ويكتب القاضي إلى القاضي في غير حدٍّ وقودٍ
الشروح عليها
(بَابُ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَغَيْرِهِ) .
هَذَا أَيْضًا مِنْ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْوُجُودِ إلَّا بِقَاضِيَيْنِ فَهُوَ كَالْمُرَكَّبِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَبْلَهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ هَذَا الْبَابَ لَيْسَ مِنْ كِتَابِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ
إمَّا نَقْلُ شَهَادَةٍ أَوْ نَقْلُ حُكْمٍ وَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْهُ وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ الْقُضَاةِ فَكَانَ ذِكْرُهُ فِيهِ أَنْسَبَ اهـ.
وَحَيْثُ كَانَ مِنْ عَمَلِهِمْ فَهُوَ مِنْهُ فَكَيْفَ يَنْفِيهِ وَالْمُرَادُ بِغَيْرِهِ مَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ وَتَقْضِي الْمَرْأَةُ إلَى آخِرِهِ. (قَوْلُهُ يَكْتُبُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي غَيْرِ حَدٍّ وَقَوَدٍ) أَيْ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ كِتَابَتَهُ لَا تَكُونُ أَقْوَى مِنْ عِبَارَتِهِ وَهُوَ لَوْ أَخْبَرَ الْقَاضِي الْآخَرُ فِي مَحِلِّهِ لَمْ يَعْمَلْ بِخَبَرِهِ فَكِتَابَتُهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُزَوَّرُ وَإِنَّمَا جَوَّزْنَاهُ لِأَثَرِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلِلْحَاجَةِ وَلَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ؛
لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى تَعْدِيلِ الْأُصُولِ وَقَدْ يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ وَلَمْ يَجُزْ فِي الْحُدُودِ الْقِصَاصُ لِمَا فِيهِ مِنْ الشُّبْهَةِ بِزِيَادَةِ الِاحْتِمَالِ وَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ فِي غَيْرِ حَدٍّ وَقَوَدٍ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الدَّيْنِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالشُّفْعَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْإِيصَاءِ وَالْمَوْتِ وَالْوِرَاثَةِ وَالْقَتْلِ إذَا كَانَ مُوجَبُهُ الْمَالَ وَالنَّسَبِ مِنْ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ وَالْغَصْبِ وَالْأَمَانَةِ الْمَجْحُودَةِ مِنْ وَدِيعَةٍ وَمُضَارَبَةٍ وَعَارِيَّةٍ وَالْأَعْيَانِ مَنْقُولًا أَوْ عَقَارًا وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ وَبِهِ يُفْتَى لِلضَّرُورَةِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَجُوزُ فِي الْمَنْقُولِ لِلْحَاجَةِ إلَى الْإِشَارَةِ إلَيْهَا عِنْدَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ وَعَنْ الْإِمَامِ الثَّانِي تَجْوِيزُهُ فِي الْعَبْدِ لِغَلَبَةِ الْإِبَاقِ فِيهِ لَا فِي الْأَمَةِ
وَعَنْهُ تَجْوِيزُهُ فِي الْكُلِّ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالْمُتَقَدِّمُونَ لَمْ يَأْخُذُوا بِقَوْلِ الْإِمَامِ الثَّانِي وَعَمَلُ الْفُقَهَاءِ الْيَوْمَ عَلَى التَّجْوِيزِ فِي الْكُلِّ لِلْحَاجَةِ قَالَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَلَوْ جَاءَ الْمُدَّعِي مِنْ الْقَاضِي بِرَسُولٍ ثِقَةٍ مَأْمُونٍ عَدْلٍ إلَى قَاضٍ آخَرَ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ الْقَاضِي بِنَفْسِهِ وَيُخْبِرَ وَهُوَ فِي غَيْرِ وِلَايَتِهِ كَوَاحِدٍ مِنْ الرَّعَايَا
بِخِلَافِ كِتَابِهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْخِطَابِ مِنْ مَجْلِسِ قَضَائِهِ دَلَّتْ التَّفْرِقَةُ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَى بَلْدَةٌ فِيهَا قَاضِيَانِ حَضَرَ أَحَدُهُمَا مَجْلِسَ الْقَاضِي الْآخَرِ وَأَخْبَرَ بِحَادِثَةٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِخَبَرِهِ وَحْدَهُ وَلَوْ كَتَبَ إلَيْهِ بِشَرْطِهِ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ
وَكَذَا لَوْ حَضَرَ قَاضِيَانِ فِي مِصْرٍ لَيْسَ فِيهِ مَجْلِسُ قَاضٍ أَوْ أَحَدُهُمَا قَاضٍ فِيهِ وَالْآخَرُ لَيْسَ بِقَاضٍ فِيهِ لَا يَعْمَلُ بِخَبَرِ مَنْ لَيْسَ بِقَاضٍ فِيهِ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ كَقَاضٍ بِبُخَارَى الْتَقَى مَعَ قَاضٍ بِخُوَارِزْمَ وَأَخْبَرَهُ بِحَادِثَةٍ حَكَمَ فِيهَا بِبُخَارَى لَا يَعْمَلُ بِإِخْبَارِهِ قَاضِي خُوَارِزْمَ. اهـ.
وَقَدْ ذَكَرَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ مَسَائِلَ الْأُولَى طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَسْمَعَ شُهُودَهُ عَلَى الْإِبْرَاءِ أَوْ إيفَاءِ الدَّيْنِ وَيَكْتُبُ لَهُ كِتَابًا بِذَلِكَ خَوْفًا مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ إذَا ذَهَبَ إلَيْهِ لَمْ يَكْتُبْ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَيَكْتُبُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ. الثَّانِيَةُ لَوْ كَانَ صَاحِبُ الدَّيْنِ حَاضِرًا وَطَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَهُ فَإِذَا أَنْكَرَ بَرْهَنَ لِيَكْتُبَ لَهُ لَمْ يَسْأَلْهُ إجْمَاعًا وَهَذِهِ حُجَّةٌ عَلَى مُحَمَّدٍ فِي السَّابِقَةِ. الثَّالِثَةُ امْرَأَةٌ جَاءَتْ إلَى الْقَاضِي وَقَالَتْ طَلَّقَنِي زَوْجِي فُلَانٌ ثَلَاثًا وَتَزَوَّجْت بِآخَرَ بَعْدَ الْعِدَّةِ وَأَخَافُ إنْكَارَهُ فَاسْأَلْهُ فَإِنْ أَنْكَرَ بَرْهَنْت سَأَلَهُ الْقَاضِي إجْمَاعًا وَهِيَ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي يُوسُفَ.
الرَّابِعَةُ ادَّعَى أَنَّهُ مُشْتَرٍ دَارًا لَهَا شَفِيعٌ سَلَّمَهَا وَهِيَ فِي بَلَدِ كَذَا وَطَلَبَ أَنْ يَسْمَعَ شُهُودَهُ وَيَكْتُبَ لَا يَكْتُبُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَكْتُبُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا احْتِيَاطًا احْتِرَازًا عَنْ تَضْيِيعِ الْحُقُوقِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَدْيُونَ أَوْ الْمُشْتَرِيَ أَوْ الْمَرْأَةَ لَوْ قَالَ إنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ وَالشَّفِيعَ وَالزَّوْجَ قَدْ تَعَرَّضَ لِي فِيمَا ادَّعَى فَاسْمَعْ شُهُودِي فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْمَعُ وَيَكْتُبُ. اهـ.
أَطْلَقَ الْقَاضِي فَأَفَادَ أَنَّ قَاضِيَ مِصْرٍ يَكْتُبُ إلَى قَاضِي مِصْرٍ آخَرَ وَإِلَى قَاضِي السَّوَادِ وَالرُّسْتَاقِ وَلَا يَكْتُبُ قَاضِي الرُّسْتَاقِ إلَى قَاضِي مِصْرٍ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى الْيَنَابِيعِ ثُمَّ قَالَ وَإِنَّمَا يُقْبَلُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا
أَمَّا إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَا يُقْبَلُ وَفِي نَوَادِرِ هِشَامٍ إذَا كَانَ فِي الْمِصْرِ قَاضِيَانِ جَازَ كِتَابُهُمَا إلَى بَعْضِهِمَا فِي الْأَحْكَامِ ثُمَّ قَالَ وَإِذَا كَانَ الْكِتَابُ الَّذِي وَرَدَ عَلَيْهِ لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَالْوَالِدَيْنِ وَالزَّوْجَةِ جَازَ الْقَضَاءُ بِهِ
بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَافَعُوا إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ كِتَابٍ. اهـ.
[بَابٌ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَغَيْرِهِ] (قَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّهُ) أَيْ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي
(قَوْلُهُ وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ)
قَالَ فِي النَّهْرِ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ إذْ الْمَنْفِيُّ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ كَوْنُهُ قَضَاءً وَالْمُثْبَتُ فِي الْفَتْحِ كَوْنُهُ مِنْ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَضَاءً نَعَمْ كَوْنُهُ مِنْ أَحْكَامِهِ أَدْخَلُ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ
(قَوْلُهُ لَيْسَ فِيهِ مَجْلِسُ قَاضٍ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ لَيْسَا بِقَاضِيَيْنِ فِيهِ
(قَوْلُهُ وَلَا يَكْتُبُ قَاضِي الرُّسْتَاقِ إلَى قَاضِي مِصْرٍ)
قَالَ فِي مِنَحِ الْغَفَّارِ بَعْدَ نَقْلِهِ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْمِصْرَ هَلْ هُوَ شَرْطٌ لِنَفَاذِ الْقَضَاءِ أَمْ لَا فَحَكَوْا عَنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ شَرْطٌ وَعَنْ رِوَايَةِ النَّوَادِرِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَبِهِ يُفْتَى كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ فَعَلَى هَذَا يُفْتَى بِقَبُولِهِ مِنْ قَاضِي رُسْتَاقٍ إلَى قَاضِي مِصْرٍ أَمْ رُسْتَاقٍ اهـ.
وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ قَدْ صَرَّحَ بِابْتِنَاءِ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ الْمِصْرِ
باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره] ويكتب القاضي إلى القاضي في غير حد وقود [باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره] هذا الباب ليس من القضاء لأنه
إما نقل الشهادة، أو حكم وكل ذلك ليس منه وإنما أورد فيه لأنه من عمل القضاء، كذا في (الشرح) لكن في (فتح القدير) هذا أيضًا من أحكام القضاء غير أنه لا يتحقق في الوجود إلا بقاضيين فهو كالمركب بالنسبة إلى (التجنيس) ، وادعى في (البحر) أن هذا أولى مما (في الشرح) ، لأنه حيث كان من عملهم كان منه فكيف ينفيه، وعندي أنه لا ينافي بينهما بوجه إذ المنفي في كلام الشر كونه قضاء، والمثبت في (الفتح) كونه من أحكام القضاء،
ولا يلزم منه أن يكون قضاء، نعم كونه من أحكامه أدخل في ذكره في كتاب القضاء وأراد بالغير هو قوله: وتقضي المرأة إلى آخره (يكتب القاضي إلى القاضي) ظاهر إطلاقه ولو كان في مصر واحد، وهو المروي عن محمد وشرط في ظاهر الرواية أن يكون بينهما مسافة القصر، وحكى الطحاوي عن الإمام وأصحابه أنه يجوز فيما دونها،
وقال بعض المتأخرين: هذا قول أبي يوسف ومحمد، كذا في (الفتح) ، فيجوزان عن محمد روايتان.
وفي (البحر) عن أبي يوسف أن الشاهد لو كان بحيث لو عد الأداء الشهادة لا يستطيع أن يبيت في أهله صح الإشهاد والكتابة،
قال في (السراجية) : وعليه الفتوى.
قال في (السراج) : ولا يكتب قاضي رستاق إلى قاضي مصر، ويكتب قاضي مصر إلى قاضي السواد والرستاق.
وفي (الفتح) لو كتب القاضي إلى الأمير الذي ولاه، أصلح الله الأمير ثم قص عليه القصة وهو معه في المصر فجاء به ثقة يعرف الأمير فالاستحسان أن للأمير إمضاؤه لأنه متعارف، ولا يليق بالقاضي أن يأتي في كل حادثة إلى الأمير ليخبره، وشرطنا فيه شرط كتاب القاضي إلى القاضي،
ولو سمع يعني الخصم وصول كتاب القاضي فهرب إلى بلدة أخرى كان للقاضي المكتوب إليه أن يكتب إلى قاضي تلك المدينة ما ثبت عنده من كتاب القاضي، فكما جوز للأول الكتابة جوزنا للثاني والثالث وهلم جرا للحاجة (في غير حد وقود) أي: فيما ثبت مع الشبهة كالدين والنكاح والطلاق والعتاق والشفعة والوصية والإيصاء والموت والورثة والقتل إذا كان موجبه المال والنسب من الحي والميت والغصب والأمانة المجحودة من وديعة ومضاربة وعارية والأعيان المنقولة والعقار إذا بين حدوده الأربع فيما يروى عن محمد فإن شهدوا على خصم حاضر حكم بالشهادة وكتب بحكمه وهو المدعو سجلًا وإلا لم يحكم وكتب الشهادة ليحكم المكتوب إليه بها وهو الكتاب الحكمي وهو نقل الشهادة في الحقيقة وعليه المتأخرون قال الإسبيجابي: وعليه الفتوى للحاجة، وظاهر الرواية عدم الجواز في المنقول للحاجة إلى الإشارة إليه في الدعوى والشهادة لكن الإشارة تتحقق عند القضاء من الثاني فاكتفى بها،
بَابُ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَغَيْرِهِ] (بَابُ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَغَيْرِهِ) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَابَ لَيْسَ مِنْ كِتَابِ الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ
إمَّا نَقْلُ شَهَادَةٍ أَوْ نَقْلُ حُكْمٍ وَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْهُ وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ الْقُضَاةِ فَكَانَ ذِكْرُهُ فِيهِ أَنْسَبُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَيَكْتُبُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي غَيْرِ حَدٍّ وَقَوَدٍ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ كِتَابَهُ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ عِبَارَتِهِ،
فَلَوْ حَضَرَ بِنَفْسِهِ إلَى الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَعَبَّرَ بِلِسَانِهِ مَا فِي الْكِتَابِ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ فَكِتَابُهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ قَدْ يُزَوَّرُ وَالْخَطُّ يُشْبِهُ الْخَطَّ،
وَكَذَا الْخَاتَمُ يُشْبِهُ الْخَاتَمَ فَكَانَ أَكْثَرَ احْتِمَالًا مِنْ الْبَيِّنَةِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَجَازَ ذَلِكَ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَى الْإِنْسَانِ الْجَمْعُ بَيْنَ شُهُودِهِ وَخَصْمِهِ، ثُمَّ هُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ نَقْلُ حُكْمٍ وَهُوَ الْمُسَمَّى سِجِلًّا وَسَيَأْتِيك بَيَانُهُ، وَنَقْلُ شَهَادَةٍ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَلَا يُقَالُ يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّا نَقُولُ يَحْتَاجُ الْقَاضِي فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ إلَى تَعْدِيلِ الْأُصُولِ وَقَدْ يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ فِي بِلَادِ الْغُرْبَةِ وَيَتَعَسَّرُ نَقْلُ الشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَيْضًا إذْ أَكْثَرُ النَّاسُ لَا يُحْسِنُونَ ذَلِكَ،
وَفِي كِتَابِ الْقَاضِي غُنْيَةً عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ يُعَدِّلُ الشُّهُودَ، وَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى نَقْلِ الشَّهَادَةِ وَإِنَّمَا يُنْقَلُ كِتَابُهُ فَحَسْبُ،
وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ لِمَا فِيهِ مِنْ الشُّبْهَةِ بِزِيَادَةِ الِاحْتِمَالِ.
وَقَوْلُهُ فِي غَيْرِ حَدٍّ وَقَوَدٍ يَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ حَقٍّ لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالدَّيْنِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالشُّفْعَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْوَفَاةِ وَالْوِرَاثَةِ وَالْقَتْلِ إذَا كَانَ مُوجِبًا لِلْمَالِ وَالنَّسَبِ مِنْ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ وَالْغَصْبِ وَالْأَمَانَةِ الْمَجْحُودَةِ وَالْمُضَارَبَةِ الْمَجْحُودَةِ وَالْأَعْيَانِ الْمَنْقُولَةِ كَالْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ وَغَيْرِ الْمَنْقُولَةِ كَالْعَقَارِ وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ وَهُوَ الَّذِي يُفْتَى بِهِ لِلضَّرُورَةِ،
وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَجُوزُ فِي الْمَنْقُولِ لِلْحَاجَةِ إلَى الْإِشَارَةِ إلَيْهَا عِنْدَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ
بِخِلَافِ الْعَقَارِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْحُقُوقِ لِأَنَّهَا تُعْرَفُ بِالْوَصْفِ إذْ لَا يُمْكِنُ الْإِشَارَةُ إلَى الدَّيْنِ وَأَمْثَالِهِ وَالْعَقَارُ يُعْرَفُ بِالْحُدُودِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إحْضَارِهِ إلَى مَجْلِسِ الْحَاكِمِ فَصَارَ كَالدَّيْنِ،
وَفِي دَعْوَى النِّكَاحِ الْمَقْصُودُ نَفْسُ النِّكَاحِ لَا نَفْسُ الْمَرْأَةِ أَوْ نَفْسُ الرَّجُلِ وَإِنَّمَا هُمَا كَالدَّائِنِ وَالْمَدِينِ وَالنِّكَاحُ كَالدِّينِ،
وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ، فَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْإِشَارَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ أَجَازَ فِي الْعَبْدِ دُونَ الْأَمَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَنْقُولَاتِ لِغَلَبَةِ الْإِبَاقِ فِيهِ وَلِتَعَذُّرِ دَفْعِ الْأَمَةِ إلَى رَجُلٍ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِالْمِلْكِ لِيَنْقُلَهَا إلَى الْكَاتِبِ،
وَعَنْهُ أَنَّهُ أَجَازَ فِي الْأَمَةِ أَيْضًا بِشَرَائِطِهِ وَهِيَ أَنْ يُكَلِّفَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَبْدٌ آبِقٌ وَهُوَ الْيَوْمُ فِي يَدِ فُلَانٍ وَيُعَرَّفُ الْعَبْدُ غَايَةَ التَّعْرِيفِ بِصِفَتِهِ وَاسْمِهِ وَسِنِّهِ وَقِيمَتِهِ وَيَكْتُبُ الْقَاضِي وَيَذْكُرُ أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدِي فُلَانٌ وَفُلَانٌ بِأَنَّ الْعَبْدَ الْهِنْدِيَّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ فُلَانٌ حِلْيَتُهُ كَذَا وَقَامَتُهُ كَذَا وَسِنُّهُ كَذَا وَقِيمَتُهُ كَذَا مِلْكُ فُلَانٍ الْمُدَّعِي هَذَا وَقَدْ أَبَقَ إلَى بَلْدَةِ كَذَا وَهُوَ الْيَوْمُ عِنْدَ فُلَانٍ بِغَيْرِ حَقٍّ.
فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ إلَيْهِ وَثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ الْكَاتِبِ وَنَصَّهُ بِشُرُوطِهِ عَلَى مَا يَجِيءُ سَلَّمَ الْعَبْدَ إلَى الْمُدَّعِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْضِيَ لَهُ بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ شَهِدُوا لَمْ يَشْهَدُوا بِحَضْرَةِ الْعَبْدِ وَيَأْخُذُ كَفِيلًا مِنْ الْمُدَّعِي بِنَفْسِ الْعَبْدِ وَيَجْعَلُ خَاتَمًا مِنْ رَصَاصٍ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ حَتَّى لَا يَتَعَرَّضَ لَهُ مُتَعَرِّضٌ فِي الطَّرِيقِ أَنَّهُ سَرَقَهُ وَيَكْتُبُ كِتَابًا إلَى الْكَاتِبِ بِذَلِكَ وَيُشْهِدُ شَاهِدَيْنِ عَلَى كِتَابِهِ وَخَتْمِهِ وَعَلَى مَا فِي الْكِتَابِ فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ إلَى الْقَاضِي الْكَاتِبِ وَشَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّ هَذَا كِتَابُهُ وَخَتْمُهُ أَمَرَ الْمُدَّعِيَ أَنْ يُحْضِرَ شُهُودَهُ الَّذِينَ شَهِدُوا عِنْدَهُ فَيُعِيدُوا الشَّهَادَةَ بِالْإِشَارَةِ إلَى الْعَبْدِ أَنَّهُ مِلْكُهُ،
فَإِذَا شَهِدُوا حَكَمَ بِهِ وَكَتَبَ إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَوَّلًا لِيُبْرِئَ كَفِيلَهُ
وَقِيلَ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِهِ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ الْعَبْدُ هُوَ الْخَصْمُ وَهُوَ غَائِبٌ، وَلَكِنْ يَكْتُبُ مَا جَرَى عِنْدَهُ وَيُشْهِدُ شَاهِدَيْنِ عَلَى كِتَابِهِ وَخَتْمِهِ وَمَا فِيهِ وَيَبْعَثُ بِالْعَبْدِ وَالْكِتَابَةُ مَعَهُ إلَى ذَلِكَ الْحَاكِمِ حَتَّى يَقْضِيَ لَهُ بِهِ بِحَضْرَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ،
فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ إلَيْهِ فَلْيَفْعَلْ هُوَ كَذَلِكَ وَيُبْرِئُ الْكَفِيلَ وَإِنَّمَا فَعَلَ بِهِ كَذَلِكَ لِيَقْطَعَ وَهْمَ الشَّرِكَةِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِي الِاسْمِ وَالصِّفَةِ وَالْحِلْيَةِ،
وَفِي الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي فِي يَدِهِ الْعَبْدُ وَهَذِهِ الْجَهَالَةُ بِالْإِحْضَارِ وَالْإِشَارَةِ إلَيْهِ تَرْتَفِعُ فَلِهَذَا يَجِبُ إحْضَارُهُ، وَالْجَارِيَةُ كَالْعَبْدِ فِيمَا ذَكَرْنَا إلَّا أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُهَا لِلْمُدَّعِي بَلْ يَبْعَثُهَا مَعَ أَمِينٍ مَعَهُ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ الْقُضَاةِ) أَيْ وَلَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى اثْنَيْنِ وَالْحَبْسُ يَتِمُّ بِقَاضٍ وَاحِدٍ وَالْوَاحِدُ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاثْنَيْنِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَيَكْتُبُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي غَيْرِ حَدٍّ وَقَوَدٍ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ لِأَنَّ كِتَابَهُ يَنْقُلُ شَهَادَةَ الْأُصُولِ كَمَا أَنَّ الْفُرُوعَ يَنْقُلُونَ بِشَهَادَتِهِمْ شَهَادَةَ الْأُصُولِ، ثُمَّ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ لَا تَجُوزُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَكَذَلِكَ كِتَابُ الْقَاضِي فِيهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةَ الْبَدَلِيَّةِ، وَالْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ وَلِأَنَّ الْكِتَابَ قَدْ يُزَوَّرُ؛ لِأَنَّ الْخَطَّ قَدْ يُشْبِهُ الْخَطَّ فَيَتَمَكَّنُ نَوْعُ شُبْهَةٍ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ. قَوْلُهُ يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ، وَهُوَ الَّذِي يُفْتَى بِهِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَقَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ قَالَ يَجُوزُ فِي جَمِيعِ الْعُرُوضِ وَبِهِ أَخَذَ مَشَايِخُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ
وَقَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يُقْبَلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ أَيْ يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي الْمَنْقُولِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ وَالْفَتْوَى عَلَى هَذَا لِتَعَامُلِ النَّاسِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَعَنْهُ أَنَّهُ أَجَازَ فِي الْأَمَةِ أَيْضًا بِشَرَائِطِهِ)
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَيَخْتَصُّ بِشَرَائِطَ. قَالَ الْأَتْقَانِيُّ أَيْ يَخْتَصُّ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي بِشَرَائِطَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ مِنْ مَعْلُومٍ إلَى مَعْلُومٍ فِي مَعْلُومٍ لِمَعْلُومٍ أَعْنِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ مِنْهُ مَعْلُومًا وَالْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ مَعْلُومًا وَالْمُدَّعَى بِهِ مَعْلُومًا وَالْمُدَّعِي مَعْلُومًا وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعْلُومًا اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَعَنْهُ أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِمَا بِشَرَائِطَ تُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَمَوْضِعُهُ كِتَابُ الْإِبَاقِ مِنْ الْمَبْسُوطِ وَأَرَادَ بِهَا بَيَانَ حِلْيَةِ الْعَبْدِ وَصِفَتِهِ وَنِسْبَتِهِ لِلَّذِي أَخَذَهُ وَالْخَتْمِ فِي عُنُقِهِ وَأَخْذِ الْكَفِيلِ.
وَحَاصِلُهُ مَا قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ الَّذِي لَا يُحْتَاجُ إلَى الْإِشَارَةِ إلَيْهِ كَالدَّارِ وَالْعَقَارِ،
وَأَمَّا الْمَنْقُولُ الَّذِي يُمْكِنُ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ لَا يُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ،
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ مِثْلَ ذَلِكَ إلَّا فِي الْعَبْدِ، وَالْآبِقُ إذَا أَبَقَ فَأُخِذَ فِي بَلْدَةٍ فَأَقَامَ صَاحِبُهُ الْبَيِّنَةَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ عَبْدُهُ أَخَذَهُ فُلَانٌ فِي مِصْرِ كَذَا وَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى الْحِلْيَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَ إلَى ذَلِكَ الْقَاضِي أَنَّهُ قَدْ شَهِدَ الشُّهُودُ عِنْدِي وَزَكَّوْا أَنَّ عَبْدًا صِفَتُهُ كَذَا أَخَذَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَأَنَّهُ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ وَنَسَبَهُمَا إلَى أَبِيهِمَا وَإِلَى فَخِذِهِمَا وَيَقْطَعُ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ وَيَكْتُبُ الْعُنْوَانَ فِي الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ اسْمُهُ وَاسْمُ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَنَسَبُهُمَا، وَالْعِبْرَةُ لِلدَّاخِلِ لَا لِلْخَارِجِ،
فَإِذَا جَاءَ الْكِتَابُ وَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى ذَلِكَ يُسَلَّمُ الْعَبْدُ وَيُخْتَمُ فِي عُنُقِهِ وَأَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا، ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إلَى الْقَاضِي الَّذِي كَتَبَ إلَيْهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ،
فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ قَبِلَهُ وَقَضَى بِهِ وَسَلَّمَ الْعَبْدَ إلَى الَّذِي جَاءَهُ بِالْكِتَابِ وَأَبْرَأَ كَفِيلَهُ. إلَى هُنَا لَفْظُ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَهَذَا الْكِتَابُ بِهَذِهِ الشَّرَائِطِ يُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي الْأَمَةِ أَيْضًا عَلَى رِوَايَةِ قَبُولِ الْكِتَابِ فِي الْأَمَةِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ يُقْبَلُ فِيهِمَا بِشَرَائِطَ تُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ اهـ
قَالَ فِي خُلَاصَةِ الْفَتَاوَى، وَلَوْ كَتَبَ اسْمَ الْقَاضِي الْكَاتِبِ وَنَسَبَهُ وَلَمْ يَكْتُبْ اسْمَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَنَسَبَهُ، وَلَكِنْ كَتَبَ إلَى مَنْ بَلَغَ كِتَابِي هَذَا مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ لَا يَجُوزُ، وَأَبُو يُوسُفَ وَسَّعَ وَأَجَازَ وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ اسْمَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَنَسَبَهُ، ثُمَّ كَتَبَ وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ كِتَابِي هَذَا مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ جَازَ فَإِنَّ كُلَّ قَاضٍ وَصَلَ إلَيْهِ عَمِلَ بِهِ،
وَلَوْ لَمْ يُكْتَبْ فِي الْكِتَابِ التَّارِيخُ لَا يَقْبَلُهُ وَإِنْ كَتَبَ فِيهِ تَارِيخًا يُنْظَرُ هَلْ هُوَ كَانَ قَاضِيًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَمْ لَا؟ وَلَا يُكْتَفَى بِالشَّهَادَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَكْتُوبًا،
وَكَذَا كَوْنُهُ كِتَابَ الْقَاضِي لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ شَهَادَتِهِمْ بِدُونِ الْكِتَابَةِ،
وَكَذَا لَوْ شَهِدُوا عَلَى أَصْلِ الْحَادِثَةِ وَلَمْ يَكُنْ مَكْتُوبًا لَمْ يُعْمَلْ بِهِ.
إلَى هُنَا لَفْظُ الْخُلَاصَةِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَكِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي حُقُوقِ النَّاسِ مِنْ الْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِمَا جَائِزٌ إلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ لَا تُقْبَلُ
وَقَالَ فِي خِزَانَةِ الْفِقْهِ وَيَجُوزُ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي الْمِصْرَيْنِ أَوْ مِنْ قَاضِي مِصْرٍ إلَى قَاضِي رُسْتَاقَ،
وَلَا يَجُوزُ مِنْ قَاضِي رُسْتَاقَ إلَى قَاضِي مِصْرٍ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَوْلُهُ
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَعَنْهُ أَيْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. اهـ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.