فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

البحر الرائقابن نجيم

(وَلَوْ اشْتَرَى مَكِيلًا كَيْلًا حَرُمَ بَيْعُهُ، وَأَكْلُهُ حَتَّى يَكِيلَهُ) أَيْ حَتَّى يُعِيدَ كَيْلَهُ لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ صَاعَانِ صَاعُ الْبَائِعِ وَصَاعُ الْمُشْتَرِي، وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْمَشْرُوطِ، وَذَلِكَ لِلْبَائِعِ، وَالتَّصَرُّفُ فِي مَالِ الْغَيْرِ حَرَامٌ فَيَجِبُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، قَيَّدَ بِقَوْلِهِ كَيْلًا أَيْ بِشَرْطِ الْكَيْلِ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ مُجَازَفَةً لَا يَحْرُمُ الْبَيْعُ، وَالْأَكْلُ قَبْلَ الْكَيْلِ لِأَنَّ الْكُلَّ لَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ فَسَادَ الْبَيْعِ، وَنَصَّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى فَسَادِهِ لِأَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ أَمْرٌ رَاجِعٌ إلَى الْمَبِيعِ، وَلَكِنَّ النَّصَّ إنَّمَا هُوَ فِي الْبَيْعِ فَأَلْحَقُوا بِهِ مَنْعَ الْأَكْلِ قَبْلَ الْكَيْلِ وَكُلَّ تَصَرُّفٍ يُبْنَى عَلَى الْمِلْكِ كَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ، وَأَلْحَقُوا بِالْمَكِيلِ الْمَوْزُونَ،

٢٠٬٤٩١

وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَيَنْبَغِي إلْحَاقُ الْمَعْدُودِ الَّذِي لَا يَتَفَاوَتُ كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ إذَا اُشْتُرِيَ بِالْعَدَدِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ فَأَفْسَدَ الْبَيْعَ قَبْلَ الْعَدِّ. اهـ.

٢٠٬٤٩٢

وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُرْمَةِ أَكْلِهِ قَبْلَ الْإِعَادَةِ كَوْنُ الطَّعَامِ حَرَامًا فَقَدْ نَصَّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ لَوْ أَكَلَهُ وَقَدْ قَبَضَهُ بِلَا كَيْلٍ لَا يُقَالُ إنَّهُ أَكَلَ حَرَامًا لِأَنَّهُ أَكَلَ مِلْكَ نَفْسِهِ إلَّا أَنَّهُ يَأْثَمُ لِتَرْكِهِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الْكَيْلِ فَكَانَ هَذَا الْكَلَامُ أَصْلًا فِي سَائِرِ الْمَبِيعَاتِ بَيْعًا فَاسِدًا إذَا قَبَضَهَا فَمَلَكهَا فَأَكَلَهَا.

وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا اشْتَرَاهُ فَاسِدًا، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنْ لَيْسَ كُلُّ مَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إذَا أَكَلَهُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ أَكَلَ حَرَامًا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ لَيْسَ يُقَالُ هَذَا كَأَكْلِ الْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْبَائِعِ بِجَمِيعِ الْمَبِيعِ، وَوُجُوبِ فَسْخِهِ،

٢٠٬٤٩٣

وَأَمَّا هُنَا فَلَا يَمْلِكُ الْبَائِعُ الْفَسْخَ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّ الْبَائِعِ إلَّا بِالزِّيَادَةِ الْمَوْهُومَةِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الْمَبِيعِ فَاسِدًا أَكَلَ حَرَامًا، وَلَكِنْ رَأَيْت فِي الْخُلَاصَةِ فِي الْأَيْمَانِ مِنْ الثَّانِي عَشَرَ فِي الْأَكْلِ قَالَ وَفِي فَوَائِدِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ لَوْ أَكَلَ مِنْ الْكَرْمِ الَّذِي دَفَعَ مُعَامَلَةً، وَهُوَ قَدْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ حَرَامًا لَا يَحْنَثُ

٢٠٬٤٩٤

أَمَّا عِنْدَهُمَا لَا يُشْكِلُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ عَقْدٌ فَاسِدٌ عِنْدَهُ فَقَدْ أَكَلَ مِلْكَ نَفْسِهِ اهـ.

فَالْحَقُّ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ كَيْلَ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ دُونَ كَيْلِ الْبَائِعِ مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ اشْتَرَطَ الصَّاعَيْنِ لِأَنَّ صَاعَ الْبَائِعِ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِكُلِّ بَيْعٍ لِأَنَّ الْبَائِعَ إذَا مَلَكَهُ بِالْإِرْثِ أَوْ الْمُزَارَعَةِ أَوْ كَانَ شِرَاؤُهُ مُجَازَفَةً أَوْ اسْتَقْرَضَ حِنْطَةً عَلَى أَنَّهَا كُرٌّ ثُمَّ بَاعَهَا فَالْحَاجَةُ إلَى كَيْلِ الْمُشْتَرِي،

٢٠٬٤٩٥

وَإِنْ كَانَ الِاسْتِقْرَاضُ تَمْلِيكًا بِعِوَضٍ كَالشِّرَاءِ لَكِنَّهُ شِرَاءٌ صُورَةً عَارِيَّةٌ حُكْمًا لِأَنَّ مَا يَرُدُّهُ عَيْنُ الْمَقْبُوضِ حُكْمًا، وَلِهَذَا لَمْ يَجِبْ قَبْضُ بَدَلِهِ فِي مَالِ الصَّرْفِ فَكَانَ تَمْلِيكًا بِلَا عِوَضٍ حُكْمًا.

٢٠٬٤٩٦

وَلَوْ اشْتَرَى مُكَايَلَةً ثُمَّ بَاعَ مُجَازَفَةً قَبْلَ الْكَيْلِ، وَبَعْدَ الْقَبْضِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَجُوزُ لِاحْتِمَالِ اخْتِلَاطِ مِلْكِ الْبَائِعِ بِمِلْكِ بَائِعِهِ،

٢٠٬٤٩٧

وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ يَجُوزُ، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى كَيْلِ الْبَائِعِ إذَا كَانَ الْبَائِعُ اشْتَرَاهُ مُكَايَلَةً، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَيْلَ الْبَائِعِ لَا يَكْفِي عَنْ كَيْلِ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَالَهُ الْبَائِعُ قَبْلَ الْبَيْعَ مُطْلَقًا أَوْ بَعْدَهُ فِي غَيْبَةِ الْمُشْتَرِي

٢٠٬٤٩٨

أَمَّا إذَا كَالَهُ فِي حَضْرَتِهِ فَإِنَّهُ يُغْنِي عَنْ كَيْلِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْمَبِيعَ صَارَ مَعْلُومًا بِكَيْلٍ وَاحِدٍ، وَتَحَقَّقَ مَعْنَى التَّسْلِيمِ، وَمَحْمَلُ الْحَدِيثِ اجْتِمَاعُ الصَّفْقَتَيْنِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ فِي السَّلَمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَذَا فِي الْهِدَايَةِ،

٢٠٬٤٩٩

وَمِنْ هُنَا يَنْشَأُ فَرْعٌ، وَهُوَ مَا لَوْ كِيلَ طَعَامٌ بِحَضْرَةِ رَجُلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فِي الْمَجْلِسِ ثُمَّ بَاعَهُ مُكَايَلَةً قَبْلَ أَنْ يَكْتَالَهُ بَعْدَ شِرَائِهِ لَا يَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ سَوَاءٌ اكْتَالَهُ لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ أَوْ لَا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكْتَلْ بَعْدَ شِرَائِهِ هُوَ لَمْ يَكُنْ قَابِضًا فَبَيْعُهُ بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَوْلُهُ

منحة الخالقابن عابدين، حاشية على البحر الرائق

(قَوْلُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ فَسَادَ الْبَيْعِ) أَيْ بَيْعَ الْمُشْتَرِي لِمَا قَالَهُ نُوحٌ أَفَنْدِي أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ بَيْعُهُ وَأَكْلُهُ حَتَّى يَكِيلَهُ أَوْ حَتَّى يُعِيدَ الْكَيْلَ

٧٬١٤٣

فَلَوْ بَاعَهُ بِلَا إعَادَةِ الْكَيْلِ يَكُونُ الْبَيْعُ فَاسِدًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ،

٧٬١٤٤

وَقَالَ بِقَوْلِنَا هَذَا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ. اهـ.

وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ انْعَقَدَ صَحِيحًا، وَلَكِنْ حِلُّ التَّصَرُّفِ فِيهِ مِنْ أَكْلٍ أَوْ بَيْعٍ مَوْقُوفٌ عَلَى الْكَيْلِ،

٧٬١٤٥

وَكَذَا صِحَّةُ الْبَيْعِ الثَّانِي مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْكَيْلِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْفَرْعُ الْآتِي آخِرًا عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ صِحَّةَ الْقَبْضِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْكَيْلِ،

٧٬١٤٦

وَلَوْ قَبَضَهُ بِيَدِهِ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ فَإِذَا بَاعَهُ قَبْلَ كَيْلِهِ فَكَأَنَّهُ بَاعَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالتَّصَرُّفُ فِي الْمَنْقُولِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا يَصِحُّ كَمَا مَرَّ فَكَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فَلِذَا أَعْقَبَهَا بِهَا قَبْلَ ذِكْرِ التَّصَرُّفِ فِي الثَّمَنِ فَتَدَبَّرْ

(قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي إلْحَاقُ الْمَعْدُودِ إلَخْ) لَيْسَ هَذَا بَحْثًا فِيمَا لَا نَقْلَ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ لَنَا فَإِنَّهُ لِقَوْلِهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلِأَنَّهُ سَيَأْتِي مَتْنًا، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِظْهَارٌ لِوَجْهِ الْحَلْقَةِ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ كَمَا هُوَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ.

(قَوْلُهُ أَمَّا إذَا كَانَ فِي حَضْرَتِهِ فَإِنَّهُ يُغْنِي عَنْ كَيْلِهِ) أَيْ عَنْ كَيْلِ الْمُشْتَرِي فِيمَا يَظْهَرُ، وَعَلَيْهِ فَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ اشْتَرَاهُ مُكَايَلَةً وَكَالَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ بَاعَهُ كَذَلِكَ، وَكَالَهُ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي مِنْهُ أَغْنَى ذَلِكَ الْمُشْتَرِيَ عَنْ كَيْلِهِ، وَيَحْتَمِلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى الْبَائِعِ، وَصُورَتُهُ اشْتَرَاهُ مُكَايَلَةً، وَلَمْ يَكِلْهُ لِنَفْسِهِ حَتَّى بَاعَهُ مِنْ آخَرَ، وَكَالَهُ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي مِنْهُ فَإِنَّهُ يُغْنِي عَنْ كَيْلِهِ أَيْ كَيْلِ الْبَائِعِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْمَبِيعَ صَارَ مَعْلُومًا بِكَيْلٍ وَاحِدٍ هَذَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ كَلَامِ الْهِدَايَةِ فَرَاجِعْهُ لَكِنْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ وَمِنْ هُنَا يَنْشَأُ

٧٬١٤٧

فَرْعٌ إلَخْ فَإِنَّ قَوْلَهُ سَوَاءٌ اكْتَالَهُ لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ أَوْ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَيْلَهُ لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ قَبْلَ كَيْلِهِ لِنَفْسِهِ لَا يُغْنِي عَنْ كَيْلِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ كَيْلَهُ لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ وَقَعَ فِي غَيْبَةِ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي أَوْ يُقَالَ إنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ زَائِدَةٌ مِنْ تَحْرِيفِ النُّسَّاخِ، وَأَصْلُهَا هَمْزَةُ الْوَصْلِ، وَأَقُولُ: الْمُرَادُ بِالْحَضْرَةِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَرَاهُ أَوْ لَا

٧٬١٤٨

قَالَ فِي الْقُنْيَةِ بَعْدَ مَا رَقَّمَ (مح) يَشْتَرِي مِنْ الْخَبَّازِ خُبْزًا كَذَا مَنًّا فَيَزِنُهُ، وَكِفَّةُ سَنْجَاتِ مِيزَانِهِ فِي دَرَبَنْدِهِ فَلَا يَرَاهُ الْمُشْتَرِي أَوْ مِنْ الْبَائِعِ كَذَا مَنًّا فَيَزِنُهُ فِي حَانُوتِهِ ثُمَّ يُخْرِجُهُ إلَيْهِ مَوْزُونًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْوَزْنِ،

٧٬١٤٩

وَكَذَا إذَا لَمْ يَعْرِفْ عَدَدَ سَنْجَاتِهِ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّهُ إذَا عَرَفَ الْمُشْتَرِي وَزْنَ السَّنْجَاتِ وَرَآهَا أَنْ يَكْتَفِيَ بِذَلِكَ خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ «نَهْيِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ صَاعَانِ صَاعُ الْبَائِعِ، وَصَاعُ الْمُشْتَرِي» اهـ.

النهر الفائقعمر ابن نجيم

(ومن اشتري مكيلاً) قيد بالشراء لأنه لو ملكه بهبة أو إرث أو وصية جاز له التصرف فيه قبل الكيل، والمطلق من البيع ينصرف إلى الكامل وهو الصحيح منه حتى لو باع ما اشتراه فاسداً بعد قبضه مكايلة لم يحتج المشتري الثاني إلى إعادة الكيل.

قال أبو يوسف: لأن البيع الفاسد يملك بالقبض كالقرض،

٩٬١٨٨

ولو استقرض طعاماً بكيل ثم باعه مكايلة لم يحتج المشتري إلى إعادة الكيل، كذا في (السراج) وبكونه مبيعاً لأنه لو كان ثمناً جاز التصرف فيه قبل الكيل والوزن لأنهما من تمام القبض والتصرف في الثمن قبله جائز فقيل تمامه أولى، كذا في (المحيط) وقد مر الضابط عن (الإيضاح) بما فيه لهذا زيادة إيضاح (كيلاً) قيد به لأنه لو اشتراه مجازفة جاز بيعه قبل الكيل لأن الزيادة له وفيه نظر، إذ لا يتصور في المجازفة

٩٬١٨٩

وعنه أجوبة قي شروح (الهداية) .

٩٬١٩٠

وأما البائع فإن اشتراه مجازفة فكذلك وإلا لم يجز له البيع إلا أن يكيله في ظاهر الرواية، وروى ابن سماعة أنه يجوز ومن المجازفة ما لو اشتراه مكايلة بإناء بعينه لا يعرف قدره، كما في (السراج) وقد مر (حرم) أي: كره تحريماً (بيعه أو أكله حتى يكيله) ، أي: المشتري لرواية ابن ماجة: (نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الطعام حتى يجري فيه صاعان، صاع البائع وصاع المشتري) وظاهر الحديث يعطي أن البائع لو اكتاله بعد البيع بحضرة المشتري لا يكتفى فيه وهو قول البعض،

٩٬١٩١

والأصح هو الاكتفاء به لأن المبيع صار معلوماً بكيل واحد وتحقق معنى التسليم ومحل الحديث اجتماع الصفقتين على ما سيأتي في السلم.

ثم في قوله حرم بيعه إيماء إلى أنه فاسد وبه صرح في (الجامع الصغير) وفيه أنه لو أكله لا يقال: إنه أكل حراماً لأنه أكل مال نفسه إلا أنه أثم لتركه ما أمر به من

٩٬١٩٢

ومثله الموزون والمعدود لا المزروع وصح التصرف في الثمن قبل قبضه والزيادة فيه والحط منه الكيل فكان هذا أصلاً في سائر البياعات بيعاً فاسداً إذا قبضها فملكها ثم أكلها وتقدم أنه لا يحل أكل ما اشتراه فاسداً. وهذا يبين أن ليس كل مال يحل أكله إذا أكله أن يقال فيه: إنه أكل حراماً، كذا في (الفتح) ويوافقه ما في أيمان (الخلاصة) لو أكل من الكرم الذي دفع معاملة وقد حلف لا يأكل حراماً لا يحنث.

٩٬١٩٣

أما عندها فلا يشكل، وأما عند أبي حنيفة كذلك لأن ذلك عقد فاسد عنده فقد أكل ملك نفسه

تبيين الحقائقالزيلعي

(وَلَوْ اشْتَرَى مَكِيلًا كَيْلًا حَرُمَ بَيْعُهُ وَأَكْلُهُ حَتَّى يَكِيلَهُ وَمِثْلُهُ الْمَوْزُونُ وَالْمَعْدُودُ) أَيْ لَوْ اشْتَرَى الْمَكِيلَ بِشَرْطِ الْكَيْلِ أَوْ الْمَوْزُونَ بِشَرْطِ الْوَزْنِ أَوْ الْمَعْدُودَ بِشَرْطِ الْعَدِّ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالْعَدِّ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ لِقَوْلِ جَابِرٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ صَاعُ الْبَائِعِ وَصَاعُ الْمُشْتَرِي» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ «كُنْت أَبْتَاعُ التَّمْرَ مِنْ بَطْنٍ مِنْ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو قَيْنُقَاعَ وَأَبِيعُهُ بِرِبْحٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا عُثْمَانُ إذَا ابْتَعْت فَاكْتَلْ وَإِذَا بِعْت فَكِلْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِأَنَّ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ وَالْعَدَّ مِنْ تَمَامِ الْقَبْضِ فَأَصْلُ الْقَبْضِ شَرْطٌ لِجَوَازِ التَّصَرُّفِ فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَكَذَا تَمَامُهُ وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْمَشْرُوطِ وَذَلِكَ لِلْبَائِعِ فِي الْمُقَدَّرَاتِ وَالتَّصَرُّفُ فِي مَالِ الْغَيْرِ حَرَامٌ فَيَجِبُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ

٦٬٦٧٧

بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ مُجَازَفَةً؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَهُ إذَا وَجَدَهُ أَكْثَرَ مِنْ كَيْلِ الْبَائِعِ بِأَنْ كَانَ كَالَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ.

وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الثَّوْبَ مُذَارَعَةً وَلَمْ يُسَمِّ لِكُلِّ ذِرَاعٍ ثَمَنًا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَهُ إذْ الذَّرْعُ وَصْفٌ فِيهِ،

٦٬٦٧٨

بِخِلَافِ مَا إذَا بَيَّنَ لِكُلِّ ذِرَاعٍ ثَمَنًا؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ الْتَحَقَ بِالْقَدْرِ فِي حَقِّ ازْدِيَادِ الثَّمَنِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَصَارَ الْمَبِيعُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ هُوَ الثَّوْبُ الْمُقَدَّرُ وَذَلِكَ يَظْهَرُ بِالذَّرْعِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ فِي الْمُقَدَّرَاتِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ رَدُّ الزِّيَادَةِ فِيمَا لَا يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ وَتَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ مِنْ الثَّمَنِ فِيمَا يَضُرُّهُ وَيَنْقُصُ مِنْ ثَمَنِهِ عِنْدَ انْتِقَاضِهِ هَذَا إذَا كَانَ الْمَوْزُونُ غَيْرَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ،

٦٬٦٧٩

وَأَمَّا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ فَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِمَا بَعْدَ الْقَبْضِ قَبْلَ الْوَزْنِ؛ لِأَنَّ الْوَزْنَ فِيهِمَا أَخْذُ مَعْنَى تَعْيِينِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَفِي غَيْرِهِمْ لَمْ يَأْخُذْهُ كَذَا فِي الْإِيضَاحِ وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ كَانَ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ ثَمَنًا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ؛ لِأَنَّ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ مِنْ تَمَامِ الْقَبْضِ

٦٬٦٨٠

وَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الثَّمَنِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَأَنْ يَجُوزَ قَبْلَ تَمَامِهِ أَوْلَى فَصَارَ كَالْمَهْرِ الْمَكِيلِ فَإِذَا كَانَ كَيْلُ الْمَبِيعِ شَرْطًا لِجَوَازِ التَّصَرُّفِ لَا يُعْتَبَرُ كَيْلُ الْبَائِعِ قَبْلَ الْبَيْعِ وَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَيْلِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَهُوَ الشَّرْطُ وَلَا كَيْلُهُ بَعْدَ الْبَيْعِ مَعَ غَيْبَةِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْكَيْلَ مِنْ تَمَامِ التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ بِهِ يَصِيرُ مَعْلُومًا وَلَا تَسْلِيمَ إلَّا بِحَضْرَتِهِ وَلَوْ كَالَهُ الْبَائِعُ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْبَيْعِ قِيلَ لَا يُكْتَفَى بِهِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ اشْتَرَطَ فِيهِ صَاعَيْنِ.

٦٬٦٨١

وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ صَارَ مَعْلُومًا بِكَيْلٍ وَاحِدٍ وَتَحَقَّقَ مَعْنَى التَّسْلِيمِ وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا اجْتَمَعَتْ الصَّفْقَتَانِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي بَابِ السَّلَمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَجَعَلَ فِي الْمُخْتَصَرِ الْمَعْدُودَ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتَارَهُ الْكَرْخِيُّ

٦٬٦٨٢

وَعَنْهُ أَنَّهُ كَالْمَذْرُوعِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا كَالْمَذْرُوعِ وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَعْدُودَ الْمُتَقَارِبَ يُسَاوِي الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ فِيمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْفَسَادُ وَهُوَ جَهَالَةُ الْمَبِيعِ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ فَإِنَّ مَنْ اشْتَرَى جَوْزًا عَلَى أَنَّهُ أَلْفٌ فَوَجَدَهُ أَكْثَرَ يَرُدُّ الزَّائِدَ وَإِنْ وَجَدَهُ أَنْقَصَ سَقَطَ عَنْهُ الثَّمَنُ بِحِصَّتِهِ

٦٬٦٨٣

بِخِلَافِ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ بِدَلِيلٍ يُوجِبُهَا وَهَذَا أَظْهَرُ وَلَوْ اشْتَرَى الْمَكِيلَ أَوْ الْمَوْزُونَ شِرَاءً فَاسِدًا فَقَبَضَهُ ثُمَّ بَاعَهُ بِغَيْرِ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ فَالْبَيْعُ الثَّانِي جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ يَثْبُتُ بِالْقَبْضِ فَصَارَ الْمَمْلُوكُ قَدْرَ الْمَقْبُوضِ لَا قَدْرَ الْمَذْكُورِ فِيهِ فَصَارَ نَظِيرَ مَنْ اسْتَقْرَضَ طَعَامًا بِكَيْلٍ ثُمَّ بَاعَهُ مُكَايَلَةً لَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْكَيْلِ كَذَا فِي الْإِيضَاحِ وَهَذَا الِاسْتِشْهَادُ يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ مَنْ شَرَطَ الْكَيْلَ مَرَّتَيْنِ فِي الْمَبِيعِ.

قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

حاشية الشلبيالشلبي، حاشية على تبيين الحقائق

(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَلَوْ اشْتَرَى مَكِيلًا إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ إذَا اشْتَرَيْت شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَوْ يُعَدُّ فَاشْتَرَيْت مَا يُكَالُ كَيْلًا أَوْ مَا يُوزَنُ وَزْنًا أَوْ مَا يُعَدُّ عَدًّا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَكِيلَهُ أَوْ تَزِنَهُ أَوْ تَعُدَّهُ فَإِنْ بِعْته قَبْلَ أَنْ تَفْعَلَ وَقَدْ قَبَضْته فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَإِنْ اشْتَرَيْت مُذَارَعَةً وَقَبَضْته ثُمَّ بِعْته قَبْلَ أَنْ تَذْرَعَهُ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ هَذَا لَفْظُ مُحَمَّدٍ فِي أَصْلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ذَكَرَ أَوَّلًا أَنَّهُ لَا يَبِيعُ الْعَدَدِيَّ إذَا اشْتَرَاهُ عَدَدًا حَتَّى يَعُدَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ قَبْلَ الْعَدِّ مَا حُكْمُهُ،

٥٬٦٧٩

وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْأَمَالِي فَقَالَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ

٥٬٦٨٠

وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ وَأَبُو حَنِيفَةَ جَعَلَ ذِكْرَ الْعَدَدِ بِمَنْزِلَةِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَأَبُو يُوسُفَ جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الذَّرْعِ وَهَكَذَا ذُكِرَ الْخِلَافُ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ

تعليق

ثُمَّ ذَكَرَ الْفَقِيهُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي يُوسُفَ وَهَكَذَا ذَكَرَ عَامَّةُ مَشَايِخِنَا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَلَكِنْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ.

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْأَمْوَالَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ مُقَدَّرَاتٍ كَالْكَيْلِيِّ وَالْوَزْنِيِّ وَعَدَدِيَّاتٍ وَمَذْرُوعَاتٍ فَفِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ إنْ كَانَ اشْتَرَاهُ مُجَازَفَةً وَقَبَضَهُ جَازَ تَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مَبِيعٌ فَيَكُونُ بَائِعًا مِلْكَ نَفْسِهِ فَجَازَ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ

٥٬٦٨١

بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ مُجَازَفَةً وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ بِأَنْ قَالَ اشْتَرَيْت عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَقْفِزَةٍ أَوْ عَلَى أَنَّهُ كَذَا مَنًّا لَمْ يَجُزْ تَصَرُّفُهُ حَتَّى يُعِيدَ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ صَاعَانِ صَاعُ الْبَائِعِ وَصَاعُ الْمُشْتَرِي» فَلَمَّا ثَبَتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ حُكْمُ الْكَيْلِ ثَبَتَ حُكْمُ الْوَزْنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمَا يَجْرِيَانِ مَجْرًى وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُمَا شَطْرُ عِلَّةِ الرِّبَا وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْبَيْعِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ إذَا كَانَ لِمَعْنًى فِي الْمَبِيعِ وَهُوَ جَهَالَتُهُ بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ تَنَاوَلَ مَا يَحْوِيهِ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ وَهُوَ مَجْهُولٌ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فَإِنْ زَادَ رَدَّ الزِّيَادَةَ وَإِنْ نَقَصَ رَجَعَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَإِذَنْ يَكُونُ فِيهِ احْتِمَالُ خَلْطِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِ الْبَيْعِ وَالتَّحَرُّزُ عَنْ مِثْلِهِ وَاجِبٌ فَلَمْ يَجُزْ التَّصَرُّفُ فِيهِ بَعْدَ الْقَبْضِ قَبْلَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَإِنْ كَالَ الْبَائِعُ قَبْلَ الْبَيْعِ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي أَوْ غَيْبَتِهِ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ؛

لِأَنَّهُ لَيْسَ صَاعَ الْبَائِعِ وَلَا صَاعَ الْمُشْتَرِي وَالشَّرْطُ أَنْ يُوجَدَ الصَّاعَانِ مِنْهُمَا بِالْحَدِيثِ.

٥٬٦٨٢

وَإِنْ كَالَهُ أَوْ وَزَنَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي مَرَّةً فِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ قَالَ عَامَّتُهُمْ كَفَاهُ ذَلِكَ حَتَّى يَحِلَّ لِلْمُشْتَرِي التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ ثَانِيًا، وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا بُدَّ مِنْ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ مَرَّتَيْنِ احْتِجَاجًا بِالْحَدِيثِ

٥٬٦٨٣

وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْعَامَّةِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ إعْلَامُ الْمَبِيعِ وَإِفْرَازُهُ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْوَاحِدِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِعَادَةِ قَالُوا الْحَدِيثُ وَرَدَ فِيمَا إذَا وُجِدَ عَقْدَانِ بِشَرْطِ الْكَيْلِ بِأَنْ يَشْتَرِيَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مِنْ رَجُلٍ كُرًّا مِثْلَ كُرِّ السَّلَمِ وَأَمَرَ رَبَّ السَّلَمِ بِقَبْضِهِ اقْتِضَاءً عَنْ السَّلَمِ،

٥٬٦٨٤

فَإِنَّ ثَمَّةَ يُشْتَرَطُ صَاعَانِ صَاعٌ لِلْمُسْلِمِ وَصَاعٌ لِرَبِّ السَّلَمِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَكِيلُهُ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ أَوَّلًا ثُمَّ يَكِيلُهُ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ هَاهُنَا وُجِدَ عَقْدَانِ بِشَرْطِ الْكَيْلِ فَيَشْتَرِطُ لِكُلِّ عَقْدٍ كَيْلٌ عَلَى حِدَةٍ قُلْنَا إذَا كَالَهُ الْبَائِعُ بَعْدَ الْعَقْدِ بِغَيْبَةِ الْمُشْتَرِي فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ ذَلِكَ الْبَعْضِ بِلَا شَكٍّ،

٥٬٦٨٥

وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِذَلِكَ حَتَّى يُوجَدَ كَيْلٌ آخَرُ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْكَيْلَ مِنْ جُمْلَةِ التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ بِهِ يَمْتَازُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ وَالتَّسْلِيمُ مِنْ الْغَائِبِ لَا يَتَحَقَّقُ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى بَاعَهُ بَعْدَمَا قَبَضَهُ فَسَدَ لِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَزِيدَ فَيَخْتَلِطُ الْمَبِيعُ بِغَيْرِهِ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ فِي بَيْعِ قَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ إذَا كَالَ الْبَائِعُ مِنْهُ قَفِيزًا بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْمُشْتَرِي فَهَلَكَ أَنَّ الْبَيْعَ قَائِمٌ يَتَعَيَّنُ فِيمَا بَقِيَ وَلَا يُقْطَعُ بِهِ الْإِفْرَازُ وَمَسْأَلَتُنَا وَتِلْكَ الْمَسْأَلَةُ عَلَى السَّوَاءِ قَالَ قَاضِي خَانْ وَإِنْ اشْتَرَى مُكَايَلَةً وَبَاعَ مُجَازَفَةً قَبْلَ الْكَيْلِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَجُوزُ وَذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ اهـ.

قَوْلُهُ: وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ كَانَ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ ثَمَنًا) أَيْ بِأَنْ بَاعَ شَيْئًا بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ فِي الذِّمَّةِ،

٥٬٦٨٦

وَأَمَّا إذَا كَانَا مُشَارًا إلَيْهِمَا فَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِمَا قَبْلَ الْقَبْضِ. اهـ.

(قَوْلُهُ: وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ إلَخْ) قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى وَمَحْمَلُ الْحَدِيثِ اجْتِمَاعُ الصَّفْقَتَيْنِ بِشَرْطِ الْكَيْلِ وَصُورَتُهُ رَجُلٌ أَسْلَمَ فِي كُرٍّ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ اشْتَرَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مِنْ رَجُلٍ كُرًّا وَأَمَرَ رَبَّ السَّلَمِ أَنْ يَقْبِضَهُ قَضَاءً لَمْ يَكُنْ قَضَاءً وَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَقْبِضَهُ لَهُ ثُمَّ يَقْبِضُهُ لِنَفْسِهِ فَاكْتَالَهُ ثُمَّ اكْتَالَ لِنَفْسِهِ جَازَ كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْمَبْسُوطِ اهـ.

٥٬٦٨٧

(فَرْعٌ) اسْتَقْرَضَ ثُمَّ قَضَاهُ فَقَبَضَ الْمُقْرِضُ مِنْ غَيْرِ كَيْلٍ حَلَّ لَهُ التَّصَرُّفُ بِلَا كَيْلٍ

٥٬٦٨٨

بِخِلَافِ الْبَيْعِ. اهـ. مُنْيَةٌ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.