فَتغير والقلتان خَمْسمِائَة رَطْل بالبغدادي تَقْرِيبًا فِي الْأَصَح فصل فِي الدّباغ وجلود الْميتَة تطهر بالدباغ ضَابِط الدّباغ إِلَّا جلد الْكَلْب وَالْخِنْزِير
الشروح عليها
(فَتغير) بِسَبَب النَّجَاسَة لِخُرُوجِهِ عَن الطاهرية وَلَو كَانَ التَّغَيُّر يَسِيرا حسيا أَو تقديريا فَهُوَ نجس بِالْإِجْمَاع الْمُخَصّص لخَبر الْقلَّتَيْنِ الْآتِي وَلخَبَر التِّرْمِذِيّ وَغَيره المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء كَمَا خصصه مَفْهُوم خبر الْقلَّتَيْنِ الْآتِي فالتغير الْحسي ظَاهر (حَقِيقَة التَّغْيِير التقديري) والتقديري بِأَن وَقعت فِيهِ نَجَاسَة مائعة توافقه فِي الصِّفَات كبول انْقَطَعت رَائِحَته وَلَو فرض مُخَالفا لَهُ فِي أغْلظ الصِّفَات كلون الحبر وَطعم الْخلّ وريح الْمسك لغيره فَإِنَّهُ يحكم بِنَجَاسَتِهِ فَإِن لم يتَغَيَّر فطهور لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يحمل الْخبث قَالَ الْحَاكِم على شَرط الشَّيْخَيْنِ
وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَغَيره بِإِسْنَاد صَحِيح فَإِنَّهُ لَا ينجس وَهُوَ المُرَاد بقوله لم يحمل الْخبث أَي يدْفع النَّجس وَلَا يقبله وَفَارق كثير المَاء كثير غَيره فَإِنَّهُ ينجس بِمُجَرَّد ملاقاة النَّجَاسَة بِأَن كَثِيره قوي ويشق حفظه عَن النَّجس
بِخِلَاف غَيره وَإِن كثر تَنْبِيهَانِ الأول لَو شكّ فِي كَونه قُلَّتَيْنِ وَوَقعت فِيهِ نَجَاسَة هَل ينجس أَو لَا ينجس رأيان أصَحهمَا الثَّانِي بل قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب الصَّوَاب أَنه لَا ينجس إِذْ الأَصْل الطَّهَارَة وشككنا فِي نَجَاسَة منجسة وَلَا يلْزم من حُصُول النَّجَاسَة التَّنْجِيس الثَّانِي لَو تغير بعض المَاء فالمتغير كنجاسة جامدة لَا يجب التباعد عَنْهَا بقلتين وَالْبَاقِي إِن قل فنجس وَإِلَّا فطاهر
فَلَو غرف دلوا من مَاء قُلَّتَيْنِ فَقَط وَفِيه نَجَاسَة جامدة لم تغيره وَلم يغرفها مَعَ المَاء فباطن الدَّلْو طَاهِر لانفصال مَا فِيهِ عَن الْبَاقِي قبل أَن ينقص عَن قُلَّتَيْنِ لَا ظَاهرهَا لتنجسه بِالْبَاقِي الْمُتَنَجس بِالنَّجَاسَةِ لقلته فَإِن دخلت مَعَ المَاء أَو قبله فِي الدَّلْو انعكس الحكم
فَائِدَة تَأْنِيث الدَّلْو أفْصح من تذكيره (القَوْل فِي حكم زَوَال التَّغْيِير) فَإِن زَالَ تغيره الْحسي أَو التقديري بِنَفسِهِ بِأَن لم يحدث فِيهِ شَيْء كَأَن زَالَ بطول الْمكْث أَو بِمَاء انْضَمَّ إِلَيْهِ بِفعل أَو غَيره أَو أَخذ مِنْهُ وَالْبَاقِي قلتان طهر لزوَال سَبَب التَّنْجِيس فَإِن زَالَ تغيره بمسك أَو نَحوه كزعفران أَو بِتُرَاب لم يطهر لأَنا لَا نَدْرِي أَن أَوْصَاف النَّجَاسَة زَالَت أَو غلب عَلَيْهَا مَا ذكر فاستترت وَيسْتَثْنى من النَّجس ميتَة لَا دم لَهَا سَائل أَصَالَة بِأَن لَا يسيل دَمهَا عِنْد شقّ عُضْو مِنْهَا فِي حَيَاتهَا كزنبور وعقرب ووزغ وذباب وقمل وبرغوث لَا نَحْو حَيَّة وضفدع وفأرة فَلَا تنجس مَاء أَو غَيره بوقوعها فِيهِ بِشَرْط أَن لَا يَطْرَحهَا طارح وَلم تغيره لمَشَقَّة الِاحْتِرَاز عَنْهَا وَلخَبَر البُخَارِيّ إِذا وَقع الذُّبَاب فِي شراب أحدكُم فليغمسه كُله ثمَّ لينزعه فَإِن فِي أحد جناحيه دَاء أَي وَهُوَ الْيَسَار كَمَا قيل وَفِي الآخر شِفَاء زَاد أَبُو دَاوُد وَإنَّهُ يتقى بجناحه الَّذِي فِيهِ الدَّاء وَقد يُفْضِي غمسه إِلَى مَوته
فَلَو نجس الْمَائِع لما أَمر بِهِ وَقيس بالذباب مَا فِي مَعْنَاهُ من كل ميتَة لَا يسيل دَمهَا
فَلَو شككنا فِي سيل دَمهَا امتحن بجنسها فتجرح للْحَاجة قَالَه الْغَزالِيّ فِي فَتَاوِيهِ وَلَو كَانَت مِمَّا يسيل دَمهَا لَكِن لَا دم فِيهَا أَو فِيهَا دم لَا يسيل لصغرها فلهَا حكم مَا يسيل دَمهَا قَالَه القَاضِي أَبُو الطّيب (القَوْل فِي النَّجَاسَة المعفو عَنْهَا) وَيسْتَثْنى أَيْضا نجس لَا يُشَاهد بالبصر لقلته كنقطة بَوْل وخمر وَمَا يعلق بِنَحْوِ رجل ذُبَاب لعسر الِاحْتِرَاز عَنهُ فَأشبه دم البراغيث قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَقِيَاس اسْتثِْنَاء دم الْكَلْب من يسير الدَّم المعفو عَنهُ أَن يكون هُنَا مثله وَقد يفرق بَينهمَا بالمشقة وَالْفرق أوجه
ويعفى أَيْضا عَن رَوْث سمك لم يُغير المَاء وَعَن الْيَسِير عرفا من شعر نجس من غير نَحْو كلب وَعَن كَثِيره من مركوب وَعَن قَلِيل دُخان نجس وغبار سرجين وَنَحْوه مِمَّا تحمله الرّيح كالذر وَعَن حَيَوَان مُتَنَجّس المنفذ إِذا وَقع فِي المَاء للْمَشَقَّة فِي صونه وَلِهَذَا لَا يُعْفَى عَن آدَمِيّ مستجمر وَعَن الدَّم الْبَاقِي على اللَّحْم والعظم فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنهُ وَلَو تنجس حَيَوَان طَاهِر من هرة أَو غَيرهَا ثمَّ غَابَ وَأمكن وُرُوده مَاء كثيرا ثمَّ ولغَ فِي طَاهِر لم يُنجسهُ مَعَ حكمنَا بِنَجَاسَة فَمه لِأَن الأَصْل نَجَاسَته وطهارة المَاء وَقد اعتضد أصل طَهَارَة المَاء بِاحْتِمَال ولوغه فِي مَاء كثير فِي الْغَيْبَة فرجح (القَوْل فِي ضبط الْقلَّتَيْنِ بِالْوَزْنِ) (والقلتان) بِالْوَزْنِ (خَمْسمِائَة رَطْل) بِكَسْر الرَّاء أفْصح من فتحهَا (بالبغدادي) أخذا من رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ وَغَيره إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ بقلال هجر لم يُنجسهُ شَيْء والقلة فِي اللُّغَة الجرة الْعَظِيمَة سميت بذلك لِأَن الرجل الْعَظِيم يقلها بيدَيْهِ أَي يرفعها وهجر بِفَتْح الْهَاء وَالْجِيم قَرْيَة بِقرب الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة يجلب مِنْهَا القلال
وَقيل هِيَ بِالْبَحْرَيْنِ قَالَه الْأَزْهَرِي
قَالَ فِي الْخَادِم وَهُوَ الْأَشْبَه ثمَّ رُوِيَ عَن الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن ابْن جريج أَنه قَالَ رَأَيْت قلال هجر فَإِذا الْقلَّة مِنْهَا تسع قربتين أَو قربتين وشيئا أَي من قرب الْحجاز فاحتاط الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَحسب الشَّيْء نصفا إِذْ لَو كَانَ فَوْقه لقَالَ تسع ثَلَاث قرب إِلَّا شَيْئا على عَادَة الْعَرَب فَتكون القلتان خمس قرب وَالْغَالِب أَن الْقرْبَة لَا تزيد على مائَة رَطْل بغدادي وَهُوَ مائَة وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ درهما وَأَرْبَعَة أَسْبَاع دِرْهَم فِي الْأَصَح فالمجموع بِهِ خَمْسمِائَة رَطْل (تَقْرِيبًا فِي الْأَصَح) فيعفى عَن نقص رَطْل أَو رطلين على مَا صَححهُ فِي الرَّوْضَة وَصحح فِي التَّحْقِيق مَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ أَنه لَا يضر نقص قدر لَا يظْهر بنقصه تفَاوت فِي التَّغَيُّر بِقدر معِين من الْأَشْيَاء الْمُغيرَة كَأَن تَأْخُذ إناءين فِي وَاحِد قلتان وَفِي الآخر دونهمَا ثمَّ تضع فِي أَحدهمَا قدرا من المغير وتضع فِي الآخر قدره فَإِن لم يظْهر بَينهمَا تفَاوت فِي التَّغَيُّر لم يضر ذَلِك وَإِلَّا ضرّ وَهَذَا أولى من الأول لضبطه (القَوْل فِي الْقلَّتَيْنِ بالمساحة) وبالمساحة فِي المربع ذِرَاع وَربع طولا وعرضا وعمقا وَفِي المدور ذراعان طولا وذراع عرضا وَالْمرَاد فِيهِ بالطول العمق وبالعرض مَا بَين حائطي الْبِئْر من سَائِر الجوانب وبالذراع فِي المربع ذِرَاع الْآدَمِيّ وَهُوَ شبران تَقْرِيبًا
وَأما فِي المدور فَالْمُرَاد بِهِ فِي الطول ذِرَاع التُّجَّار الَّذِي هُوَ بِذِرَاع الْآدَمِيّ ذِرَاع وَربع تَقْرِيبًا (حَقِيقَة حكم المَاء الْجَارِي) وَالْمَاء الْجَارِي وَهُوَ مَا انْدفع فِي مستو أَو منخفض كراكد فِيمَا مر من التَّفْرِقَة بَين الْقَلِيل وَالْكثير وَفِيمَا اسْتثْنِي لمَفْهُوم حَدِيث الْقلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لم يفصل بَين الْجَارِي والراكد لَكِن الْعبْرَة فِي الْجَارِي بالجرية نَفسهَا لَا بِمَجْمُوع المَاء وَهِي كَمَا فِي الْمَجْمُوع الدفعة بَين حافتي النَّهر عرضا وَالْمرَاد بهَا مَا يرْتَفع من المَاء عِنْد تموجه أَي تَحْقِيقا أَو تَقْديرا فَإِن كثرت الجرية لم تنجس إِلَّا بالتغير وَهِي فِي نَفسهَا مُنْفَصِلَة عَمَّا أمامها وَمَا خلفهَا من الجريات حكما وَإِن اتَّصَلت بهما حسا إِذْ كل جرية طالبة لما أمامها هاربة عَمَّا خلفهَا من الجريات وَيعرف كَون الجرية قُلَّتَيْنِ بِأَن يمسحا وَيجْعَل الْحَاصِل ميزانا ثمَّ يُؤْخَذ قدر عمق الجرية وَيضْرب فِي قدر طولهَا ثمَّ الْحَاصِل فِي قدر عرضهَا بعد بسط الأقدار من مخرج الرّبع لوُجُوده فِي مِقْدَار الْقلَّتَيْنِ فِي المربع فَمسح الْقلَّتَيْنِ بِأَن تضرب ذِرَاعا وربعا طولا فِي مثلهمَا عرضا فِي مثلهمَا عمقا يحصل مائَة وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ وَهِي الْمِيزَان
أما إِذا كَانَ أَمَام الْجَارِي ارْتِفَاع يردهُ فَلهُ حكم الراكد (فصل فِي الدّباغ) فِي بَيَان مَا يطهر بدباغه وَمَا يسْتَعْمل من الْآنِية وَمَا يمْتَنع (وجلود) الْحَيَوَانَات (الْميتَة) كلهَا (تطهر) ظَاهرا وَبَاطنا (بالدباغ) وَلَو بإلقاء الدابغ عَلَيْهِ بِنَحْوِ ريح أَو بإلقائه على الدابغ كَذَلِك لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر رَوَاهُ مُسلم
وَفِي رِوَايَة هلا أَخَذْتُم إهابها فدبغتموه فانتفعتم بِهِ وَالظَّاهِر مَا لَاقَى الدابغ وَالْبَاطِن مَا لم يلاق الدابغ وَلَا فرق فِي الْميتَة بَين أَن تكون مأكولة اللَّحْم أم لَا كَمَا يَقْتَضِيهِ عُمُوم الحَدِيث (ضَابِط الدّباغ) والدبغ نزع فضوله وَهِي مائيته ورطوبته الَّتِي يُفْسِدهُ بَقَاؤُهَا ويطيبه نَزعهَا بِحَيْثُ لَو نقع فِي المَاء لم يعد إِلَيْهِ النتن وَالْفساد وَذَلِكَ إِنَّمَا يحصل بحريف بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء كالقرظ والعفص وقشور الرُّمَّان وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الطَّاهِر كم ذكر وَالنَّجس كذرق الطُّيُور وَلَا يَكْفِي التجميد بِالتُّرَابِ وَلَا بالشمس وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا ينْزع الفضول وَإِن جف الْجلد وَطَابَتْ رَائِحَته لِأَن الفضلات لم تزل وَإِنَّمَا جمدت بِدَلِيل أَنه لَو نقع فِي المَاء عَادَتْ إِلَيْهِ العفونة (القَوْل فِي حكم الْجلد بعد الدبغ) وَيصير المدبوغ كَثوب مُتَنَجّس لملاقاته للأدوية النَّجِسَة أَو الَّتِي تنجست بِهِ قبل طهر عينه فَيجب غسله لذَلِك فَلَا يصلى فِيهِ وَلَا عَلَيْهِ قبل غسله
وَيجوز بَيْعه قبله مَا لم يمْنَع من ذَلِك مَانع وَلَا يحل أكله سَوَاء كَانَ من مَأْكُول اللَّحْم أم من غَيره لخَبر الصَّحِيحَيْنِ إِنَّمَا حرم من الْميتَة أكلهَا وَخرج بِالْجلدِ الشّعْر لعدم تأثره بالدبغ قَالَ النَّوَوِيّ
ويعفى عَن قَلِيله (إِلَّا جلد الْكَلْب وَالْخِنْزِير) فَلَا يطهره الدبغ قطعا لِأَن الْحَيَاة فِي إِفَادَة الطَّهَارَة أبلغ من الدبغ والحياة لَا تفِيد طَهَارَته
(فتغير) يسيرا أو كثيرا. (والقلتان خمسمائة رطل بغدادي تقريبا في الأصح) فيهما. والرطل البغدادي عند النووي مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم. وترك المصنف قسما خامسا، وهو الماء المطهر الحرام، كالوضوء بماء مغصوب أو مسبل للشرب. [• تطهير جلود الميتة] {فصل} في ذكر شيء من الأعيان المتنجسة وما يطهر منها بالذباغ وما لا يطهر. (وجلود الميتة) كلها (تطهُر بالدباغ) سواء في ذلك ميتة مأكول اللحم وغيره. وكيفية الذبغ أن ينزع فضول الجلد مما يُعَفِّنه من دم ونحوه، بشيء حِرِّيف كعفص،
ولو كان الحريف نجسًا كذرق حمام كفى في الدبغ (إلا جلدَ الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما) مع حيوان طاهر، فلا يطهر بالدباغ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.