وإذا نحر الهدي أو الاضحية نظرت
الشروح عليها
وإذا نحر الهدي أو الاضحية نظرت فان كان تطوعا فالمستحب أن يأكل منه لِمَا رَوَى جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نحر ثلاثا وستين بدنة ثم أعطى عليا رضى الله عنه فنحر ما غبر) واشركه في هديه وامر من كل بدنة ببضعة فجعلها في قدر فطبخت فاكل من لحمها وشرب من مرقها ولا يجب ذلك لقوله عز وجل (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله) فجعلها لنا وما هو للانسان فهو مخير بين اكله وبين تركه وفي القدر الذي يستحب أكله قولان قال في القديم يأكل النصف ويتصدق بالنصف لقوله عز وجل (فكلوا منها واطعموا البائس الفقير) فجعلها بين اثنين فدل على انها بينهما نصفين وقال في الجديد يأكل الثلث ويهدي الثلث ويتصدق بالثلث لقوله عز وجل (فكلوا منها واطعموا القانع والمعتر) قال الحسن القانع الذي يسألك والمعتر الذي يتعرض لك ولا يسألك وقال مجاهد القانع الجالس في بيته والمعتر الذي يسألك فجعلها بين ثلاثة فدل على أنها بينهم اثلاثا (واما) القدر الذي يجوز أن يؤكل فَفِيهِ وَجْهَانِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وابو العباس بن القاص يجوز ان ياكل الجميع لانها ذبيحة يجوز أن ياكل منها فجاز ان ياكل جميعها كسائر الذبائح وقال عامة أصحابنا يجب أن يبقى منها قدر ما يقع عليه اسم الصدقة لان القصد منها القربة فإذا اكل الجميع لم تحصل القربة له فان اكل الجميع لم يضمن على قول ابي العباس وابن القاص ويضمن على قول سائر اصحابنا وفي القدر الذي يضمن وجهان (احدهما) يضمن اقل ما يجزئ في الصدقة (والثاني) يضمن القدر المستحب وهو الثلث في احد القولين والنصف في الاخر بناء على القولين فيمن فرق سهم الفقراء على اثنين * وان كان نذرا نظرت فان كان قد عينه عما في ذمته لم يجز أن يأكل منه لانه بدل عن واجب فلم يجز أن يأكل منه كالدم الذي يجب بترك الاحرام من الميقات وان كان نذر مجازاة كالنذر لشفاء المريض وقدوم الغائب لم يجز أن يأكل منه لانه جزاء فلم يجز أن يأكل منه كجزاء الصيد فان أكل شيئا منه ضمنه وفي ضمانه ثلاثة أوجه (أحدها) يلزمه قيمة ما أكل كما لو أكل منه أجنبي (والثاني) يلزمه مثله من اللحم لانه لو أكل جميعه ضمنه بمثله فإذا أكل بعضه ضمنه بمثله (والثالث) يلزمه أن يشترى جزءا من حيوان مثله ويشارك في ذبحه * وان كان نذرا مطلقا ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) أنه لا يجوز أن يأكل منه لانه اراقة دم واجب فلا يجوز أن يأكل منه كدم الطيب واللباس (والثاني) يجوز لان مطلق النذر يحمل على ما تقرر في الشرع والهدي والاضحية المعهودة في الشرع يجوز الاكل منها فحمل النذر عليه (والثالث) انه ان كان أضحية جاز أن يأكل منها لان الاضحية المعهودة في الشرع يجوز الاكل منها وان كان هديا لم يجز أن يأكل منه لان أكثر الهدايا في الشرع لا يجوز الاكل منها فحمل النذر عليها (الشَّرْحُ) حَدِيثُ جَابِرٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِحُرُوفِهِ وَالْبَضْعَةُ - بِفَتْحِ الْبَاءِ لَا غَيْرُ - وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ اللَّحْمِ (وَقَوْلُهُ) مَا غَبَرَ أَيْ مَا بَقِيَ (وَقَوْلُهُ) وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ أَيْ فِي ثَوَابِهِ وَإِنَّمَا أَخَذَ بَضْعَةً مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ وَشَرِبَ مِنْ مَرَقِهَا لِيَكُونَ قَدْ تَنَاوَلَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ شَيْئًا (وَقَوْلُهُ) لِأَنَّهُ ذَبِيحَةٌ يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا احْتِرَازٌ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَالْمَنْذُورَةِ
(أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَلِلْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ حَالَانِ
(أَحَدُهُمَا)
أَنْ يَكُونَ تَطَوُّعًا فَيُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ مِنْهُمَا وَلَا يَجِبُ بَلْ يَجُوزُ التَّصَدُّقُ بِالْجَمِيعِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ
* وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التصدق بالجميع بل يجب أكل شئ لظاهر قوله تعالى (فكلوا منها وأطعموا)
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ
* قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِأَدْنَى جُزْءٍ كَفَاهُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ اسْمَ الْإِطْعَامِ وَالتَّصَدُّقِ يَقَعُ عَلَيْهِ
* وَفِي الْقَدْرِ الَّذِي يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ التَّصَدُّقُ عَنْهُ قَوْلَانِ (الْقَدِيمُ) يَأْكُلُ النِّصْفَ وَيَتَصَدَّقُ بِالنِّصْفِ
(وَالْأَصَحُّ) الْجَدِيدُ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَاخْتَلَفُوا فِي التَّعْبِيرِ عَنْ الْجَدِيدِ فَنَقَلَ جَمَاعَةٌ عَنْهُ أَنَّهُ يَأْكُلُ الثُّلُثَ وَيَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثَيْنِ وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ وَآخَرُونَ عَنْهُ أَنَّهُ يَأْكُلُ الثُّلُثَ وَيَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَيُهْدِي الثُّلُثَ إلَى الْأَغْنِيَاءِ أَوْ غَيْرِهِمْ وَمِمَّنْ حَكَى هَذَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ثُمَّ قال أبو حامد ولو تصدق بالثلثين كَانَ أَفْضَلَ
* قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيُشْبِهُ أَنْ لَا يَكُونَ اخْتِلَافٌ فِي الْحَقِيقَةِ بَلْ مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى التَّصَدُّقِ بِالثُّلُثَيْنِ ذَكَرَ الْأَفْضَلَ أَوْ تَوَسَّعَ فَعَدَّ الْهَدِيَّةَ صَدَقَةً قَالَ وَالْمَفْهُومُ مِنْ كِتَابِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْهَدِيَّةَ لَا تُغْنِي عَنْ التَّصَدُّقِ بشئ إذَا أَوْجَبْنَاهُ وَإِنَّمَا لَا تُسْتَحَبُّ مِنْ الْقَدْرِ الَّذِي يُسْتَحَبُّ التَّصَدُّقُ بِهِ
* وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَ الْقَدْرَ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْ التَّصَدُّقِ بِهِ إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ
بِخِلَافِ سَهْمِ الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنْ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ
* وَالْفَرْقُ أَنَّهُ يَجُوزُ هُنَا الِاقْتِصَارُ عَلَى جُزْءٍ يَسِيرٍ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ إلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ
* قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ مِنْ لَحْمِ الْمُتَطَوِّعِ بِهَا شَيْئًا بَلْ يأكل ويطعم ولايجوز تَمْلِيكُ الْأَغْنِيَاءِ مِنْهَا شَيْئًا وَإِنَّمَا يَجُوزُ إطْعَامُهُمْ وَالْهَدِيَّةُ إلَيْهِمْ
وَيَجُوزُ تَمْلِيكُ الْفُقَرَاءِ مِنْهَا لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ
فَلَوْ أَصْلَحَ الطَّعَامَ وَدَعَا إلَيْهِ الْفُقَرَاءَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الَّذِي يَنْقَدِحُ عندي أنا إذا أوجبنا التصدق بشئ أنه لابد مِنْ التَّمْلِيكِ كَمَا فِي
الْكَفَّارَةِ وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ فَقَالَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ الْفُقَرَاءَ لِيَأْكُلُوهُ مَطْبُوخًا لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي تَمَلُّكِهِ قال وان دفع مطبوخا لم يجز بَلْ يُفَرِّقْهُ نِيئًا لِأَنَّ الْمَطْبُوخَ كَالْخُبْزِ فِي الْفِطْرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَهَلْ يشترط التصدق منها بشئ أم يجوز اكلها جميعها فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا (أَحَدُهُمَا) يَجُوزُ أَكْلُ الْجَمِيعِ قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ وَابْنُ الْقَاصِّ وَالْإِصْطَخْرِيُّ وَابْنُ الْوَكِيلِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْقَاصِّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ قَالُوا وَإِذَا أَكَلَ الْجَمِيعَ ففائدة الاضحية حصول الثواب باراقة لدم بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ (وَالْقَوْلُ الثَّانِي) وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْمُصَنِّفِينَ منهم المصنف في التنبيه يجب التصدق بشئ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إرْفَاقُ الْمَسَاكِينِ فَعَلَى هَذَا إنْ أَكَلَ الْجَمِيعَ لَزِمَهُ الضَّمَانُ وَفِي قَدْرِ الضَّمَانِ خِلَافٌ (الْمَذْهَبُ) مِنْهُ أَنْ يَضْمَنَ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ
(وَفِي قَوْلٍ) وَبَعْضُهُمْ يَحْكِيه وَجْهًا أَنَّهُ يَضْمَنُ الْقَدْرَ الَّذِي يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ فِي التَّصَدُّقِ عَنْهُ وهو النصف أو الثلث فِيهِ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابِ
* قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ دَفَعَ سَهْمَ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ إلَى اثْنَيْنِ مَعَ وُجُودِ الثَّالِثِ
* وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّهُ يَضْمَنُ الْجَمِيعَ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهَا
وَمِثْلِهَا لِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ حُكْمِ الْأُضْحِيَّةِ بِأَكْلِهِ الْجَمِيعَ فَكَأَنَّهُ أَتْلَفَهَا وَهَذَا الْوَجْهُ حُكِيَ عَنْ أَبِي اسحق المروزي وأبي على ابن أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَكَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَطَّانِ وَعَلَى هَذَا يُذْبَحُ الْبَدَلُ فِي وَقْتِ التَّضْحِيَةِ فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَفِي إجْزَائِهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) يُجْزِئُهُ وَفِي جَوَازِ الْأَكْلِ مِنْ الْبَدَلِ وَجْهَانِ
* وَهَذَا الْوَجْهُ الْمَحْكِيُّ عَنْ ابْنِ كَجٍّ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَمَا تَفَرَّعَ عَلَيْهِ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَالْمَعْرُوفُ مَا سَبَقَ مِنْ الْخِلَافِ
* ثُمَّ مَا ضمنه على الْخِلَافِ السَّابِقِ لَا يَتَصَدَّقُ بِهِ دَرَاهِمَ بَلْ فِيمَا يَلْزَمُهُ وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
صَرْفُهُ إلَى شِقْصِ أُضْحِيَّةٍ (وَالثَّانِي) وَهُوَ الْأَصَحُّ يَكْفِي أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ لَحْمًا وَيَتَصَدَّقَ بِهِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ
* وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ وَجْهًا ثَالِثًا أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ دَرَاهِمَ وَادَّعَى أَنَّهُ الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ
* وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الذَّبْحِ وَالتَّفْرِقَةِ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِأَنَّ الشِّقْصَ وَاللَّحْمَ لَيْسَ بِأُضْحِيَّةٍ ولا يشترط فيه وقتها ولايجوز أن يأكل منه والله
أَعْلَمُ
* (الْحَالُ الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ الْهَدْيُ أَوْ الْأُضْحِيَّةُ مَنْذُورًا قَالَ الْأَصْحَابُ كُلُّ هَدْيٍ وَجَبَ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ الْتِزَامٍ كَدَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ
فَلَوْ أَكَلَ مِنْهُ غَرِمَ وَلَا يَجِبُ إرَاقَةُ الدَّمِ ثَانِيًا وَفِيمَا يَغْرَمُهُ أَوْجُهٌ (أَصَحُّهَا) وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْقَدِيمِ يَغْرَمُ قِيمَةَ اللَّحْمِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ غَيْرُهُ (وَالثَّانِي) يَلْزَمُهُ مِثْلُ ذَلِكَ اللَّحْمِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ (وَالثَّالِثُ) يَلْزَمُهُ شِقْصٌ مِنْ حَيَوَانٍ مِثْلِهِ وَيُشَارِكُ فِي ذَبِيحَةٍ لِأَنَّ مَا أَكَلَهُ بَطَلَ حُكْمُ إرَاقَةِ الدَّمِ فِيهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ وَأَكَلَ الْجَمِيعَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ آخَرُ
(وَأَمَّا) الْمُلْتَزِمُ بِالنَّذْرِ مِنْ الْهَدَايَا فَإِنْ عَيَّنَهُ بِالنَّذْرِ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ مِنْ دَمِ حَلْقٍ أَوْ تَطَيُّبٍ وَلِبَاسٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ كَمَا لَوْ ذَبَحَ شَاةً بِهَذِهِ النِّيَّةِ بِغَيْرِ نَذْرٍ وَكَالزَّكَاةِ
* وَإِنْ نَذَرَ نَذْرَ مُجَازَاةٍ كَتَعْلِيقِهِ الْتِزَامَ الْهَدْيِ أَوْ الْأُضْحِيَّةِ بِشِفَاءِ الْمَرِيضِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَجُزْ الْأَكْلُ مِنْهُ أَيْضًا كَجَزَاءِ الصَّيْدِ
* وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُلْتَزِمِ مُعَيِّنًا أَوْ مُرْسِلًا فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ يَذْبَحُ عَنْهُ فَإِنْ أَطْلَقَ الِالْتِزَامَ فَلَمْ يُعَلِّقْهُ بشئ وَقُلْنَا بِالْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَصِحُّ نَذْرُهُ وَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ الْمُلْتَزِمُ مُعَيِّنًا بِأَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَذِهِ أَوْ أُهْدِيَ هَذِهِ فَفِي جَوَازِ الْأَكْلِ مِنْهَا قَوْلَانِ وَوَجْهٌ أَوْ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (أَصَحُّهَا) لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ الْهَدْيِ وَلَا الْأُضْحِيَّةِ (وَالثَّانِي) يَجُوزُ (وَالثَّالِثُ) يَجُوزُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ دُونَ الْهَدْيِ وَأَدِلَّةُ الثَّلَاثَةِ فِي الْكِتَابِ
* وَمَنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا إذَا قَالَ جَعَلْت هَذِهِ الشَّاةَ ضَحِيَّة مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ الْتِزَامٍ
(أَمَّا) إذَا الْتَزَمَ فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ عَيَّنَ شَاةً عَمَّا عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْ الْأَكْلَ مِنْ الْمُعَيَّنَةِ ابْتِدَاءً فَهَهُنَا أَوْلَى وَإِلَّا فَقَوْلَانِ أَوْ وَجْهَانِ (الْأَصَحُّ) لَا يَجُوزُ
* قَالَ الرَّافِعِيُّ هَكَذَا فَصَّلَ حُكْمَ الْأَكْلِ مِنْ الْمُلْتَزِمِ كَثِيرُونَ مِنْ الْمُعْتَبَرِينَ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ فِي جَوَازِ الْأَكْلِ وَجْهَيْنِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ نَذْرِ الْمُجَازَاةِ وَغَيْرِهِ وَلَا بَيْنَ الملتزم المعين والمرسل بالمنع قال أبو إسحق قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَاخْتَارَ الْقَفَّالُ وَالْإِمَامُ الْجَوَازَ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيُشْبِهُ أَنْ يُتَوَسَّطَ فَيُرَجَّحُ فِي الْمُعَيِّنِ الْجَوَازُ وَفِي الْمُرْسِلِ الْمَنْعُ سَوَاءٌ عَيَّنَ عَيْنَهُ ثُمَّ ذَبَحَ أَوْ ذَبَحَ بِلَا تَعْيِينٍ لِأَنَّهُ عَنْ دَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ فَأَشْبَهَ الْجُبْرَانَاتِ وَبِهَذَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَهُوَ مُقْتَضَى سِيَاقِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ
* وَحَيْثُ مَنَعْنَا الْأَكْلَ فِي الْمَنْذُورَةِ فَأَكَلَ فَعَلَيْهِ الْغُرْمُ وَفِيمَا يَغْرَمُهُ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ السَّابِقَةُ فِي الْجُبْرَانَاتِ
* وَحَيْثُ جَوَّزْنَا الْأَكْلَ فَفِي قَدْرِ مَا يَأْكُلُهُ الْقَوْلَانِ فِي أُضْحِيَّةِ التَّطَوُّعِ كَذَا
قَالَهُ الْبَغَوِيّ
* قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَك أَنْ تَقُولَ ذَلِكَ الْخِلَافَ فِي قَدْرِ الْمُسْتَحَبِّ أَكْلُهُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ لَا يُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ وَأَقَلُّ مَا فِي تَرْكِهِ الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
يَجُوزُ أَنْ يَدَّخِرَ مِنْ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ وَكَانَ ادِّخَارُهَا فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَنْهِيًّا عَنْهُ ثُمَّ أَذِنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ وَذَلِكَ ثَابِتٌ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ
* قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا كَانَ النَّهْيُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ يُحْتَمَلُ التَّنْزِيهُ وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ عَلَى التَّحْرِيمِ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّ النَّهْيَ كَانَ عَامًّا ثُمَّ نُسِخَ أَمْ كَانَ مَخْصُوصًا بِحَالَةِ الضِّيقِ الْوَاقِعِ تِلْكَ السَّنَةُ فَلَمَّا زَالَتْ انْتَهَى التَّحْرِيمُ وَجْهَيْنِ عَلَى الثَّانِي فِي أَنَّهُ لَوْ حَدَثَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي زَمَانِنَا هَلْ يُحْكَمُ بِهِ وَالصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الِادِّخَارُ الْيَوْمَ بِحَالٍ وَإِذَا أَرَادَ الِادِّخَارَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَصِيبِ الْأَكْلِ لَا مِنْ نَصِيبِ الصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ
(وَأَمَّا) قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَجِيزِ يَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ وَيَأْكُلُ الثُّلُثَ وَيَدَّخِرُ الثُّلُثَ فَغَلَطٌ ظَاهِرٌ مِنْ حَيْثُ النَّقْلِ وَالْمَعْنَى قَالَ الرَّافِعِيُّ هَذَا غَلَطٌ لَا يَكَادُ يُوجَدُ فِي كِتَابٍ مُتَقَدِّمٍ وَلَا مُتَأَخِّرٍ وَالصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ أُحِبُّ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ بِالْأَكْلِ وَالِادِّخَارِ الثُّلُثَ وَأَنْ يُهْدِيَ الثُّلُثَ وَيَتَصَدَّقَ بِالثُّلُثِ هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ وَقَدْ نَقَلَهُ أَيْضًا الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ فِي جَامِعِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالصَّوَابِ وَرَدٌّ لِقَوْلِ الْغَزَالِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الاكل من الضحية والهدية الْوَاجِبَيْنِ
* قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُمَا سَوَاءٌ كَانَ جُبْرَانًا أَوْ مَنْذُورًا
وَكَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَدَاوُد الظَّاهِرِيُّ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ الْوَاجِبِ
* وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ دَمِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ وَبَنَاهُ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي أن دم القران والتمتع دم نسك لاجبران
* وكذا قال احمد لا يأكل من شئ مِنْ الْهَدَايَا إلَّا مِنْ دَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَدَمِ التَّطَوُّعِ
* وَقَالَ مَالِكٌ يَأْكُلُ مِنْ الْهَدَايَا كُلِّهَا إلَّا جَزَاءَ الصَّيْدِ وَنُسُكَ الْأَذَى وَالْمَنْذُورَ وَهَدْيَ التَّطَوُّعِ إذَا عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ
* وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
الْأَكْلُ مِنْ أُضْحِيَّةِ التَّطَوُّعِ وَهَدْيِهِ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ
* هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ
وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورِ وَأَوْجَبَهُ بَعْضُ السَّلَفِ وَهُوَ وَجْهٌ لَنَا سَبَقَ
* وَمِمَّنْ اسْتَحَبَّ أَنْ يأكل ثلثا ويتصدق بثلث وَيُهْدِيَ ثُلُثًا ابْنُ مَسْعُودٍ وَعَطَاءٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ مَنْ أَكَلَ بَعْضَ الْأُضْحِيَّةِ وَتَصَدَّقَ بِبَعْضِهَا هَلْ يُثَابُ عَلَى جَمِيعِهَا أَمْ عَلَى مَا تَصَدَّقَ بِهِ فَقَطْ فِيهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ نَوَى صَوْمَ التَّطَوُّعِ ضَحْوَةً هَلْ يُثَابُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَمْ مِنْ وَقْتِ النِّيَّةِ فَقَطْ قَالَ الرَّافِعِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لَهُ ثَوَابُ التَّضْحِيَةِ بِالْجَمِيعِ وَثَوَابُ التَّصَدُّقِ بِالْبَعْضِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الرَّافِعِيُّ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ الْأَحَادِيثُ وَالْقَوَاعِدُ وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهِ تَصْرِيحًا الشَّيْخُ الصَّالِحُ إبْرَاهِيمُ الْمَرْوَرُوذِيُّ وَاَللَّهُ أعلم *
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.