فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

بَابُ الْمَاءِ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ

فتح القديرالحنفيةالمسائل ٦٩٠ إلى ١٬٢٠٠

  1. ١/٦٩١/٦٩

    جَائِزٌ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالْأَوْدِيَةِ وَالْعُيُونِ وَالْآبَارِ وَالْبِحَارِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «وَالْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ» وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام فِي الْبَحْرِ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَمُطْلَقُ الِاسْمِ يَنْطَلِقُ عَلَى هَذِهِ الْمِيَاهِ.

  2. قَالَ (وَلَا يَجُوزُ بِمَا اُعْتُصِرَ مِنْ الشَّجَرِ وَالثَّمَرِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ وَالْحُكْمُ عِنْدَ فَقْدِهِ مَنْقُولٌ إلَى التَّيَمُّمِ

  3. (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عُمُومِ الدَّعْوَى إنْ كَانَتْ كُلُّ الْمِيَاهِ أَصْلُهَا مِنْ السَّمَاءِ، وَإِنَّمَا سَلَكَتْ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ﴾ وَعَلَى بَعْضِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.

  4. وَاعْلَمْ أَنَّ الدَّعْوَى هِيَ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّوَضِّي بِهَذِهِ الْمِيَاهِ، وَلَيْسَ فِي النَّصِّ الْمَذْكُورِ وَلَا الْأَحَادِيثِ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ، بَلْ إنَّمَا أَفَادَتْ وَصْفَ الْمَاءِ بِالطَّهُورِيَّةِ، وَالْأَصْحَابُ مُصَرِّحُونَ بِأَنْ لَيْسَ مَعْنَى الطَّهُورِ لُغَةً مَا يُطَهِّرُ غَيْرَهُ، بَلْ إنَّمَا هُوَ الْمُبَالَغُ فِي طَهَارَتِهِ، أَيْ طَهَارَتُهُ قَوِيَّةٌ وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ كَوْنَهُ يُطَهِّرُ غَيْرَهُ، وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ مَعَ مَالِكٍ رضي الله عنه ، وَكَوْنُ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمَوْصُوفَ بِلَفْظِ طَهُورٍ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ مَا يُطَهِّرُ غَيْرَهُ دَلِيلٌ آخَرُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهِ.

  5. وَأَمَّا النَّصُّ الْمَذْكُورُ بِاسْتِقْلَالِهِ لَا يُوجِبُهُ، فَكَانَ الْوَجْهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ وَحَدِيثُ «الْمَاءُ طَهُورٌ» حَاصِلُ كَلَامِهِمْ فِيهِ أَنَّهُ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ ضَعِيفٌ بِرِشْدِينِ بْنِ سَعْدٍ وَبِدُونِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْخُدْرِيِّ «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ تُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ؟ فَقَالَ ﷺ : الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْقَطَّانِ وَإِنْ ضَعَّفَهُ بِسَبَبِ الْخِلَافِ فِي تَسْمِيَةِ بَعْضِ أَهْلِ السَّنَدِ، وَقَدْ قَالَ: وَلَهُ إسْنَادٌ صَحِيحٌ

  6. ١/٧٠١/٧٠

    وَالْوَظِيفَةُ فِي هَذِهِ الْأَعْضَاءِ تَعَبُّدِيَّةٌ فَلَا تَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.

  7. وَأَمَّا الْمَاءُ الَّذِي يَقْطُرُ مِنْ الْكَرْمِ فَيَجُوزُ التَّوَضِّي بِهِ لِأَنَّهُ مَاءٌ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ عِلَاجٍ، ذَكَرَهُ فِي جَوَامِعِ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله .

  8. فَذَكَرَهُ، وَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ

  9. ، فَحِينَئِذٍ يُسْتَدَلُّ بِالْقَدْرِ الصَّحِيحِ عَلَى طُهُورِيَّةِ الْمَاءِ، وَبِالْإِجْمَاعِ عَلَى تَنَجُّسِهِ بِتَغَيُّرِ وَصْفِهِ بِالنَّجَاسَةِ.

  10. وَأَمَّا إنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا إذَا تَغَيَّرَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ إذًا لَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْقَدْرِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى تَنَجُّسِهِ بِالتَّغَيُّرِ يُفِيدُ أَنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ. نَعَمْ لَهُ طَرِيقٌ نَذْكُرُهَا عِنْدَ الْكَلَامِ مَعَ الْإِمَامِ مَالِكٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَحَدِيثُ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَتَتَوَضَّأُ مِنْ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ ﷺ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.

  11. وَقَالَ: سَأَلْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ هَذَا.

  12. وَأَمَّا مَا أُعِلَّ بِهِ مِنْ جَهَالَةِ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ وَالِاخْتِلَافِ فِي سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ هَلْ هُوَ هَذَا أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ فَمَدْفُوعَانِ بِإِظْهَارِ مَعْرِفَتِهِمَا، وَإِقَامَةِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ السَّنَدَ عَنْ صَفْوَانِ بْنِ سُلَيْمٍ وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ الْجُلَاحِ بْنِ كَثِيرٍ وَابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ الْجُلَاحِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ أَخْرَجَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فَلَا يَضُرُّ الْخِلَافُ بَعْدَ هَذَا.

  13. وَأَمَّا الْإِعْلَالُ بِالْإِرْسَالِ لِأَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ رَوَاهُ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ أَنَّ نَاسًا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ أَحْفَظُ مِنْ صَفْوَانِ بْنِ سُلَيْمٍ وَأَثْبَتُ مِنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ اللَّذَيْنِ رَوَيَاهُ عَنْ ابْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ إرْسَالَ الْأَحْفَظِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصْلِ مِنْ الثِّقَةِ دُونَهُ، وَهُوَ غَيْرُ الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ،

  14. وَكَذَا الْإِعْلَالُ بِاضْطِرَابِ هُشَيْمٍ مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ اتَّفَقَ عَلَيْهِ فِيهِ،

  15. فَأَمَّا وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ هُشَيْمٍ عَلَى الصَّوَابِ فَلَا.

  16. وَأَمَّا قَوْلُهُ السُّنَّةُ وَرَدَتْ بِغَسْلِ الْمَيِّتِ بِالْمَاءِ الَّذِي أُغْلِيَ فِيهِ السِّدْرُ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ قَوْلُهُ ﷺ فِي الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» الْحَدِيثُ لَيْسَ فِيهِ غَلْيٌ

  17. (قَوْلُهُ وَالْوَظِيفَةُ فِي هَذِهِ) جَوَابُ سُؤَالٍ هُوَ: سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُعْتَصَرَ مِنْ الشَّجَرِ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ لَكِنْ لِمَ لَمْ يَلْحَقْ بِالْمُطْلَقِ فِي إزَالَةِ

  18. ١/٧١١/٧١

    وَفِي الْكِتَابِ إشَارَةٌ إلَيْهِ حَيْثُ شَرَطَ الِاعْتِصَارَ.

  19. قَالَ (وَلَا) يَجُوزُ (بِمَاءٍ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَأَخْرَجَهُ عَنْ طَبْعِ الْمَاءِ كَالْأَشْرِبَةِ وَالْخَلِّ وَمَاءِ الْبَاقِلَّا وَالْمَرَقِ وَمَاءِ الْوَرْدِ وَمَاءِ الزَّرْدَجِ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَاءً مُطْلَقًا، وَالْمُرَادُ بِمَاءِ الْبَاقِلَّا وَغَيْرِهِ مَا تَغَيَّرَ بِالطَّبْخِ،

  20. فَإِنْ تَغَيَّرَ بِدُونِ الطَّبْخِ يَجُوزُ التَّوَضِّي بِهِ.

  21. قَالَ (وَتَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِمَاءٍ خَالَطَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ فَغَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ، كَمَاءِ الْمَدِّ وَالْمَاءِ الَّذِي اخْتَلَطَ بِهِ اللَّبَنُ أَوْ الزَّعْفَرَانُ أَوْ الصَّابُونُ أَوْ الْأُشْنَانُ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ: أَجْرَى فِي الْمُخْتَصَرِ مَاءَ الزَّرْدَجِ مَجْرَى الْمَرَقِ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله بِمَنْزِلَةِ مَاءِ الزَّعْفَرَانِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، كَذَا اخْتَارَهُ النَّاطِفِيُّ وَالْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ رحمه الله .

  22. الْحُكْمِيَّةِ كَمَا أَلْحَقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِهِ فِي إزَالَةِ الْحَقِيقِيَّةِ؟ فَأَجَابَ بِامْتِنَاعِ الْإِلْحَاقِ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ،

  23. فَإِنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ: أَعْنِي إزَالَةَ الْحُكْمِيَّةِ غَيْرُ مَعْقُولٍ، إذْ لَا نَجَاسَةَ عَلَى الْأَعْضَاءِ مَحْسُوسَةً يُزِيلُهَا الْمَاءُ لِيَلْحَقَ بِهِ الْمَانِعُ فِي ذَلِكَ، بَلْ الْكَائِنُ اعْتِبَارٌ شَرْعِيٌّ مَحْضٌ لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ إذْ مُنِعَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ، وَقَدْ عُيِّنَ لِإِزَالَتِهِ شَرْعًا آلَةٌ فَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُ غَيْرِهَا بِهَا فِي ذَلِكَ،

  24. بِخِلَافِ إنَاطَةِ ذَلِكَ الِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ بِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ لَمَّا عُقِلَ اعْتِبَارُ خُرُوجِهَا مُؤَثِّرًا فِي ذَلِكَ دَارَ مَعَهُ سَوَاءً كَانَتْ مِنْ السَّبِيلَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا،

  25. فَلَا يُنَافِي كَلَامُهُ هَذَا قَوْلَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ إنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ مُؤَثِّرٌ فِي زَوَالِ

  26. ١/٧٢١/٧٢

    وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : لَا يَجُوزُ التَّوَضِّي بِمَاءِ الزَّعْفَرَانِ وَأَشْبَاهِهِ مِمَّا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ مَاءٌ مُقَيَّدٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ مَاءُ الزَّعْفَرَانِ

  27. بِخِلَافِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ؟ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَخْلُو عَنْهَا عَادَةً وَلَنَا أَنَّ اسْمَ الْمَاءِ بَاقٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَلَّا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ اسْمٌ عَلَى حِدَةٍ وَإِضَافَتُهُ إلَى الزَّعْفَرَانِ كَإِضَافَتِهِ إلَى الْبِئْرِ وَالْعَيْنِ، وَلِأَنَّ الْخَلْطَ الْقَلِيلَ لَا مُعْتَبَرَ بِهِ لِعَدَمِ إمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ كَمَا فِي أَجْزَاءِ الْأَرْضِ فَيُعْتَبَرُ الْغَالِبُ، وَالْغَلَبَةُ بِالْأَجْزَاءِ لَا بِتَغَيُّرِ اللَّوْنِ هُوَ الصَّحِيحُ، فَإِنْ تَغَيَّرَ

  28. الطَّهَارَةِ وَأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْأَرْبَعَةِ غَيْرُ مَعْقُولٍ.

  29. (قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) اعْلَمْ أَنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ تُزَالُ بِهِ الْأَحْدَاثُ أَعْنِي مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ مَاءٌ، وَالْمُقَيَّدُ لَا يُزِيلُ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَنْقُولٌ إلَى التَّيَمُّمِ عِنْدَ فَقْدِ الْمُطْلَقِ فِي النَّصِّ، وَالْخِلَافُ فِي الْمَاءِ الَّذِي خَالَطَهُ الزَّعْفَرَانُ وَنَحْوُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ تَقَيَّدَ بِذَلِكَ أَوْ لَا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: تَقَيَّدَ لِأَنَّهُ يُقَالُ مَاءُ الزَّعْفَرَانِ وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّهُ يُقَالُ ذَلِكَ وَلَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ مَعَ ذَلِكَ مَا دَامَ الْمُخَالِطُ مَغْلُوبًا أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ فِيهِ هَذَا مَاءٌ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ.

  30. وَقَدْ رَأَيْنَاهُ يُقَالُ فِي مَاءِ الْمَدِّ وَالنِّيلِ حَالَ غَلَبَةِ لَوْنِ الطِّينِ عَلَيْهِ، وَتَقَعُ الْأَوْرَاقُ فِي الْحِيَاضِ زَمَنَ الْخَرِيفِ فَيَمُرُّ الرَّفِيقَانِ وَيَقُولُ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ هُنَا مَاءٌ تَعَالَ نَشْرَبْ نَتَوَضَّأْ، فَيُطْلِقُهُ مَعَ تَغَيُّرِ أَوْصَافِهِ بِانْتِفَاعِهَا، فَظَهَرَ لَنَا مِنْ اللِّسَانِ أَنَّ الْمُخَالِطَ الْمَغْلُوبَ لَا يَسْلُبُ الْإِطْلَاقَ فَوَجَبَ تَرْتِيبُ حُكْمِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي هُوَ كَذَلِكَ.

  31. وَقَدْ «اغْتَسَلَ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ مِنْ قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَالْمَاءُ بِذَلِكَ يَتَغَيَّرُ وَلَمْ يُعْتَبَرْ لِلْمَغْلُوبِيَّةِ (قَوْلُهُ وَالْإِضَافَةُ إلَيْهِ كَالْإِضَافَةِ إلَى الْبِئْرِ وَالْعَيْنِ) مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِضَافَةَ إلَى الزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهِ لَا تَمْنَعُ الْإِطْلَاقَ كَمَا لَا تَمْنَعُهُ الْإِضَافَةُ إلَى الْبِئْرِ وَالْعَيْنِ، فَالتَّشْبِيهُ لَيْسَ إلَّا فِي عَدَمِ امْتِنَاعِ الْإِطْلَاقِ وَحَيْثُ قُبِلَ الْمُطْلَقُ كَانَ مُطْلَقًا وَلَزِمَهُ حُكْمُهُ مِنْ إزَالَةِ الْحُكْمِيَّةِ شَرْعًا، إذْ زَوَالُهُ بِارْتِفَاعِهِ وَهُوَ بِأَنْ يَحْدُثَ لَهُ اسْمٌ عَلَى حِدَةٍ وَلُزُومُ التَّقْيِيدِ يَنْدَرِجُ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَاءُ مَغْلُوبًا إذْ فِي إطْلَاقِهِ عَلَى الْمَجْمُوعِ حِينَئِذٍ اعْتِبَارُ الْغَالِبِ عَدَمًا وَهُوَ عَكْسُ الثَّابِتِ لُغَةً وَعُرْفًا وَشَرْعًا، بَقِيَ تَحْقِيقُ الْغَلَبَةِ بِمَاذَا يَكُونُ فَصَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهَا بِالْأَجْزَاءِ.

  32. وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الصَّاحِبِينَ، وَهُوَ أَنَّ مُحَمَّدًا يَعْتَبِرُهُ بِاللَّوْنِ وَأَبَا يُوسُفَ بِالْأَجْزَاءِ، وَفِي الْمُحِيطِ عَكْسُهُ، وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ فَإِنَّ صَاحِبَ الْأَجْنَاسِ نَقَلَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ نَصَّا بِمَعْنَاهُ. قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْمَاءِ الَّذِي يُطْبَخُ فِيهِ الرَّيْحَانُ وَالْأُشْنَانُ: إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ حَتَّى يَحْمَرَّ بِالْأُشْنَانِ أَوْ يَسْوَدَّ.

  33. بِالرَّيْحَانِ وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَلَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ بِهِ.

  34. فَمُحَمَّدٌ يُرَاعِي لَوْنَ الْمَاءِ وَأَبُو يُوسُفَ اعْتَبَرَ غَلَبَةَ الْأَجْزَاءِ،

  35. وَلَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ بِمَاءِ السَّيْلِ مُخْتَلِطًا بِالْعَيْنِ إنْ كَانَتْ رِقَّةُ الْمَاءِ غَالِبَةً،

  36. فَإِنْ كَانَ الطِّينُ غَالِبًا فَلَا. وَصَرَّحَ

  37. ١/٧٣١/٧٣

    بِالطَّبْخِ بَعْدَ مَا خُلِطَ بِهِ غَيْرُهُ لَا يَجُوزُ التَّوَضِّي بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي مَعْنَى الْمُنَزَّلِ مِنْ السَّمَاءِ إذْ النَّارُ غَيَّرَتْهُ إلَّا إذَا طُبِخَ فِيهِ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي النَّظَافَةِ كَالْأُشْنَانِ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ يُغْسَلُ بِالْمَاءِ الَّذِي أُغْلِيَ بِالسِّدْرِ، بِذَلِكَ وَرَدَتْ السُّنَّةُ، إلَّا أَنْ يَغْلِبَ ذَلِكَ عَلَى الْمَاءِ فَيَصِيرَ كَالسَّوِيقِ الْمَخْلُوطِ لِزَوَالِ اسْمِ الْمَاءِ عَنْهُ.

  38. (وَكُلُّ مَاءٍ وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ قَلِيلًا كَانَتْ النَّجَاسَةُ أَوْ كَثِيرًا)

  39. فِي التَّجْنِيسِ بِأَنَّ مِنْ التَّفْرِيعِ عَلَى اعْتِبَارِ الْغَلَبَةِ بِالْأَجْزَاءِ قَوْلُ الْجُرْجَانِيِّ إذَا طُرِحَ الزَّاجُّ أَوْ الْعَفْصُ فِي الْمَاءِ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ إنْ كَانَ لَا يَنْقُشُ إذَا كُتِبَ بِهِ،

  40. فَإِنْ نَقَشَ لَا يَجُوزُ وَالْمَاءُ هُوَ الْمَغْلُوبُ.

  41. وَفِي الْيَنَابِيعِ لَوْ نُقِعَ الْحِمَّصُ وَالْبَاقِلَاءُ وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَطَعْمُهُ وَرِيحُهُ يَجُوزُ التَّوَضِّي بِهِ فَإِنْ طُبِخَ،

  42. فَإِنْ كَانَ إذَا بَرَدَ ثَخُنَ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، أَوْ لَمْ يَثْخُنْ وَرِقَّةُ الْمَاءِ بَاقِيَةٌ جَازَ. وَعِبَارَةُ الْقُدُورِيِّ تُعْطِي أَنَّ تَغَيُّرَ وَصْفَيْنِ يَمْنَعُ لَا وَصْفٌ. وَاقْتَحَمَ شَارِحُ الْكَنْزِ رحمه الله التَّوْفِيقَ بَيْنَ كَلَامِ الْأَصْحَابِ بِإِعْطَاءِ ضَابِطٍ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ التَّقْيِيدَ الْمُخْرِجَ عَنْ الْإِطْلَاقِ بِأَمْرَيْنِ:

  43. الْأَوَّلُ كَمَالُ الِامْتِزَاجِ وَهُوَ بِالطَّبْخِ مَعَ طَاهِرٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّنْظِيفِ أَوْ بِتَشَرُّبِ النَّبَاتِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُخْرَجُ مِنْهُ إلَّا بِعِلَاجٍ، فَخَرَجَ الْمَاءُ الَّذِي يَقْطُرُ مِنْ الْكَرْمِ بِنَفْسِهِ.

  44. الثَّانِي غَلَبَةُ الْمُخَالِطِ، فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَبِانْتِفَاءِ رِقَّةِ الْمَاءِ وَجَرَيَانِهِ عَلَى الْأَعْضَاءِ،

  45. وَإِنْ كَانَ مَائِعًا مُوَافِقًا لِلْمَاءِ فِي أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمُخْتَارَةِ مِنْ طَهَارَتِهِ فَبِالْأَجْزَاءِ وَإِنْ كَانَ يُخَالِفُهُ فِيهَا فَبِتَغْيِيرِهِ أَكْثَرَهَا أَوْ فِي بَعْضِهَا فَبِغَلَبَةِ مَا بِهِ الْخِلَافُ، كَاللَّبَنِ يُخَالِفُ فِي الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ،

  46. فَإِنْ غَلَبَ لَوْنُهُ وَطَعْمُهُ مُنِعَ وَإِلَّا جَازَ،

  47. وَكَذَا مَاءُ الْبِطِّيخِ يُخَالِفُهُ فِي الطَّعْمِ فَتُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ فِيهِ بِالطَّعْمِ.

  48. وَالْوَجْهُ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْأَقْسَامِ مَا خَالَطَ جَامِدًا فَسَلَبَ رِقَّتَهُ وَجَرَيَانَهُ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَاءٍ مُقَيَّدٍ وَالْكَلَامُ فِيهِ، بَلْ لَيْسَ بِمَاءٍ أَصْلًا كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ

  49. ١/٧٤١/٧٤

    وَقَالَ مَالِكٌ رحمه الله : يَجُوزُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ لِمَا رَوَيْنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : يَجُوزُ إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» وَلَنَا حَدِيثُ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ مَنَامِهِ، وَقَوْلُهُ

  50. الْمُصَنِّفِ فِيمَا يَأْتِي قَرِيبًا فِي الْمُخْتَلَطِ بِالْأُشْنَانِ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ فَيَصِيرَ كَالسَّوِيقِ لِزَوَالِ اسْمِ الْمَاءِ عَنْهُ.

  51. (قَوْلُهُ وَقَالَ مَالِكٌ، إلَى قَوْلِهِ: لِمَا رَوَيْنَا) يَعْنِي الْمَاءُ طَهُورٌ إلَخْ، وَتَقَدَّمَ عَدَمُ صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْحَصْرِ الْمَذْكُورِ. وَلْنَذْكُرْ تِلْكَ الطَّرِيقَةَ الْمَوْعُودَةَ.

  52. قَالَ الشَّيْخُ تَقِي الدِّينِ: مِنْ غَرِيبِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ أَخْرَجَاهُ عَنْهُ قَالَ «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا بِأَرْضِ أَهْلِ كِتَابٍ أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: إنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا» وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد «إنَّا نُجَاوِرُ قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمْ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمْ الْخَمْرَ» فَذَكَرَهُ.

  53. وَحَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَزَادَةِ الْمُشْرِكَةِ،

  54. فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ الْإِنَاءِ وَالثَّانِي عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ، فَجَمْعُهُمَا بِأَنَّ النَّجَاسَةَ مَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِي الْمَاءِ لَمْ تُغَيِّرْهُ، لَكِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ لِلْكَرَاهَةِ.

  55. وَالْأَمْرَ بِالْغَسْلِ لِلنَّدَبِ لَا لِلنَّجَاسَةِ مَا لَمْ تَتَحَقَّقْ لِمَا ثَبَتَ مِنْ أَكْلِهِ ﷺ فِي بَيْتِ الْيَهُودِيَّةِ الَّتِي سَمَّتْهُ ﷺ .

  56. وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ «أَنَّهُ ﷺ أَضَافَهُ الْيَهُودِيُّ بِخُبْزٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ» فَإِنَّهُمَا يَقْتَضِيَانِ مَعَ عَدَمِ تَنَجُّسِ الْمَأْكُولِ عَدَمَ تَنَجُّسِ الْإِنَاءِ، إذْ لَا يُقَالُ فِي الطَّعَامِ إنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ رُوِيَ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ طَرِيقَيْنِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ رِشْدِينَ لِلْبَيْهَقِيِّ: أَحَدُهُمَا عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ بَقِيَّةِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه عَنْهُ ﷺ «إنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ» الثَّانِي عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ حَدَّثَنَا ثَوْرٌ بِهِ «الْمَاءُ لَا يَنْجُسُ إلَّا مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَالْحَدِيثُ غَيْرُ قَوِيٍّ (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ ) رَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُسْأَلُ عَنْ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ فَقَالَ إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ

  57. ١/٧٥١/٧٥

    عليه الصلاة والسلام «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَاَلَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ رحمه الله وَرَدَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ وَمَاؤُهَا كَانَ جَارِيًا فِي الْبَسَاتِينِ،

  58. وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا. قَالَ الْمُصَنِّفُ: ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد، قِيلَ لَعَلَّهُ فِي غَيْرِ سُنَنِهِ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاضْطِرَابَ الَّذِي وَقَعَ فِي سَنَدِهِ حَيْثُ اُخْتُلِفَ عَلَى أَبِي أُسَامَةَ، فَمَرَّةً يَقُولُ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِبَادِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَمَرَّةً عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَإِنْ دُفِعَ بِأَنَّ الْوَلِيدَ رَوَاهُ عَنْ كُلٍّ مِنْ الْمُحَمَّدَيْنِ فَحَدَّثَ مَرَّةً عَنْ أَحَدِهِمَا وَمَرَّةً عَنْ الْآخَرِ،

  59. وَكَذَا دُفِعَ تَغْلِيظُ أَبِي أُسَامَةَ فِي آخِرِ السَّنَدِ إذْ جَعَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَإِنَّمَا هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِأَنَّهُمَا ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَوَيَا عَنْهُ، بَقِيَ فِيهِ اضْطِرَابٌ كَثِيرٍ فِي مَتْنِهِ، فَفِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ «لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» وَرِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِسَنَدِهِ: سُئِلَ عَنْ الْمَاءِ يَكُونُ بِالْفَلَاةِ وَتَرِدُهُ السِّبَاعُ وَالْكِلَابُ فَذَكَرَ الْأَوَّلَ.

  60. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهُوَ غَرِيبٌ. وَقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْكِلَابُ وَالدَّوَابُّ.

  61. وَرَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْهُ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ عَاصِمٍ هُوَ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: دَخَلْت مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بُسْتَانًا فِيهِ مَقْرَى مَاءٍ فِيهِ جِلْدُ بَعِيرٍ مَيِّتٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ.

  62. ١/٧٦١/٧٦

    وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ رحمه الله ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد، وَهُوَ يَضْعُفُ عَنْ احْتِمَالِ النَّجَاسَةِ.

  63. فَقُلْت لَهُ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَفِيهِ جِلْدُ بَعِيرٍ مَيِّتٍ؟ فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» وَرَوَاهُ أَبُو مَسْعُودٍ الرَّازِيّ عَنْ يَزِيدَ فَلَمْ يَقُلْ أَوْ ثَلَاثًا. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ وَالْعُقَيْلِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ أَرْبَعِينَ قُلَّةً فَإِنَّهُ لَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ» وَضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالْقَاسِمِ.

  64. وَذَكَرَ أَنَّ الثَّوْرِيَّ وَمَعْمَرَ بْنَ رَاشِدٍ وَرَوْحَ بْنَ الْقَاسِمِ رَوَوْهُ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا،

  65. ثُمَّ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ جِهَةِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي الْمُنْكَدِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ أَرْبَعِينَ قُلَّةً لَمْ يَنْجُسْ» وَأَخْرَجَ رِوَايَةَ سُفْيَانَ مِنْ جِهَةِ وَكِيعٍ وَأَبِي نُعَيْمٍ عَنْهُ «إذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ قُلَّةً لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» وَأَخْرَجَ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ مِنْ جِهَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ جِهَةِ بِشْرِ بْنِ السَّرِيِّ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ قَالَ «إذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْرَ أَرْبَعِينَ قُلَّةً لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: كَذَا قَالَ، وَخَالَفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ رَوَوْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالُوا أَرْبَعِينَ غَرْبًا.

  66. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ أَرْبَعِينَ دَلْوًا. وَهَذَا الِاضْطِرَابُ يُوجِبُ الضَّعْفَ وَإِنْ وُثِّقَتْ الرِّجَالُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الِاضْطِرَابِ فِي مَعْنَاهُ أَيْضًا. وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ أَوْ هُوَ يَضْعُفُ إلَى آخِرِهِ: يَعْنِي لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا أَنَّهُ يَضْعُفُ عَنْ النَّجَاسَةِ فَيَتَنَجَّسُ، كَمَا يُقَالُ: هُوَ لَا يَحْمِلُ الْكَلَّ: أَيْ لَا يُطِيقُهُ، لَكِنَّ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ أَنَّهُ أَجَابَ السُّؤَالَ عَنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ الَّذِي تَنُوبُهُ السِّبَاعُ وَنَجَاسَتُهُ بِأَنَّهُ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ فِي الْقُلَّةِ يَنْجُسُ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إمَّا عَدَمُ تَمَامِ الْجَوَابِ إنْ لَمْ يُعْتَبَرْ مَفْهُومُ شَرْطِهِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُفِيدُ حُكْمَهُ إذَا زَادَ عَلَى الْقُلَّتَيْنِ وَالسُّؤَالُ عَنْ ذَلِكَ الْمَاءِ كَيْفَ كَانَ،

  67. وَأَمَّا اعْتِبَارُ الْمَفْهُومِ لِيَتِمَّ الْجَوَابُ. وَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ: إذَا كَانَ قُلَّتَيْنِ يَنْجُسُ لَا إنْ زَادَ،

  68. فَإِنْ وَجَبَ اعْتِبَارُهُ هُنَا لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَهُوَ كَيْ لَا يَلْزَمَ إخْلَاءُ السُّؤَالِ عَنْ الْجَوَابِ الْمُطَابِقُ كَانَ الثَّابِتُ بِهِ خِلَافَ الْمَذْهَبِ، إذَا لَمْ نَقُلْ بِأَنَّهُ إذَا زَادَ عَلَى قُلَّتَيْنِ شَيْئًا مَا لَا يَنْجُسُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الِاضْطِرَابُ فِي مَعْنَى الْقُلَّةِ فَإِنَّهُ مُشْتَرَكٌ يُقَالُ عَلَى الْحِرَّة وَالْقِرْبَةِ وَرَأْسِ الْجَبَلِ.

  69. وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي مُسْنَدِهِ: أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ بِإِسْنَادٍ لَا يَحْضُرُنِي «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: بِقِلَالِ هَجَرَ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: رَأَيْت قِلَالَ هَجَرَ فَالْقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يُجْعَلَ قِرْبَتَيْنِ وَنِصْفًا،

  70. فَإِذَا كَانَ خَمْسَ قِرَبٍ كِبَارٍ كَقِرَبِ الْحِجَازِ لَمْ يَنْجُسْ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ مُنْقَطِعٌ لِلْجَهَالَةِ.

  71. ثُمَّ سَبْرُ الْحَدِيثِ لِاسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ السَّنَدِ أَفَادَ وُجُودَ رَفْعِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي سَنَدٍ ذَكَرَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ مُغِيرَةَ بْنِ سِقْلَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ ﷺ «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» وَيُذْكَرُ أَنَّهُمَا فِرْقَانِ.

  72. قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: قَوْلُهُ

  73. ١/٧٧١/٧٧

    (وَالْمَاءُ الْجَارِي إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ جَازَ الْوُضُوءُ مِنْهُ

  74. فِي مَتْنِهِ " مِنْ قِلَالِ هَجَرَ " غَيْرُ مَحْفُوظٍ لَا يُذْكَرُ إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ مُغِيرَةَ بْنِ سِقْلَابٍ، يُكَنَّى أَبَا بِشْرٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ،

  75. ثُمَّ أَسْنَدَ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ فِيهِ مَا هُوَ أَقْطَعُ مِنْ هَذَا، وَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ ابْنُ جُرَيْجٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ هَذِهِ الْكَلِمَةَ، وَفِيهِ قَالَ مُحَمَّدٌ: قُلْت لِيَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ: أَيُّ قِلَالٍ؟ قَالَ: قِلَالُ هَجَرَ، قَالَ مُحَمَّدٌ: فَرَأَيْت قِلَالَ هَجَرَ فَأَظُنُّ كُلَّ قُلَّةٍ تَسَعُ فِرْقَيْنِ.

  76. فَهَذَا لَوْ كَانَ رَفْعًا لِلْكَلِمَةِ كَانَ مُرْسَلًا فَكَيْفَ وَلَيْسَ بِهِ. وَفِيهِ أَنَّ مَجْمُوعَ الْقُلَّتَيْنِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ رِطْلًا، وَفِي الْأَوَّلِ أَنَّهُمَا اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا وَهُوَ لَا يَقُولُ بِهِ. وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ سِقْلَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ ﷺ «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» وَالْقُلَّةُ أَرْبَعَةُ آصُعٍ.

  77. هَذَا تَلْخِيصُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِي الدِّينِ فِي الْإِمَامِ، وَبِهِ تَرَجَّحَ ضَعْفُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْإِلْمَامِ مَعَ شِدَّةِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ، وَمِمَّنْ ضَعَّفَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقَاضِي إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّونَ، وَفِي الْبَدَائِعِ عَنْ ابْنِ الْمَدِينِيِّ: لَا يَثْبُتُ حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ فَوَجَبَ الْعُدُولُ عَنْهُ،

  78. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ لِلْمَذْهَبِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ» كَمَا هُوَ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد، «أَوْ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ أَوْ فِيهِ» كَمَا هُوَ رِوَايَتَا الصَّحِيحَيْنِ لَا يَمَسُّ مَحَلَّ النِّزَاعِ، وَهَذَا لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْخِلَافِ إنَّمَا هُوَ فِي تَقْدِيرِ الْكَثِيرِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ تَنَجُّسُهُ عَلَى تَغَيُّرِهِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْكَثِيرَ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، فَحِينَئِذٍ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ النَّجَاسَةِ فِي الْكَمِّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: قُلَّتَانِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ آنِفًا.

  79. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: يُعْتَبَرُ فِيهِ أَكْبَرُ رَأْيِ الْمُبْتَلَى إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ بِحَيْثُ تَصِلُ النَّجَاسَةُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ وَإِلَّا جَازَ،

  80. وَعَنْهُ اعْتِبَارُهُ بِالتَّحْرِيكِ عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ بِالِاغْتِسَالِ أَوْ بِالْوُضُوءِ أَوْ بِالْيَدِ رِوَايَاتٌ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْكَرْخِيُّ وَصَاحِبُ الْغَايَةِ وَالْيَنَابِيعِ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِأَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَعْنِي عَدَمَ التَّحَكُّمِ بِتَقْدِيرٍ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَقْدِيرٌ شَرْعِيٌّ وَالتَّفْوِيضُ فِيهِ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِنَاءً عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ ثُبُوتِ تَقْدِيرِهِ شَرْعًا.

  81. وَالتَّقْدِيرُ بِعَشْرٍ فِي عَشْرٍ وَثَمَانٍ فِي ثَمَانٍ وَاثْنَيْ عَشَرَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ، وَتَرْجِيحُ الْأَوَّلِ أَخْذًا مِنْ حَرِيمِ الْبِئْرِ غَيْرُ مَنْقُولٍ عَنْ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: الْمَذْهَبُ الظَّاهِرُ التَّحَرِّي وَالتَّفْوِيضُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ بِالتَّقْدِيرِ،

  82. فَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ وُصُولُهَا تَنَجَّسَ،

  83. وَإِنْ غَلَبَ عَدَمُ وُصُولِهَا لَمْ يَنْجُسْ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ اهـ.

  84. وَمَا نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدٍ حِينَ سُئِلَ عَنْهُ إنْ كَانَ مِثْلَ مَسْجِدِي هَذَا فَكَثِيرٌ، فَقِيسَ حِينَ قَامَ فَكَانَ اثْنَيْ عَشَرَ فِي مِثْلِهَا، فِي رِوَايَةٍ: وَثَمَانِيًا فِي ثَمَانٍ فِي أُخْرَى لَا يَسْتَلْزِمُ تَقْدِيرَهُ بِهِ إلَّا فِي نَظَرِهِ، وَهُوَ لَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ كَوْنُهُ مَا اسْتَكْثَرَهُ الْمُبْتَلَى فَاسْتِكْثَارُ وَاحِدٍ لَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ بَلْ

  85. ١/٧٨١/٧٨

    إذَا لَمْ يُرَ لَهَا أَثَرٌ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ مَعَ جَرَيَانِ الْمَاءِ) وَالْأَثَرُ هُوَ الرَّائِحَةُ أَوْ الطَّعْمُ أَوْ اللَّوْنُ،

  86. يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَا يَقَعُ فِي قَلْبِ كُلٍّ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا عَلَى الْعَامِّيِّ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ.

  87. ثُمَّ رَأَيْت التَّصْرِيحَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَجَعَ عَنْ هَذَا قَالَ الْحَاكِمُ: قَالَ أَبُو عِصْمَةَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يُوَقِّتُ فِي ذَلِكَ عَشْرَةً فِي عَشْرَةٍ،

  88. ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ: لَا أُوَقِّتُ فِيهِ شَيْئًا،

  89. فَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَقَوْلُهُ ﷺ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» إنَّمَا يُفِيدُ تَنَجُّسَ الْمَاءِ فِي الْجُمْلَةِ لَا كُلَّ مَاءٍ، فَلَيْسَتْ اللَّامُ فِيهِ لِلِاسْتِغْرَاقِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْكَثِيرَ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِتَغَيُّرِهِ بِالنَّجَاسَةِ فَيَقُولُ الْخَصْمُ إذًا بِمُوجِبِهِ نَقُولُ، الْمُرَادُ أَنَّ بَعْضَ الْمَاءِ يَنْجُسُ، وَأَنَا أَقُولُ إنَّهُ إذَا تَغَيَّرَ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ يَنْجُسُ، وَبِذَلِكَ تَحْصُلُ الْمُطَابَقَةُ لِقَوْلِنَا الْمَاءُ يَنْجُسُ فِي الْجُمْلَةِ.

  90. فَالتَّحْقِيقُ فِي سَوْقِ الْخِلَافِيَّةِ أَنْ يُقَالَ: يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى غَيْرَ مُقَدَّرٍ بِشَيْءٍ لِعَدَمِ الْمُدْرَكِ الشَّرْعِيِّ قَوْلُ الْخَصْمِ بَلْ فِيهِ الْمُدْرَكُ وَهُوَ حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ قُلْنَا فِيهِ مَا تَقَدَّمَ. وَقَوْلُ مَالِكٍ: بَلْ فِيهِ وَهُوَ حَدِيثُ «الْمَاءُ طَهُورٌ» حَيْثُ أَنَاطَ الْكَثْرَةَ بِعَدَمِ التَّغَيُّرِ.

  91. قُلْنَا وَرَدَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَمَاؤُهَا كَانَ جَارِيًا فِي الْبَسَاتِينِ كَمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ الثَّلْجِيِّ بِالْمُثَلَّثَةِ عَنْ الْوَاقِدِيِّ قَالَ: كَانَتْ بِئْرُ بُضَاعَةَ طَرِيقًا لِلْمَاءِ إلَى الْبَسَاتِينِ، وَهَذَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عِنْدَنَا إذَا وَثَّقْنَا الْوَاقِدِيَّ، أَمَّا عِنْدَ الْمُخَالِفِ فَلَا لِتَضْعِيفِهِ إيَّاهُ مَعَ أَنَّهُ أَرْسَلَ هَذَا خُصُوصًا مَعَ ادِّعَائِهِمْ أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ حَالِ بِئْرِ بُضَاعَةَ فِي الْحِجَازِ غَيْرُ هَذَا،

  92. ثُمَّ لَوْ تَنَزَّلُوا عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُخْتَلِفَةِ كَانَ الْعِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ. وَالْجَوَابُ بِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْحَمْلِ لِدَفْعِ التَّعَارُضِ لَا يَنْتَهِضُ، إذْ لَا تَعَارُضَ لِأَنَّ حَاصِلَ النَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ تَنَجُّسُ الْمَاءِ الدَّائِمِ فِي الْجُمْلَةِ.

  93. وَحَاصِلُ: الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ عَدَمُ تَنَجُّسٍ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ بِحَسَبِ مَا هُوَ الْمُرَادُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ،

  94. وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ مَفْهُومَيْ هَاتَيْنِ الْقَضِيَّتَيْنِ.

  95. فَإِنْ قِيلَ هُنَا مُعَارِضٌ آخَرُ يُوجِبُ الْحَمْلَ الْمَذْكُورَ وَهُوَ حَدِيثُ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ مَنَامِهِ وَقَدْ خَرَّجْنَاهُ.

  96. قُلْنَا لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِتَنَجُّسِ الْمَاءِ بِتَقْدِيرِ كَوْنِ الْيَدِ نَجِسَةً، بَلْ ذَلِكَ تَعْلِيلٌ مِنَّا لِلنَّهْيِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ: أَعْنِي تَعْلِيلَهُ بِتَنَجُّسِ الْمَاءِ عَيْنًا بِتَقْدِيرِ نَجَاسَتِهَا لِجَوَازِ كَوْنِهِ الْأَعَمَّ مِنْ النَّجَاسَةِ وَالْكَرَاهَةِ فَنَقُولُ: نَهَى لِتَنَجُّسِ الْمَاءِ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهَا مُتَنَجِّسَةً بِمَا يُغَيِّرُ أَوْ الْكَرَاهَةِ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهَا بِمَا لَا يُغَيِّرُ، وَأَيْنَ هُوَ مِنْ ذَلِكَ الصَّرِيحِ الصَّحِيحِ لَكِنْ يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْمُعَارِضِ بِقَوْلِهِ ﷺ «طُهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ» الْحَدِيثَ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي نَجَاسَةَ الْمَاءِ وَلَا تَغَيُّرَ بِالْوُلُوغِ فَتَعَيَّنَ ذَلِكَ الْحَمْلُ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

  97. (قَوْلُهُ إذَا لَمْ يُرَ لَهَا أَثَرٌ) وَهُوَ الطَّعْمُ وَأَخَوَاهُ، فَلَوْ

  98. ١/٧٩١/٧٩

    وَالْجَارِي مَا لَا يَتَكَرَّرُ اسْتِعْمَالُهُ،

  99. وَقِيلَ مَا يَذْهَبُ بِتِبْنِهِ.

  100. قَالَ (وَالْغَدِيرُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا يَتَحَرَّكُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ بِتَحْرِيكِ الطَّرَفِ الْآخَرِ إذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي أَحَدِ جَانِبَيْهِ جَازَ الْوُضُوءُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ)

  101. بَالَ إنْسَانٌ فِيهِ فَتَوَضَّأَ آخَرُ مِنْ أَسْفَلِهِ جَازَ مَا لَمْ يَظْهَرْ فِي الْجِرْيَةِ أَثَرُهُ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: لَوْ كُسِرَتْ خَابِيَةٌ خَمْرٍ فِي الْفُرَاتِ وَرَجُلٌ يَتَوَضَّأُ أَسْفَلَ مِنْهُ فَمَا لَمْ يَجِدْ فِي الْمَاءِ طَعْمَ الْخَمْرِ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ جَازَ، هَذَا فَلَوْ اسْتَقَرَّتْ الْمَرْئِيَّةُ فِيهِ بِأَنْ كَانَتْ جِيفَةً مَثَلًا إنْ أَخَذَتْ الْجِرْيَةَ أَوْ نِصْفَهَا لَا يَجُوزُ مِنْ أَسْفَلِهَا وَإِنْ لَمْ يُرَ أَثَرٌ،

  102. وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ الْجِرْيَةِ فِي مَكَان طَاهِرٍ جَازَ، وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى مُخَصِّصٍ لِحَدِيثِ «الْمَاءُ طَهُورٌ» بَعْدَ حَمْلِهِ عَلَى الْجَارِي، فَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَجُوزَ التَّوَضِّي مِنْ أَسْفَلِهِ وَإِنْ أَخَذَتْ الْجِيفَةُ أَكْثَرَ الْمَاءِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ، وَيُوَافِقُهُ مَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي سَاقِيَةٍ صَغِيرَةٍ فِيهَا كَلْبٌ مَيِّتٌ سَدَّ عَرْضَهَا فَيَجْرِي الْمَاءُ فَوْقَهُ وَتَحْتَهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، نَقَلَهُ فِي الْيَنَابِيعِ عَنْهُ.

  103. وَالْعَذِرَاتُ فِي السَّطْحِ كَالْمَيِّتَةِ فِي الْمَاءِ إنْ كَانَ يَجْرِي عَلَيْهَا نِصْفُهُ أَوْ كَانَتْ عَلَى رَأْسِ الْمِيزَابِ فَهُوَ نَجِسٌ،

  104. وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً وَأَكْثَرُهُ يَجْرِي عَلَى الطَّاهِرِ فَهُوَ طَاهِرٌ،

  105. وَكَذَا مَاءُ الْمَطَرِ إذَا جَرَى عَلَى عَذِرَاتٍ وَاسْتَنْقَعَ فِي مَوْضِعٍ فَالْجَوَابُ كَذَلِكَ.

  106. وَأَمَّا التَّوَضِّي فِي عَيْنٍ وَالْمَاءُ يَخْرُجُ مِنْهَا فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ خُرُوجِهِ جَازَ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ إنْ كَانَ قَدْرُهُ أَرْبَعًا فِي أَرْبَعٍ فَأَقَلَّ،

  107. فَإِنْ كَانَ خَمْسًا فِي خَمْسٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ.

  108. وَاخْتَارَ السُّغْدِيُّ جَوَازَهُ، وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَخْرُجُ الْمُسْتَعْمَلُ قَبْلَ تَكْرِيرِ الِاسْتِعْمَالِ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الْمِسَاحَةِ أَوْ لَا، وَهَذِهِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى نَجَاسَةِ الْمُسْتَعْمَلِ (قَوْلُهُ وَالْجَارِي إلَخْ) وَقِيلَ فِيهِ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ جَارِيًا قِيلَ هُوَ الْأَصَحُّ، وَأَلْحَقُوا بِالْجَارِي حَوْضَ الْحَمَّامِ إذَا كَانَ الْمَاءُ يَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهُ حَتَّى لَوْ أُدْخِلَتْ الْقَصْعَةُ النَّجِسَةُ وَالْيَدُ النَّجِسَةُ فِيهِ لَا يَنْجُسُ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ تَدَارُكُ اغْتِرَافِ النَّاسِ مِنْهُ؟

  109. فِيهِ خِلَافٌ ذَكَرَهُ فِي الْمُنْيَةِ،

  110. ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ جَرَيَانِهِ لِمَدَدٍ لَهُ كَمَا فِي الْعَيْنِ وَالنَّهْرِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَمَا قِيلَ لَوْ اسْتَنْجَى بِقُمْقُمَةٍ فَلَمَّا صَبَّ مِنْهَا لَاقَى الْمَصْبُوبُ الْبَوْلَ قَبْلَ يَدِهِ فَهُوَ طَاهِرٌ لِأَنَّهُ مَاءٌ جَارٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا اسْتَنْجَى لَا يَصِيرُ نَجِسًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.

  111. قَالَ: وَنَظِيرُهُ مَا أَوْرَدَهُ الْمَشَايِخُ فِي الْكُتُبِ أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا كَانَ مَعَهُ مِيزَابٌ وَاسِعٌ وَإِدَاوَةُ مَاءٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَا يَتَيَقَّنُ وُجُودَ الْمَاءِ لَكِنَّهُ عَلَى طَمَعِهِ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْمُرَ أَحَدًا مِنْ رُفَقَائِهِ حَتَّى يَصُبَّ الْمَاءَ فِي طَرَفِ الْمِيزَابِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ وَعِنْدَ الطَّرَفِ الْآخَرِ إنَاءٌ طَاهِرٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ فَإِنَّهُ يَكُونُ الْمَاءُ طَاهِرًا وَطَهُورًا لِأَنَّهُ جَارٍ: قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْجَارِيَ إنَّمَا لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إذَا كَانَ لَهُ مَدَدٌ كَالْعَيْنِ وَالنَّهْرِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَمِمَّا أَشْبَهَهُ حَوْضَانِ صَغِيرَانِ يَخْرُجُ الْمَاءُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَيَدْخُلُ فِي الْآخَرِ فَتَوَضَّأَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ جَازَ لِأَنَّهُ جَارٍ،

  112. وَكَذَا إذَا قُطِعَ الْجَارِي مِنْ فَوْقَ وَقَدْ بَقِيَ جَرْيُ الْمَاءِ كَانَ جَائِزًا أَنْ يَتَوَضَّأَ بِمَا يَجْرِي فِي النَّهْرِ.

  113. وَذَكَرَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَقَالَ: وَالْمَاءُ الَّذِي اجْتَمَعَ فِي الْحُفَيْرَةِ الثَّانِيَةِ فَاسِدٌ، وَهَذَا مُطْلَقًا إنَّمَا هُوَ بِنَاءً عَلَى كَوْنِ الْمُسْتَعْمَلِ نَجِسًا،

  114. وَكَذَا كَثِيرٌ مِنْ أَشْبَاهِ هَذَا،

  115. فَأَمَّا عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ رِوَايَةِ أَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ فَلَا فَلْتُحْفَظْ لِيُفَرَّعَ عَلَيْهَا وَلَا يُفْتَى بِمِثْلِ هَذِهِ الْفُرُوعِ. وَقَوْلُهُمْ فِي الْحُفَيْرَةِ الثَّانِيَةِ إنَّ الْمُجْتَمِعَ فِيهَا نَجِسٌ بَعْدَ إلْحَاقِ مَحَلِّ الْوُضُوءِ الْجَارِي فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الْوَجْهُ أَنَّهُ طَاهِرٌ يُتَوَضَّأُ بِهِ كَمَا يَتَوَضَّأُ الْأَسْفَلُ مِنْ جِرْيَةِ الْمُتَوَضِّي الْأَعْلَى،

  116. وَمِثْلُهُ يَجِبُ فِيمَا قُطِعَ أَعْلَاهُ وَتَوَضَّأَ إنْسَانٌ بِالْجَارِي فِي النَّهْرِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهِ

  117. (قَوْلُهُ وَالْغَدِيرُ الْعَظِيمُ) تَقَدَّمَ فِي الْخِلَافِيَّةِ مَا يُغْنِي فِي الْكَلَامِ هُنَا. وَذِرَاعُ الْكِرْبَاسِ سِتُّ قَبَضَاتٍ لَيْسَ فَوْقَ كُلِّ قَبْضَةٍ أُصْبُعٌ قَائِمَةٌ

  118. ١/٨٠١/٨٠

    إذْ أَثَرُ التَّحْرِيكِ فِي السِّرَايَةِ فَوْقَ أَثَرِ النَّجَاسَةِ.

  119. ثُمَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُ يَعْتَبِرُ التَّحْرِيكَ بِالِاغْتِسَالِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله ،

  120. وَعَنْهُ التَّحْرِيكُ بِالْيَدِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله بِالتَّوَضِّي. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الِاغْتِسَالِ فِي الْحِيَاضِ أَشَدُّ مِنْهَا إلَى التَّوَضِّي، وَبَعْضُهُمْ قَدَّرُوا بِالْمِسَاحَةِ عَشْرًا فِي عَشْرٍ بِذِرَاعِ الْكِرْبَاسِ تَوْسِعَةً لِلْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى،

  121. وَجَعَلَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ سَبْعًا، وَذِرَاعُ الْمِسَاحَةِ سَبْعٌ فَوْقَ كُلِّ قَبْضَةٍ أُصْبُعٌ قَائِمَةٌ، وَهَلْ الْمُعْتَبَرِ ذِرَاعُ الْمَسَّاحَةِ أَوْ الْكِرْبَاسِ أَوْ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ ذُرْعَانُهُمْ أَقْوَالٌ كُلٌّ مِنْهَا صَحَّحَهُ مَنْ ذَهَبَ إلَيْهِ، وَالْكُلُّ فِي الْمُرَبَّعِ،

  122. فَإِنْ كَانَ الْحَوْضُ مُدَوَّرًا فَقُدِّرَ بِأَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَالْمُخْتَارُ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ، وَفِي الْحِسَابِ يُكْتَفَى بِأَقَلَّ مِنْهَا بِكَسْرٍ لِلنِّسْبَةِ لَكِنْ يُفْتَى بِسِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ كَيْ لَا يَتَعَسَّرَ رِعَايَةُ الْكَسْرِ، وَالْكُلُّ تَحَكُّمَاتٌ غَيْرُ لَازِمَةٍ إنَّمَا الصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ عَدَمِ التَّحَكُّمِ بِتَقْدِيرٍ مَعِينٍ.

  123. وَفِي الْفَتَاوَى: غَدِيرٌ كَبِيرٌ لَا يَكُونُ فِيهِ الْمَاءُ فِي الصَّيْفِ وَتَرُوثُ فِيهِ الدَّوَابُّ وَالنَّاسُ ثُمَّ يَمْتَلِئُ فِي الشِّتَاءِ وَيُرْفَعُ مِنْهُ الْجَمْدُ إنْ كَانَ الْمَاءُ الَّذِي يَدْخُلُهُ يَدْخُلُ عَلَى مَكَان نَجِسٍ فَالْمَاءُ وَالْجَمْدُ نَجِسٌ وَإِنْ كَثُرَ بَعْدَ ذَلِكَ،

  124. وَإِنْ كَانَ دَخَلَ فِي مَكَان طَاهِرٍ وَاسْتَقَرَّ فِيهِ حَتَّى صَارَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ ثُمَّ انْتَهَى إلَى النَّجَاسَةِ فَالْمَاءُ وَالْجَمْدُ طَاهِرَانِ.

  125. اهـ. وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرُوا مِنْ أَنَّ الْمَاءَ النَّجِسَ إذَا دَخَلَ عَلَى مَاءِ الْحَوْضِ الْكَبِيرِ لَا يُنَجِّسُهُ،

  126. وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ النَّجِسُ غَالِبًا عَلَى الْحَوْضِ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَتَّصِلُ بِالْحَوْضِ الْكَبِيرِ يَصِيرُ مِنْهُ فَيُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ، وَعَلَى هَذَا فَمَاءُ بِرْكَةِ الْفِيلِ بِالْقَاهِرَةِ طَاهِرٌ إذَا كَانَ مَمَرُّهُ طَاهِرًا أَوْ أَكْثَرُ مَمَرِّهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَاءِ السَّطْحِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ آنِفًا لِأَنَّهَا لَا تَجِفُّ

  127. ١/٨١١/٨١

    وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْعُمْقِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يَنْحَسِرُ بِالِاغْتِرَافِ هُوَ الصَّحِيحُ.

  128. كُلُّهَا بَلْ لَا يَزَالُ بِهَا غَدِيرٌ عَظِيمٌ،

  129. فَلَوْ أَنَّ الدَّاخِلَ اجْتَمَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى ذَلِكَ الْمَاءِ الْكَثِيرِ بِهَا فِي مَكَان نَجِسٍ حَتَّى صَارَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ ثُمَّ اتَّصَلَ بِذَلِكَ الْمَاءِ الْكَثِيرِ كَانَ الْكُلُّ طَاهِرًا، هَذَا إذَا كَانَ الْغَدِيرُ الْبَاقِي مَحْكُومًا بِطَهَارَتِهِ،

  130. وَلَوْ سَقَطَتْ نَجَاسَةٌ فِي مَاءٍ دُونَ عَشْرٍ ثُمَّ انْبَسَطَ فَصَارَ عَشْرًا فَهُوَ نَجِسٌ،

  131. وَكَذَا إذَا دَخَلَهُ مَاءٌ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى صَارَ عَشْرًا،

  132. وَلَوْ سَقَطَتْ فِي عَشْرٍ ثُمَّ صَارَ أَقَلَّ فَهُوَ طَاهِرٌ،

  133. وَإِذَا تَنَجَّسَ حَوْضٌ صَغِيرٌ فَدَخَلَهُ مَاءٌ حَتَّى امْتَلَأَ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ نَجِسٌ، أَوْ خَرَجَ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ ذَكَرْنَاهُ،

  134. وَلَوْ جَمَدَ حَوْضٌ كَبِيرٌ فَنَقَبَ فِيهِ إنْسَانٌ نَقْبًا فَتَوَضَّأَ فِيهِ،

  135. فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مُتَّصِلًا بِبَاطِنِ النَّقْبِ لَا يَجُوزُ وَإِلَّا جَازَ،

  136. وَكَذَا الْحَوْضُ الْكَبِيرُ إذَا كَانَ لَهُ مَشَارِعُ فَتَوَضَّأَ فِي مَشْرَعَةٍ، أَوْ اغْتَسَلَ وَالْمَاءُ مُتَّصِلٌ بِأَلْوَاحِ الْمَشْرَعَةِ وَلَا يَضْطَرِبُ لَا يَجُوزُ،

  137. وَإِنْ كَانَ أَسْفَلَ مِنْهَا جَازَ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ كَالْحَوْضِ الصَّغِيرِ فَيَغْتَرِفُ وَيَتَوَضَّأُ مِنْهُ لَا فِيهِ، وَفِي الثَّانِي حَوْضٌ كَبِيرٌ مُسَقَّفٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ التَّفَارِيعِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكُتُبِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْعَشْرِ فِي الْعَشْرِ،

  138. فَأَمَّا عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ اعْتِبَارِ غَلَبَةِ الظَّنِّ فَيُوضَعُ مَكَانَ لَفْظِ عَشْرٍ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ لَفْظُ كَثِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ ثُمَّ تَجْرِي التَّفَارِيعُ.

  139. (قَوْلُهُ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْعُمْقِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يَنْحَسِرُ إلَى آخِرِهِ) وَقِيلَ ذِرَاعٌ،

  140. وَقِيلَ شِبْرٌ بِزِيَادَةٍ عَلَى عَرْضِ الدِّرْهَمِ الْكَبِيرِ الْمِثْقَالِ. قِيلَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ وَجْهَ الْأَرْضِ يَكْفِي،

  141. وَلَا تَقْدِيرَ فِيهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَاتِّصَالُ الْقَصَبِ بِالْقَصَبِ لَا يَمْنَعُ اتِّصَالَ الْمَاءِ وَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ غَدِيرًا عَظِيمًا فَيَجُوزُ لِهَذَا التَّوَضِّي فِي الْأَجَمَةِ وَنَحْوِهَا. [فُرُوعٌ]

  142. لَوْ تَنَجَّسَ الْحَوْضُ الصَّغِيرُ ثُمَّ دَخَلَ فِيهِ مَاءٌ آخَرُ وَخَرَجَ حَالَ دُخُولِهِ طَهُرَ وَإِنْ قَلَّ،

  143. وَقِيلَ لَا حَتَّى يُخْرِجَ قَدْرَ مَا فِيهِ،

  144. وَقِيلَ حَتَّى يُخْرِجَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالِهِ. وَسَائِرُ الْمَائِعَاتِ كَالْمَاءِ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ: يَعْنِي كُلَّ مِقْدَارٍ لَوْ كَانَ مَاءً تَنَجَّسَ،

  145. فَإِذَا كَانَ غَيْرَهُ تَنَجَّسَ وَلَوْ كَانَ لِلْمَاءِ طُولٌ دُونَ عَرْضٍ. قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ وَغَيْرِهِ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ ضُمَّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ يَصِيرُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ فَهُوَ كَثِيرٌ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى التَّقْدِيرِ بِعَشْرٍ،

  146. وَلَوْ فَرَّعْنَا عَلَى الْأَصَحِّ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ لَوْ ضُمَّ،

  147. وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَ عُمْقٌ بِلَا سِعَةٍ وَلَوْ بُسِطَ بَلَغَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ صَحَّحَ جَعْلَهُ كَثِيرًا، وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ لِأَنَّ مَدَارَ الْكَثْرَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى تَحْكِيمِ الرَّأْيِ فِي عَدَمِ خُلُوصِ النَّجَاسَةِ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَعِنْدَ تَقَارُبِ الْجَوَانِبِ لَا شَكَّ فِي غَلَبَةِ الْخُلُوصِ إلَيْهِ وَالِاسْتِعْمَالُ يَقَعُ مِنْ السَّطْحِ لَا مِنْ الْعُمْقِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا اخْتَارَهُ فِي الِاخْتِيَارِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَرْضٌ فَأَقْرَبُ الْأُمُورِ الْحُكْمُ بِوُصُولِ النَّجَاسَةِ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْ عَرْضِهِ، وَبِهِ خَالَفَ حُكْمَ الْكَثِيرِ إذْ لَيْسَ حُكْمُ الْكَثِيرِ تَنَجُّسَ الْجَانِبِ الْآخَرِ بِسُقُوطِهَا فِي مُقَابِلِهِ بِدُونِ تَغَيُّرٍ، وَأَنْتَ إذَا حَقَّقْت الْأَصْلَ الَّذِي بَيَّنَّاهُ قَبِلْت مَا وَافَقَهُ وَتَرَكْت مَا خَالَفَهُ

  148. ١/٨٢١/٨٢

    وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ وَجَازَ الْوُضُوءُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ، إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَنْجُسُ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِظُهُورِ أَثَرِ النَّجَاسَةِ فِيهِ كَالْمَاءِ الْجَارِي.

  149. قَالَ (وَمَوْتُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ فِي الْمَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ كَالْبَقِّ وَالذُّبَابِ وَالزَّنَابِيرِ وَالْعَقْرَبِ وَنَحْوِهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : يُفْسِدُهُ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ آيَةُ النَّجَاسَةِ،

  150. بِخِلَافِ دُودِ الْخَلِّ وَسُوسِ الثِّمَارِ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً، وَلَنَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام فِيهِ «هَذَا هُوَ الْحَلَالُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَالْوُضُوءُ مِنْهُ» وَلِأَنَّ الْمُنَجَّسَ هُوَ اخْتِلَاطُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ بِأَجْزَائِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ،

  151. (قَوْلُهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ مَكَانُ الْوُقُوعِ) وَعَلَى هَذَا صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ وَالْبَدَائِعِ وَجَعَلَهُ شَارِحُ الْكَنْزِ الْأَصَحَّ وَمَشَايِخُ بُخَارَى وَبَلْخٍ قَالُوا فِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ يَتَوَضَّأُ مِنْ جَانِبِ الْوُقُوعِ. وَفِي الْمَرْئِيَّةِ لَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ كَالْجَارِي لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي تَصْحِيحُهُ، فَيَنْبَغِي عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَرْئِيَّةِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّ الدَّلِيلَ إنَّمَا يَقْتَضِي عِنْدَ الْكَثْرَةِ عَدَمَ التَّنَجُّسِ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَهُوَ أَيْضًا الْحُكْمُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ نَقْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَيُوَافِقُهُ مَا فِي الْمُبْتَغَى: قَوْمٌ يَتَوَضَّئُونَ صَفًّا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ جَازَ، فَكَذَا فِي الْحَوْضِ لِأَنَّ مَاءَ الْحَوْضِ فِي حُكْمِ مَاءٍ جَارٍ.

  152. اهـ. وَإِنَّمَا أَرَادَ الْحَوْضَ الْكَبِيرَ بِالضَّرُورَةِ. [فُرُوعٌ]

  153. يُتَوَضَّأُ مِنْ الْحَوْضِ الَّذِي يُخَافُ فِيهِ قَذَرٌ وَلَا يُتَيَقَّنُ،

  154. وَلَا يَجِبُ أَنْ يَسْأَلَ إذْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ، وَالْأَصْلُ دَلِيلٌ يُطْلِقُ الِاسْتِعْمَالَ. وَقَالَ عُمَرُ حِينَ سَأَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ صَاحِبَ الْحَوْضِ: أَتَرِدُهُ السِّبَاعُ يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ؟ لَا تُخْبِرْنَا ذَكَرَهُ فِي الْمُوَطَّأِ.

  155. وَكَذَا إذَا وُجِدَ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ وَالرِّيحِ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ نَجَاسَةٍ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ قَدْ يَكُونُ بِطَاهِرٍ وَقَدْ يَنْتُنُ الْمَاءُ لِلْمُكْثِ،

  156. وَكَذَا الْبِئْرُ الَّتِي يُدْلَى فِيهَا الدِّلَاءُ وَالْجِرَارُ الدَّنِسَةُ يَحْمِلُهَا الصِّغَارُ وَالْعَبِيدُ لَا يَعْلَمُونَ الْأَحْكَامَ وَيَمَسُّهَا الرُّسْتَاقِيُّونَ بِالْأَيْدِي الدَّنِسَةِ مَا لَمْ يُعْلَمْ يَقِينًا النَّجَاسَةُ،

  157. وَلَوْ ظَنَّ الْمَاءَ نَجِسًا فَتَوَضَّأَ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ طَاهِرٌ جَازَ. وَفِي فَوَائِدِ الرُّسْتُغْفَنِيِّ: التَّوَضِّي بِمَاءِ الْحَوْضِ أَفْضَلُ مِنْ النَّهْرِ لِأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ لَا يُجِيزُونَهُ مِنْ الْحِيَاضِ فَيُرْغِمُهُمْ بِالْوُضُوءِ مِنْهَا اهـ. وَهَذَا إنَّمَا يُفِيدُ الْأَفْضَلِيَّةَ لِهَذَا الْعَارِضِ، فَفِي مَكَان لَا يَتَحَقَّقُ النَّهْرُ أَفْضَلُ.

  158. قَالُوا: وَلَا بَأْسَ بِالتَّوَضِّي مِنْ حُبٍّ يُوضَعُ كُوزُهُ فِي نَوَاحِي الدَّارِ وَيُشْرَبُ مِنْهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ بِهِ قَذَرٌ،

  159. وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَخْلِصَ لِنَفْسِهِ إنَاءً يَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَلَا يَتَوَضَّأُ مِنْهُ غَيْرُهُ

  160. (قَوْلُهُ وَلَنَا قَوْلُهُ ﷺ «هَذَا هُوَ الْحَلَالُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ» إلَى آخِرِهِ)

  161. ١/٨٣١/٨٣

    حَتَّى حَلَّ الْمُذَكَّى لِانْعِدَامِ الدَّمِ فِيهِ وَلَا دَمَ فِيهَا، وَالْحُرْمَةُ لَيْسَتْ مِنْ ضَرُورَتِهَا النَّجَاسَةُ كَالطِّينِ.

  162. قَالَ (وَمَوْتُ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ فِيهِ لَا يُفْسِدُهُ كَالسَّمَكِ وَالضُّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ)

  163. عَنْ سَلْمَانَ رضي الله عنه ، عَنْهُ ﷺ قَالَ «يَا سَلْمَانُ كُلُّ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَقَعَتْ فِيهِ دَابَّةٌ لَيْسَ لَهَا دَمٌ فَمَاتَتْ فِيهِ فَهُوَ حَلَالٌ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَوَضُوءُهُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: لَمْ يَرْفَعْهُ إلَّا بَقِيَّةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الزُّبَيْدِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ اهـ.

  164. وَأَعَلَّهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِجَهَالَةِ سَعِيدٍ وَدُفِعَا بِأَنَّ بَقِيَّةَ هَذَا هُوَ ابْنُ الْوَلِيدِ رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ مِثْلُ الْحَمَّادَيْنِ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَوَكِيعٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَشُعْبَةَ، وَنَاهِيكَ بِشُعْبَةَ وَاحْتِيَاطِهِ. قَالَ يُحْيِي: كَانَ شُعْبَةُ مُبَجِّلًا لِبَقِيَّةِ حِينَ قَدِمَ بَغْدَادَ، وَقَدْ رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ،

  165. وَأَمَّا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا فَذَكَرَهُ الْخَطِيبُ، وَقَالَ: وَاسْمُ أَبِيهِ عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَكَانَ ثِقَةً فَانْتَفَتْ الْجَهَالَةُ، وَالْحَدِيثُ مَعَ هَذَا لَا يَنْزِلُ عَنْ الْحَسَنِ (قَوْلُهُ حَتَّى حَلَّ الْمُذَكَّى لِانْعِدَامِ الدَّمِ فِيهِ) يَعْنِي أَنَّ سَبَبَ شَرْعِيَّةِ الذَّكَاةِ فِي الْأَصْلِ سَبَبًا لِلْحِلِّ زَوَالُ الدَّمِ بِهَا.

  166. ثُمَّ إنَّ الشَّارِعَ أَقَامَ نَفْسَ الْفِعْلِ مِنْ الْأَهْل مَقَامَ زَوَالِهِ، حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ الْخُرُوجُ بِمَانِعٍ كَأَنْ أَكَلَتْ وَرَقَ الْعُنَّابِ حَلَّ اعْتِبَارًا لَهُ خَارِجًا.

  167. (قَوْلُهُ وَمَوْتُ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ إلَخْ) هَذِهِ دَاخِلَةٌ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا لِأَنَّ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ لَا دَمَ فِيهِ،

  168. ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ فِي الْمَاءِ أَوْ خَارِجَهُ ثُمَّ يُنْقَلُ إلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ، وَغَيْرُ الْمَاءِ مِنْ الْمَائِعَاتِ كَالْمَاءِ لِأَنَّ الْمُنَجِّسَ

  169. ١/٨٤١/٨٤

    وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : يُفْسِدُهُ إلَّا السَّمَكُ لِمَا مَرَّ. وَلَنَا أَنَّهُ مَاتَ فِي مَعْدِنِهِ فَلَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ كَبَيْضَةٍ حَالَ مُحُّهَا دَمًا، وَلِأَنَّهُ لَا دَمَ فِيهَا، إذْ الدَّمَوِيُّ لَا يَسْكُنُ الْمَاءَ وَالدَّمُ هُوَ الْمُنَجِّسُ، وَفِي غَيْرِ الْمَاءِ قِيلَ غَيْرُ السَّمَكِ يُفْسِدُهُ لِانْعِدَامِ الْمَعْدِنِ.

  170. وَقِيلَ لَا يُفْسِدُهُ لِعَدَمِ الدَّمِ وَهُوَ الْأَصَحُّ.

  171. هُوَ الدَّمُ وَلَا دَمَ لِلْمَائِيِّ، وَلِذَا لَوْ شُمِّسَ دَمُ السَّمَكِ يَبْيَضُّ وَلَوْ كَانَ دَمًا لَاسْوَدَّ. نَعَمْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله إذَا تَفَتَّتَ الضُّفْدَعُ فِي الْمَاءِ كَرِهْتُ شُرْبَهُ لَا لِلنَّجَاسَةِ بَلْ لِحُرْمَةِ لَحْمِهِ وَقَدْ صَارَتْ أَجْزَاؤُهُ فِيهِ. وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ كَرَاهَةَ شُرْبِهِ تَحْرِيمِيَّةٌ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي التَّجْنِيسِ فَقَالَ يَحْرُمُ شُرْبُهُ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ لَا دَمَ فِيهَا) هَذَا التَّعْلِيلُ هُوَ الْأَصَحُّ،

  172. بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ سَبُعٌ فِي الْبِرِّ لَا يَنْجُسُ لِأَنَّهُ مَاتَ فِي مَعْدِنِهِ كَذَا قِيلَ، وَكَوْنُ الْبَرِّيَّةِ مَعْدِنًا لِلسَّبُعِ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ فِي مَعْنَى مَعْدِنِ الشَّيْءِ، وَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ الشَّيْءُ، وَعَلَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ فَرْعُ مَا لَوْ وَقَعَتْ الْبَيْضَةُ مِنْ الدَّجَاجَةِ فِي الْمَاءِ رَطْبَةً أَوْ يَبِسَتْ ثُمَّ وَقَعَتْ،

  173. وَكَذَا السَّخْلَةُ إذَا سَقَطَتْ مِنْ أُمِّهَا رَطْبَةً أَوْ يَبِسَتْ لَا يَنْجُسُ الْمَاءُ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي مَعْدِنِهَا. وَقَوْلُنَا النَّجَاسَةُ فِي مَحِلِّهَا لَا يُعْطَى لَهَا حُكْمُ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ صَلَّى حَامِلُ فَأْرَةٍ حَيَّةٍ جَازَتْ لَا مَيِّتَةٍ لِانْصِبَابِ الدَّمِ عَنْ مَجْرَاهُ بِالْمَوْتِ، وَلِذَا لَوْ قُطِعَ عِرْقٌ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ الدَّمُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مِثْلَ هَذَا

  174. ١/٨٥١/٨٥

    وَالضُّفْدَعُ الْبَحْرِيُّ وَالْبَرِّيُّ فِيهِ سَوَاءٌ.

  175. وَقِيلَ الْبَرِّيُّ مُفْسِدٌ لِوُجُودِ الدَّمِ وَعَدَمِ الْمَعْدِنِ، وَمَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ مَا يَكُونُ تَوَلُّدُهُ وَمَثْوَاهُ فِي الْمَاءِ، وَمَائِيُّ الْمَعَاشِ دُونَ مَائِيِّ الْمَوْلِدِ مُفْسِدٌ.

  176. قَالَ

  177. (وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي طَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ) خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.

  178. (قَوْلُهُ وَالضُّفْدَعُ الْبَحْرِيُّ) هُوَ مَا يَكُونُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ سُتْرَةٌ

  179. بِخِلَافِ الْبَرِّيِّ (قَوْلُهُ لِوُجُودِ الدَّمِ) إنْ ثَبَتَ هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُتَرَدَّدَ فِي أَنَّهُ مُفْسِدٌ، وَفِي التَّجْنِيسِ لَوْ كَانَ لِلضُّفْدَعِ دَمٌ سَائِلٌ يُفْسِدُ أَيْضًا،

  180. وَمِثْلُهُ لَوْ مَاتَتْ حَيَّةٌ بَرِّيَّةٌ لَا دَمَ فِيهَا فِي إنَاءٍ لَا يَنْجُسُ وَإِنْ كَانَ فِيهَا دَمٌ يَنْجُسْ

  181. (قَوْلُهُ وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ) تَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ فِي حُكْمِهِ وَصِفَتِهِ وَسَبَبِ ثُبُوتِهَا لَهُ وَوَقْتِ ذَلِكَ، قَدَّمَ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ أَهَمُّ،

  182. وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ أَثْبَتَ فِيهِ مَشَايِخُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ الْخِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَاخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ، فَالْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مُغَلِّظُ النَّجَاسَةِ، وَأَبُو يُوسُفَ عَنْهُ مُخَفِّفُهَا، وَمُحَمَّدٌ عَنْهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ، وَكُلٌّ أَخَذَ بِمَا رَوَاهُ.

  183. وَقَالَ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ: إنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا. وَاخْتَارَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ مَشَايِخِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ طَهَارَتَهُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَعْلُومَ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ أَنَّ الْآلَةَ الَّتِي تُسْقِطُ الْفَرْضَ وَتُقَامُ بِهَا الْقُرْبَةُ تَتَدَنَّسُ،

  184. وَأَمَّا الْحُكْمُ بِنَجَاسَةِ الْعَيْنِ شَرْعًا فَلَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَصْلَهُ مَالُ الزَّكَاةِ تَدَنَّسَ بِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ حَتَّى جَعَلَ مِنْ الْأَوْسَاخِ فِي لَفْظِهِ ﷺ فَحَرُمَ عَلَى مَنْ شَرُفَ بِقَرَابَتِهِ النَّاصِرَةِ لَهُ وَلَمْ تَصِل مَعَ هَذَا إلَى النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ صَلَّى حَامِلُ دَرَاهِمِ الزَّكَاةِ صَحَّتْ، فَكَذَا يَجِبُ فِي الْمَاءِ أَنْ يَتَغَيَّرَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَصِلُ إلَى التَّنْجِيسِ، وَهُوَ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ إلَّا أَنْ يَقُومَ فِيهِ دَلِيلٌ يَخُصُّهُ غَيْرُ هَذَا الْقِيَاسِ.

  185. فَإِنْ قِيلَ قَدْ وَجَدْنَاهُ فَإِنَّ الْخَطَايَا تَخْرُجُ مَعَ الْمَاءِ، وَهِيَ قَاذُورَاتٌ يَنْتِجُ مِنْ الشَّكْلِ الثَّالِثِ بَعْضُ الْقَاذُورَاتِ يَخْرُجُ مَعَ الْمَاءِ وَبِذَلِكَ يَنْجُسُ. أَمَّا الصُّغْرَى فَلِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا تَوَضَّأَ الْمُؤْمِنُ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَمِيعِ بَدَنِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ» وَأَمَّا الْكُبْرَى فَلِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ اُبْتُلِيَ مِنْكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ» فَالْجَوَابُ مَنْعُ أَنَّ إطْلَاقَ الْقَاذُورَاتِ عَلَى الْخَطَايَا حَقِيقِيٌّ، أَمَّا لُغَةً فَظَاهِرٌ،

  186. وَأَمَّا شَرْعًا فَلِجَوَازِ صَلَاةِ مَنْ اُبْتُلِيَ بِهَا عَقِيبَ وُضُوئِهِ إذَا لَمْ تَكُنْ مِنْ النَّوَاقِضِ دُونَ غَسْلِ بَدَنِهِ.

  187. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ» فَغَايَةُ مَا يُفِيدُ نَهْيُ الِاغْتِسَالِ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ،

  188. وَيَجُوزُ كَوْنُهَا لِكَيْ لَا تَسْلُبَ الطَّهُورِيَّةَ فَيَسْتَعْمِلُهُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِذَلِكَ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ وَيُصَلِّي.

  189. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ كَوْنِهِ يَتَنَجَّسُ فَيَسْتَعْمِلُهُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِحَالِهِ فِي لُزُومِ الْمَحْذُورِ وَهُوَ الصَّلَاةُ مَعَ الْمُنَافِي فَيَصْلُحُ كَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُشِيرًا لِلنَّهْيِ الْمَذْكُورِ.

  190. وَجْهُ رِوَايَةِ النَّجَاسَةِ، قِيَاسُ أَصْلِهِ: الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَالْفَرْعُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْحُكْمِيَّةِ بِجَامِعِ الِاسْتِعْمَالِ فِي النَّجَاسَةِ بِنَاءً عَلَى إلْغَاءِ وَصْفِ الْحَقِيقِيِّ فِي ثُبُوتِ النَّجَاسَةِ، ذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى الْحَقِيقِيَّةِ لَيْسَ إلَّا

  191. ١/٨٦١/٨٦

    هُمَا يَقُولَانِ إنَّ الطَّهُورَ مَا يُطَهِّرُ غَيْرَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَالْقَطُوعِ. وَقَالَ زُفَرُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ رحمه الله :

  192. كَوْنُ النَّجَاسَةِ مَوْصُوفًا بِهَا جِسْمٌ مَحْسُوسٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ عَنْ الْمُكَلَّفِ، لَا أَنَّ وَصْفَ النَّجَاسَةِ حَقِيقَةٌ لَا تَقُومُ إلَّا بِجِسْمٍ كَذَلِكَ.

  193. وَفِي غَيْرِهِ مَجَازٌ بَلْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ وَاحِدٌ فِي ذَلِكَ الْجِسْمِ وَفِي الْحَدَثِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُتَحَقِّقُ لَنَا مِنْ مَعْنَاهَا سِوَى أَنَّهَا اعْتِبَارٌ شَرْعِيٌّ مَنَعَ الشَّارِعُ مِنْ قُرْبَانِ الصَّلَاةِ وَالسُّجُودِ حَالَ قِيَامِهِ لِمَنْ قَامَ بِهِ إلَى غَايَةِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِيهِ،

  194. فَإِذَا اسْتَعْمَلَهُ قَطَعَ ذَلِكَ الِاعْتِبَارُ كُلَّ ذَلِكَ ابْتِلَاءً لِلطَّاعَةِ،

  195. فَأَمَّا أَنَّ هُنَاكَ وَصْفًا حَقِيقِيًّا عَقْلِيًّا أَوْ مَحْسُوسًا فَلَا،

  196. وَمَنْ ادَّعَاهُ لَا يَقْدِرُ فِي إثْبَاتِهِ عَلَى غَيْرِ الدَّعْوَى فَلَا يُقْبَلُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اعْتِبَارٌ اخْتِلَافُهُ بِاخْتِلَافِ الشَّرَائِعِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَمْرَ مَحْكُومٌ بِنَجَاسَتِهِ فِي شَرِيعَتِنَا وَبِطَهَارَتِهِ فِي غَيْرِهَا فَعُلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ سِوَى اعْتِبَارٍ شَرْعِيٍّ أَلْزَمَ مَعَهُ كَذَا إلَى غَايَةِ كَذَا ابْتِلَاءً، وَفِي هَذَا لَا تَفَاوُتَ بَيْنَ الدَّمِ وَالْحَدَثِ فَإِنَّهُ أَيْضًا لَيْسَ إلَّا نَفْسَ ذَلِكَ الِاعْتِبَارِ، فَظَهَرَ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ نَفْسُ وَصْفِ النَّجَاسَةِ وَهُوَ مُشْتَرَكٌ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَثَبَتَ مِثْلُ حُكْمِ الْأَصْلِ وَهُوَ نَجَاسَةُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ فِي الْفَرْعِ وَهُوَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْحَدَثِ فَيَكُونُ نَجِسًا إلَّا أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَنْتَهِضُ عَلَى مَنْ يُسَلِّمُ كَوْنَ حُكْمِ الْأَصْلِ ذَلِكَ كَمَالِكٍ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ،

  197. وَأَمَّا مَنْ يَشْتَرِطُ فِي نَجَاسَتِهِ خُرُوجَهُ مِنْ الثَّوْبِ مُتَغَيِّرًا بِلَوْنِ النَّجَاسَةِ كَالشَّافِعِيِّ فَلَا فَعِنْدَهُ الْمَاءُ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِي الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي لَا لَوْنَ لَهَا يُغَايِرُ لَوْنَ الْمَاءِ كَالْبَوْلِ طَاهِرٌ يَجُوزُ شُرْبُهُ وَغَسْلُ الثَّوْبِ بِهِ دُونَ إزَالَةِ الْحَدَثِ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مُسْتَعْمَلٌ، وَهُوَ لَا يُقْصِرُ وَصْفَ الِاسْتِعْمَالِ عَلَى رَافِعِ الْحَدَثِ، فَإِنَّمَا يَنْتَهِضُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْكَلَامِ مَعَهُ فِي نَفْسِ هَذَا التَّفْصِيلِ وَهُوَ سَهْلٌ، غَيْرَ أَنَّا لَسْنَا إلَّا بِصَدَدِ تَوْجِيهِ رِوَايَةِ نَجَاسَةِ الْمُسْتَعْمَلِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى أُصُولِنَا فَإِنْ قِيلَ: لَوْ تَمَّ مَا ذَكَرْت كَانَ لِلْبَلْوَى تَأْثِيرٌ فِي سُقُوطِ حُكْمِهِ.

  198. فَالْجَوَابُ الضَّرُورَةُ لَا يَعْدُو حُكْمُهَا مَحَلَّهَا، وَالْبَلْوَى فِيهِ إنَّمَا هِيَ فِي الثِّيَابِ فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ نَجَاسَةِ ثَوْبِ الْمُتَوَضِّئِ وَتَبْقَى حُرْمَةُ شُرْبِهِ وَالطَّبْخِ مِنْهُ وَغَسْلِ الثَّوْبِ مِنْهُ وَنَجَاسَةِ مِنْ يُصِيبُهُ.

  199. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ هُوَ مَا أُزِيلَ بِهِ حَدَثٌ إلَخْ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ كُلٌّ مِنْ رَفْعِ الْحَدَثِ وَالتَّقَرُّبِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ التَّقَرُّبُ كَانَ مَعَهُ رَفْعٌ أَوْ لَا، وَعِنْدَ زُفَرَ الرَّفْعُ كَانَ مَعَهُ تَقَرُّبٌ أَوْ لَا، وَالتَّقَرُّبُ هُوَ أَنْ يَنْوِيَ الْوُضُوءَ حَتَّى تَصِيرَ عِبَادَةً.

  200. لَا يُقَال: مَا ذُكِرَ لَا يَنْتَهِضُ عَلَى زُفَرَ،

  201. ١/٨٧١/٨٧

    إنْ كَانَ الْمُسْتَعْمِلُ مُتَوَضِّئًا فَهُوَ طَهُورٌ،

  202. وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ لِأَنَّ الْعُضْوَ طَاهِرٌ حَقِيقَةً، وَبِاعْتِبَارِهِ يَكُونُ الْمَاءُ طَاهِرًا لَكِنَّهُ نَجِسٌ حُكْمًا، وَبِاعْتِبَارِهِ يَكُونُ الْمَاءُ نَجِسًا فَقُلْنَا بِانْتِفَاءِ الطَّهُورِيَّةِ وَبَقَاءِ الطَّهَارَةِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ قَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله : وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله هُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ، وَلِأَنَّ مُلَاقَاةَ الطَّاهِرِ لِلطَّاهِرِ لَا تُوجِبُ التَّنَجُّسَ، إلَّا أَنَّهُ أُقِيمَتْ بِهِ قُرْبَةٌ فَتَغَيَّرَتْ بِهِ صِفَتُهُ كَمَالِ الصَّدَقَةِ.

  203. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ

  204. إذْ يَقُولُ: مُجَرَّدُ الْقُرْبَةِ لَا يُدَنِّسُ بَلْ الْإِسْقَاطُ،

  205. فَإِنَّ الْمَالَ لَمْ يَتَدَنَّسْ بِمُجَرَّدِ التَّقَرُّبِ بِهِ، وَلِذَا جَازَ لِلْهَاشِمِيِّ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، بَلْ مُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يَصِيرَ مُسْتَعْمَلًا إلَّا بِالْإِسْقَاطِ مَعَ التَّقَرُّبِ،

  206. فَإِنَّ التَّصَرُّفَ: أَعْنِي مَالَ الزَّكَاةِ لَا يَنْفَرِدُ فِيهِ الْإِسْقَاطُ عَنْهُ، إذْ لَا تَجُوزُ الزَّكَاةُ إلَّا بِنِيَّةٍ، وَلَيْسَ هُوَ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّا نَقُولُ: غَايَةُ الْأَمْرِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ مَعَ الْمَجْمُوعِ، وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ الْمَجْمُوعُ بَلْ ذَلِكَ دَائِرٌ مَعَ عَقْلِيَّةِ الْمُنَاسِبِ لِلْحُكْمِ.

  207. فَإِنْ عُقِلَ اسْتِقْلَالُ كُلِّ حُكْمٍ بِهِ أَوْ الْمَجْمُوعِ حُكِمَ بِهِ، وَاَلَّذِي نَعْقِلُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ التَّقَرُّبِ الْمَاحِي لِلسَّيِّئَاتِ وَالْإِسْقَاطِ مُؤَثِّرٌ فِي التَّغَيُّرِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ انْفَرَدَ وَصْفُ التَّقَرُّبِ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَأَثَّرَ التَّغَيُّرُ حَتَّى حَرُمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ رَأَيْنَا الْأَثَرَ عِنْدَ سُقُوطِ وَصْفِ الْإِسْقَاطِ وَمَعَهُ غَيْرُهُ ذَلِكَ وَهُوَ أَشَدُّ فَحَرُمَ عَلَى قَرَابَتِهِ النَّاصِرَةِ لَهُ فَعَرَفْنَا أَنَّ كُلًّا أَثَّرَ تَغَيُّرًا شَرْعِيًّا، وَبِهَذَا يَبْعُدُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ إنَّهُ التَّقَرُّبُ فَقَطْ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ كَوْنَ هَذَا مَذْهَبَهُ كَمَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ، قَالَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَرْوِيٍّ عَنْهُ،

  208. وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُ أَنَّ إزَالَةَ الْحَدَثِ بِالْمَاءِ مُفْسِدٌ لَهُ

  209. وَمِثْلُهُ عَنْ الْجُرْجَانِيِّ، وَمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَيْهِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمُنْغَمِسِ لِطَلَبِ الدَّلْوِ حَيْثُ قَالَ مُحَمَّدٌ الرَّجُلُ طَاهِرٌ وَالْمَاءُ طَاهِرٌ، جَوَابُهُ أَنَّ الْإِزَالَةَ عِنْدَهُ مُفْسِدَةٌ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ كَقَوْلِنَا جَمِيعًا لَوْ أَدْخَلَ الْمُحْدِثُ أَوْ الْجُنُبُ أَوْ الْحَائِضُ الَّتِي طَهُرَتْ الْيَدَ فِي الْمَاءِ لِلِاغْتِرَافِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا لِلْحَاجَةِ.

  210. وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها اغْتِسَالَهَا مَعَهُ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ وَكِلَاهُمَا جُنُبٌ، عَلَى أَنَّ الضَّرُورَةَ كَافِيَةٌ فِي ذَلِكَ،

  211. بِخِلَافِ مَا لَوْ أَدْخَلَ الْمُحْدِثُ رِجْلَهُ أَوْ رَأْسَهُ حَيْثُ يَفْسُدُ الْمَاءُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ،

  212. وَكَذَا مَا فِي كِتَابِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ غَمَسَ جُنُبٌ أَوْ غَيْرُ مُتَوَضِّئٍ يَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ أَوْ إحْدَى رِجْلَيْهِ فِي إجَّانَةٍ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ مِنْهُ لِأَنَّهُ سَقَطَ فَرْضُهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَمْ تَتَحَقَّقْ فِي الْإِدْخَالِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ حَتَّى لَوْ تَحَقَّقَتْ بِأَنْ وَقَعَ الْكُوزُ فِي الْحُبِّ فَأَدْخَلَ يَدَهُ إلَى الْمِرْفَقِ لِإِخْرَاجِهِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا.

  213. نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْخُلَاصَةِ، قَالَ

  214. بِخِلَافِ مَا لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ لِلتَّبَرُّدِ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ، فَهَذَا يُوجِبُ حَمْلَ الْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى نَحْوِهِ ثُمَّ إدْخَالُ مُجَرَّدِ الْكَفِّ إنَّمَا لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إذَا لَمْ يُرِدْ الْغُسْلَ فِيهِ بَلْ أَرَادَ رَفْعَ الْمَاءِ،

  215. فَإِنْ أَرَادَ الْغُسْلَ إنْ كَانَ أُصْبُعًا أَوْ أَكْثَرَ دُونَ الْكَفِّ لَا يَضُرُّ مَعَ الْكَفِّ بِخِلَافِهِ ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ،

  216. وَلَا يَخْلُو مِنْ حَاجَتِهِ،

  217. ١/٨٨١/٨٨

    هُوَ نَجِسٌ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» الْحَدِيثَ، وَلِأَنَّهُ مَاءٌ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ الْحُكْمِيَّةُ فَيُعْتَبَرُ بِمَاءٍ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ الْحَقِيقِيَّةُ،

  218. ثُمَّ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً

  219. إلَى تَأَمُّلِ وَجْهِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ كَوْنِهِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِالْإِدْخَالِ لِلتَّبَرُّدِ مَحْمَلُهُ مَا إذَا كَانَ مُحْدِثًا، أَمَّا إنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَلَا، إذْ لَا بُدَّ عِنْدَ عَدَمِ ارْتِفَاعِ الْحَدَثِ مِنْ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ لِثُبُوتِ الِاسْتِعْمَالِ.

  220. وَكَذَا إطْلَاقُ ثُبُوتِ الِاسْتِعْمَالِ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ وَهُوَ أَقْرَبُ فِي هَذَا،

  221. وَكَذَا مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ بَعْدَ الْإِنْقَاءِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا لَا نَجِسًا،

  222. فَأَمَّا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ فِي هَذَا وَمَا قَبْلَهُ سِوَى الزِّيَادَةِ وَالْغَسْلِ تَبَرُّدًا لَا تَقَرُّبًا وَاسْتِنَانًا يَجِبُ أَنْ لَا يَصِيرَ مُسْتَعْمَلًا وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ.

  223. قَالَ فِي الْمُبْتَغَى وَغَيْرِهِ: بِتَبَرُّدِهِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إنْ كَانَ مُحْدِثًا وَإِلَّا فَلَا، وَبِغَسْلِ ثَوْبٍ طَاهِرٌ أَوْ دَابَّةٍ تُؤْكَلُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا،

  224. وَكَذَا بِغَسْلِ بَدَنِهِ أَوْ رَأْسِهِ لِلطِّينِ أَوْ الدَّرَنِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا لِظُهُورِ قَصْدِ إزَالَةِ ذَلِكَ.

  225. وَوُضُوءُ الصَّبِيِّ كَالْبَالِغِ، وَبِتَعْلِيمِ الْوُضُوءِ إذَا لَمْ يُرِدْ سِوَى مُجَرَّدِ التَّعْلِيمِ لَا يُسْتَعْمَلُ، وَبِوُضُوءِ الْحَائِضِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا لِأَنَّ وُضُوءَهَا مُسْتَحَبٌّ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الْحَيْضِ،

  226. وَلَا يَخْفَى انْتِهَاضُ الْوَجْهِ عَلَى مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ إنَّ الطَّهُورَ يَطْهُرُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَقَوْلُهُ هُوَ كَالْقُطُوعِ لَا يُجْدِيهِ شَيْئًا وَكَشْفُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَفْهُومِ الطَّهُورِ أَنْ يَطْهُرَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَضْلًا عَنْ التَّكَرُّرِ،

  227. فَإِنَّ مَفْهُومَهُ لَيْسَ إلَّا الْمُبَالَغَةُ فِي الطَّاهِرِ، كَذَا كُلُّ مَا كَانَ عَلَى صِيغَةِ فَعُولٍ فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ سِوَى الْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ الْوَصْفِ، وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِ لَا تَسْتَلْزِمُ تَطْهِيرَ غَيْرِهِ، بَلْ رَفْعُ مَانِعِ الْغَيْرِ لَيْسَ إلَّا أَمْرًا شَرْعِيًّا لَوْلَا اسْتِفَادَتُهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ لَمَا أَفَادَهُ الْمَاءُ أَخْذًا مِنْ صِيغَةِ

  228. ١/٨٩١/٨٩

    اعْتِبَارًا بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي النَّجَاسَةِ الْحَقِيقَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ رحمه الله وَهُوَ قَوْلُهُ إنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةً خَفِيَّةً لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ.

  229. قَالَ (وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ هُوَ مَا أُزِيلَ بِهِ حَدَثٌ أَوْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْبَدَنِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ) قَالَ رضي الله عنه : وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله ،

  230. وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله : لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إلَّا بِإِقَامَةِ الْقُرْبَةِ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ بِانْتِقَالِ نَجَاسَةِ الْآثَامِ إلَيْهِ وَإِنَّهَا تُزَالُ بِالْقُرَبِ، وَأَبُو يُوسُفَ رحمه الله يَقُولُ: إسْقَاطُ الْفَرْضِ مُؤَثِّرٌ أَيْضًا فَيَثْبُتُ الْفَسَادُ بِالْأَمْرَيْنِ،

  231. وَمَتَى يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا

  232. فَعُولٍ، وَتَكَرُّرُ الْقَطْعِ لِمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ قَطُوعٌ لَيْسَ إلَّا لِخُصُوصِ الْمَادَّةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا الْمُبَالَغَةُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَطْعَ تَأْثِيرٌ فِي الْغَيْرِ بِالْإِبَانَةِ، وَهَذَا يُسْتَفَادُ مِنْ صِيغَةِ فَاعِلٍ فَإِنَّ صِحَّةَ إطْلَاقِ قَاطِعٍ مَا دَامَ قَائِمًا كَانَ ثُبُوتُ الْقَطْعِ قَائِمًا وَيَلْزَمُهُ تَكَرُّرُ الْقَطْعِ فَقَدْ ثَبَتَ التَّكَرُّرُ بِدُونِ صِيغَةِ فَعُولٍ فَالْمُبَالَغَةُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ إلَّا بِاعْتِبَارِ كَثْرَتِهِ وَجَوْدَتِهِ.

  233. وَالْحَاصِلُ أَنَّ فَعُولًا لِلْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ الْوَصْفِ،

  234. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْوَصْفُ مُتَعَدِّيًا كَانَ الْمُبَالَغَةُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ بِالْغَيْرِ،

  235. وَإِنْ كَانَ قَاصِرًا فِي نَفْسِهِ كَانَ بِاعْتِبَارِهِ فِي نَفْسِهِ لَا أَنَّهُ يُصَيِّرُهُ مُتَعَدِّيًا وَصِفَةُ طَاهِرٍ قَاصِرَةٌ فَالْمُبَالَغَةُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ جَوْدَتِهِ فِي نَفْسِهِ، أَمَّا إفَادَةُ الْمُبَالَغَةِ تَعَلُّقَهُ بِالْغَيْرِ فَلَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا، وَانْظُرْ إلَى قَوْلِ جَرِيرٍ:

  236. عَذَابُ الثَّنَايَا رِيقُهُنَّ طَهُورٌ … فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَلَيْسَ هُوَ بِرَافِعٍ

  237. (قَوْلُهُ وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِمَسَائِلَ نُقِلَتْ، وَذَكَرَ مَا نَقَلْنَاهُ آنِفًا مِنْ كِتَابِ الْحَسَنِ وَذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُرِدْ رَفْعَ شَيْءٍ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْإِنَاءَ قَيْدٌ، حَتَّى لَوْ أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الْبِئْرِ أَوْ يَدَهُ لَا يُفْسِدُهُ

  238. ١/٩٠١/٩٠

    الصَّحِيحُ أَنَّهُ كَمَا زَايَلَ الْعُضْوَ صَارَ مُسْتَعْمَلًا، لِأَنَّ سُقُوطَ حُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ بَعْدَهُ،

  239. وَلَوْ أَدْخَلَ الْجُنُبُ فِي الْبِئْرِ غَيْرَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ الْجَسَدِ أَفْسَدَهُ لِأَنَّ الْحَاجَةَ فِيهِمَا، وَقَوْلُنَا مِنْ الْجَسَدِ يُفِيدُ الِاسْتِعْمَالَ بِإِدْخَالِ بَعْضِ عُضْوٍ، وَهُوَ يُوَافِقُ الْمَرْوِيَّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الطَّاهِرِ إذَا أَدْخَلَ رَأْسَهُ فِي الْإِنَاءِ وَابْتَلَّ بَعْضُ رَأْسِهِ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا.

  240. أَمَّا الرِّوَايَةُ الْمَعْرُوفَةُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِبَعْضِ الْعُضْوِ، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَاءَ بِمَاذَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: إذَا أُزِيلَ بِهِ حَدَثٌ أَوْ تُقُرِّبَ بِهِ.

  241. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إذَا قَصَدَ بِهِ التَّقَرُّبَ لَا غَيْرَ ثُمَّ اسْتَمَرَّ فِي التَّفْرِيعِ.

  242. وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْحَدَثَ لَا يَرْتَفِعُ عَنْ بَعْضِ عُضْوٍ حَتَّى لَوْ كَانَ فِيهِ لَمْعَةٌ فَهُوَ بِحَدَثِهِ وَرَفْعُهُ هُوَ الْمُفِيدُ لِلِاسْتِعْمَالِ أَوْ الْقُرْبَةِ،

  243. ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ يُشْكِلُ عَلَى قَوْلِ الْمَشَايِخِ إنَّ الْحَدَثَ لَا يَتَجَزَّأُ رَفْعًا كَمَا لَا يَتَجَزَّأُ ثُبُوتًا، وَالْمَخْلَصُ بِتَحْقِيقِ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ تَتَبُّعَ الرِّوَايَاتِ فِي الْمُلَاقَاةِ يُفِيدُ أَنَّ صَيْرُورَةَ الْمَاءِ مُسْتَعْمَلًا بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: رَفْعُ الْحَدَثِ تَقَرُّبًا أَوْ غَيْرَ تَقَرُّبٍ، وَالتَّقَرُّبُ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ رَفْعُ حَدَثٍ أَوْ لَا.

  244. وَسُقُوطُ الْفَرْضِ عَنْ الْعُضْوِ وَعَلَيْهِ تَجْرِي فُرُوعُ إدْخَالِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ الْمَاءَ الْقَلِيلَ لَا لِحَاجَةٍ،

  245. وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ سُقُوطِ الْفَرْضِ وَارْتِفَاعِ الْحَدَثِ، فَسُقُوطُ الْفَرْضِ عَنْ الْيَدِ مَثَلًا يَقْتَضِي أَنْ لَا تَجِبَ إعَادَةُ غَسْلِهَا مَعَ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ وَيَكُونُ ارْتِفَاعُ الْحَدَثِ مَوْقُوفًا عَلَى غَسْلِ الْبَاقِي، وَسُقُوطُ الْفَرْضِ هُوَ الْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ لِمَا عُرِفَ أَنَّ أَصْلَهُ مَالُ الزَّكَاةِ وَالثَّابِتُ فِيهِ لَيْسَ إلَّا سُقُوطُ الْفَرْضِ حَيْثُ جُعِلَ بِهِ دَنَسًا شَرْعًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.

  246. هَذَا وَالْمُفِيدُ لِاعْتِبَارِ الْإِسْقَاطِ مُؤَثِّرًا فِيهِ صَرِيحُ التَّعْلِيلِ الْمَنْقُولِ مِنْ لَفْظِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي كِتَابِ الْحَسَنِ وَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّهُ سَقَطَ فَرْضُهُ عَنْهُ.

  247. وَأَمَّا الرَّابِعُ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَمَتَى يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا الصَّحِيحُ أَنَّهُ كَمَا زَايَلَ الْعُضْوَ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ الْمَشَايِخِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رحمه الله أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا حَتَّى يَسْتَقِرَّ فِي مَكَان مُسْتَدِلِّينَ بِجَوَازِ أَخْذِ الْبِلَّةِ مِنْ مَكَان مِنْ الْعُضْوِ إلَى آخَرَ، وَعَدَمِ جَوَازِهِ مِنْ عُضْوٍ إلَى عُضْوٍ آخَرَ إلَّا فِي الْجَنَابَةِ لِأَنَّ الْبَدَنَ فِيهَا كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ، وَيَمْسَحُ رَأْسَهُ بِبَلَلٍ فِي يَدِهِ لَا بَلَلٍ مِنْ عُضْوٍ آخَرَ، وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ لِأَنَّ سُقُوطَ الِاسْتِعْمَالِ حَالَ تَرَدُّدِهِ عَلَى الْعُضْوِ لِلضَّرُورَةِ،

  248. وَلَا ضَرُورَةَ بَعْدَ الِانْفِصَالِ، وَغَايَةُ مَا ذَكَرُوا أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ مَكَان آخَرَ مُسْتَعْمَلٌ،

  249. وَلَا كَلَامَ فِي هَذَا فَإِنَّهُ اتِّفَاقٌ، بَلْ فِيمَا بَعْدَ الِانْفِصَالِ قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَمَسُّهُ وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ

  250. ١/٩١١/٩١

    وَالْجُنُبُ إذَا انْغَمَسَ فِي الْبِئْرِ لِطَلَبِ الدَّلْوِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله الرَّجُلُ بِحَالِهِ لِعَدَمِ الصَّبِّ وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَهُ لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ وَالْمَاءُ بِحَالِهِ لِعَدَمِ الْأَمْرَيْنِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله كِلَاهُمَا طَاهِرَانِ: الرَّجُلُ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الصَّبِّ، وَالْمَاءُ لِعَدَمِ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله : كِلَاهُمَا نَجِسَانِ: الْمَاءُ لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ عَنْ الْبَعْضِ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ وَالرَّجُلُ لِبَقَاءِ الْحَدَثِ فِي بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ.

  251. قَوْلُهُ وَالْجُنُبُ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي خَرَّجَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ اخْتِلَافَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي عِلَّةِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ مِنْهَا فَقَالَ: عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَثْبُتُ الِاسْتِعْمَالُ بِرَفْعِ الْحَدَثِ وَبِالِاسْتِعْمَالِ تَقَرُّبًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ مَا لَمْ يَنْوِ الْقُرْبَةَ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَجْهُهُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ظَاهِرٌ.

  252. قَالَ وَصَارَ كَمَا إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ لِلِاغْتِرَافِ زَالَ الْحَدَثُ عَنْ الْيَدِ وَلَمْ يَصِرْ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا.

  253. وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَيَحْكُمُ بِنَجَاسَةِ الْمُسْتَعْمَلِ وَهُوَ بِكُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ فَإِذَا انْغَمَسَ وَحَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ الْحُكْمَ بِكَوْنِ الْمَاءِ مُسْتَعْمَلًا،

  254. وَلَوْ حَكَمْنَا بِاسْتِعْمَالِهِ لَكَانَ نَجِسًا بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ فَلَا تَحْصُلُ لَهُ الطَّهَارَةُ، فَكَانَ الْحُكْمُ بِطَهَارَتِهِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهِ، فَقُلْنَا الرَّجُلُ بِحَالِهِ وَالْمَاءُ بِحَالِهِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمَا نَجِسَانِ، وَاخْتَلَفُوا فِي نَجَاسَةِ الرَّجُلِ عِنْدَهُ، فَقِيلَ نَجَاسَةُ الْجَنَابَةِ فَلَا يَقْرَأُ،

  255. وَقِيلَ نَجَاسَةُ الْمُسْتَعْمَلِ فَيَقْرَأُ.

  256. وَعَنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ طَاهِرٌ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ لِعَدَمِ أَخْذِ الْمَاءِ حُكْمَ الِاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ، وَالْكُلُّ ظَاهِرٌ مِنْ الْكِتَابِ، وَأَنْتَ عَلِمْت أَنَّ أَخْذَ اشْتِرَاطِ

  257. ١/٩٢١/٩٢

    وَقِيلَ عِنْدَهُ نَجَاسَةُ الرَّجُلِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ.

  258. وَعَنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ طَاهِرٌ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ، وَهُوَ أَوْفَقُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ.

  259. قَالَ (وَكُلُّ إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ وَجَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ وَالْوُضُوءُ مِنْهُ إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» وَهُوَ بِعُمُومِهِ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ رحمه الله فِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ،

  260. وَلَا يُعَارَضُ بِالنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْ الِانْتِفَاعِ مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِغَيْرِ الْمَدْبُوغِ

  261. مُحَمَّدٍ الْقُرْبَةَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ لَازِمٍ

  262. وَكَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ كَوْنُ الرَّجُلِ بِحَالِهِ لِاشْتِرَاطِهِ الصَّبَّ فَإِنَّهُ شَرْطٌ عِنْدَهُ فِي التَّطْهِيرِ فِي غَيْرِ الْمَاءِ الْجَارِي وَالْمُلْحَقِ بِهِ فِي الْعُضْوِ لَا الثَّوْبِ لَا لِمَا ذُكِرَ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ الِانْفِصَالِ فَلَا يَكُونُ الْمَاءُ حَالَ الِانْغِمَاسِ وَالْحُكْمِ بِطَهَارَةِ الرَّجُلِ مُسْتَعْمَلًا نَجِسًا وَلَا بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ

  263. (قَوْلُهُ وَكُلُّ إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ) يَتَنَاوَلُ كُلَّ جِلْدٍ يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَةَ لَا مَا لَا يَحْتَمِلُهُ،

  264. فَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ الْحَيَّةِ وَالْفَأْرَةِ بِهِ كَاللَّحْمِ

  265. ١/٩٣١/٩٣

    وَحُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ رحمه الله فِي جِلْدِ الْكَلْبِ وَلَيْسَ الْكَلْبُ بِنَجِسِ الْعَيْنِ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ يُنْتَفَعُ

  266. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَوْ أَصْلَحَ مَصَارِينَ شَاةٍ مَيِّتَةٍ أَوْ دَبَغَ الْمَثَانَةَ وَأَصْلَحَهَا طَهُرَتْ.

  267. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هِيَ كَاللَّحْمِ،

  268. ثُمَّ اسْتَثْنَى جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ فَيَدْخُلُ جِلْدُ الْفِيلِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فِي قَوْلٍ إنَّ الْفِيلَ نَجِسُ الْعَيْنِ. وَعِنْدَهُمَا هُوَ كَسَائِرِ السِّبَاعِ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنْهُ ﷺ «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظٍ آخَرَ، وَهُوَ كَمَا تَرَاهُ عَامٌّ، فَإِخْرَاجُ الْخِنْزِيرِ مِنْهُ لِمُعَارَضَةِ الْكِتَابِ إيَّاهُ فِيهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ بِنَاءً عَلَى عَوْدِ الضَّمِيرِ إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ صَالِحٌ لِعَوْدِهِ، وَعِنْدَ صَلَاحِيَّةِ كُلٍّ مِنْ الْمُتَضَايِفَيْنِ لِذَلِكَ يَجُوزُ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ.

  269. وَقَدْ جُوِّزَ عَوْدُ ضَمِيرِ مِيثَاقِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ إلَى كُلٍّ مِنْ الْعَهْدِ وَلَفْظِ الْجَلَالَةِ، وَتَعَيَّنَ عَوْدُهُ إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ضَرُورَةُ صِحَّةِ الْكَلَامِ وَإِلَى الْمُضَافِ فِي قَوْلِك رَأَيْت ابْنَ زَيْدٍ فَكَلَّمْته لِأَنَّهُ الْمُحَدَّثُ عَنْهُ بِالرُّؤْيَةِ، رَتَّبَ عَلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَنْهُ الْحَدِيثَ الثَّانِي فَتَعَيَّنَ هُوَ مُرَادًا بِهِ وَإِلَّا اخْتَلَّ النَّظْمُ،

  270. وَإِذَا جَازَ كُلٌّ مِنْهُمَا لُغَةً، وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ احْتِيَاطٍ وَجَبَ إعَادَتُهُ عَلَى مَا فِيهِ الِاحْتِيَاطُ، وَهُوَ بِمَا قُلْنَا.

  271. وَأَمَّا جِلْدُ الْآدَمِيِّ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا كَرَامَتُهُ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَحُرْمَةُ الِانْتِفَاعِ بِأَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مَقَامٌ آخَرُ غَيْرُ طَهَارَتِهِ بِالدِّبَاغِ وَعَدَمِهَا فَلِذَا صَرَّحَ فِي الْعِنَايَةِ بِأَنَّهُ إذَا دُبِغَ جِلْدُ الْآدَمِيِّ طَهُرَ لَكِنْ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَسَائِرِ أَجْزَائِهِ، وَبَقِيَ جِلْدُ الْكَلْبِ دَاخِلًا فِي الْعُمُومِ إذْ نَجَاسَةُ سُؤْرِهِ لَا تَسْتَلْزِمُ نَجَاسَةَ عَيْنِهِ بَلْ نَجَاسَةُ لَحْمِهِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْهُ اللُّعَابُ فَيَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ،

  272. ١/٩٤١/٩٤

    بِهِ حِرَاسَةً وَاصْطِيَادًا، بِخِلَافِ الْخِنْزِيرِ لِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ، إذْ الْهَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ مُنْصَرِفٌ إلَيْهِ لِقُرْبِهِ وَحُرْمَةُ الِانْتِفَاعِ بِأَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ فَخَرَجَا عَمَّا رَوَيْنَا

  273. عَلَى أَنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ فِي رِوَايَةٍ لَا يَطْهُرُ بِنَاءً عَلَى نَجَاسَةِ عَيْنِهِ.

  274. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: فُرُوعٌ عَلَيْهِ: مِنْهَا وَقَعَ الْكَلْبُ فِي بِئْرٍ تَنَجَّسَ، أَصَابَ فَمُهُ الْمَاءَ أَوْ لَمْ يُصِبْ وَلَوْ ابْتَلَّ فَأَصَابَ ثَوْبًا أَكْثَرَ مِنْ الدِّرْهَمِ أَفْسَدَهُ. وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي التَّصْحِيحِ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ هَذَا الْعُمُومُ طَهَارَةَ عَيْنِهِ وَلَمْ يُعَارِضْهُ مَا يُوجِبُ نَجَاسَتَهَا فَوَجَبَ أَحَقِّيَّةُ تَصْحِيحِ عَدَمِ نَجَاسَتِهَا فَيَطْهُرُ بِالدَّبَّاغِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُتَّخَذُ دَلْوًا لِلْمَاءِ.

  275. فَإِنْ قِيلَ يَجِبُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ إهَابُ الْمَيِّتَةِ أَيْضًا بِطَرِيقِ النَّسْخِ بِمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ كَتَبَ إلَى جُهَيْنَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ: أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.

  276. وَعِنْدَ أَحْمَدَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَوْ بِشَهْرَيْنِ. قُلْنَا الِاضْطِرَابُ فِي مَتْنِهِ وَسَنَدِهِ يَمْنَعُ تَقْدِيمَهُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ،

  277. فَإِنَّ النَّاسِخَ أَيْ مُعَارَضٌ فَلَا بُدَّ مِنْ مُشَاكَلَتِهِ فِي الْقُوَّةِ. وَلِذَا قَالَ بِهِ أَحْمَدُ. وَقَالَ: هُوَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ،

  278. ثُمَّ تَرَكَهُ لِلِاضْطِرَابِ فِيهِ. أَمَّا فِي السَّنَدِ فَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ ابْنِ عُكَيْمٍ كَمَا قَدَّمْنَا.

  279. وَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ جِهَةِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ بِالتَّاءِ مِنْ فَوْقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ انْطَلَقَ هُوَ وَنَاسٌ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: فَدَخَلُوا وَوَقَفْت عَلَى الْبَابِ فَخَرَجُوا إلَيَّ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُكَيْمٍ أَخْبَرَهُمْ

  280. ١/٩٥١/٩٥

    ثُمَّ مَا يَمْنَعُ النَّتْنَ وَالْفَسَادَ فَهُوَ دِبَاغٌ وَإِنْ كَانَ تَشْمِيسًا أَوْ تَتْرِيبًا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ غَيْرِهِ

  281. ، ثُمَّ مَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدَّبَّاغِ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ لِأَنَّهَا تَعْمَلُ عَمَلَ الدَّبَّاغِ فِي إزَالَةِ الرُّطُوبَةِ النَّجِسَةِ،

  282. وَكَذَلِكَ يَطْهُرُ لَحْمُهُ هُوَ الصَّحِيحُ،

  283. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْكُولًا.

  284. «أَنَّهُ ﷺ كَتَبَ إلَى جُهَيْنَةَ» الْحَدِيثَ. فَفِي هَذَا أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ الدَّاخِلِينَ وَهُمْ مَجْهُولُونَ.

  285. وَأَمَّا فِي الْمَتْنِ فَفِي رِوَايَةٍ بِشَهْرٍ، وَفِي أُخْرَى بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَفِي أُخْرَى بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي صُحْبَةِ ابْنِ عُكَيْمٍ،

  286. ثُمَّ كَيْفَ كَانَ لَا يُوَازِي حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الصَّحِيحَ فِي جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ التَّرْجِيحِ،

  287. ثُمَّ لَوْ كَانَ لَمْ يَكُنْ قَطْعِيًّا فِي مُعَارَضَتِهِ لِأَنَّ الْإِهَابَ اسْمٌ لِغَيْرِ الْمَدْبُوغِ وَبَعْدَهُ يُسَمَّى شَنًّا وَأَدِيمًا.

  288. وَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ «هَكَذَا كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ فِي جُلُودِ الْمَيِّتَةِ فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيِّتَةِ بِجِلْدٍ وَلَا عَصَبٍ» فِي سَنَدِهِ فَضْلَةُ بْنُ مِفْضَلٍ مُضَعَّفٌ: وَالْحَقُّ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُكَيْمٍ ظَاهِرٌ فِي النَّسْخِ لَوْلَا الِاضْطِرَابُ،

  289. فَإِنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَحَدًا لَا يَنْتَفِعُ بِجِلْدِ الْمَيِّتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغَةِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُسْتَقْذَرٌ فَلَا يَتَعَلَّقُ النَّهْيُ بِهِ ظَاهِرًا (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ) فَخَرَجَ مَا جَفَّ وَلَمْ يَسْتَحِلْ فَلَا يَطْهُرُ، وَالْإِلْقَاءُ فِي الرِّيحِ كَالتَّشْمِيسِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اسْتَمْتِعُوا بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إذَا هِيَ دُبِغَتْ تُرَابًا كَانَ أَوْ رَمَادًا أَوْ مِلْحًا أَوْ مَا كَانَ بَعْدَ أَنْ يَزِيدَ صَلَاحُهُ» وَفِيهِ مَعْرُوفُ بْنُ حَسَّانٍ مَجْهُولٌ، وَالْمَعْنَى الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ كَافٍ.

  290. (قَوْلُهُ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ) إنَّمَا يَطْهُرُ الْجِلْدُ بِالذَّكَاةِ إذَا كَانَتْ فِي الْمَحِلِّ مِنْ الْأَهْلِ، فَذَكَاةُ الْمَجُوسِيِّ لَا يَطْهُرُ بِهَا الْجِلْدُ بَلْ بِالدَّبْغِ لِأَنَّهَا إمَاتَةٌ (قَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ إنَّهُ يَطْهُرُ جِلْدُهُ لَا لَحْمُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَاخْتَارَهُ الشَّارِحُونَ كَصَاحِبِ الْغَايَةِ وَصَاحِبِ النِّهَايَةِ وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّ سُؤْرَهُ نَجِسٌ وَنَجَاسَةُ السُّؤْرِ لِنَجَاسَةِ عَيْنِ اللَّحْمِ، وَكَانَ مُقْتَضَى هَذَا أَنْ لَا يَطْهُرَ الْجِلْدُ

  291. ١/٩٦١/٩٦

    قَالَ (وَشَعْرُ الْمَيْتَةِ وَعَظْمُهَا طَاهِرٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : نَجِسٌ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ، وَلَنَا أَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِمَا وَلِهَذَا لَا يَتَأَلَّمُ بِقَطْعِهِمَا فَلَا يَحُلُّهُمَا الْمَوْتُ، إذْ الْمَوْتُ زَوَالُ الْحَيَاةِ.

  292. بِالذَّكَاةِ لِأَنَّهُ وِعَاءُ اللَّحْمِ النَّجِسِ، لَكِنْ قَالُوا بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ جُلَيْدَةٌ رَقِيقَةٌ تَمْنَعُ الْمُمَاسَّةَ بَيْنَهُمَا فَلَا تَتَنَجَّسُ بِرُطُوبَاتِهِ، لَكِنْ عَلَى هَذَا قَدْ يُقَالُ فَلَا يَظْهَرُ عَمَلُ الذَّكَاةِ فِي إزَالَةِ الرُّطُوبَاتِ عَنْ الْجِلْدِ لِتَتَوَقَّفَ طَهَارَتُهُ عَلَيْهِ.

  293. وَفِي الْخُلَاصَةِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ أَنَّ الْمُخْتَارَ عَدَمَ طَهَارَةِ لُحُومِ السِّبَاعِ بِالذَّكَاةِ، قَالَ:

  294. وَلَوْ كَانَ بَازِيًا مَذْبُوحًا أَوْ الْفَأْرَةُ أَوْ الْحَيَّةُ تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَ لَحْمِهَا،

  295. وَكَذَا كُلُّ مَا يَكُونُ سُؤْرُهُ نَجِسًا انْتَهَى. وَهُوَ مُشْكِلٌ،

  296. فَإِنَّ عَدَمَ طَهَارَةِ لُحُومِ السِّبَاعِ بِالذَّكَاةِ لَيْسَ لِذَاتِ نَجَاسَةِ السُّؤْرِ بَلْ لِنَجَاسَةِ اللَّحْمِ، غَيْرَ أَنَّهُ اسْتَوْضَحَ نَجَاسَتَهُ بِنَجَاسَةِ السُّؤْرِ، وَعَدَمُ نَجَاسَةِ سُؤْرِ مَا ذَكَرَ لَيْسَ لِطَهَارَةِ لَحْمِهَا بَلْ لِعَدَمِ اخْتِلَاطِ اللُّعَابِ بِالْمَاءِ فِي سِبَاعِ الطَّيْرِ لِأَنَّهُ يَشْرَبُ بِمِنْقَارِهِ وَهُوَ عَظْمٌ جَافٌّ فَلَا يَصِلُ إلَى الْمَاءِ مِنْهُ شَيْءٌ لِيُنَجِّسَهُ،

  297. بِخِلَافِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ، وَسُقُوطُ نَجَاسَةِ سُؤْرِ الْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ وَالْحَيَّةِ لِلضَّرُورَةِ اللَّازِمَةِ مِنْ الْمُخَالَطَةِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ وَشَيْءٌ مِنْ هَذَا لَا يَقْتَضِي طَهَارَةَ اللَّحْمِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُسْقِطِ لِلنَّجَاسَةِ فِيهِ نَفْسِهِ.

  298. (قَوْلُهُ وَشَعْرُ الْمَيْتَةِ) كُلُّ مَا لَا تَحُلُّهُ الْحَيَاةُ مِنْ أَجْزَاءِ الْهُوِيَّةِ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ بَعْدَ مَوْتِ مَا هِيَ جُزْؤُهُ كَالشَّعْرِ وَالرِّيشِ وَالْمِنْقَارِ وَالْعَظْمِ وَالْعَصَبِ وَالْحَافِرِ وَالظِّلْفِ وَاللَّبَنِ وَالْبَيْضِ الضَّعِيفِ الْقِشْرِ وَالْإِنْفَحَةِ، لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي الْإِنْفَحَةِ وَاللَّبَنِ هَلْ هُمَا مُتَنَجِّسَانِ؟

  299. فَقَالَا نَعَمْ لِمُجَاوَرَتِهِمَا الْغِشَاءَ النَّجِسِ، فَإِنْ كَانَتْ الْإِنْفَحَةُ

  300. ١/٩٧١/٩٧

    (وَشَعْرُ الْإِنْسَانِ وَعَظْمُهُ طَاهِرٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: نَجِسٌ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلَنَا أَنَّ عَدَمَ الِانْتِفَاعِ وَالْبَيْعِ لِكَرَامَتِهِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.