وليأب الابن ليقتله غيره
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَلْيَأْبَ الِابْنُ لِيَقْتُلَهُ غَيْرُهُ) أَيْ لِيَمْتَنِعَ الِابْنُ مِنْ إطْلَاقِهِ وَقَتْلِهِ لِيَقْتُلَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ اقْتِحَامِهِ الْمَأْثَمَ،
فَإِذَا أَدْرَكَهُ فِي الصَّفِّ يَشْغَلُهُ بِالْمُحَاوَلَةِ بِأَنْ يُعَرْقِبَ فَرَسَهُ أَوْ يَطْرَحَهُ مِنْ فَرَسِهِ وَيُلْجِئَهُ إلَى مَكَان وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْهُ وَيَتْرُكَهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حَرْبًا عَلَيْنَا
وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَقَتَلَ أَصْلِهِ الْمُشْرِكَ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَا يَخُصُّ الْأَبَ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ وَأَجْدَادَهُ وَجَدَّاتِهِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ كَالْأَبِ فَلَا يَبْتَدِئُهُمْ بِالْقَتْلِ وَخَرَجَ فَرْعُهُ،
وَإِنْ سَفَلَ فَلِلْأَبِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِقَتْلِ ابْنِهِ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إحْيَاؤُهُ
وَكَذَا أَخُوهُ وَخَالُهُ وَعَمُّهُ، وَالْمُشْرِكُونَ وَلِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمْ إلَّا بِشَرْطِ الْإِسْلَامِ وَقَيَّدْنَا بِالِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَصَدَ الْأَبُ قَتْلَهُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ إلَّا بِقَتْلِهِ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الدَّفْعُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَهَرَ الْأَبُ الْمُسْلِمُ سَيْفَهُ عَلَى ابْنِهِ وَلَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ إلَّا بِقَتْلِهِ لَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ لِمَا بَيَّنَّا فَهَذَا أَوْلَى وَقَيَّدَ بِالْمُشْرِكِ؛ لِأَنَّ الْبَاغِيَ يَكْرَهُ ابْتِدَاءَ الْقَرِيبِ سَوَاءٌ كَانَ أَبًا أَوْ أَخًا أَوْ غَيْرَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إحْيَاؤُهُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ لِاتِّحَادِ الدِّينِ فَكَذَا بِتَرْكِ الْقَتْلِ
وَأَمَّا فِي الرَّجْمِ إذَا كَانَ الِابْنُ أَحَدَ الشُّهُودِ فَيَبْتَدِئُ بِالرَّجْمِ وَلَا يَقْصِدُ قَتْلَهُ بِأَنْ يَرْمِيَهُ مَثَلًا بِحَصَاةٍ.
(قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: ١٥] قَالَ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ قَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ النَّفَقَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِنْفَاقُ عَلَى الْأَبَوَيْنِ الْحَرْبِيَّيْنِ، وَإِنْ كَانَا مُسْتَأْمَنَيْنِ وَصَرَّحَ بِهِ الشُّرَّاحُ أَنَّ قَوْلَهُ {وَصَاحِبْهُمَا} [لقمان: ١٥] الْآيَةَ مَخْصُوصٌ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ فَتَأَمَّلْ فِي جَوَابِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إحْيَاؤُهُ)
قَالَ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ الِابْنُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كَالْأَبِ.
(وليأب الابن) أي: يمتنع عن قتله إذا أدركه في الصف بل يشغله بالمحاربة بأن يعرقب فرسه أو يطرحه عنها أو يلجئه إلى مكان (ليقتله غيره) ولا ينبغي أن ينصرف عنه ويتركه فإذا لم يكن ثمة غيره قتله، والأم والأجداد والجدات من قبل الأب والأم كالأب، قيد بالأب لأنه يجوز له قتل فرعه المشرك
وكذا سائر القرابات كالعم والخال، قيدنا بالابتداء لأن الأب لو قصد قتله ولم يتمكن من دفعه إلا بقتله قتله، وقيد بالمشرك لأن الباغي يكره ابتداء القتيل بقتله أبا كان أو أخا أو غيرهما،
(وَلْيَأْبَ الِابْنُ لِيَقْتُلَهُ غَيْرُهُ) يَعْنِي إذَا أَدْرَكَهُ فِي الصَّفِّ أَوْ غَيْرِهِ لَا يَقْتُلُهُ بَلْ يَمْتَنِعُ عَنْهُ حَتَّى يَقْتُلَهُ غَيْرُهُ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِحَنْظَلَةَ حِين اسْتَأْذَنَهُ لِقَتْلِ أَبِيهِ دَعْهُ يَقْتُلُهُ غَيْرُك» وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِهِ الْمَحْظُورَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ يَقْتُلُهُ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ الرُّجُوعِ حَتَّى لَا يَعُودَ حَرْبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَكِنَّهُ يُلْجِئُهُ إلَى مَكَان يَسْتَمْسِكُ بِهِ حَتَّى يَجِيءَ غَيْرُهُ فَيَقْتُلُهُ وَإِنْ قَصَدَ الْأَبُ قَتْلَهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ إلَّا بِقَتْلِهِ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ لِأَنَّ هَذَا دَفْعٌ عَنْ نَفْسِهِ وَإِيثَارٌ لِحَيَاتِهِ وَهُوَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ أَبَاهُ الْمُسْلِمَ بِالْقَتْلِ إذَا قَصَدَ الْأَبَ قَتْلَهُ فَالْكَافِرُ أَوْلَى
وَكَذَا لَهُ أَنْ يُؤْثِرَ حَيَاتَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلِابْنِ مَاءٌ يَكْفِي أَحَدُهُمَا فَلِلِابْنِ أَنْ يَشْرَبَهُ وَإِنْ كَانَ الْأَبُ يَمُوتُ عَطَشًا وَلِهَذَا يُحْبَسُ الْأَبُ بِنَفَقَةِ وَلَدِهِ دُونَ دَيْنِهِ لِأَنَّهُ بِمَنْعِ النَّفَقَةِ قَصَدَ إتْلَافَهُ فَكَانَ الْحَبْسُ فِيهِ مِنْ بَابِ دَفْعِ الْهَلَاكِ وَمَعَ هَذَا لَوْ قَتَلَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِعَدَمِ الْعَاصِمِ وَقَدْ قَالَ عُمَيْرُ بْنُ مَالِكٍ «قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقِيت أَبِي فِي الْعَدُوِّ فَسَمِعْت مِنْهُ مَقَالَةً لَك فَقَتَلْته فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَلَوْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ لَبَيَّنَهُ إذْ هُوَ مَوْضِعُ الْحَاجَةِ وَأَجْدَادُهُ وَجَدَّاتُهُ مِنْ قَبْلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ كَأَبَوَيْهِ حَتَّى لَا يَبْتَدِئَهُمْ بِالْقَتْلِ وَلَا يُكْرَهُ قَتْلُ أَخِيهِ وَخَالِهِ وَعَمِّهِ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا كَالْأُصُولِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ
بِخِلَافِ أَخِيهِ الْبَاغِي حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ لِأَنَّهُ يَجِبُ إحْيَاؤُهُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ لِاتِّحَادِ الدِّينِ فَكَذَا بِتَرْكِ الْقَتْلِ
وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ قَتْلُ ابْنِهِ الْكَافِرِ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إحْيَاؤُهُ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ ابْنِهِ الْمُحَارِبِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ الْأَبُ يَمُوتُ عَطَشًا) رَجُلٌ وَابْنُهُ فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ فِي مَفَازَةٍ وَمَعَهُمَا مِنْ الْمَاءِ قَدْرَ مَا يَكْفِي لِأَحَدِهِمَا مَنْ أَحَقُّ بِالْمَاءِ فَالِابْنُ أَحَقُّ بِالْمَاءِ لِأَنَّ الْأَبَ لَوْ كَانَ أَحَقُّ لَكَانَ عَلَى الِابْنِ أَنْ يَسْقِيَ أَبَاهُ وَمَتَى سَقَى أَبَاهُ مَاتَ مِنْ الْعَطَشِ فَيَكُونُ هَذَا إعَانَةً عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ وَإِنْ شَرِبَ هُوَ لَمْ يُعِنْ الْأَبَ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ وَصَارَ كَرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ وَأَخَّرَ قَتْلَ غَيْرِهِ فَقَاتِلُ نَفْسِهِ أَعْظَمُ إثْمًا. اهـ.
وَلْوَالِجِيٌّ فِي الْكَرَاهِيَةِ اهـ
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.