فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الهدايةالمرغيناني

[فصل: في المياه] "وإذا كان لرجل نهر أو بئر أو قناة فليس له أن يمنع شيئا من الشفة، والشفة الشرب لبني آدم والبهائم" اعلم أن المياه أنواع منها: ماء البحار، ولكل واحد من الناس فيها حق الشفة وسقي الأراضي، حتى إن من أراد أن يكري نهرا منها إلى أرضه لم يمنع من ذلك، والانتفاع بماء البحر كالانتفاع بالشمس والقمر والهواء فلا يمنع من الانتفاع به على أي وجه شاء.

٣٬٧٨٧

والثاني: ماء الأودية العظام كجيحون وسيحون ودجلة والفرات للناس فيه حق الشفة على الإطلاق وحق سقي الأراضي،

٣٬٧٨٨

فإن أحيا واحد أرضا ميتة وكرى منه نهرا ليسقيها. إن كان لا يضر بالعامة ولا يكون النهر في ملك أحد له ذلك؛ لأنها مباحة في الأصل إذ قهر الماء يدفع قهر غيره،

٣٬٧٨٩

وإن كان يضر بالعامة فليس له ذلك؛ لأن دفع الضرر عنهم واجب، وذلك في أن يميل الماء إلى هذا الجانب إذا انكسرت ضفته فيغرق القرى والأراضي، وعلى هذا نصب الرحى عليه؛ لأن شق النهر للرحى كشقه للسقي به.

٣٬٧٩٠

والثالث: إذا دخل الماء في المقاسم فحق الشفة ثابت. والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام : "الناس شركاء في ثلاث: الماء، والكلإ، والنار" وأنه ينتظم الشرب، والشرب خص منه الأول وبقي الثاني وهو الشفة، ولأن البئر ونحوها ما وضع للإحراز. ولا يملك المباح بدونه كالظبي إذا تكنس في أرضه، ولأن في إبقاء الشفة ضرورة؛ لأن الإنسان لا يمكنه استصحاب الماء إلى كل مكان وهو محتاج إليه لنفسه وظهره؛

٣٬٧٩١

فلو منع عنه أفضى إلى حرج عظيم،

٣٬٧٩٢

وإن أراد رجل أن يسقي بذلك أرضا أحياها كان لأهل النهر أن يمنعوه عنه أضر بهم أو لم يضر؛ لأنه حق خاص لهم ولا ضرورة. ولأنا لو أبحنا ذلك لانقطعت منفعة الشرب.

والرابع: الماء المحرز في الأواني وأنه صار مملوكا له بالإحراز، وانقطع حق غيره عنه كما في الصيد المأخوذ، إلا أنه بقيت فيه شبهة الشركة نظرا إلى الدليل وهو ما روينا، حتى لو سرقه إنسان في موضع يعز وجوده وهو يساوي نصابا لم تقطع يده.

٣٬٧٩٣

ولو كان البئر أو العين أو الحوض أو النهر في ملك رجل له أن يمنع من يريد الشفة من الدخول في ملكه إذا كان يجد ماء آخر يقرب من هذا الماء في غير ملك أحد،

٣٬٧٩٤

وإن كان لا يجد يقال لصاحب النهر: إما أن تعطيه الشفة أو تتركه يأخذ بنفسه بشرط أن لا يكسر ضفته، وهذا مروي عن الطحاوي،

٣٬٧٩٥

وقيل ما قاله صحيح فيما إذا احتفر في أرض مملوكة له.

٣٬٧٩٦

أما إذا احتفرها في أرض موات فليس له أن يمنعه؛ لأن الموات كان مشتركا والحفر لإحياء حق مشترك فلا يقطع الشركة في الشفة،

٣٬٧٩٧

ولو منعه عن ذلك، وهو يخاف على نفسه أو ظهره العطش له أن يقاتله بالسلاح لأنه قصد إتلافه بمنع حقه وهو الشفة، والماء في البئر مباح غير مملوك،

٣٬٧٩٨

بخلاف الماء المحرز في الإناء حيث يقاتله بغير السلاح؛ لأنه قد ملكه،

٣٬٧٩٩

وكذا الطعام عند إصابة المخمصة،

٣٬٨٠٠

وقيل في البئر ونحوها الأولى أن يقاتله بغير السلاح بعصا؛ لأنه ارتكب معصية فقام ذلك مقام التعزير له؛ والشفة إذا كان يأتي على الماء كله بأن كان جدولا صغيرا. وفيما يرد من الإبل والمواشي كثرة ينقطع الماء بشربها قيل لا يمنع منه؛ لأن الإبل لا ترده في كل وقت وصار كالمياومة وهو سبيل في قسمة الشرب.

٣٬٨٠١

وقيل له أن يمنع اعتبارا: بسقي المزارع والمشاجر والجامع تفويت حقه، ولهم أن يأخذوا الماء منه للوضوء وغسل الثياب في الصحيح،؛ لأن الأمر بالوضوء والغسل فيه كما قيل يؤدي إلى الحرج وهو مدفوع،

٣٬٨٠٢

وإن أراد أن يسقي شجرا أو خضرا في داره حملا بجراره له ذلك في الأصح؛ لأن الناس يتوسعون فيه ويعدون المنع من الدناءة، وليس له أن يسقي أرضه ونخله وشجره من نهر هذا الرجل وبئره وقناته إلا بإذنه نصا، وله أن يمنعه من ذلك؛ لأن الماء متى دخل في المقاسم انقطعت شركة الشرب بواحدة؛ لأن في إبقائه قطع شرب صاحبه، ولأن المسيل حق صاحب النهر، والضفة تعلق بها حقه فلا يمكنه التسييل فيه ولا شق الضفة،

٣٬٨٠٣

فإن أذن له صاحبه في ذلك أو أعاره فلا بأس به؛ لأنه حقه فتجرى فيه الإباحة كالماء المحرز في إنائه، والله سيحانه وتعالى أعلم بالصواب. [فصل: في كري الأنهار] قال رضي الله عنه : الأنهار ثلاثة: نهر غير مملوك لأحد ولم يدخل ماؤه في المقاسم بعد كالفرات ونحوه، ونهر مملوك دخل ماؤه في القسمة إلا أنه عام. ونهر مملوك دخل ماؤه في القسمة وهو خاص. والفاصل بينهما استحقاق الشفة به وعدمه. فالأول كريه على السلطان من بيت مال المسلمين؛

لأن منفعة الكري لهم فتكون مؤنته عليهم، ويصرف إليه من مؤنة الخراج والجزية دون العشور والصدقات؛ لأن الثاني للفقراء والأول للنوائب،

٣٬٨٠٤

فإن لم يكن في بيت المال شيء فالإمام يجبر الناس على كريه إحياء لمصلحة العامة إذ هم لا يقيمونها بأنفسهم،

٣٬٨٠٥

وفي مثله قال عمر رضي الله عنه : : لو تركتم لبعتم أولادكم، إلا أنه يخرج له من كان يطيقه ويجعل مؤنته على المياسير الذين لا يطيقونه بأنفسهم.

٣٬٨٠٦

وأما الثاني: فكريه على أهله على بيت المال؛ لأن الحق لهم والمنفعة تعود إليهم على الخصوص والخلوص،

٣٬٨٠٧

ومن أبى منهم يجبر على كريه دفعا للضرر العام وهو ضرر بقية الشركاء وضرر الآبي خاص ويقابله عوض فلا يعارض به؛

٣٬٨٠٨

ولو أرادوا أن يحصنوه خيفة الانبثاق وفيه ضرر عام كغرق الأراضي وفساد الطرق يجبر الآبي، وإلا فلا لأنه موهوم

٣٬٨٠٩

بخلاف الكري؛ لأنه معلوم.

وأما الثالث: وهو الخاص من كل وجه فكريه على أهله لما بينا ثم قيل يجبر الآبي كما في الثاني.

٣٬٨١٠

وقيل لا يجبر؛ لأن كل واحد من الضررين خاص. ويمكن دفعه عنهم بالرجوع على الآبي بما أنفقوا فيه إذا كان بأمر القاضي فاستوت الجهتان،

٣٬٨١١

بخلاف ما تقدم، ولا يجبر لحق الشفة كما إذا امتنعوا جميعا ومؤنة كري النهر المشترك عليهم من أعلاه،

٣٬٨١٢

فإذا جاوز أرض رجل رفع عنه وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله . وقالا: هي عليهم جميعا من أوله إلى آخره بحصص الشرب والأرضين؛ لأن لصاحب الأعلى حقا في الأسفل لاحتياجه إلى تسييل ما فضل من الماء فيه. وله أن المقصد من الكري الانتفاع بالسقي، وقد حصل لصاحب الأعلى فلا يلزمه إنفاع غيره، وليس على صاحب السيل عمارته كما إذا كان له مسيل على سطح غيره، كيف وأنه يمكنه دفع الماء عن أرضه بسده من أعلاه، ثم إنما يرفع عنه إذا جاوز أرضه كما ذكرناه،

٣٬٨١٣

وقيل إذا جاوز فوهة نهره، وهو مروي عن محمد رحمه الله . والأول أصح؛ لأن له رأيا في اتخاذ الفوهة من أعلاه وأسفله،

٣٬٨١٤

فإذا جاوز الكري أرضه حتى سقطت عنه مؤنته قيل له أن يفتح الماء ليسقي أرضه لانتهاء الكري في حقه،

٣٬٨١٥

وقيل ليس له ذلك ما لم يفرغ شركاؤه نفيا لاختصاصه، وليس على أهل الشفة من الكري شيء؛ لأنهم لا يحصون ولأنهم أتباع.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.