُمِ) أَيْ لَا يَبْطُلُ بِالتَّقَادُمِ لَكِنَّ هَذَا فِي حَدِّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ لَا فِي حَدِّ الشُّرْبِ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ الْإِقْرَارُ فِيهِ بِالتَّقَادُمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ كَمَا بَيَّنَّا وَسَيَجِيءُ ذَلِكَ فِي حَدِّ الشُّرْبِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ قَالَ الْكَمَالُ ثُمَّ هَذَا التَّقَادُمُ الْمُقَدَّرُ بِشَهْرٍ بِالِاتِّفَاقِ فِي غَيْرِ شُرْبِ الْخَمْرِ
أَمَّا فِيهِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَهُمَا يُقَدَّرُ بِزَوَالِ الرَّائِحَةِ
فَلَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِالشُّرْبِ بَعْدَهَا لَمْ تُقْبَلْ عِنْدَهُمَا. اهـ.
(قَوْلُهُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ حِسْبَتَيْنِ)
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ وَأَحْتَسِبُ الْأَجْرَ عَلَى اللَّهِ ادَّخَرَهُ عِنْدَهُ لَا يَرْجُو ثَوَابَ الدُّنْيَا، وَالِاسْمُ الْحِسْبَةُ بِالْكَسْرِ. اهـ.
(قَوْلُهُ يُمْنَعُ بَعْدَ الْقَضَاءِ) أَيْ خِلَافًا لِزُفَرَ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ) وَقَوْلُ زُفَرَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْإِمْضَاءَ) أَيْ الِاسْتِيفَاءَ. اهـ. فَتْحٌ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.