يجب القصاص بقتل كلّ محقون الدّم على التّأبيد عمدًا
الشروح عليها
(يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِ كُلِّ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ عَمْدًا) لِمَا بَيَّنَّا وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَحْقُونَ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ لِيَدْفَعَ شُبْهَةَ الْإِبَاحَةِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ نِهَايَةٌ فِي الْعُقُوبَةِ، فَيَسْتَدْعِي الْكَمَالَ فِي الْجِنَايَةِ، فَلَا يَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ عَنْ الْمُسْتَأْمَنِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَفِيهِ الْبَحْثُ مِنْ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ أَنَّ الْعَفْوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَذَلِكَ يُنَافِي وَصْفَ الْقِصَاصِ بِالْوُجُوبِ الثَّانِي أَنَّ حَقْنَ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ يَزُولُ بِالِارْتِدَادِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى الثَّالِثُ أَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِمُسْلِمٍ قَتَلَ ابْنَهُ الْمُسْلِمَ، فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِيهِ، وَلَا قِصَاصَ الرَّابِعُ أَنَّ قَيْدَ التَّأْبِيدِ لِثُبُوتِ الْمُسَاوَاةِ،
وَإِذَا قَتَلَ الْمُسْتَأْمَنُ مُسْلِمًا وَجَبَ الْقِصَاصُ وَلَا مُسَاوَاةَ وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُودِ ثُبُوتُ الِاسْتِيفَاءِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَفْوِ وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقْنِ عَلَى التَّأْبِيدِ مَا هُوَ بِحَسَبِ الْأَصْلِ وَالِارْتِدَادُ عَارِضٌ لَا يُعْتَبَرُ وَرُجُوعُ الْحَرْبِيِّ أَصْلٌ لَا عَارِضٌ وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ الْقِصَاصَ ثَابِتٌ لَكِنَّهُ انْقَلَبَ لِشُبْهَةِ الْأُبُوَّةِ وَعَنْ الرَّابِعِ بِأَنَّ التَّفَاوُتَ إلَى نُقْصَانٍ غَيْرُ مَانِعٍ عَنْ الِاسْتِيفَاءِ
بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَفِي الْكَافِي الْقِصَاصُ وَاجِبٌ بِقَتْلِ كُلِّ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا شُبْهَةُ الْمِلْكِ وَلَا شُبْهَةُ الْحُرِّيَّةِ يَعْنِي بِهِ لَيْسَ الْمَقْتُولُ بِوَلَدِهِ وَلَا هُوَ عَبْدُهُ وَلَا لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الرِّقِّ وَيُقْتَلُ،
فَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ سَلِيمًا وَالْمَقْتُولُ بِهِ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مُبَرْسَمًا أَوْ مَقْطُوعًا أَوْ أَعْمَى أَوْ مَقْطُوعَ الْجَوَارِحِ أَوْ أَشَلَّ الْجَوَارِحِ أَوْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ وَفِي الْعُيُونِ ضَرَبَ رَجُلًا بِسَيْفٍ فِي غِمْدِهِ فَخَرَقَ السَّيْفُ الْغِمْدَ وَقَتَلَهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ كَانَ الْغِمْدُ لَوْ ضَرَبَ بِهِ وَحْدَهُ قَتَلَ قُتِلَ بِهِ وَفِي الْكُبْرَى وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إذَا حَمِيَ التَّنُّورُ فَأَلْقَى فِيهَا إنْسَانًا أَوْ أَلْقَاهُ فِيمَا لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ مِنْهُ فَأَحْرَقَتْهُ النَّارُ يَجِبُ الْقِصَاصُ فَوَضْعُ الْمَسْأَلَةِ يَصِيرُ إلَى أَنَّ الْإِحْمَاءَ يَكْفِي،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَارٌ قَالَ الْبَقَّالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ: هُوَ الصَّحِيحُ وَفِي الْبَقَّالِيِّ إذَا أَلْقَاهُ فِي النَّارِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ وَبِهِ رَمَقٌ فَبَقِيَ أَيَّامًا مَرِيضًا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ قُتِلَ بِهِ،
وَإِنْ كَانَ يَجِيءُ وَيَذْهَبُ وَفِي الْخَانِيَّةِ فَمَكَثَ أَيَّامًا لَمْ يَزَلْ صَاحِبَ فِرَاشٍ،
وَإِنْ كَانَ يَجِيءُ وَيَذْهَبُ فَلَا وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَيْضًا وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ دِيَاتِ الْأَصْلِ إنْ غَرَّقَ إنْسَانًا بِالْمَاءِ إنْ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا لَا يُقْبَلُ مِنْهُ غَالِبًا وَيُرْجَى مِنْهُ النَّجَاةُ فِي الْغَالِبِ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ خَطَأُ الْعَمْدِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا
فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَاءُ عَظِيمًا إنْ كَانَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ النَّجَاةُ مِنْهُ بِالسِّبَاحَةِ بِأَنْ كَانَ غَيْرَ مَشْدُودٍ وَلَا مُثْقَلٍ، وَهُوَ يُحْسِنُ السِّبَاحَةَ فَمَاتَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ خَطَأَ الْعَمْدِ،
وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ النَّجَاةُ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ خَطَأُ الْعَمْدِ فَلَا قِصَاصَ وَعَلَى قَوْلِهِمَا هُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ
وَيَجِبُ الْقِصَاصُ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ فَغَرِقَ مِنْ سَاعَتِهِ لَا قِصَاصَ فِيهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ
وَفِي قَوْلِ صَاحِبَيْهِ يَجِبُ الْقِصَاصُ.
وَفِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَمَى رَجُلًا مِنْ سَفِينَةٍ فِي بَحْرٍ أَوْ فِي دِجْلَةَ أَوْ غَرِقَ كَمَا وَقَعَ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ،
وَإِنْ كَانَ حِينَ أَلْقَاهُ سَبَحَ سَاعَةً ثُمَّ غَرِقَ فَلَا دِيَةَ فِيهِ وَلَوْ أَلْقَاهُ مِنْ سَطْحٍ أَوْ جَبَلٍ أَوْ أَلْقَاهُ فِي بِئْرٍ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ هَذَا خَطَأُ الْعَمْدِ،
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا إنْ كَانَ مَوْضِعًا يُرْجَى مِنْهُ النَّجَاةُ غَالِبًا فَهُوَ خَطَأٌ،
وَإِنْ كَانَ لَا تُرْجَى مِنْهُ النَّجَاةُ غَالِبًا فَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِهِ عِنْدَهُمَا وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ جَرَحَ رَجُلًا جِرَاحَةً لَا يُتَوَهَّمُ مَعَهَا النَّجَاةُ وَجَرَحَ آخَرَ جِرَاحَةً أُخْرَى فَالْقَاتِلُ هُوَ الَّذِي جَرَحَهُ جِرَاحَةً لَا يُتَوَهَّمُ مَعَهَا النَّجَاةُ هَذَا إذَا كَانَتْ الْجِرَاحَتَانِ مُتَعَاقِبَتَيْنِ،
فَإِنْ كَانَتَا مَعًا وَكِلَاهُمَا قَاتِلَةٌ يُقْتَلَانِ بِهِ
وَكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَ رَجُلًا جِرَاحَةً لَا يُتَوَهَّمُ مَعَهَا النَّجَاةُ هَذَا إذَا كَانَتْ الْجِرَاحَتَانِ مُتَعَاقِبَتَيْنِ،
فَإِنْ كَانَتَا مَعًا وَكِلَاهُمَا قَاتِلَةٌ يُقْتَلَانِ بِهِ
وَكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَ رَجُلًا جِرَاحَتَيْنِ وَالْآخَرَ جِرَاحَةً وَاحِدَةً كُلًّا مِنْهَا قَاتِلَةٌ وَإِذَا جَرَحَ رَجُلًا حَتَّى مَاتَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ إنْ اعْتَادَ ذَلِكَ، فَالْإِمَامُ يَقْتُلُهُ حَدًّا، وَهُوَ نَظِيرُ السَّاحِرِ إذَا تَابَ،
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا إنْ دَامَ عَلَى الْخَنْقِ حَتَّى مَاتَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِحَجَرٍ عَظِيمٍ أَوْ خَشَبَةٍ عَظِيمَةٍ،
وَإِنْ كَانَ تَرَكَ الْخَنْقَ قَبْلَ الْمَوْتِ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إنْ دَامَ عَلَى الْخَنْقِ مِقْدَارًا لَا يَمُوتُ الْإِنْسَانُ مِنْهُ غَالِبًا فَلَا قِصَاصَ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ قَمَطَ رَجُلًا ثُمَّ أَغَلَى لَهُ مَاءً فِي قِدْرٍ يُثْخِنُهُ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ نَارًا وَأَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ فَسُلِخَ فَمَاتَ قُتِلَ بِهِ،
وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ حَارًّا لَا يَغْلِي غَلْيًا شَدِيدًا فَأَلْقَاهُ فِيهِ ثُمَّ مَكَثَ سَاعَةً ثُمَّ مَاتَ وَقَدْ سَقَطَ جِلْدُهُ قُتِلَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا،
وَإِنْ هُوَ أُخْرِجَ مِنْ الْقِدْرِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ وَقَدْ انْسَلَخَ فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ أَوْ يَوْمِهِ أَوْ مَكَثَ أَيَّامًا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ قُتِلَ بِهِ،
وَإِنْ عَاشَ حَتَّى يَجِيءَ وَيَذْهَبَ وَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُقْتَلْ وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءِ بَارِدٍ فِي يَوْمٍ شَاتٍ فَمَاتَ سَاعَةَ أَلْقَاهُ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ،
وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي سَطْحٍ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْبَرْدِ فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى مَاتَ مِنْ الْبَرْدِ
وَكَذَلِكَ لَوْ قَطَّهُ فَجَعَلَهُ فِي الثَّلْجِ،
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَمَطَ رَجُلًا أَوْ صَبِيًّا ثُمَّ وَضَعَهُ فِي الشَّمْسِ فَلَمْ يَخْلُصْ حَتَّى مَاتَ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ،
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَدْخَلَ رَجُلًا فِي بَيْتٍ وَأَدْخَلَ مَعَهُ سَبُعًا وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ الْبَابَ وَأَخَذَ الرَّجُلَ السَّبُعُ فَقَتَلَهُ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَكَذَا لَوْ نَهَشَتْهُ حَيَّةٌ أَوْ لَسَعَتْهُ عَقْرَبٌ
وَكَذَا لَوْ قَمَطَ صَبِيًّا فَأَلْقَاهُ فِي الشَّمْسِ أَوْ فِي يَوْمٍ بَارِدٍ حَتَّى مَاتَ عَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ،
وَلَوْ ضَرَبَ إنْسَانًا ضَرْبَةً لَا أَثَرَ لَهَا فِي نَفْسٍ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا نَصُّ الْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ.
وَفِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ رَجُلٌ صَاحَ بِآخَرَ فَجَاءَهُ فَمَاتَ مِنْ صَيْحَتِهِ تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ،
وَلَوْ سَلَخَ جِلْدَ وَجْهِهِ فَفِيهِ الدِّيَةُ وَإِذَا سَقَى رَجُلًا سُمًّا فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ
إمَّا أَنْ يَكُونَ أَوْجَرَهُ عَلَى كُرْهٍ أَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى شُرْبِهِ حَتَّى شَرِبَ أَوْ نَاوَلَهُ وَشَرِبَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُكْرِهَهُ عَلَيْهِ،
فَإِنْ أَوْجَرَهُ إيجَارًا أَوْ نَاوَلَهُ وَأَكْرَهَهُ عَلَى شُرْبِهِ حَتَّى شَرِبَ فَلَا قِصَاصَ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ وَفِي الذَّخِيرَةِ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْأَصْلِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ مُقَدَّرًا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا أَوْ لَا يَقْتُلُ، وَهَذَا الْجَوَابُ لَا يُشْكِلُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ بِحَالٍ لَا يَخْرُجُ لَا مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ وَلَا مِنْ حَيْثُ الِاعْتِبَارُ فَكَانَ خَطَأَ الْعَمْدِ عَلَى مَذْهَبِهِ،
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ الْجَوَابُ عِنْدَهُمَا عَلَى التَّفْصِيلِ إنْ كَانَ مَا أَوْجَرَهُ مِنْ السُّمِّ مِقْدَارَ مَا يَقْتُلُ مِثْلَهُ غَالِبًا كَانَ عَمْدًا مَحْضًا،
وَإِنْ كَانَ قَدْرًا لَا يَقْتُلُ مِثْلَهُ غَالِبًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ خَطَأَ الْعَمْدِ وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ عَلَى قَوْلِهِمْ جَمِيعًا يَكُونُ خَطَأَ الْعَمْدِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَقْتُلُ مِثْلَهُ غَالِبًا أَوْ لَا يَقْتُلُ، وَكَانَ كَمَنْ أَوْجَرَ رَجُلًا سَقَمُونْيَا لَا تَحْتَمِلُهُ النُّفُوسُ فَمَاتَ لَا يَكُونُ عَمْدًا مَحْضًا وَإِذَا تَنَاوَلَهُ فَشَرِبَ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ سَوَاءٌ عَلِمَ الشَّارِبُ بِكَوْنِهِ سُمًّا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَفِي الْخَانِيَّةِ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَلَا دِيَةَ؛
لِأَنَّهُ شَرِبَ بِاخْتِيَارِهِ إلَّا أَنَّ الدَّافِعَ خَدَعَهُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا التَّعْزِيرُ وَالِاسْتِغْفَارُ.
وَمَنْ دَفَعَ سِكِّينًا إلَى رَجُلٍ فَقَتَلَ بِهِ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الدَّافِعِ شَيْءٌ وَفِي فَتَاوَى الْخُلَاصَةِ أَدْخَلَ نَائِمًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ صَبِيًّا فِي بَيْتِهِ فَسَقَطَ عَلَيْهِ الْبَيْتُ ضَمِنَ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ دُونَ النَّائِمِ،
وَإِنْ أَدْخَلَ إنْسَانًا فِي بَيْتٍ حَتَّى مَاتَ جُوعًا أَوْ عَطَشًا لَا يَضْمَنُ شَيْئًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا تَجِبُ الدِّيَةُ وَفِي الْكُبْرَى إذَا طَيَّنَ عَلَى آخَرَ بَيْتًا حَتَّى مَاتَ جُوعًا أَوْ عَطَشًا لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا عَلَيْهِ الدِّيَةُ وَفِي الْخَانِيَّةِ قَالَ مُحَمَّدٌ يُعَاقَبُ الرَّجُلُ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ،
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ رَجُلًا فَقَيَّدَهُ وَحَبَسَهُ حَتَّى مَاتَ جُوعًا قَالَ مُحَمَّدٌ أُوجِعُهُ عُقُوبَةً وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَفِي الْمُنْتَقَى سُئِلَ مُحَمَّدٌ عَنْ رَجُلٍ أَلْقَى رَجُلًا حَيًّا فِي قَبْرٍ وَمَاتَ قَالَ فِيهِ دِيَةٌ وَفِي الذَّخِيرَةِ يُقَادُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا وَفِي الْكُبْرَى،
وَلَوْ أَلْقَاهُ حَيًّا فِي قَبْرٍ يُقْتَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالْفَتْوَى أَنَّهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي الْمُجَرَّدِ رَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فُلَانٌ قَتَلَهُ بِحَدِيدَةٍ أَوْ قَالَ بِالسَّيْفِ ثُمَّ قَالَ إنَّمَا أَرَدْت غَيْرَهُ فَأَصَابَتْهُ دُرِئَ عَنْهُ الْقَتْلُ.
وَفِي الْمُنْتَقَى إذَا قَالَ الرَّجُلُ قَتَلْنَا فُلَانًا بِأَسْيَافِنَا مُتَعَمِّدِينَ ثُمَّ قَالَ كَانَ مَعِي غَيْرِي لَمْ يُصَدَّقْ وَقُتِلَ بِهِ،
وَلَوْ قَالَ قَتَلْت فُلَانًا مُتَعَمِّدًا بِحَدِيدَةٍ فَلَمَّا أُخِذَ بِذَلِكَ قَالَ كُنْت يَوْمَئِذٍ غُلَامًا لَمْ يُصَدَّقْ وَقُتِلَ بِهِ،
وَلَوْ قَالَ ضَرَبْت فُلَانًا بِالسَّيْفِ مُتَعَمِّدًا ثُمَّ قَالَ لَا أَدْرِي مَاتَ مِنْهَا أَمْ لَا وَلَكِنَّهُ مَاتَ وَقَالَ الْوَلِيُّ مَاتَ مِنْ ضَرْبَتِك فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاتِلِ وَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي الْمُنْتَقَى إذَا قَطَعَ حُلْقُومَ الرَّجُلِ وَبَقِيَ شَيْءٌ قَلِيلٌ مِنْ الْحُلْقُومِ وَفِيهِ الرُّوحُ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ آخَرُ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ، هَذَا مَيِّتٌ،
وَلَوْ مَاتَ ابْنُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ وَرِثَهُ ابْنُهُ وَلَمْ يَرِثْ هُوَ مِنْ ابْنِهِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ رَجُلٌ نَائِمٌ، وَهُوَ صَحِيحُ الْبَدَنِ فَذَبَحَهُ إنْسَانٌ وَقَالَ ذَبَحْته، وَهُوَ مَيِّتٌ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ قِيَاسًا وَفِي الِاسْتِحْسَانِ تَجِبُ الدِّيَةُ،
وَلَوْ شَقَّ بَطْنَ رَجُلٍ وَخَرَّجَ أَمْعَاءَهُ كُلَّهَا وَسَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ إلَّا أَنَّهُ صَحِيحٌ بَعْدُ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ عَدَا عَلَى رَجُلٍ فَشَقَّ بَطْنَهُ وَأَخْرَجَ أَمْعَاءَهُ ثُمَّ ضَرَبَ رَجُلٌ عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ عَمْدًا فَالْقَاتِلُ هُوَ الَّذِي ضَرَبَ الْعُنُقَ عَمْدًا،
وَإِنْ كَانَ خَطَأً تَجِبُ الدِّيَةُ وَعَلَى الَّذِي شَقَّ الْبَطْنَ ثُلُثُ الدِّيَةِ،
وَإِنْ كَانَ نَفَذَ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ يَجِبُ ثُلُثَا الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُمَا حَاشِيَتَانِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ثُلُثُ الدِّيَةِ، هَذَا إذَا كَانَ مِمَّا يَعِيشُ بَعْدَ الشَّقِّ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ،
فَإِنْ كَانَ الشَّقُّ بِحَالٍ لَا يُتَوَهَّمُ مَعَهُ وُجُودُ الْحَيَاةِ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلَّا اضْطِرَابُ الْمَوْتِ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الَّذِي شَقَّ الْبَطْنَ فَيُقْتَصُّ فِي الْعَمْدِ وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ،
وَلَوْ قَتَلَ رَجُلًا، وَهُوَ فِي النَّزْعِ فَقُتِلَ الْقَاتِلُ بِهِ،
وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ وَفِي فَصْلِ مُتَفَرِّقَاتِ الْإِسْبِيجَابِيِّ إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ ضَرَبَهُ فَلَمْ يَزَلْ صَاحِبُ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ،
فَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَفِي الْجِنَايَةِ رَجُلٌ جَرَحَ رَجُلًا جِرَاحَةً وَآخَرَ جِرَاحَةً عَمْدًا ثُمَّ صَالَحَ الْمَجْرُوحُ أَحَدَهُمَا عَنْ الْجُرْحِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ عَلَى مَالٍ ثُمَّ مَاتَ مِنْهُمَا جَمِيعًا عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ لِوَلِيِّهِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(بَابُ مَا يُوجِبُ الْقَوَدَ وَمَا لَا يُوجِبُهُ) قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِ كُلِّ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ عَمْدًا) لِمَا بَيَّنَّا وَشَرْطٌ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَحْقُونَ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ لِتَنْتَفِي شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ نِهَايَةٌ فِي الْعُقُوبَةِ فَيَسْتَدْعِي الْكَمَالَ فِي الْجِنَايَةِ، فَلَا يَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ عَنْ الْمُسْتَأْمِنِ؛ لِأَنَّ دَمَهُ غَيْرُ مَحْقُونٍ عَلَى التَّأْبِيدِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِ كُلِّ مَحْقُونِ الدَّمِ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَالْأَصْلُ فِي ثُبُوتِ الْقِصَاصِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} السُّلْطَانُ الْقَتْلُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ {فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} وَقَالَ تَعَالَى {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} وَقَالَ تَعَالَى {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعَمْدُ قَوَدٌ» وَلَا يُقَالُ يَرِدُ قَتْلُ الْأَبِ ابْنَهُ عَمْدًا إشْكَالًا عَلَى الْكُلِّيِّ الَّذِي ذَكَرَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ؛
لِأَنَّا نَقُولُ مُوجَبُ ذَلِكَ الْقِصَاصُ أَيْضًا وَلَكِنْ سَقَطَ لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ، وَذَلِكَ عَارِضٌ وَالْكَلَامُ فِي الْأُصُولِ لَا فِي الْعَوَارِضِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الِابْنُ شَهِيدًا،
وَإِنْ كَانَ تَجِبُ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّهُ انْقَلَبَ مَالًا لِلشُّبْهَةِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ كَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ مَحْقُونِ الدَّم حَقْنُ الدَّمِ مَنْعُهُ مِنْ أَنْ يُسْفَكَ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَيُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَبِالْعَبْدِ) قَالَ قَاضِيخَانْ: عَبْدٌ قُتِلَ عَمْدًا يَجِبُ الْقِصَاصُ وَيَكُونُ الِاسْتِيفَاءُ إلَى الْمَوْلَى وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَوَلَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ لَهُمْ جَمِيعًا لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمْ بِهِ فَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمْ يَنْقَلِبُ حَقُّ الْبَاقِينَ مَالًا إلَى الْقِيمَةِ كَمَا يَنْقَلِبُ فِي الْحُرِّ إلَى الدِّيَةِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى قَتْلِ الذَّكَرِ بِالْأُنْثَى وَالْأُنْثَى بِالذَّكَرِ وَعَلَى قَتْلِ الْعَبْدِ بِالْحُرِّ وَذَلِكَ عِنْدَنَا بِقَوْلِهِ وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَاخْتَلَفُوا فِي قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ وَأَجْمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} وَالسُّلْطَانُ الْقَوَدُ إلَى هُنَا لَفْظُ الْكَرْخِيِّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.