وهو أسوأ حالًا من الفقير
الشروح عليها
(وهو) أي: المسكين (أسوأ حالا من الفقير) لأنه الذي له أدنى شيء وهو ما دون النصاب أو قدر نصاب غير تام مستغرق في الحاجة كذا في (الفتح) وهذا أولى من تفسير (الشريعة) بمن له ما دون النصاب والمسكين من لا شيء له وعن الإمام عكسه والأول أصح وأثر الخلاف إنما يظهر في الوصايا والأوقاف والنذور كما إذا أوصى لفقراء والمساكين أو وقف أو نذر
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَهُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْفَقِيرِ) أَيْ الْمِسْكِينُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْهُ إذْ الْمِسْكِينُ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ وَالْفَقِيرُ مَنْ لَهُ أَدْنَى شَيْءٍ وَالشَّافِعِيُّ بِعَكْسِهِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلِكُلٍّ وَجْهٌ فَوَجْهُ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْفَقِيرَ أَسْوَأُ حَالًا قَوْله تَعَالَى
{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} فَأَثْبَتَ لِلْمَسَاكِينِ السَّفِينَةَ وَرُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سَأَلَ الْمَسْكَنَةَ وَتَعَوَّذَ مِنْ الْفَقْرِ» وَلِأَنَّ اللَّهَ قَدَّمَهُمْ بِالذِّكْرِ وَالتَّقْدِيمُ يَدُلُّ عَلَى الِاهْتِمَامِ وَلِأَنَّ الْفَقِيرَ بِمَعْنَى الْمَفْقُورِ وَهُوَ الْمَكْسُورُ الْفِقَارِ فَكَانَ أَسْوَأَ حَالًا مِنْهُ قَالَ الشَّاعِرُ هَلْ لَك مِنْ أَجْرٍ عَظِيمٍ تُؤْجَرُهْ ... تُغِيثُ مِسْكِينًا كَثِيرًا عَسْكَرُهْ عَشْرُ شِيَاهٍ سَمْعُهُ وَبَصَرُهْ وَوَجْهُ مَنْ قَالَ إنَّ الْمِسْكِينَ أَسْوَأُ حَالًا قَوْله تَعَالَى {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَلْصَقَ بَطْنَهُ بِالتُّرَابِ مِنْ الْجُوعِ
وَكَذَا قَوْله تَعَالَى {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} خَصَّهُمْ بِصَرْفِ الْكَفَّارَةِ إلَيْهِمْ وَلَا فَاقَةَ أَعْظَمُ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى الطَّعَامِ وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَا يُعْرَفُ وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فَيُعْطَى وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظَةُ الْمِسْكِينِ مِنْ سَكَنَ مُبَالَغَةٌ كَأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ الْحَرَكَةِ مِنْ الْجُوعِ فَلَمْ يَبْرَحْ مَكَانَهُ وَقَالَ تَعَالَى فِي الْفُقَرَاءِ {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} وَلَوْلَا أَنَّ لَهُمْ حَالًا جَمِيلًا لَمَا حَسِبَهُمْ أَغْنِيَاءَ وَقَالَ الشَّاعِرُ
أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ ... وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ سَمَّاهُ فَقِيرًا مَعَ أَنَّ لَهُ حَلُوبَةً وَلَا دَلَالَةَ فِيمَا تَلَا لِأَنَّ السَّفِينَةَ مَا كَانَتْ لَهُمْ وَإِنَّمَا كَانُوا فِيهَا أُجَرَاءَ
وَقِيلَ لَهُمْ مَسَاكِينُ تَرَحُّمًا كَمَا يُقَالُ لِمَنْ اُبْتُلِيَ بِبَلِيَّةٍ مِسْكِينٌ أَوْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَقْهُورِينَ بِقَهْرِ الْمَلِكِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} وَقَوْلُهُمْ الْفَقِيرُ بِمَعْنَى الْمَفْقُورِ وَهُوَ الْمَكْسُورُ الْفِقَارِ مَمْنُوعٌ فَإِنْ الْأَخْفَشَ قَالَ الْفَقِيرُ مِنْ قَوْلِهِمْ فَقَرْت لَهُ فِقْرَةً مِنْ مَالِي أَيْ أَعْطَيْته فَيَكُونُ الْفَقِيرُ مَنْ لَهُ قِطْعَةٌ مِنْ الْمَالِ لَا تُغْنِيهِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيمَا أَنْشَدَ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّ لَهُ عَشْرَ شِيَاهٍ بَلْ لَوْ حَصَلَتْ لَهُ عَشْرُ شِيَاهٍ لَكَانَتْ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ وَالْفَقِيرُ مَنْ لَهُ أَدْنَى شَيْءٌ) وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَالْحَسَنِ وَمَالِكٍ
وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي زَيْدٍ وَابْنِ دُرَيْدٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَيُونُسَ وَابْنِ السِّكِّيتِ وَابْنِ قُتَيْبَةَ وَالْقُتَبِيِّ وَالْأَخْفَشِ وَثَعْلَبٍ نَقَلْته مِنْ عِدَّةِ كُتُبٍ وَقَالَ السَّفَاقِسِيُّ هُوَ قَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ جَمِيعًا اهـ غَايَةٌ وَقَوْلُهُ مَنْ لَهُ أَدْنَى شَيْءٍ وَهُوَ مَا دُونَ النِّصَابِ أَوْ قَدْرَ نِصَابٍ غَيْرِ تَامٍّ وَهُوَ مُسْتَغْرِقٌ فِي الْحَاجَةِ. اهـ. فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ وَالشَّافِعِيُّ بِعَكْسِهِ) وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ لَا تَظْهَرُ فِي الزَّكَاةِ بَلْ تَظْهَرُ فِي الْوَصَايَا وَالْأَوْقَافِ وَالنُّذُورِ. اهـ. دِرَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَرُوِيَ أَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ الْمَسْكَنَةَ» إلَى آخِرِهِ) رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَحَدِيثُ التَّعَوُّذِ مِنْ الْفَقْرِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ اهـ غَايَةٌ قَوْلُهُ وَتَعَوَّذَ مِنْ الْفَقْرِ إلَى آخِرِهِ) وَجَوَابُهُ أَنَّ الْفَقْرَ الْمُتَعَوَّذَ مِنْهُ لَيْسَ إلَّا فَقْرَ النَّفْسِ لِمَا صَحَّ أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ الْعَفَافَ وَالْغِنَى وَالْمُرَادُ بِهِ غِنَى النَّفْسِ لَا كَثْرَةُ الدُّنْيَا فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْمِسْكِينِ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ وَالتَّقْدِيمُ يَدُلُّ عَلَى الِاهْتِمَامِ) أَيْ بِهِمْ وَذَلِكَ مَظِنَّةُ زِيَادَةِ حَاجَتِهِمْ وَقَدْ يُمْنَعُ بِأَنَّهُ قَدَّمَ الْعَامِلِينَ عَلَى الرِّقَابِ مَعَ أَنَّ حَالَهُمْ أَحْسَنُ ظَاهِرًا وَأَخَّرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ مَعَ الدَّلَالَةِ عَلَى زِيَادَةِ تَأْكِيدِ الدَّفْعِ إلَيْهِمْ حَيْثُ أَضَافَ إلَيْهِمْ بِلَفْظَةِ فِي فَدَلَّ أَنَّ التَّقْدِيمَ لِاعْتِبَارٍ آخَرَ غَيْرَ زِيَادَةِ الْحَاجَةِ وَالِاعْتِبَارَاتُ الْمُنَاسِبَةُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ ضَبْطٍ خُصُوصًا مِنْ عَلَّامِ الْغُيُوبِ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَلْصَقَ بَطْنَهُ بِالتُّرَابِ إلَى آخِرِهِ) أَوْ أَنَّهُ أَلْصَقَ جِلْدَهُ بِالتُّرَابِ مُحْتَفِرًا حُفْرَةً جَعَلَهَا إزَارَهُ لِعَدَمِ مَا يُوَارِيهِ. اهـ. فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَا يُعْرَفُ إلَى آخِرِهِ) بِمَحَلِّ الْإِثْبَاتِ أَعْنِي قَوْلَهُ وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَا يُعْرَفُ فَيُعْطَى مُرَادٌ مَعَهُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَإِنَّهُ نَفَى الْمَسْكَنَةَ عَمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى لُقْمَةٍ وَلُقْمَتَيْنِ بِطَرِيقِ الْمَسْأَلَةِ وَأَثْبَتَهَا لِغَيْرِهِ فَهُوَ بِالضَّرُورَةِ مَنْ لَا يَسْأَلُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى اللُّقْمَةِ وَاللُّقْمَتَيْنِ لَكِنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ مُبَالَغَةٍ فِي الْمَسْكَنَةِ
وَكَذَا صَرَّحَ الْمَشَايِخُ فِي غَرَضِ أَنَّ الْمُرَادَ لَيْسَ الْكَامِلُ فِي الْمَسْكَنَةِ وَعَلَى هَذَا فَالْمَسْكَنَةُ الْمَنْفِيَّةُ عَنْ غَيْرِهِ هِيَ الْمَسْكَنَةُ الْمُبَالَغُ فِيهَا لَا مُطْلَقُ الْمَسْكَنَةِ وَحِينَئِذٍ لَكِنْ لَا يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ) يُقَالُ لَيْسَ لَهُ سَبَدٌ وَلَا لَبَدٌ أَيْ لَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا كَانُوا فِيهَا أُجَرَاءَ) أَيْ أَوْ عَارِيَّةٌ مَعَهُمْ. اهـ. فَتْحٌ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.