ولا يصام يوم الشّكّ إلّا تطوّعًا
الشروح عليها
(قَوْلُهُ: وَلَا يُصَامُ يَوْمُ الشَّكِّ إلَّا تَطَوُّعًا) وَهُوَ اسْتِوَاءُ طَرَفَيْ الْإِدْرَاكِ مِنْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَمُوجِبُهُ هُنَا أَحَدُ أَمْرَيْنِ
إمَّا أَنْ يُغَمَّ عَلَيْهِمْ هِلَالُ رَمَضَانَ، أَوْ هِلَالُ شَعْبَانَ فَأُكْمِلَتْ عِدَّتُهُ، وَلَمْ يُرَ هِلَالُ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ لَيْسَ الظَّاهِرُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثِينَ بَلْ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ كَمَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ فَيَسْتَوِي هَاتَانِ الْحَالَتَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَمَا يُعْطِيهِ الْحَدِيثُ الْمَعْرُوفُ فِي الشَّهْرِ فَاسْتَوَى الْحَالُ حِينَئِذٍ فِي الثَّلَاثِينَ أَنَّهُ مِنْ الْمُنْسَلِخِ أَوْ الْمُسْتَهِلِّ إذَا كَانَ غَيْمٌ فَيَكُونُ مَشْكُوكًا
بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ الْمُسْتَهَلِّ لَرُئِيَ عِنْدَ التَّرَائِيِ فَلَمَّا لَمْ يُرَ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُنْسَلِخَ ثَلَاثُونَ فَيَكُونُ هَذَا الْيَوْمُ مِنْهُ غَيْرَ مَشْكُوكٍ فِي ذَلِكَ كَذَا ذَكَرُوا وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ الْبَدَائِعِ أَنَّ كَوْنَهُ ثَلَاثِينَ هُوَ الْأَصْلُ، وَالنُّقْصَانُ عَارِضٌ؛ وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَى الْمَرِيضِ الَّذِي أَفْطَرَ رَمَضَانَ قَضَاءُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا إذَا لَمْ يَعْلَمْ صَوْمَ أَهْلِ بَلَدِهِ
فَلَوْ كَانَ عَلَى السَّوَاءِ لَمْ يَلْزَمْ الزَّائِدُ بِالشَّكِّ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ كَوْنِهِ كَامِلًا إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الصَّحْوِ
أَمَّا عِنْدَ الْغَيْمِ فَلَا إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْأَصْلُ الصَّحْوُ وَالْغَيْمُ عَارِضٌ، وَلَا عِبْرَةَ بِهِ قَبْلَ تَحَقُّقِهِ، وَهُمْ إنَّمَا ذَكَرُوا التَّسَاوِيَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْغَيْمِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِصِفَةِ صَوْمِ غَيْرِ التَّطَوُّعِ، وَلَا لِصِفَتِهِ مِنْ الْإِبَاحَةِ وَالِاسْتِحْبَابِ
أَمَّا صَوْمُ غَيْرِ التَّطَوُّعِ، فَإِنْ جَزَمَ بِكَوْنِهِ عَنْ رَمَضَانَ كَانَ مَكْرُوهًا كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ لِلتَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُمْ زَادُوا فِي صَوْمِهِمْ، وَعَلَيْهِ حُمِلَ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ التَّقَدُّمِ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ،
وَفِي اسْتِحْبَابِهِ إنْ وَافَقَ صَوْمًا كَانَ يَعْتَادُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُجْزِئُهُ إنْ بَانَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِلَّا فَهُوَ تَطَوُّعٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالْإِفْسَادِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَظْنُونِ،
وَإِنْ جَزَمَ بِكَوْنِهِ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ الَّتِي مَرْجِعُهَا خِلَافُ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ التَّقَدُّمِ خَاصٌّ بِصَوْمِ رَمَضَانَ لَكِنْ كُرِهَ لِصُورَةِ النَّهْيِ الْمَحْمُولِ عَلَى رَمَضَانَ فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ عَنْهُ لِمَا عُرِفَ إنْ كَانَ مُقِيمًا وَإِلَّا أَجْزَأَهُ عَنْ الَّذِي نَوَاهُ كَمَا لَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ عَلَى الْأَصَحِّ وَإِنْ جَزَمَ بِالتَّطَوُّعِ فَلَا كَلَامَ فِي عَدَمِ كَرَاهَتِهِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي اسْتِحْبَابِهِ إنْ لَمْ يُوَافِقْ صَوْمَهُ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُتَلَوَّمَ، وَلَا يَأْكُلَ، وَلَا يَنْوِيَ الصَّوْمَ مَا لَمْ يَتَقَارَبْ انْتِصَافُ النَّهَارِ فَإِنْ تَقَارَبَ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالُ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ الْأَفْضَلُ صَوْمُهُ
وَقِيلَ فِطْرُهُ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقُضَاةِ وَالْمُفْتِينَ أَنْ يَصُومُوا تَطَوُّعًا، وَيُفْتُوا بِذَلِكَ خَاصَّتَهُمْ وَيُفْتُوا الْعَامَّةَ بِالْإِفْطَارِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبُو نَصْرٍ يَقُولَانِ: الْفِطْرُ أَحْوَطُ؛ لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ لَوْ أَفْطَرُوا وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّوْمِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُكْرَهُ وَيَأْثَمُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ، وَقَوْلُهُمْ: يَصُومُ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي الْمُرَادُ أَنَّهُ يَصُومُ مَنْ تَمَكَّنَ مِنْ ضَبْطِ نَفْسِهِ عَنْ الْإِضْجَاعِ عَنْ النِّيَّةِ وَمُلَاحَظَةِ كَوْنِهِ عَنْ الْفَرْضِ إنْ كَانَ غَدٌ مِنْ رَمَضَانَ؛
وَلِهَذَا قَالُوا: وَيُفْتُوا بِالصَّوْمِ خَاصَّتَهُمْ
وَأَمَّا إذَا رَدَّدَ فَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِهَا كَأَنْ نَوَى أَنْ يَصُومَ غَدًا عَنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ رَمَضَانَ وَإِلَّا فَلَيْسَ بِصَائِمٍ وَهَذِهِ صَحِيحَةٌ فَلَيْسَ بِصَائِمٍ،
وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَنْبَغِي أَنْ يَغْرَمَ لَيْلَةَ يَوْمِ الشَّكِّ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ غَدٌ مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ صَائِمٌ عَنْ رَمَضَانَ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ رَمَضَانَ فَلَيْسَ بِصَائِمٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا اهـ.
وَإِنْ رَدَّدَ فِي وَصْفِهَا فَلَهُ صُورَتَانِ أَحَدُهُمَا مَا إذَا نَوَى أَنْ يَصُومَ عَنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ غَدٌ مِنْهُ وَإِلَّا فَعَنْ وَاجِبٍ آخَرَ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ مَكْرُوهَيْنِ فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ عَنْهُ وَإِلَّا كَانَ تَطَوُّعًا غَيْرَ مَضْمُونٍ بِالْإِفْسَادِ، وَلَا يَكُونُ عَنْ الْوَاجِبِ لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِهِ وَالثَّانِيَةُ إذَا نَوَى أَنْ يَصُومَ عَنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ مِنْهُ وَإِلَّا فَتَطَوُّعٌ فَهُوَ مَكْرُوهٌ لِنِيَّةِ الْفَرْضِ مِنْ وَجْهٍ،
فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْهُ أَجْزَأَهُ، وَإِلَّا فَتَطَوُّعٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ لِدُخُولِ الْإِسْقَاطِ فِي عَزِيمَتِهِ مِنْ وَجْهٍ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِصَوْمِ مَا قَبْلَهُ وَصَرَّحَ فِي الْكَافِي بِأَنَّهُ إنْ وَافَقَ يَوْمُ الشَّكِّ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ فَالصَّوْمُ أَفْضَلُ
وَكَذَا إنْ صَامَ كُلَّهُ أَوْ نِصْفَهُ أَوْ ثَلَاثَةً مِنْ آخِرِهِ، وَلَمْ يُقَيِّدْ بِكَوْنِ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ عَادَةً وَصَرَّحَ فِي التُّحْفَةِ بِكَرَاهَةِ الصَّوْمِ قَبْلَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ عَادَةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا تَتَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» وَإِنَّمَا كُرِهَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى رَمَضَانَ إذَا اعْتَادُوا ذَلِكَ فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ لَهُ عَادَةٌ فَلَا كَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ مُطْلَقًا،
وَمَنْ لَيْسَ لَهُ عَادَةٌ فَلَا كَرَاهَةَ فِي التَّقَدُّمِ بِثَلَاثَةٍ فَأَكْثَرَ
وَيُكْرَهُ فِي الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ، وَأَمَّا صَوْمُ الشَّكِّ فَلَا يُكْرَهُ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ: إمَّا أَنْ يُغَمَّ عَلَيْهِمْ هِلَالُ رَمَضَانَ أَوْ هِلَالُ شَعْبَانَ إلَخْ) فَالشَّكُّ فِي الْيَوْمِ الثَّلَاثِينَ عَلَى الْأَوَّلِ هَلْ هُوَ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ مِنْ شَعْبَانَ وَعَلَى الثَّانِي هَلْ هُوَ الثَّلَاثُونَ أَوْ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ،
وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحْصُلَ الشَّكُّ بِرَدِّ الشَّهَادَةِ،
وَفِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ الشَّكُّ بِأَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِالرُّؤْيَةِ، وَلَا يَثْبُتَ اهـ.
لَكِنْ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَمِمَّا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ كَلَامِ غَيْرِ أَصْحَابِنَا مَا إذَا شَهِدَ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فِي الصَّحْوِ فَهُوَ مَحْكُومٌ بِغَلَطِهِ عِنْدَنَا لِظُهُورِهِ فَمُقَابِلُهُ مَوْهُومٌ لَا مَشْكُوكٌ،
وَإِنْ كَانَ فِي غَيْمٍ فَهُوَ شَكٌّ،
وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ أَحَدٌ اهـ.
وَيُخَالِفُهُ مَا فِي الْمُجْتَبَى وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْمِعْرَاجِ يَوْمُ الشَّكِّ هُوَ مَا إذَا لَمْ يَرَ عَلَامَةً لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ، وَالسَّمَاءُ مُتَغَيِّمَةٌ، أَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ أَوْ شَاهِدَانِ فَاسِقَانِ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا
فَأَمَّا إذَا كَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً، وَلَمْ يَرَ الْهِلَالَ أَحَدٌ فَلَيْسَ بِيَوْمِ الشَّكِّ،
وَلَا يَجُوزُ صَوْمُهُ ابْتِدَاءً لَا فَرْضًا، وَلَا نَفْلًا لَكِنْ بَقِيَ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ الشَّكَّ يَتَحَقَّقُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ لِجَوَازِ تَحَقُّقِ الرُّؤْيَةِ فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى نَعَمْ عَلَى مُقَابِلِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَمَا فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَنْ الزَّاهِدِيِّ بَلْ فِي السِّرَاجِ عَنْ الْإِيضَاحِ لَوْ لَمْ يُغَمَّ هِلَالُ شَعْبَانَ وَكَانَتْ مُصْحِيَةً يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ بِشَكٍّ،
وَأَنْ يُقَالَ: إنَّهُ شَكٌّ لِلتَّقْصِيرِ فِي طَلَبِ الْهِلَالِ أَوْ لِعَدَمِ إصَابَةِ الْمَطَالِعِ اهـ.
لَكِنْ قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ: وَلَوْ قِيلَ بِأَنَّ الْأَوَّلَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ وَالثَّانِي عَلَى اعْتِبَارِهَا لَمْ يَبْعُدْ
(قَوْلُهُ: فَلَوْ كَانَا عَلَى السَّوَاءِ لَمْ يَلْزَمْ الزَّائِدُ بِالشَّكِّ) قَالَ الرَّمْلِيُّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ وَجَبَ عَلَى الْمَرِيضِ قَضَاءُ ثَلَاثِينَ احْتِيَاطًا لِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ
(قَوْلُهُ: وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ: هَذَا يُفِيدُ أَنَّ التَّلَوُّمَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ الْكُلِّ وَأَنَّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْجَزْمِ بِنِيَّةِ النَّفْلِ فَهُوَ مِنْ الْعَامَّةِ اهـ.
وَفِي هَذِهِ الْإِفَادَةِ تَأَمُّلٌ وَظَاهِرُ الْهِدَايَةِ خِلَافُهَا
(قَوْلُهُ: عَنْ الْإِضْجَاعِ عَنْ النِّيَّةِ) أَيْ التَّرْدِيدِ فِيهَا وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِفِي بَدَلَ عَنْ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ التَّضْجِيعُ فِي النِّيَّةِ التَّرَدُّدُ فِيهَا،
وَأَنَّ لَايَنَهَا مِنْ ضَجَعَ فِي الْأَمْرِ إذَا، وَهِيَ فِيهِ وَقَصَّرَ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ فِي الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ) مُقْتَضَى مَا مَرَّ مِنْ حَمْلِ حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ التَّقَدُّمِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِحَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَشُرَّاحُهَا وَظَاهِرُ مَا مَرَّ عَنْ التُّحْفَةِ خِلَافُهُ،
وَفِي الشرنبلالية قَالَ فِي الْفَوَائِدِ: وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَقَدَّمُوا» إلَخْ التَّقْدِيمُ عَلَى قَصْدِ أَنْ يَكُونَ مِنْ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيمَ بِالشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ قَبْلَ حِينِهِ وَأَوَانِهِ وَوَقْتِهِ وَزَمَانِهِ، وَشَعْبَانُ وَقْتُ التَّطَوُّعِ فَإِذَا صَامَ عَنْ شَعْبَانَ لَمْ يَأْتِ بِصَوْمِ رَمَضَانَ قَبْلَ زَمَانِهِ وَأَوَانِهِ فَلَا يَكُونُ هَذَا تَقَدُّمًا عَلَيْهِ اهـ.
كَذَا بِخَطِّ أُسْتَاذِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَبِهَذَا تَنْتَفِي كَرَاهَةُ صَوْمِ الشَّكِّ تَطَوُّعًا اهـ. كَلَامُ الشرنبلالية وَفِي الْمِعْرَاجِ عَنْ الْإِيضَاحِ: لَا بَأْسَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ قَبْلَ رَمَضَانَ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ» وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ «لَا تَقَدَّمُوا» الْحَدِيثَ اسْتِقْبَالُ الشَّهْرِ بِصَوْمٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ زِيَادَةً عَلَى الْفَرْضِ،
وَفِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا فَإِنْ قِيلَ فَمَا
فَائِدَةُ قَوْلِهِ يَوْمٍ وَيَوْمَيْنِ وَحُكْمُ الْأَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ أُجِيبَ بِأَنَّ يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ مَا وَصَلَ إلَى حَدِّ الْكَثْرَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يُتَوَهَّمَ بِأَنَّ الْقَلِيلَ مَعْفُوٌّ فَيَجُوزُ كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ فَنَفَى ذَلِكَ،
وَفِي السَّعْدِيَّةِ يَجُوزُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُحْتَمَلَ هُوَ التَّقَدُّمُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ مِنْ الْمُمَارَسَيْنِ بِعِلْمِ حِسَابِ النُّجُومِ وَغَيْرِهِمْ لَكِنْ
قَالَ فِي الْفَتْحِ: يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْهِدَايَةِ
وَيُكْرَهُ صَوْمُهَا لِمَعْنَى مَا فِي التُّحْفَةِ يَعْنِي قَوْلَهُ: وَإِنَّمَا كُرِهَ إلَى آخِرِ مَا مَرَّ فَتَأَمَّلْ وَمَا فِي التُّحْفَةِ أَوْجَهُ اهـ.
(ولا يصام يوم الشك) وهو يوم الثلاثين من شعبان لاستواء طرفيه في الآخرين والأولية قال الشارح: ووقوعه بأحد أمرين
إما أن يغم عليهم هلال رمضان أو هلال شعبان فيقع الشك أنه أول يوم من رمضان أو أخر يوم من شعبان انتهى. وفيه بحث فإذا لم يغم هلال رمضان فلا شك وإذا غم فقد جاء الشك منه فلا وجه لقوله بأحد أمرين وقوله: أو هلال شعبان وجوابه أنه إذا غم هلال شعبان تشتبه ليلة الثلاثين منه فيتحقق الشك في الليلتين الأخيرتين فليتأمل كذا في (الحواشي السعدية) ،
وفي (الفتح) موجبة أن يغم الهلال ليلة الثلاثين من شعبان فيشك في اليوم الثلاثين أمن رمضان هو أو من شعبان؟ أو يغم من رجب هلال شعبان فأكملت عدته ولم يكن رؤى هلال رمضان فيقع الشك في الثلاثين من شعبان أو هو الثلاثون أو الحادي والثلاثون وكان ذلك مع أن الأصل بقاء الشهر لأن كونه تسعة وعشرين وثلاثين على حد سواء كما يعطيه الحديث المعروف في الشهر فإن لم يكن ثمة غيم كان الظاهر أن المنسلخ ثلاثون إذ لو كان من المستهل لرؤي عند الترائي كذا قالوا.
قال بعض المتأخرين: وفيه نظر بل يجوز أن يكون شكًا أيضًا لجواز أن تتحقق الرؤية في بلدة أخرى بناء على ما سيأتي مع أنه لا عبرة باختلاف المطالع وفي (السراج) عن (الإيضاح) لو لم يغم هلال شعبان أو كانت السماء مصحبة يحتمل أن يقال: ليس بشك وأن يقال: إنه شك للتقصير في طلب الهلال أو لعدم إصابة المطالع انتهى.
ولو قيل: بأن الأول بناء على أنه لا اعتبار باختلاف المطالع،
والثاني على اعتبارها لم يبعد (إلا تطوعًا)
لقوله عليه الصلاة والسلام لرجل: (هل صمت من سرر شعبان قال: لا قال: فإذا أفطرت صم يومين مكانه) وفي لفظ فصم يومًا أخر أخرجه الشيخان وسرار الشهر آخره قيد بالتطوع إذ صوم غيره مكروه وأن تفاوتت مراتب الكراهية فيه سواء قطع النية كأن نوى رمضان أو واجبًا أخر وورد في وصفها بأن ومن رأى هلال رمضان، أو الفطر ورد قوله صام فغن أفطر قضي فقط، نوى رمضان إذا كان وإلا فعن واجب آخر قضاء أو كفارة أو نذرًا أو يقول: وإلا فهو تطوع ولا كلام أنه إن ظهر أنه من رمضان كان عنه وإلا كان نفلاً غير مضمون بالإفساد
أما إذا ردد في أصلها بأن نوى رمضان إن كان وإلا فليس بصائم لم يكن صائمًا وأطلق في التطوع فشمل ما إذا كان ابتداء أو موافقة لصوم كان يصومه ولا خلاف في أفضلية الثاني واختلف في الأول فقيل: الفطر أفضل
وقيل: الصيام واخترا غير واحد تفضيل صوم الخواص وأمر العوام بالتلوم إلى نصف النهار وهو المختار وفي (الطهيرية) الأفضل أن يتلوم غير آكل ولا شارب ما لم يتقارب انتصاف النهار فإن تقارب فعامة المشايخ على أنه ينبغي للقضاة والمفتين أن يصوموا تطوعًا ويفتوا بذلك خاصتهم ويفتوا العامة بالإفطار انتهى.
وهذا يفيد أن التلوم أفضل في حق الكل وأن من لا يقدر على العزم فهو من العامة وفي (السراج) قال بعضهم: يصح صوم يوم الشك متلومًا غير آكل ولا عازم على الصوم فإن تبين أنه من رمضان عزم على الصوم وإن لم يتبين أفطر قال الخجندي: والفتوى على هذا
(وَلَا يُصَامُ يَوْمُ الشَّكِّ إلَّا تَطَوُّعًا) وَوَقَعَ الشَّكُّ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ
إمَّا أَنْ يُغَمَّ عَلَيْهِمْ هِلَالُ رَمَضَانَ أَوْ هِلَالُ شَعْبَانَ فَيَقَعُ الشَّكُّ أَنَّهُ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ آخَرُ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ وَإِنَّمَا كُرِهَ غَيْرُ التَّطَوُّعِ لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَرَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ لِرَجُلٍ هَلْ صُمْت مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ قَالَ لَا قَالَ فَإِذَا أَفْطَرْت فَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ» وَفِي لَفْظٍ فَصُمْ يَوْمًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ أَخِي دَاوُد» وَهُوَ مُطْلَقٌ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْكُلُّ وَهُوَ مَذْهَبُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَمُعَاوِيَةَ وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ وَسُرَرُ الشَّهْرِ آخِرُهُ سُمِّيَ بِهِ لِاسْتِسْرَارِ الْقَمَرِ فِيهِ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ غَيْرُ التَّطَوُّعِ حَتَّى لَا يُزَادَ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ كَمَا زَادَ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى صَوْمِهِمْ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَنَا مَا رَوَيْنَا وَاشْتَهَرَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ وَمَا رَوَاهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ قَالَهُ أَحْمَدُ ثُمَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ أَحَدُهُمَا أَنْ يَنْوِيَ رَمَضَانَ وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِمَا بَيَّنَّا
ثُمَّ إنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ صَحَّ عَنْهُ لِأَنَّهُ شَهِدَ الشَّهْرَ وَصَامَهُ وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ كَانَ تَطَوُّعًا وَإِنْ أَفْطَرَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ ظَانٌّ وَالثَّانِي أَنْ يَنْوِيَ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ وَهُوَ مَكْرُوهٌ أَيْضًا لِمَا رَوَيْنَا إلَّا أَنَّهُ دُونَ الْأَوَّلِ فِي الْكَرَاهِيَةِ
ثُمَّ إنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ يُجْزِئُهُ لِوُجُودِ أَصْلِ النِّيَّةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ فَقَدْ قِيلَ يَكُونُ تَطَوُّعًا لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الْكَامِلُ مِنْ الْوَاجِبِ
وَقِيلَ يُجْزِئُهُ عَنْ الَّذِي نَوَاهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ التَّقَدُّمُ بِصَوْمِ رَمَضَانَ عَلَى مَا بَيَّنَّا
بِخِلَافِ يَوْمِ الْعِيدِ لِأَنَّ النَّهْيَ لِأَجْلِ تَرْكِ إجَابَةِ الدَّعْوَةِ وَهُوَ يُلَازِمُ كُلَّ صَوْمٍ وَالْكَرَاهِيَةُ هُنَا لِصُورَةِ النَّهْيِ لَا غَيْرُ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُ التَّطَوُّعِ وَالثَّالِثُ أَنْ يَنْوِيَ التَّطَوُّعَ وَهُوَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ لِمَا بَيَّنَّا وَمَا رَوَاهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ قَوْلِهِ مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ وَمِنْ قَوْلِهِ لَا يُصَامُ الْيَوْمُ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ إلَّا تَطَوُّعًا لَا أَصْلَ لَهُ وَيُرْوَى الْأَوَّلُ مَوْقُوفًا عَلَى عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَهُوَ فِي مِثْلِهِ كَالْمَرْفُوعِ
ثُمَّ إنْ صَامَ ثَلَاثَةً مِنْ آخِرِ شَعْبَانَ أَوْ وَافَقَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ فَالصَّوْمُ أَفْضَلُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ ذَلِكَ فَقَدْ قِيلَ الْفِطْرُ أَفْضَلُ احْتِرَازًا عَنْ ظَاهِرِ النَّهْيِ
وَقِيلَ الصَّوْمُ أَفْضَلُ اقْتِدَاءً بِعَلِيٍّ وَعَائِشَةَ كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّهُمَا كَانَا يَصُومَانِهِ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ وَذَكَرَ فِي الْغَايَةِ رَادًّا عَلَى صَاحِبِ الْهِدَايَةِ أَنَّ عَلِيًّا مَذْهَبُهُ خِلَافُ ذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ بِالسَّمَاءِ غَيْمٌ يَصُومُ وَإِلَّا فَلَا
وَالْمُخْتَارُ أَنْ يَصُومَ الْمُفْتِي بِنَفْسِهِ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ وَيَأْمُرُ الْعَامَّةَ بِالتَّلَوُّمِ إلَى أَنْ يَذْهَبَ وَقْتَ النِّيَّةِ ثُمَّ يَأْمُرَهُمْ بِالْإِفْطَارِ نَفْيًا لِتُهْمَةِ ارْتِكَابِ النَّهْيِ ثُمَّ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَهُوَ مَا إذَا نَوَى التَّطَوُّعَ إنْ أَفْسَدَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ كَيْفَمَا كَانَ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِيهِ مُلْتَزِمًا وَالرَّابِعُ أَنْ يَضَّجِعَ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ بِأَنْ يَنْوِيَ أَنْ يَصُومَ غَدًا إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ وَلَا يَصُومَهُ إنْ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ فَفِي هَذَا الْوَجْهِ لَا يَصِيرُ صَائِمًا لِعَدَمِ الْجَزْمِ فِي الْعَزِيمَةِ فَصَارَ كَمَا إذَا نَوَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ غَدَاءً فَهُوَ صَائِمٌ وَإِلَّا فَمُفْطِرٌ أَوْ نَوَى إنْ وَجَدَ سَحُورًا فَهُوَ صَائِمٌ وَإِلَّا فَمُفْطِرٌ وَالْخَامِسُ أَنْ يَضْجَعَ فِي وَصْفِ النِّيَّةِ بِأَنْ يَنْوِيَ إنْ كَانَ غَدٌ مِنْ رَمَضَانَ أَنْ يَصُومَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ فَعَنْ وَاجِبٍ آخَرَ وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مَكْرُوهَيْنِ
ثُمَّ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانِ أَجْزَأَهُ عَنْهُ لِوُجُودِ الْجَزْمِ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ لِلتَّرَدُّدِ فِي وَصْفِ النِّيَّةِ وَتَعْيِينُ الْجِهَةِ شَرْطٌ فِيهِ لَكِنَّهُ يَكُونُ تَطَوُّعًا غَيْرَ مَضْمُونٍ بِالْقَضَاءِ لِشُرُوعِهِ مُسْقِطًا وَالسَّادِسُ أَنْ يَنْوِيَ عَنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ غَدٌ مِنْهُ وَعَنْ التَّطَوُّعِ إنْ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ فَيُكْرَهُ لِأَنَّهُ نَاوٍ لِلْفَرْضِ مِنْ وَجْهٍ
ثُمَّ إنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ عَنْهُ لِمَا قُلْنَا وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ صَارَ تَطَوُّعًا غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ لِدُخُولِ الْإِسْقَاطِ فِي عَزِيمَتِهِ مِنْ وَجْهٍ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ) وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ انْتَهَى غَايَةٌ
(قَوْلُهُ فَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى وُجُوبِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ
(قَوْلُهُ وَفِي لَفْظِ فَصُمْ يَوْمًا) قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَاعْلَمْ أَنَّ السُّرَرَ قَدْ يُقَالُ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ لَيَالِي الشَّهْرِ لَكِنْ دَلَّ قَوْلُهُ صُمْ يَوْمًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ صُمْ آخِرَهَا لَا كُلَّهَا وَإِلَّا قَالَ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَكَانَهَا
وَكَذَا قَوْلُهُ مِنْ سُرَرِ الشَّهْرِ لِإِفَادَةِ التَّبْعِيضِ وَعِنْدَنَا هَذَا يُفِيدُ اسْتِحْبَابَ صَوْمِهِ لَا وُجُوبَهُ لِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِنَهْيِ التَّقَدُّمِ بِصِيَامِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَيُحْمَلُ عَلَى كَوْنِ الْمُرَادِ التَّقَدُّمَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَهُوَ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ وَيَصِيرُ حَدِيثُ السُّرَرِ لِلِاسْتِحْبَابِ
(قَوْلُهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ) أَيْ فِي صَوْمِ دَاوُد الْكُلَّ أَيْ يَوْمَ الشَّكِّ وَغَيْرِهِ
(قَوْلُهُ وَسُرَرُ الشَّهْرِ آخِرُهُ) قَالَ فِي الصِّحَاحِ وَسُرَرُ الشَّهْرِ آخِرُ لَيْلَةٍ مِنْهُ
وَكَذَلِكَ سِرَارُهُ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ اسْتَسَرَّ الْقَمَرُ أَيْ خَفِيَ لَيْلَةَ السِّرَارِ فَرُبَّمَا اسْتَسَرَّ لَيْلَةً وَرُبَّمَا اسْتَسَرَّ لَيْلَتَيْنِ
(قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ دُونَ الْأَوَّلِ فِي الْكَرَاهِيَةِ) أَيْ لِأَنَّ الْأَوَّلَ نَصٌّ فِي زِيَادَةِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ
بِخِلَافِ الثَّانِي. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ) يَعْنِي إذَا صَامَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ) قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ يُنَازِعُ فِيمَا ذَكَرَهُ شَارِحُ الْكَنْزِ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ فِي صَوْمِهَا لَأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فَهَذَا الْكَلَامُ يُفِيدُ أَنَّهَا تَصُومُهُ عَلَى أَنَّهُ يَوْمٌ مِنْ شَعْبَانَ كَيْ لَا تَقَعَ فِي إفْطَارِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَيَبْعُدُ أَنْ تَقْصِدَ بِهِ رَمَضَانَ بَعْدَ حُكْمِهَا بِأَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ وَكَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ احْتِمَالٌ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْمُخْتَارُ أَنْ يَصُومَ الْمُفْتِي) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ كُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ الْخَاصَّةِ وَهُوَ مَنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ ضَبْطِ نَفْسِهِ عَنْ الْإِضْجَاعِ فِي النِّيَّةِ وَمُلَاحَظَةِ كَوْنِهِ عَنْ الْفَرْضِ إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ. اهـ. فَتْحُ الْقَدِيرِ
(قَوْلُهُ لِتُهْمَةِ ارْتِكَابِ النَّهْيِ) أَيْ فَإِنَّهُ لَوْ أَفْتَى الْعَامَّةُ بِالنَّفْلِ عَسَى يَقَعُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ خَالَفَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ وَهُوَ أَطْلَقَهَا. اهـ. كَافِي
(قَوْلُهُ وَالرَّابِعُ أَنْ يُضَجِّعَ) وَالتَّضْجِيعُ فِي النِّيَّةِ هُوَ التَّرَدُّدُ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ فَفِي هَذَا الْوَجْهِ إلَخْ) رَأَيْت عَلَى هَامِشِ نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ حَاشِيَةً بِغَيْرِ خَطِّهِ نَصُّهَا أَوْرَدَ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ مَالِكٍ فِي الدَّرْسِ عَلَى هَذَا وَقَالَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِجَوَازِ صَوْمِهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ نَوَيْت صِيَامَهُ عَنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ صَحِيحٌ وَالْكَلَامُ الْآخَرُ لَا يَصْلُحُ لِلْإِبْطَالِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ جُمْلَةٌ أُخْرَى وَهَذَا إعْرَاضٌ عَنْ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي نِيَّةِ ذَلِكَ لَا التَّلَفُّظُ بِهِ اهـ مَا رَأَيْته
(قَوْلُهُ وَعَنْ التَّطَوُّعِ إنْ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ إلَخْ) رَأَيْت عَلَى هَامِشِ نُسْخَةِ الشَّارِحِ حَاشِيَةً بِغَيْرِ خَطِّهِ نَصُّهَا وَقَعَ بَيْنِي وَبَيْنَ فُقَهَاءِ الدَّرْسِ تَرَدُّدٌ فِيمَا إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ هَلْ يَكُونُ مَكْرُوهًا أَوْ لَا وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ وَصْفَ الْكَرَاهَةِ عَامٌّ لِلْوَجْهَيْنِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا
وَكَذَا لَفْظُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ فَلِأَنَّهُ نَوَى الْفَرْضَ مِنْ وَجْهٍ وَنِيَّةُ الْفَرْضِ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِسَبَبِ الْكَرَاهَةِ اهـ مَا رَأَيْته وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ قَوْلُهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ أَيْ عِبَارَةُ الشَّارِحِ كَعِبَارَةِ الْهِدَايَةِ
(قَوْلُهُ لِدُخُولِ الْإِسْقَاطِ فِي عَزِيمَتِهِ مِنْ وَجْهٍ) أَيْ حَيْثُ نَوَى رَمَضَانَ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ وَالنَّفَلُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ إنْ كَانَ مُلْتَزِمًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.