ولو دفع بتحرٍّ فبان أنّه غنيٌّ أو هاشميٌّ أو مولاه أو كافرٌ أو أبوه أو ابنه صحّ
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَلَوْ دَفَعَ بِتَحَرٍّ فَبَانَ أَنَّهُ غَنِيٌّ أَوْ هَاشِمِيٌّ أَوْ كَافِرٌ أَوْ أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ صَحَّ وَلَوْ عَبْدَهُ أَوْ مُكَاتَبَهُ لَا) لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «لَك مَا نَوَيْت يَا زَيْدُ وَلَك مَا أَخَذْت يَا مَعْنُ» حِينَ دَفَعَهَا زَيْدٌ إلَى وَلَدِهِ مَعْنٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّحَرِّي الِاجْتِهَادَ بَلْ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِأَنَّهُ مَصْرِفٌ بَعْدَ الشَّكِّ فِي كَوْنِهِ مَصْرِفًا وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ بِاجْتِهَادٍ دُونَ ظَنٍّ أَوْ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ أَصْلًا أَوْ بِظَنٍّ أَنَّهُ بَعْدَ الشَّكِّ لَيْسَ بِمَصْرِفٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ الْمَانِعُ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ
وَكَذَا لَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ فَهُوَ عَلَى الْفَسَادِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَصْرِفٌ،
وَلَوْ دَفَعَ إلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَصْرِفٍ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ مَصْرِفٌ يُجْزِئُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَنْ صَلَّى بِاجْتِهَادٍ إلَى جِهَةٍ يَظُنُّ أَنَّهَا لَيْسَتْ الْقِبْلَةَ حَيْثُ لَا تُجْزِئُهُ الصَّلَاةُ،
وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهَا الْقِبْلَةُ بَلْ قَالَ الْإِمَامُ يُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ أَنَّ الصَّلَاةَ الْفَرْضَ بِغَيْرِ الْقِبْلَةِ مَعْصِيَةٌ، وَالْمَعْصِيَةُ لَا تَنْقَلِبُ طَاعَةً وَدَفْعُ الْمَالِ إلَى غَيْرِ الْفَقِيرِ قُرْبَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ بَعْدَ الشَّكِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَهَا وَلَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ أَنَّهُ مَصْرِفٌ أَمْ لَا فَهُوَ عَلَى الْجَوَازِ إلَّا إذَا تَبَيَّنَّ أَنَّهُ غَيْرُ مَصْرِفٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ صَرَفَ الصَّدَقَةَ إلَى مَحَلِّهَا حَيْثُ نَوَى الزَّكَاةَ عِنْدَ الدَّفْعِ وَالظَّاهِرُ لَا يَبْطُلُ إلَّا بِالْيَقِينِ حَتَّى لَوْ شَكَّ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ لَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ؛
لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْأَوَّلَ لَا يَبْطُلُ بِالشَّكِّ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ مَا دَفَعَهُ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَصْرِفٍ وَوَقَعَ تَطَوُّعًا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي كَوْنِهِ يَطِيبُ لِلْفَقِيرِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَطِيبُ قِيلَ: يَتَصَدَّقُ بِهِ لِخُبْثِهِ،
وَقِيلَ: يَرُدُّهُ عَلَى الدَّافِعِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَأَطْلَقَ الْكَافِرَ فَشَمِلَ الذِّمِّيَّ وَالْحَرْبِيَّ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِمَا فِي الْمُبْتَغَى بِالْمُعْجَمَةِ،
وَفِي الْمُحِيطِ إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَالْفَرْقُ عَلَى إحْدَاهُمَا أَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ صِفَةُ الْقُرْبَةِ أَصْلًا وَالْحَقُّ الْمَنْعُ فَقَدْ
قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى التُّحْفَةِ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ،
وَلَوْ مُسْتَأْمَنًا لَا يَجُوزُ، وَكَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مُعَلَّلًا بِأَنَّ صِلَّتَهُ لَا تَكُونُ بِرًّا شَرْعًا؛ وَلِذَا لَمْ يَجُزْ التَّطَوُّعُ إلَيْهِ فَلَمْ يَقَعْ قُرْبَةً، وَلَا يَخْفَى أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ كَالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَأَنَّ الْمُدَبَّرَ وَأُمَّ الْوَلَدِ دَاخِلَانِ تَحْتَ الْعَبْدِ وَالْمُسْتَسْعَى كَالْمُكَاتَبِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا حُرٌّ مَدْيُونٌ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَقُيِّدَ بِالزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ فَأَعْطَاهُمْ الْوَصِيُّ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ أَغْنِيَاءُ لَمْ يَجُزْ، وَهُوَ ضَامِنٌ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - فَاعْتُبِرَ فِيهَا الْوُسْعُ، وَالْوَصِيَّةُ حَقُّ الْعِبَادِ فَاعْتُبِرَ فِيهَا الْحَقِيقَةُ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّائِمَ إذَا أَتْلَفَ شَيْئًا يَضْمَنُ، وَلَا يَأْثَمُ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَقِيَاسُهُ أَنَّ الْوَصِيَّ بِشِرَاءِ دَارٍ لِيُوقِفَهَا إذَا اشْتَرَى، وَنَقَدَ الثَّمَنَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهَا وَقْفُ الْغَيْرِ وَضَاعَ الثَّمَنُ أَنْ يَضْمَنَ الْوَصِيُّ، وَهِيَ وَاقِعَةٌ فِي زَمَانِنَا وَلِأَنَّهُ اخْتَلَطَ أَوَانِي طَاهِرَةٌ بِنَجَسِهِ أَوْ ثِيَابٌ كَذَلِكَ وَكَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلطَّاهِرِ فَتَحَرَّى فِيهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ أَوْ قَضَى الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ ظَهَرَ نَصٌّ بِخِلَافِهِ بَطَلَ قَضَاؤُهُ، وَهُوَ الَّذِي قَاسَ عَلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ مَسْأَلَةَ الْكِتَابِ، وَالْفَرْقُ لَهُمَا أَنَّ الْعِلْمَ بِالثَّوْبِ الطَّاهِرِ وَالْمَاءِ الطَّاهِرِ وَالنَّصِّ مُمْكِنٌ فَلَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ قَيَّدْنَا بِكَوْنِ الْغَلَبَةِ لِلطَّاهِرِ؛
لِأَنَّ الْغَلَبَةَ لَوْ كَانَتْ لِلنَّجَسِ أَوْ اسْتَوَيَا لَا يَتَحَرَّى بَلْ يَتَيَمَّمُ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ،
وَفِي النِّهَايَةِ جَعَلَ هَذَا الْحُكْمَ مُخْتَصًّا بِالْأَوَانِي
أَمَّا الثِّيَابُ النَّجِسَةُ إذَا اخْتَلَطَتْ بِالطَّاهِرَةِ فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى مُطْلَقًا،
وَلَوْ كَانَتْ النَّجِسَةُ أَكْثَرَ أَوْ مُسَاوِيَةً وَتَبِعَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَدْ أَخَذَاهُ مِنْ مَبْسُوطِ السَّرَخْسِيِّ مِنْ كِتَابِ التَّحَرِّي وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَا تَتَحَقَّقُ فِي الْأَوَانِي؛ لِأَنَّ التُّرَابَ طَهُورٌ لَهُ بَدَلٌ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ الطَّاهِرِ فَلَا يُضْطَرُّ إلَى التَّحَرِّي لِلْوُضُوءِ عِنْدَ غَلَبَةِ النَّجَاسَةِ لِمَا أَمْكَنَهُ إقَامَةُ الْفَرْضِ بِالْبَدَلِ حَتَّى لَوْ تَحَقَّقَتْ الضَّرُورَةُ لِلشُّرْبِ عِنْدَ الْعَطَشِ وَعَدَمِ الْمَاءِ الطَّاهِرِ يَجُوزُ التَّحَرِّي لِلشُّرْبِ فِي مَسْأَلَةِ الثِّيَابِ الضَّرُورَةِ مَسَّتْ لِلتَّحَرِّي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّتْرِ بَدَلٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إقَامَةِ الْفَرْضِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْأَوَانِي لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا نَجِسَةً لَا يُؤْمَرُ بِالتَّوَضُّؤِ بِهَا وَلَوْ فَعَلَ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ فَكَذَا إذَا كَانَتْ الْغَلَبَةُ لَهُ،
وَفِي مَسْأَلَةِ الثِّيَابِ، وَإِنْ كَانَتْ الْكُلُّ نَجِسَةً يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ فِي بَعْضِهَا فَكَذَا إذَا كَانَتْ الْغَلَبَةُ لَهَا ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ التَّحَرِّيَ يَجْرِي فِي مَسَائِلَ مِنْهَا الزَّكَاةُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَمِنْهَا الْقِبْلَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ، وَمِنْهَا مَسَائِلُ الْمَسَالِيخِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالْمَيْتَةِ فَفِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ لِلْأَكْلِ يَجُوزُ التَّحَرِّي فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا،
وَفِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي إلَّا إذَا كَانَ الْحَلَالُ غَالِبًا، وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ الزَّيْتِ إذَا اخْتَلَطَ بِوَدَكِ الْمَيْتَةِ فَإِنْ كَانَ الْمُحَرَّمُ غَالِبًا أَوْ مُسَاوِيًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ أَصْلًا لِلْأَكْلِ، وَلَا غَيْرِهِ،
وَإِنْ كَانَ الْحَلَالُ غَالِبًا فَفِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ يَجُوزُ الْأَكْلُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ،
وَفِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ يَحْرُمُ الْأَكْلُ وَتَنَاوُلُهُ
وَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِصْبَاحُ وَدَبْغُ الْجُلُودِ، وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ الْمَوْتَى إذَا اخْتَلَطَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَى الْكُفَّارِ فَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِمَوْتَى الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَيُدْفَنُونَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ،
وَإِنْ غَلَبَ مَوْتَى الْكُفَّارِ أَوْ تَسَاوَيَا لَا يُصَلَّى عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ بِالْعَلَامَةِ،
وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يُدْفَنُونَ فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ، وَمِنْهَا مَسْأَلَتَا الْأَوَانِي الْمُخْتَلِطَةِ وَالثِّيَابِ الْمُخْتَلِطَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَتَا
وَأَمَّا التَّحَرِّي فِي الْفُرُوجِ فَلَا يَجُوزُ بِحَالٍ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ وَاحِدَةً مِنْ جَوَارِيهِ بِعَيْنِهَا ثُمَّ نَسِيَهَا لَمْ يَسَعْهُ التَّحَرِّي لِلْوَطْءِ، وَلَا لِلْبَيْعِ وَمَنْ أَرَادَ مَعْرِفَةَ الدَّلَائِلِ وَالْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسَائِلِ وَزِيَادَةِ التَّعْرِيفَاتِ فِي مَسَائِلِ التَّحَرِّي فَعَلَيْهِ بِكِتَابِ التَّحَرِّي مِنْ الْمَبْسُوطِ أَوَّلَ الْجُزْءِ الرَّابِعِ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّحَرِّيَ فِي اللُّغَةِ الطَّلَبُ وَالِابْتِغَاءُ، وَهُوَ وَالتَّوَخِّي سَوَاءٌ إلَّا أَنَّ لَفْظَ التَّوَخِّي يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالتَّحَرِّي فِي الْعِبَادَاتِ،
وَفِي الشَّرِيعَةِ طَلَبُ الشَّيْءِ بِغَالِبِ الرَّأْيِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ غَيْرُ الشَّكِّ وَالظَّنِّ فَالشَّكُّ أَنْ يَسْتَوِيَ طَرَفَا الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، وَالظَّنُّ تَرَجُّحُ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَالتَّحَرِّي تَرَجُّحُ أَحَدِهِمَا بِغَالِبِ الرَّأْيِ، وَهُوَ دَلِيلٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى طَرَفِ الْعِلْمِ،
وَإِنْ كَانَ لَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مَا يُوجِبُ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ وَيَلْحَقُ بِالتَّحَرِّي فِي مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ مَا لَوْ كَانَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ جَالِسًا فِي صَفِّ الْفُقَرَاءِ يَصْنَعُ صَنِيعَهُمْ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ زِيُّ الْفُقَرَاءِ أَوْ سَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ فَهَذِهِ الْأَسْبَابُ بِمَنْزِلَةِ التَّحَرِّي كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ أَيْضًا يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ غَنِيٌّ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: بِاجْتِهَادٍ بِدُونِ ظَنٍّ) أَيْ بِأَنْ اجْتَهَدَ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدَهُ شَيْءٌ، وَقَوْلُهُ: أَوْ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ أَصْلًا أَيْ بَعْدَ الشَّكِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَهَا لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ إلَخْ، وَقَوْلُهُ: أَوْ بِظَنِّ أَنَّهُ بَعْدَ الشَّكِّ لَيْسَ بِمَصْرِفٍ، الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ الشَّكِّ مِنْ تَصَرُّفِ النُّسَّاخِ؛ إذْ لَا مَوْقِعَ لِذِكْرِهِ هُنَا وَمَحَلُّهُ أَنْ يُذْكَرَ عَقِبَ قَوْلِهِ: أَصْلًا فَتَصِيرُ الْعِبَارَةُ هَكَذَا أَوْ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ أَصْلًا بَعْدَ الشَّكِّ أَوْ بِظَنِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَصْرِفٍ إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَدَفَعَ الْمَالَ إلَى غَيْرِ الْفَقِيرِ قُرْبَةً إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ: كَوْنُ الْإِعْطَاءِ لَا يَكُونُ بِهِ عَاصِيًا مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ فَقَدْ صَرَّحَ الْإِسْبِيجَابِيُّ بِأَنَّهُ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ غِنَاهُ حُرِّمَ عَلَيْهِ الدَّفْعُ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُرَادَ بِالْغَنِيِّ فِي كَلَامِ الْإِسْبِيجَابِيِّ مَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَالِكَ نِصَابٍ أَوَّلًا بِأَنْ كَانَ يَمْلِكُ قُوتَ يَوْمِهِ فَقَطْ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَالدَّفْعُ إلَيْهِ يَكُونُ هِبَةً، وَهِيَ جَائِزَةٌ،
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ آخِرَ الْبَابِ فَلَا يَتَوَجَّهُ الْمَنْعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَصْرِفٌ، وَالْكَلَامُ فِيمَنْ ظَنَّهُ غَيْرَ مَصْرِفٍ فَالدَّفْعُ إلَيْهِ يَكُونُ هِبَةً كَمَا يَأْتِي آخِرَ الْبَابِ، وَهِيَ مَنْدُوبَةٌ وَقَبُولُهَا سُنَّةٌ عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْإِسْبِيجَابِيِّ الظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ دَفْعُ الزَّكَاةِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَنِيِّ الْمُعْتَبَرُ وَوَجْهُ الْحُرْمَةِ حِينَئِذٍ عَدَمُ سُقُوطِ الزَّكَاةِ عَنْهُ بِهَذَا الدَّفْعِ فَإِذَا اجْتَزَأَ بِهِ يَكُونُ مَانِعًا لِلزَّكَاةِ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ فِي الْفَرْقِ وَدَفْعُ الْمَالِ إلَى غَيْرِ الْفَقِيرِ قُرْبَةً غَيْرَ الزَّكَاةِ كَمَا لَا يَخْفَى فَأَنَّى يَتَوَجَّهُ الْمَنْعُ
(قَوْلُهُ: وَأَطْلَقَ الْكَافِرَ إلَخْ) قَالَ فِي كِفَايَةِ الْبَيْهَقِيّ دَفَعَ إلَى حَرْبِيٍّ خَطَأً ثُمَّ تَبَيَّنَ جَازَ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: اهـ.
قَالَ الْأَقْطَعُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلُهُ: الْآخَرُ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ
قَالَ فِي مُشْكِلَاتِ خُوَاهَرْ زَادَهْ قَوْلُهُ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ غَنِيٌّ أَوْ هَاشِمِيٌّ أَوْ كَافِرٌ أَيْ ذِمِّيٌّ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْتَأْمَنًا أَوْ حَرْبِيًّا فَإِنَّهُ تَجِبُ الْإِعَادَةُ اهـ.
وَنَصَّ فِي الْمُخْتَارِ عَلَى جَوَازِ الدَّفْعِ فِيمَا إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ، وَإِطْلَاقُهُ فِي الْكَنْزِ بِقَوْلِهِ: أَوْ كَافِرٌ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالذِّمِّيِّ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ كَذَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ الشِّبْلِيِّ شَيْخِ الْمُؤَلِّفِ صَاحِبِ الْبَحْرِ
(قَوْلُهُ: وَهِيَ وَاقِعَةٌ فِي زَمَانِنَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِأَنَّ الْوَصِيَّ فِي مَسْأَلَةِ الْمِعْرَاجِ وُجِدَتْ مِنْهُ الْمُخَالَفَةُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالدَّفْعِ إلَى الْفُقَرَاءِ، وَقَدْ أَعْطَى إلَى الْأَغْنِيَاءِ،
وَفِي الْوَاقِعَةِ لَمْ تُوجَدْ الْمُخَالَفَةُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ شِرَاءُ دَارٍ وَظُهُورُ أَنَّهَا وَقْفٌ لَا يُوجِبُ الْمُخَالَفَةَ كَالِاسْتِحْقَاقِ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ نَوَادِرِ هِشَامٍ رَجُلٌ تَرَكَ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ أَنْ يَعْتِقَ عَنْهُ نَسَمَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَاشْتَرَاهَا الْوَصِيُّ بِأَلْفٍ وَأَعْتَقَهَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَصِيِّ.
وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهَا حُرَّةٌ فَالْوَصِيُّ ضَامِنٌ اهـ.
وَأَيْضًا دَارُ الْوَقْفِ تَقْبَلُ الْبَيْعَ فِي الْجُمْلَةِ حَتَّى فَرَّقُوا بَيْنَ ضَمِّ الْحُرِّ إلَى الْعَبْدِ وَبَيْنَ ضَمِّ الْوَقْفِ إلَى الْمِلْكِ فَسَرَى الْبُطْلَانُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي قَالَ الشَّارِحُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فِي مَسْأَلَةِ ضَمِّ الْوَقْفِ إلَى الْمِلْكِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ ضَمِّ الْحُرِّ إلَى الْعَبْدِ الْوَقْفِ بَعْدَ الْقَضَاءِ،
وَإِنْ صَارَ لَازِمًا بِالْإِجْمَاعِ لَكِنَّهُ يَقْبَلُ الْبَيْعَ بَعْدَ لُزُومِ الْوَقْفِ
إمَّا بِشَرْطِ الِاسْتِبْدَالِ، وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْمُفْتَى بِهِ أَوْ بِضِعْفِ غَلَّتِهِ كَمَا هُوَ قَوْلُهُمَا أَوْ بِوُرُودِ غَصْبٍ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُ انْتِزَاعُهُ فَلِلنَّاظِرِ بَيْعُهُ كَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ أَوْ بِقَضَاءِ قَاضٍ حَنْبَلِيٍّ بِبَيْعِهِ فَإِنَّ عِنْدَهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْوَقْفِ لِيَشْتَرِيَ بِبَدَلِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ كَمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ الْوَقْفُ كَالْحُرِّ مَعَ وُجُودِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ لِبَيْعِهِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ اهـ. فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ.
(ولو دفع) المزكي (بتحر) أي: اجتهاد وهو لغة الطلب والابتغاء ويرادفه التوخي إلا أن الأول يستعمل في المعاملات,
والثاني في العبادات وعرفا طلب الشيء بغالب الظن عند عدم الوقوف على حقيقته (فبان) أي: ظهر (أنه) أي: المدفوع إليه (غنى هاشمي و) بان أنه (كافر أو أبوه أو ابنه) أو زوجته (صح) دفعه عندهما خلافا للثاني لأنه ظهر خطؤه بيقين لكن لا يسترده اتفاقا وهل يطيب له؟ لا رواية فيه واختلف المشايخ وعلى أنه لا يطيب يتصدق به
وقيل: يرده على المعطي له على وجه التمليك منه ليفيد الأداء ولهما قوله عليه الصلاة والسلام لزيد حين وقعت زكاته في يد ولده: (لك ما نويت ولك يا معين ما أخذت) رواه البخاري، قيد بالتحري في أنه مصرف لأنه لو لم يتحر ولم يشك فظهر أنه ليس مصرفا أعاد إجماعا وإن لم يظهر فهو على الجواز ولو شك فلم يتحر أو تحرى فغلب ولو عبده أو مكاتبه لا، وكره الإغناء على ظنه أنه غير مصرف ودفع لم يجز حتى يظهر أنه مصرف فيجزئه هو الصحيح خلافا لمن ظن عدم إجزائه عندهما قياسا على ما إذا صلى إلى غير جهة تحريه حيث لا تجزئه وإن أصاب والفرق على الراجع أن الصلاة لتلك الجهة معصية لتعمده الصلاة إلى غير جهة القبلة كيف؟
وقد قال الإمام: أخشى عليه الكفر وهنا نفس الإعطاء لا يكون عاصيا فصلح مسقطا إذا ظهر صوابه كذا في (الفتح) : وأقول كون الإعطاء لا يكون به عاصيا مطلقا ممنوع فقد صرح الإسبيجابي بأنه إذا غلب على ظنه غناه حرم عليه الدفع. واعلم أن المدفوع إليه لو كان جالسا في صف الفقراء يصنع صنيعهم أو كان عليه زيهم أو سأله فأعطاه كانت هذه الأسباب بمنزلة التحري كذا في (المبسوط) حتى لو ظهر غناه لم يعد قيد بالزكاة لأن الوصي لو دفع الثلث الموصى به للفقراء فبان أنهم أغنياء ضمن اتفاقا لأن الزكاة حق الله تعالى فاعتبر فيها الوسع والوصية حق العبد فاعتبر/ فيها الحقيقة كذا في (الدراية) معزيا إلى جامع شمس الأئمة.
قال في (البحر) : وقياسه أن الوصي بشراء دار لتوقف إذا اشترى ونقد الثمن ثم ظهر أنها وقف الغير وضاع الثمن أنه يضمن وهي واقعة حال أطلق الكافر فعم الحربي أيضا وبه صرح في (المبتغى) وفي (المحيط) وفيه روايتان وجزم في (الدراية) بعدم الجواز وفي (التحفة) أجمعوا أنه لو ظهر حربي أو مستأمن لا يجوز كذا في (غاية البيان) .
(وَلَوْ دَفَعَ بِتَحَرٍّ فَبَانَ أَنَّهُ غَنِيٌّ أَوْ هَاشِمِيٌّ أَوْ مَوْلَاهُ أَوْ كَافِرٌ أَوْ أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ صَحَّ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ خَطَأَهُ قَدْ ظَهَرَ بِيَقِينٍ فَصَارَ كَمَا إذَا تَوَضَّأَ بِمَاءٍ أَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ نَجِسًا أَوْ قَضَى الْقَاضِي بِاجْتِهَادٍ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ نَصٌّ بِخِلَافِهِ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَدَفَعَهُ إلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ بِالِاجْتِهَادِ وَلَهُمَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ كَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَجِئْت فَأَخَذْتهَا فَأَتَيْته بِهَا فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا إيَّاكَ أَرَدْت فَخَاصَمْته إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَك مَا نَوَيْت يَا يَزِيدُ وَلَك مَا أَخَذْت يَا مَعْنُ فَإِنْ قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ تَطَوُّعًا قُلْنَا كَلِمَةُ مَا فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَك مَا نَوَيْت عَامَّةٌ وَلِأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالِاجْتِهَادِ دُونَ الْقَطْعِ فَيَنْبَنِي الْأَمْرُ عَلَى مَا يَقَعُ عِنْدَهُ كَمَا إذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ.
وَلَوْ أَمَرْنَاهُ بِالْإِعَادَةِ لَكَانَ مُجْتَهِدًا فِيهِ أَيْضًا فَلَا
فَائِدَةَ فِيهِ بِخِلَافِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا حَقِيقَةً وَفِي قَوْلِهِ دَفَعَ بِتَحَرٍّ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا دَفَعَ بِغَيْرِ تَحَرٍّ وَأَخْطَأَ لَا يُجْزِئُهُ فَحَاصِلُهُ أَنَّا نَقُولُ إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ أَنَّهُ إذَا تَحَرَّى وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مَصْرِفٌ فَهُوَ جَائِزٌ أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ وَالثَّانِي أَنَّهُ إذَا دَفَعَهَا وَلَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ أَنَّهُ مَصْرِفٌ أَمْ لَا فَهُوَ عَلَى الْجَوَازِ إلَّا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ غَيْرُ مَصْرِفٍ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ إذَا دَفَعَهَا إلَيْهِ وَهُوَ شَاكٌّ وَلَمْ يَتَحَرَّ أَوْ تَحَرَّ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَنَّهُ مَصْرِفٌ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَصْرِفٍ فَهُوَ عَلَى الْفَسَادِ إلَّا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَصْرِفٌ وَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ إذَا صَرَفَ إلَيْهِ وَفِي أَكْبَرِ رَأْيِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَصْرِفٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ مَصْرِفٌ لَا يَجْزِيهِ عِنْدَهُمَا قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ فِيمَا إذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَتَحَرَّى وَصَلَّى إلَى جِهَةٍ وَفِي أَكْبَرِ رَأْيِهِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِقِبْلَةٍ فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ عِنْدَهُمَا وَلَوْ أَصَابَ الْقِبْلَةَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ إذَا أَصَابَ الْقِبْلَةَ.
وَالْفَرْقُ لَهُمَا عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّ صَلَاةَ الْفَرْضِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ لَا تَكُونُ صَلَاةً وَلَا طَاعَةً وَإِنَّمَا هِيَ مَعْصِيَةٌ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَخْشَى عَلَيْهِ يَعْنِي الْكُفْرَ، وَالْمَعْصِيَةُ لَا تَنْقَلِبُ طَاعَةً وَدَفْعُ الْمَالِ إلَى غَيْرِ الْفَقِيرِ قُرْبَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا فَإِذَا أَصَابَ صَحَّ وَنَابَ عَنْ الْوَاجِبِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي غَيْرِ الْغَنِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ مُمْكِنٌ فَلَا يُعْذَرُ
بِخِلَافِ الْغَنِيِّ لِأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى حَقِيقَةِ الْغَنِيِّ مُتَعَذِّرٌ فَيُعْذَرُ وَالظَّاهِرُ هُوَ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُتَعَسِّرٌ وَلَوْ كُلِّفَ الْوُقُوفَ عَلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ لَحُرِجَ وَهُوَ مَدْفُوعٌ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ أَوْ أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ صَحَّ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَصِحُّ أَيْ وَلَكِنْ لَا يَسْتَرِدُّ مَا أَدَّاهُ وَهَلْ يَطِيبُ لِلْقَابِضِ إذَا ظَهَرَ الْحَالُ لَا رِوَايَةَ فِيهِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنْ لَا يَطِيبَ يَتَصَدَّقُ بِهَا
وَقِيلَ يَرُدُّهُ عَلَى الْمُعْطِي عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ مِنْهُ لِيُعِيدَ الْأَدَاءَ. اهـ. فَتْحٌ قَوْلُهُ يَتَصَدَّقُ بِهَا أَيْ لِأَنَّهُ مِلْكٌ خَبِيثٌ. اهـ. دِرَايَةٌ وَفِي جَامِعِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ فَأَعْطَاهُمْ الْوَصِيُّ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ أَغْنِيَاءٌ لَمْ يَجُزْ وَهُوَ ضَامِنٌ بِالْإِنْفَاقِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَاعْتُبِرَ فِيهَا التَّوَسُّعُ وَالْوَصِيَّةُ حَقُّ الْعِبَادَةِ فَاعْتُبِرَ فِيهَا الْحَقِيقَةُ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّائِمَ إذَا أَتْلَفَ شَيْئًا ضَمِنَ وَلَا يَأْثَمُ. اهـ. كَاكِيٌّ
(قَوْلُهُ قُلْنَا كَلِمَةُ مَا فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَك مَا نَوَيْت عَامَّةٌ) أَيْ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَلَا يَخْتَصُّ عُمُومُهَا عِنْدَنَا بِالشَّرْطِيَّةِ وَالِاسْتِفْهَامِيَّة ثُمَّ لَوْ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ لَاسْتَفْصَلَ فَلِمَا عَمَّا وَأَطْلَقَ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ عِنْدَهُمَا) قَوْلُهُ عِنْدَهُمَا لَيْسَ فِي نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ إذَا أَصَابَ وَأَلْحَقَ الِاتِّفَاقَ عَلَى الْجَوَازِ مَعْنًى اهـ فَتْحٌ قَوْلُهُ لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ مِلْكِهِ وَهُوَ رُكْنٌ فِيهِ) أَيْ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا قُوَّةُ مَرْتَبَةِ الرُّكْنِ عَلَى الشَّرْطِ مَعَ أَنَّ جَوَازَ الْأَدَاءِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِمَا فَإِنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْغَنِيِّ وَغَيْرِهِ فَاتَ شَرْطُ الْأَدَاءِ وَهُوَ الْفَقْرُ فِي الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ وَفِي عَبْدِهِ وَمُكَاتَبِهِ فَاتَ التَّمْلِيكُ وَهُوَ الرُّكْنُ فَلِذَلِكَ جَازَ الْأَدَاءُ فِي الْأُولَى مَعَ ظُهُورِ الْغِنَى عِنْدَهُمَا وَلَمْ يَجُزْ هَاهُنَا بِالِاتِّفَاقِ كَذَا قِيلَ. اهـ. كَاكِيٌّ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.