الشّهادة إن وافقت الدّعوى قبلت وإلّا لا
الشروح عليها
(بَابُ الِاخْتِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ) .
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ خَالَفْتُهُ مُخَالَفَةً وَخِلَافًا وَتَخَالَفَ الْقَوْمُ وَاخْتَلَفُوا إذَا ذَهَبَ كُلُّ وَاحِدٍ إلَى خِلَافِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْآخَرُ اهـ.
وَاخْتِلَافُ الشَّهَادَةِ شَامِلٌ لِمُخَالَفَتِهَا لِلدَّعْوَى وَلِاخْتِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ وَلِاخْتِلَافِ الطَّائِفَتَيْنِ
(قَوْلُهُ الشَّهَادَةُ إنْ وَافَقَتْ الدَّعْوَى قَبِلَتْ وَإِلَّا فَلَا) لِأَنَّ تَقَدُّمَ الدَّعْوَى فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ شَرْطُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ فَقَدْ وُجِدَتْ فِيمَا يُوَافِقُهَا وَانْعَدَمَتْ فِيمَا يُخَالِفُهَا وَالْمُرَادُ بِالْمُوَافَقَةِ الْمُطَابَقَةُ أَوْ كَوْنُ الْمَشْهُودِ بِهِ أَقَلَّ مِنْ الْمُدَّعَى بِهِ
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَطْلَقَ الْمُوَافَقَةَ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى كَمَا فِي الْمُوَافَقَةِ بَيْنَ الشَّاهِدَيْنِ لِيُفِيدَ عَدَمَ الِاشْتِرَاطِ وَأَنَّ الْمُوَافَقَةَ مَعْنًى كَافِيَةٌ
فَلَوْ ادَّعَى الْغَصْبَ أَوْ الْقَتْلَ فَشَهِدَا بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ تُقْبَلُ وَلَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِالْغَصْبِ أَوْ الْقَتْلِ وَالْآخَرُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ لَا تُقْبَلُ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ وَمِنْ الْمُخَالَفَةِ الْمَانِعَةِ مَا إذَا شَهِدَتْ بِأَكْثَرَ وَمِنْ فُرُوعِهَا دَارٌ فِي يَدِ رَجُلَيْنِ اقْتَسَمَاهَا وَغَابَ أَحَدُهُمَا فَادَّعَى رَجُلٌ عَلَى الْحَاضِرِ أَنَّ لَهُ نِصْفَ هَذِهِ الدَّارِ مَشَاعًا فَشَهِدُوا أَنَّ لَهُ النِّصْفَ الَّذِي فِي يَدِ الْحَاضِرِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهَا بِأَكْثَرَ مِنْ الْمُدَّعَى بِهِ وَلَوْ ادَّعَى دَارًا وَاسْتَثْنَى طَرِيقَ الدُّخُولِ وَحُقُوقَهَا وَمَرَافِقَهَا فَشَهِدُوا أَنَّهَا لَهُ وَلَمْ يَسْتَثْنُوا شَيْئًا لَا تُقْبَلُ.
وَكَذَا لَوْ اسْتَثْنَى بَيْتًا وَلَمْ يَسْتَثْنُوهُ إلَّا إذَا وَفَّقَ فَقَالَ: كُنْتُ بِعْتُ ذَلِكَ الْبَيْتَ مِنْهَا فَتُقْبَلُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمِنْ أَمْثِلَةِ كَوْنِ الْمَشْهُودِ بِهِ أَقَلَّ مَا فِي الْخُلَاصَةِ ادَّعَى النُّقْرَةَ الْجَيِّدَةَ وَبَيَّنَ الْوَزْنَ فَشَهِدُوا عَلَى النُّقْرَةِ وَالْوَزْنِ وَلَمْ يَذْكُرَا جَيِّدَةً أَوْ رَدِيئَةً أَوْ وَسَطًا تُقْبَلُ وَيُقْضَى بِالرَّدِيءِ
بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى قَفِيزَ دَقِيقٍ مَعَ النُّخَالَةِ فَشَهِدُوا مِنْ غَيْرِ نُخَالَةٍ أَوْ مَنْخُولًا فَشَهِدُوا عَلَى غَيْرِ الْمَنْخُولِ لَا تُقْبَلُ اهـ.
مَعَ أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِأَقَلَّ فِيمَا إذَا شَهِدُوا بِهِ غَيْرَ مَنْخُولٍ وَالدَّعْوَى بِالْمَنْخُولِ بِدَلِيلِ عَكْسِهِ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ ادَّعَى الْإِتْلَافَ وَشَهِدَا بِقَبْضِهِ تُقْبَلُ وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ قَبَضَ مِنِّي كَذَا دِرْهَمًا بِغَيْرِ حَقٍّ وَشَهِدَا أَنَّهُ قَبَضَهُ بِجِهَةِ الرِّبَا تُقْبَلُ وَلَوْ ادَّعَى الْغَصْبَ وَشَهِدَا بِقَبْضِهِ بِجِهَةِ الرِّبَا لَا تُقْبَلُ إذْ الْغَصْبُ قَبْضٌ بِلَا إذْنٍ وَالْقَبْضُ بِجِهَةِ الرِّبَا قَبْضٌ بِإِذْنٍ وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ غَصَبَ مِنْهُ وَشَهِدَا أَنَّهُ مِلْكُ الْمُدَّعِي وَفِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَا تُقْبَلُ لَا عَلَى الْمِلْكِ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَقُولَا غَصَبَهُ مِنْهُ وَلَا عَلَى الْغَصْبِ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا أَنَّهُ بِيَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَا مِنْ جِهَةِ الْمُدَّعِي بِأَنْ غَصَبَهُ مِنْ غَيْرِ الْمُدَّعِي لَا مِنْهُ اهـ.
ثُمَّ قَالَ: ادَّعَى أَنَّهُ قَبَضَ مِنْ مَالِي كَذَا قَبْضًا مُوجِبًا لِلرَّدِّ وَشَهِدَا أَنَّهُ قَبَضَهُ وَلَمْ يَشْهَدَا أَنَّهُ قَبَضَ قَبْضًا مُوجِبًا لِلرَّدِّ تُقْبَلُ فِي أَصْلِ الْقَبْضِ فَيَجِبُ رَدُّهُ وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَبْضِهِ يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ قِيَاسًا عَلَى الْغَصْبِ ادَّعَى أَنَّهُ أَهْلَكَ أَقْمِشَتِي كَذَا وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا وَشَهِدَ أَنَّهُ بَاعَ وَسَلَّمَ لِفُلَانٍ يُقْبَلُ لِأَنَّهُ إهْلَاكٌ وَلَوْ ذَكَرَا بَيْعًا لَا تَسْلِيمًا لَا يَكُونُ شَهَادَةً بِإِهْلَاكٍ ثُمَّ قَالَ: ادَّعَى شِرَاءً مِنْهُ فَشَهِدَا بِشِرَاءٍ مِنْ وَكِيلِهِ تُرَدُّ
وَكَذَا لَوْ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا بَاعَ وَهَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَجَازَ بَيْعَهُ ثُمَّ قَالَ: ادَّعَى أَنَّ مَوْلَايَ أَعْتَقَنِي وَشَهِدَا أَنَّهُ حُرٌّ تُرَدُّ لِأَنَّهُ يَدَّعِي حُرِّيَّةً عَارِضَةً وَشَهِدَا بِحُرِّيَّةٍ مُطْلَقَةٍ فَيُصْرَفُ إلَى حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ وَهِيَ زَائِدَةٌ عَلَى مَا ادَّعَاهُ
وَقِيلَ: تُقْبَلُ لِأَنَّهُمَا لَمَّا شَهِدَا أَنَّهُ حُرٌّ شَهِدَا بِنَفْسِ الْحُرِّيَّةِ قَالَ: وَالْأَمَةُ لَوْ ادَّعَتْ أَنَّ فُلَانًا أَعْتَقَنِي وَشَهِدَا أَنَّهَا حُرَّةٌ تُقْبَلُ إذْ الدَّعْوَى لَيْسَتْ بِشَرْطٍ هُنَا فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْقِنِّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ
أَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ فِي الْقِنِّ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا فِي الْأَمَةِ إذْ الدَّعْوَى لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الْقِنِّ عِنْدَهُمَا كَالْأَمَةِ وَلَوْ ادَّعَى حُرِّيَّةَ الْأَصْلِ وَشَهِدَا أَنَّ فُلَانًا حَرَّرَهُ قِيلَ: تُرَدُّ
وَقِيلَ: تُقْبَلُ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِأَقَلَّ مِمَّا ادَّعَاهُ اهـ.
وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْمُطَابَقَةَ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ إنَّمَا هِيَ شَرْطٌ فِيمَا إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِيهِ شَرْطًا وَإِلَّا فَلَا وَلِذَا لَوْ ادَّعَتْ الطَّلَاقَ فَشَهِدَا بِالْخُلْعِ تُقْبَلُ كَمَا سَيَأْتِي.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ إذَا شَهِدُوا بِأَقَلَّ مِمَّا ادَّعَى تُقْبَلُ بِلَا تَوْفِيقٍ وَإِنْ كَانَ بِأَكْثَرَ لَمْ تُقْبَلْ إلَّا إذَا وُفِّقَ
فَلَوْ ادَّعَى أَلْفًا فَشَهِدَا بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ فَقَالَ الْمُدَّعِي: كَانَ لِي عَلَيْهِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ إلَّا أَنِّي أَبْرَأْتُهُ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ أَوْ قَالَ: اسْتَوْفَيْت مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الشُّهُودُ تُقْبَلُ
وَكَذَا فِي الْأَلْفِ وَالْأَلْفَيْنِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ التَّوْفِيقِ بِالْبَيِّنَةِ لِأَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِهِ بِالْبَيِّنَةِ إذَا كَانَ سَبَبًا لَا يَتِمُّ بِدُونِهِ وَلَا يَنْفَرِدُ بِإِثْبَاتِهِ كَمَا إذَا ادَّعَى الْمِلْكَ بِالشِّرَاءِ فَشَهِدَ الشُّهُودُ بِالْهِبَةِ فَإِنَّ ثَمَّةَ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِهِ بِالْبَيِّنَةِ
أَمَّا الْإِبْرَاءُ فَيَتِمُّ بِهِ وَحْدَهُ وَلَوْ أَقَرَّ بِالِاسْتِيفَاءِ يَصِحُّ إقْرَارُهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِهِ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ دَعْوَى التَّوْفِيقِ هُنَا اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنَّ التَّوْفِيقَ إذَا كَانَ مُمْكِنًا يُحْمَلُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ التَّوْفِيقَ تَصْحِيحًا لِلشَّهَادَةِ وَصِيَانَةً لِكَلَامِهِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ ثَابِتَةٌ صُورَةً فَإِذَا كَانَ التَّوْفِيقُ مُرَادًا تَزُولُ الْمُخَالَفَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ التَّوْفِيقُ مُرَادًا لَا تَزُولُ بِالشَّكِّ فَإِذَا ادَّعَى التَّوْفِيقَ ثَبَتَ التَّوْفِيقُ وَزَالَتْ الْمُخَالَفَةُ وَذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بخواهر زاده أَنَّ مُحَمَّدًا شَرَطَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ دَعْوَى التَّوْفِيقِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْبَعْضِ وَذَاكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا ادَّعَى التَّوْفِيقَ أَوْ ذَاكَ جَوَابُ الْقِيَاسِ فَلَا بُدَّ مِنْ دَعْوَى التَّوْفِيقِ
فَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي: مَا كَانَ لِي عَلَيْهِ إلَّا أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَطْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَلَا فَرْقَ فِي كَوْنِ الْمَشْهُودِ بِهِ أَقَلَّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّيْنِ أَوْ فِي الْعَيْنِ
فَلَوْ ادَّعَى كُلَّ الدَّارِ فَشَهِدَا بِنِصْفِهَا قُضِيَ بِالنِّصْفِ مِنْ غَيْرِ تَوْفِيقٍ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ.
وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا أَكْذَبَ شُهُودَهُ فِي جَمِيعِ مَا شَهِدُوا بِهِ لَهُ أَوْ بَعْضِهِ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ
إمَّا لِأَنَّهُ تَفْسِيقٌ لِلشَّاهِدِ أَوْ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُقْبَلُ بِدُونِ الدَّعْوَى
فَلَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِدَارٍ لِرَجُلٍ فَقَالُوا: هَذَا الْبَيْتُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ لِفُلَانٍ رَجُلٌ آخَرُ غَيْرُ الْمُدَّعِي فَقَالَ الْمُدَّعِي: لَيْسَ هُوَ لِي فَقَدْ أَكْذَبَ شُهُودَهُ وَإِنْ قَالَ هَذَا قَبْلَ الْقَضَاءِ لَا يُقْضَى لَهُ وَلَا لِفُلَانٍ بِشَيْءٍ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَضَاءِ فَقَالَ: هَذَا الْبَيْتُ لَمْ يَكُنْ لِي إنَّمَا هُوَ لِفُلَانٍ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَجَزْت إقْرَارَهُ لِفُلَانٍ وَجَعَلْت لَهُ الْبَيْتَ وَأَرُدُّ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّارِ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَيَضْمَنُ قِيمَةَ الْبَيْتِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَلِأَبِي يُوسُفَ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْبَيْتِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَيَكُونُ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّارِ لِلْمَشْهُودِ لَهُ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا كَذَّبَ شُهُودَهُ إنَّمَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ إذَا كَذَّبَهُمْ فِيمَا وَقَعَتْ الدَّعْوَى بِهِ
أَمَّا إذَا صَدَّقَهُمْ فِيهَا وَكَذَّبَهُمْ فِي شَيْءٍ زَادُوهُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ لَهُ فِيمَا ادَّعَاهُ إنْ لَمْ يَدَّعِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا
قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: شَهِدَ الرَّجُلُ أَنَّ فُلَانًا غَصَبَ عَبْدَهُ وَلَكِنَّهُ قَدْ رَدَّهُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ فَمَاتَ عِنْدَ مَوْلَاهُ فَقَالَ: الْمَغْصُوبُ مِنْهُ: لَمْ يَرُدَّهُ عَلَيَّ وَإِنَّمَا مَاتَ عِنْدَ الْغَاصِبِ وَقَالَ: الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَا غَصَبْتُهُ عَبْدًا وَلَا رَدَدْتُهُ عَلَيْهِ وَمَا كَانَ مِنْ هَذَا مِنْ شَيْءٍ قَالَ: إذَا لَمْ يَدَّعِ شَهَادَتَهُمَا ضَمَّنْتُهُ الْقِيمَةَ.
وَكَذَا لَوْ شَهِدَا أَنَّهُ غَصَبَهُ عَبْدًا لَهُ فَجَاءَ مَوْلَاهُ قَتَلَهُ عِنْدَ الْغَاصِبِ فَقَالَ: الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مَا قَتَلْتُهُ وَلَكِنَّهُ قَدْ غَصَبَهُ وَمَاتَ عِنْدَهُ وَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: مَا غَصَبْتُهُ عَبْدًا وَلَا قَتَلَ هَذَا الْمُدَّعِي عَبْدًا لَهُ فِي يَدِي كَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ
وَكَذَا لَوْ شَهِدَا أَنَّ لِهَذَا عَلَى هَذَا أَلْفَ دِرْهَمٍ وَلَكِنَّهُ قَدْ أَبْرَأَهُ مِنْهَا وَقَالَ الْمُدَّعِي: مَا أَبْرَأْتُهُ عَنْ شَيْءٍ وَقَالَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ: مَا كَانَ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ وَلَا أَبْرَأَنِي عَنْ شَيْءٍ قَالَ: إذَا لَمْ يَدَّعِ شَهَادَتَهُمَا عَلَى الْبَرَاءَةِ قَضَيْت عَلَيْهِ بِالْأَلْفِ اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَكْذِيبًا فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَضَاءِ لَا يُقْضَى لَهُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ لَمْ يَبْطُلْ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَكْذِيبًا لِلشَّاهِدِ قَطْعًا
فَلَوْ قُضِيَ لَهُ بِالدَّارِ بِالْبَيِّنَةِ فَأَقَرَّ أَنَّهَا لِرَجُلٍ غَيْرِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ لَا حَقَّ لِلْمُدَّعِي فِيهَا وَصَدَّقَهُ فُلَانٌ أَوْ كَذَّبَهُ لَمْ يَبْطُلْ الْقَضَاءُ لِاحْتِمَالِ النَّفْيِ مِنْ الْأَصْلِ وَاحْتِمَالِ أَنَّهُ مَلَّكَهَا إيَّاهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ وَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَلَا يَبْطُلُ بِالشَّكِّ
فَلَوْ قَالَ بَعْدَ الْقَضَاءِ: هِيَ لِفُلَانٍ لَمْ تَكُنْ لِي قَطُّ فَإِنْ بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ وَثَنَّى بِالنَّفْيِ أَوْ عَكْسِهِ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي الْجَمِيعِ بَطَلَ الْقَضَاءُ وَيُرَدُّ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهُ وَإِنْ كَذَّبَهُ فِي النَّفْيِ وَصَدَّقَهُ فِي الْإِقْرَارِ كَانَتْ لِلْمُقَرِّ لَهُ وَضَمِنَ الْمُقِرُّ قِيمَةَ الدَّارِ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ سَوَاءٌ بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِالنَّفْيِ كَذَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ قَالُوا: هَذَا إذَا بَدَأَ بِالنَّفْيِ وَثَنَّى بِالْإِقْرَارِ مَوْصُولًا
أَمَّا إنْ كَانَ مَفْصُولًا لَمْ يَصِحَّ.
وَتَمَامُهُ فِي الْخَانِيَّةِ بِخِلَافِ الْمُقَرِّ لَهُ إذَا قَالَ: هِيَ لِفُلَانٍ مَا كَانَ لِي قَطُّ لِأَنَّ ثَمَّةَ لَا مُنَازِعَ لِلثَّالِثِ فَيَسْلَمُ لَهُ وَهُنَا الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ يُنَازِعُهُ كَذَا فِي التَّلْخِيصِ وَفِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ قُضِيَ لَهُ بِالدَّارِ بِبِنَائِهَا بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ الْبِنَاءُ لِي وَإِنَّمَا هُوَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَطَلَ الْقَضَاءُ لِأَنَّهُ إكْذَابٌ لِلشَّاهِدِ
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: الْبِنَاءُ لَهُ فَلَيْسَ بِإِكْذَابٍ هَكَذَا فِي الْأَقْضِيَةِ وَفَرَّقَ بَيْنَ مَا إذَا ذَكَرُوا الْبِنَاءَ فِي شَهَادَتِهِمْ فَيَكُونُ إكْذَابًا أَوَّلًا فَلَا فِي شَهَادَاتِ الْأَصْلِ وَإِذَا ذَكَرُوهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَقَطْ فِي كَوْنِهِ تَكْذِيبًا وَلَوْ ادَّعَى قَدْرًا وَبَرْهَنَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقَرَّ بِقَبْضِ بَعْضِهِ فَإِنْ أَقَرَّ بِمَا يَدُلُّ عَلَى قَبْضِهِ قَبْلَ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ فَهُوَ تَكْذِيبٌ لِشُهُودِهِ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ ادَّعَى أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَقُضِيَ لَهُ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِائَةً سَقَطَ عَنْهُ مِائَةٌ اتِّفَاقًا وَهَلْ تَسْقُطُ الثَّلَاثُمِائَةِ قَوْلَانِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ وَالْفَتْوَى عَلَى عَدَمِهِ كَمَا فِي الْمُلْتَقَطِ وَفِي الْمُحِيطِ شَهِدَا لَهُ عَلَى رَجُلٍ بِأَلْفٍ وَعَلَى آخَرَ بِمِائَةٍ فَصَدَّقَهُمْ فِي الْأَوَّلِ وَكَذَّبَهُمْ فِي الثَّانِي بَطَلَتَا
وَكَذَا لَوْ شَهِدَا بِغَصْبِ ثَوْبَيْنِ فَصَدَّقَهُمَا فِي أَحَدِهِمَا وَكَذَّبَهُمَا فِي الْآخَرِ بَطَلَتْ فِيهِمَا وَلَوْ قُضِيَ لِثَلَاثَةٍ بِمِيرَاثٍ عَنْ أَبِيهِمْ ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمْ: مَا لِي فِيهِ حَقٌّ وَإِنَّمَا هُوَ لِأَخَوَيَّ كَانَ الْكُلُّ لَهُمَا فَإِنْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ لِي فِيهِ حَقٌّ وَإِنَّمَا هُوَ لَهُمَا بَطَلَتْ حِصَّتُهُ عَنْ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَبَرْهَنَ عَلَيْهِ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ ابْنُ الْمُوصِي وَلَمْ يُبَرْهِنْ فَلَهُ الْأَقَلُّ مِنْ الْمِيرَاثِ وَمِنْ الْأَلْفِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ وَلَا شَيْءَ لَهُ.
اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ ادَّعَى الْمَدْيُونُ الْإِيفَاءَ فَشَهِدَا عَلَى إبْرَاءِ الدَّائِنِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ حَالَّهُ تُقْبَلُ كَمَا لَوْ ادَّعَى الْغَصْبَ فَشَهِدَا بِالْإِقْرَارِ بِهِ تُقْبَلُ ادَّعَى الْكَفِيلُ بِالْأَمْرِ الْإِيفَاءَ وَشَهِدَا عَلَى الْبَرَاءَةِ تُقْبَلُ وَوَضَعَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْإِيفَاءِ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْإِيفَاءَ غَيْرُ مُقْتَصِرٍ عَلَيْهِ وَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ الْكَفِيلُ عَلَى الْأَصِيلِ وَيَرْجِعُ الطَّالِبُ عَلَى الْأَصِيلِ كَأَنَّهُ إبْرَاءُ الْكَفِيلِ وَإِبْرَاءُ الْكَفِيلِ لَا يُوجِبُ إبْرَاءَ الْأَصِيلِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِيُؤْذِنَ أَنَّ الْمَقْضِيَّ بِهِ بَرَاءَةُ الْكَفِيلِ لَا الْإِيفَاءُ وَهَذَا لِأَنَّ دَعْوَى الْكَفِيلِ تَتَضَمَّنُ الْبَرَاءَةَ مَعَ تَمَكُّنِهِ بِالرُّجُوعِ عَلَى الْأَصِيلِ وَشَاهِدَاهُ شَهِدَا عَلَى الْقَطْعِ بِبَعْضِ دَعْوَاهُ فَيُقْبَلُ فِي ذَلِكَ لَا فِي الزَّائِدِ اهـ.
وَفِي السِّرَاجِيَّةِ ادَّعَى عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَشَهِدَا لَهُ بِمَبْلَغِ عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ لَمْ تُقْبَلُ لِأَنَّ مَبْلَغَ هَذَا الْمَالِ مَالٌ آخَرُ شَهِدَا عَلَى دَعْوَى أَرْضٍ أَنَّهَا خَمْسَةُ مَكَايِيلَ وَأَصَابَا فِي بَيَانِ حُدُودِهَا أَوْ خَطَآ فِي الْمِقْدَارِ قَبِلَتْ اهـ.
وَفِي الْعُرْفِ أَنَّ الْمَبْلَغَ هُوَ الْقَدْرُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: قَبَضَ مَبْلَغَ كَذَا أَيْ قَدْرَ كَذَا لَا مَالٌ آخَرُ فَيَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ فِي عُرْفِنَا وَفِي الْقُنْيَةِ ادَّعَى الْمَدْيُونُ الْإِيصَالَ إلَى الدَّائِنِ مُتَفَرِّقًا وَشَهِدَ شُهُودُهُ بِالْإِيصَالِ مُطْلَقًا أَوْ جُمْلَةً لَا تُقْبَلُ ادَّعَتْ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ وَكَّلَ وَكِيلًا فَطَلَّقَنِي وَشَهِدَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا بِنَفْسِهِ يَقَعُ الطَّلَاقُ ادَّعَتْ الطَّلَاقَ فَشَهِدَا بِالْخُلْعِ تُسْمَعُ لِأَنَّ وَجْهَ التَّوْفِيقِ مُمْكِنٌ وَلَوْ ادَّعَى الْمَدْيُونُ الْإِبْرَاءَ وَشَهِدُوا أَنَّ الْمُدَّعِيَ صَالَحَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَالٍ مَعْلُومٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ إنْ كَانَ الصُّلْحُ بِجِنْسِ الْحَقِّ لِحُصُولِ الْإِبْرَاءِ عَنْ الْبَعْضِ بِالِاسْتِيفَاءِ عَنْ الْبَعْضِ بِالْإِسْقَاطِ.
وَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ بِوَزْنِ سَمَرْقَنْدَ فَشَهِدُوا فَسَأَلَهُمْ الْقَاضِي عَنْ الْوَزْنِ فَقَالَ بِوَزْنِ مَكَّةَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ إنْ كَانَ وَزْنُ مَكَّةَ مِثْلَ وَزْنِ سَمَرْقَنْدَ أَوْ أَقَلَّ وَإِلَّا فَلَا ادَّعَتْ أَنَّهَا اشْتَرَتْ هَذِهِ الْجَارِيَةَ مِنْ زَوْجِهَا بِمَهْرِهَا وَشَهِدُوا أَنَّ زَوْجَهَا أَعْطَاهَا مَهْرَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْرِيَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا تُقْبَلُ اهـ.
وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ عُلِمَ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ وَإِلَّا لَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً وَسَيَأْتِي قَرِيبًا ثَمَانٍ أُخَرُ فِي الْإِقْرَارِ وَالْإِنْشَاءِ وَاثْنَانِ فِي الْمُقَيَّدِ بِسَبَبٍ وَالْمُطْلَقِ فَصَارَتْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ فَلْيُتَأَمَّلْ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فِي الْحَقِيقَةِ لَا اسْتِثْنَاءَ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ الْمَانِعَةَ أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ بِهِ أَكْثَرَ فَفِي كُلِّ صُورَةٍ قَالُوا بِالْمَنْعِ إنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ أَكْثَرَ مِنْ الْمُدَّعَى وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ قَالُوا بِالْقَبُولِ مَعَ صُورَةِ الْمُخَالَفَةِ فَإِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِ الْمَشْهُودِ بِهِ أَقَلَّ وَكَانَ كَذَلِكَ فِي عِتْقِ الْجَارِيَةِ وَطَلَاقِ الْمَرْأَةِ يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالتَّأَمُّلِ فِي كَلَامِهِمْ.
[بَاب الِاخْتِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ] (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ الشَّهَادَةُ إنْ وَافَقَتْ الدَّعْوَى قُبِلَتْ) صَدَّرَ الْبَابَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ لِكَوْنِهَا كَالدَّلِيلِ لِوُجُوبِ اتِّفَاقِ الشَّاهِدَيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ اخْتَلَفَا لَزِمَ اخْتِلَافُ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى بَصِيرَةٍ سَعْدِيَّةٌ
(قَوْلُهُ فَقَدْ وُجِدَتْ فِيمَا يُوَافِقُهَا وَانْعَدَمَتْ فِيمَا يُخَالِفُهَا)
قَالَ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ أَمَّا وُجُودُهَا عِنْدَ الْمُوَافَقَةِ فَظَاهِرٌ
وَأَمَّا عَدَمُهَا عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ فَكَذَلِكَ لِظُهُورِ أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ تَقَدُّمِ الدَّعْوَى تَقَدُّمَ أَيَّةِ دَعْوَى كَانَتْ بَلْ تَقَدُّمَ دَعْوَى مَا يَشْهَدُ بِهِ الشُّهُودُ وَتَمَامُهُ فِيهَا
(قَوْلُهُ وَلَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِالْغَصْبِ أَوْ الْقَتْلِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ لط شَهِدَ بِنَحْوِ بَيْعٍ وَآخَرُ بِإِقْرَارِهِ بِهِ تُقْبَلُ لِأَنَّهُ قَوْلٌ فَلَا تُرَدُّ إلَّا إذَا كَانَتْ صِيغَةُ الْإِنْشَاءِ
بِخِلَافِ صِيغَةِ الْإِخْبَارِ كَقَذْفٍ شَهِدَ بِهِ وَآخَرُ بِإِقْرَارٍ وَلَوْ شَهِدَ بِنَحْوِ غَصْبٍ وَآخَرُ بِإِقْرَارِهِ تُرَدُّ لِأَنَّهُ فِعْلٌ
(قَوْلُهُ وَفِي يَدِهِ) أَيْ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَا مِنْ جِهَةِ الْمُدَّعِي) هَذَا يَدْفَعُ تَنْظِيرَ صَاحِبِ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ وَقَوْلِهِ إنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِأَقَلَّ مِمَّا ادَّعَى إذْ فِي دَعْوَى الْغَصْبِ مِنْهُ دَعْوَى أَنَّهُ بِيَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ مَعَ زِيَادَةِ دَعْوَى الْفِعْلِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ مَعَ أَنَّ عَدَمَ الْقَبُولِ فِي أَمْثَالِهِ يُفْضِي إلَى التَّضْيِيقِ وَتَضْيِيعِ كَثِيرٍ مِنْ الْحُقُوقِ وَالْحَرَجُ مَدْفُوعٌ شَرْعًا اهـ. فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ إذَا شَهِدُوا بِأَقَلَّ مِمَّا ادَّعَى تُقْبَلُ بِلَا تَوْفِيقٍ) اُنْظُرْ مَا سَنَذْكُرُهُ فِي شَرْحِ الْمَقُولَةِ الْآتِيَةِ عِنْدَ مَسْأَلَةِ دَعْوَى النِّتَاجِ وَتَأَمَّلْهُ
(قَوْلُهُ لَيْسَ هُوَ لِي) لَعَلَّهُ لَهُ
(قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَدَّعِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) يَعْنِي إنْ لَمْ يَدَّعِ الزَّائِدَ لَا مَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي وَإِنْ أَوْهَمَهُ كَلَامُهُ يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ التَّأَمُّلِ فِي الْمَسَائِلِ الْآتِيَةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يتكلم على هذه المسألة.
(بَابُ الِاخْتِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ) قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(الشَّهَادَةُ إنْ وَافَقَتْ الدَّعْوَى قُبِلَتْ وَإِلَّا لَا) ؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ الدَّعْوَى فِي حَقِّ الْعَبْدِ شَرْطٌ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا نُصِّبَ لِفَصْلِ الْخُصُومَاتِ بَيْنَ الْخُصُومِ وَفَصْلُهُ يَفْتَقِرُ إلَى سَبْقِ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ بَعْدَ الدَّعْوَى
أَمَّا الشَّهَادَةُ أَوْ الْيَمِينُ وَقَدْ وُجِدَ تَقَدُّمُ الدَّعْوَى فِيمَا إذَا وَافَقَتْ الشَّهَادَةُ الدَّعْوَى فَأَمْكَنَ الْفَصْلُ بِالشَّهَادَةِ وَلَمْ يُوجَدْ فِيمَا إذَا خَالَفَتْهَا فَلَمْ يُمْكِنْ الْقَضَاءُ بِهَا وَهَذَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لِأَجْلِ تَصْدِيقِ الدَّعْوَى،
فَإِذَا خَالَفَتْهَا فَقَدْ كَذَّبَتْهَا، وَالدَّعْوَى الْكَاذِبَةُ لَا يُعْتَبَرُ وُجُودُهَا فَانْعَدَمَ الشَّرْطُ وَهُوَ تَقَدُّمُ الدَّعْوَى فَلَا يُحْكَمُ بِهَا
بِخِلَافِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى فِيهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ خَصْمًا فِي إثْبَاتِهِ فَصَارَ كَأَنَّ الدَّعْوَى مَوْجُودَةٌ وَلِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ بِإِقَامَتِهَا كَانَ طَالِبًا لَهَا فَلَمْ يَبْقَ إلَّا إقَامَتُهَا وَفِي حُقُوقِ الْعِبَادِ لَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهَا بِالدَّعْوَى إذْ لَا يَعْرِفُ الْقَاضِي حُقُوقَهُمْ وَلَا يُجْبِرُهُمْ عَلَى اسْتِيفَائِهَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ الشَّهَادَةُ إنْ وَافَقَتْ الدَّعْوَى قُبِلَتْ) بِأَنْ كَانَتْ فِي أَلْفٍ قَرْضٍ وَشَهِدَا بِأَلْفٍ قَرْضٍ اهـ ع
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تُوَافِقْ الشَّهَادَةُ الدَّعْوَى بِأَنْ كَانَتْ فِي أَلْفٍ قَرْضٍ وَشَهِدَا بِأَلْفٍ ثَمَنِ مَتَاعٍ اهـ ع
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ الدَّعْوَى فِي حَقِّ الْعَبْدِ شَرْطٌ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ) أَيْ؛ لِأَنَّهَا لِإِثْبَاتِ حَقِّهِ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ وَهُوَ الدَّعْوَى، وَقَدْ وُجِدَتْ الدَّعْوَى فِيمَا يُوَافِقُهَا أَيْ يُوَافِقُ الشَّهَادَةَ فَوُجِدَ شَرْطُ قَبُولِهَا فَتُقْبَلُ وَانْعَدَمَتْ فِيمَا يُخَالِفُهَا، فَإِنَّهَا لَمَّا لَمْ تُوَافِقْهَا صَارَتْ الدَّعْوَى لِشَيْءٍ آخَرَ وَشَرْطُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ تَقَدُّمُ الدَّعْوَى وَاعْلَمْ أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الْمُوَافَقَةِ الْمُطَابَقَةَ بَلْ
إمَّا الْمُطَابَقَةُ أَوْ كَوْنُ الْمَشْهُودِ بِهِ أَقَلَّ مِنْ الْمُدَّعَى بِهِ
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ أَكْثَرَ فَمِنْ الْأَقَلِّ مَا لَوْ ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ بِسَبَبِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِمَهْرِ كَذَا فَشَهِدُوا أَنَّهَا مَنْكُوحَتُهُ بِلَا زِيَادَةٍ تُقْبَلُ وَيَقْضِي بِمَهْرِ الْمِثْلِ إنْ كَانَ قَدْرَ مَا سَمَّاهُ أَوْ أَقَلَّ،
فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ لَا يَقْضِي بِالزِّيَادَةِ كَذَا فِي غَيْرِ نُسْخَةٍ مِنْ الْخُلَاصَةِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا كَانَتْ هِيَ الْمُدَّعِيَةَ وَمِنْهُ إذَا ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا أَوْ بِالنِّتَاجِ فَشَهِدُوا فِي الْأَوَّلِ بِالْمِلْكِ بِسَبَبٍ وَفِي الثَّانِي بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ قُبِلَتَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ بِسَبَبٍ أَقَلُّ مِنْ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْأَوَّلِيَّةَ عَلَى الِاحْتِمَالِ وَالنِّتَاجَ عَلَى الْيَقِينِ وَفِي قَلْبِهِ وَهُوَ دَعْوَى الْمُطْلَقِ فَشَهِدُوا بِالنِّتَاجِ لَا تُقْبَلُ وَمِنْ الْأَكْثَرِ مَا لَوْ ادَّعَى الْمِلْكَ بِسَبَبٍ فَشَهِدُوا بِالْمُطْلَقِ لَا تُقْبَلُ إلَّا إذَا كَانَ السَّبَبُ الْإِرْثَ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْإِرْثِ كَدَعْوَى الْمُطْلَقِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَيَّدَهُ فِي الْأَقْضِيَةِ بِمَا إذَا نَسَبَهُ إلَى مَعْرُوفٍ سَمَّاهُ وَنَسَبَهُ،
أَمَّا لَوْ جَهِلَهُ فَقَالَ اشْتَرَيْته أَوْ قَالَ مِنْ رَجُلٍ أَوْ زَيْدٍ وَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فَشَهِدُوا بِالْمُطْلَقِ قُبِلَتْ فَهِيَ خِلَافِيَّةٌ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْقَبُولِ رَشِيدُ الدِّينِ وَهُنَا اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ عَلَى مِلْكٍ بِسَبَبٍ، وَأَرَادَ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمُطْلَقِ لَمْ يُذْكَرْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ
وَالْأَصَحُّ لَا يَحِلُّ لَهُ قُلْت كَيْفَ وَفِيهِ أَيْضًا إبْطَالُ حَقِّهِ، فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ فِيمَا لَوْ ادَّعَاهُ بِسَبَبٍ. اهـ. كَمَالٌ
(قَوْلُهُ: فَإِذَا خَالَفَتْهَا فَقَدْ كَذَّبَتْهَا) أَيْ كَذَّبَتْ الشَّهَادَةُ الدَّعْوَى اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ فَنُسِبَ الْكَذِبُ إلَى الدَّعْوَى لَا إلَى الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الشُّهُودِ الْعَدَالَةُ دُونَ الْمُدَّعِي إذْ هِيَ شَرْطٌ فِيهِمْ دُونَهُ اهـ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى فِيهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ) قَالَ الْكَمَالُ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ الِاشْتِرَاطُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ احْتِرَازًا عَنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى،
فَإِنَّ دَعْوَى مُدَّعٍ خَاصٍّ غَيْرِ الشَّاهِدِ لَيْسَ شَرْطًا لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ تَعَالَى وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ الْقِيَامُ فِي إثْبَاتِهِ وَذَلِكَ الشَّاهِدُ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَكَانَ قَائِمًا فِي الْخُصُومَةِ مِنْ جِهَةِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ وَشَاهِدٌ مِنْ جِهَةِ تَحَمُّلِ ذَلِكَ فَلَمْ يَحْتَجْ فِيهَا إلَى خَصْمٍ آخَرَ. اهـ. .
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.