وإذا كانت المرأة بالغة رشيدة أو صغيرة عقد عليها أبوها بأي صداق اتفقوا عليه فهو جائز، إذا كان شيئا له نصف يحصل.
الشروح عليها
قال: وإذا كانت المرأة بالغة رشيدة أو صغيرة عقد عليها أبوها بأي صداق اتفقوا عليه فهو جائز، إذا كان شيئا له نصف يحصل. ش: وضع هذه المسألة أن الصداق يجوز بما اتفقوا عليه من قليل أو كثير، ولا يتقدر أقله بعشرة دراهم ولا غيرها، ولا أكثره،
(أما الأول) فلما تقدم من حديث أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولظاهر قَوْله تَعَالَى: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء: ٢٤] والدرهم والدرهمان مال، فيدخل في الآية الكريمة.
٢٦١٥ - وعن عامر بن ربيعة أن «امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أرضيت من نفسك بنعلين؟» قالت: نعم. فأجازه رسول الله» - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رواه أحمد وابن ماجه، والترمذي وصححه. ٢٦١٦ - وعن جابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقا أو تمرا فقد استحل» رواه أبو داود وغيره.
٢٦١٧ - وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للذي أراد أن يتزوج الموهوبة: «التمس ولو خاتما من حديد» ، ومعلوم أن الخاتم الحديد لا يساوي عشرة دراهم، وحمله على خاتم من حديد صيني يساويها، حمل للفظ على معناه النادر دون المعتاد، لا سيما والتنكير في مثل هذا المقام للتقليل، لكن الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - يشترط أن يكون له نصف يحصل، فلا يجوز على فلس ونحوه، حذارا من أن يبتغي بغير مال، كما إذا طلقها قبل الدخول، وتبعه على ذلك ابن عقيل في الفصول، وأبو محمد، وفسره بنصف يتمول عادة، وليس في كلام أحمد هذا الشرط،
وكذا كثير من أصحابه، حتى بالغ ابن عقيل في ضمن كلام له، فجوز الصداق بالحبة والتمرة التي ينتبذ مثلها ولا يعرف.
وأما (الثاني) فلظاهر قول الله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} [النساء: ٢٠] الآية.
٢٦١٨ - قال أبو صالح: القنطار مائة رطل، وهو عرف الناس اليوم.
٢٦١٩ - وقال أبو سعيد الخدري: ملء مسك ثور ذهبا.
٢٦٢٠ - وعن مجاهد: سبعون ألف مثقال. ٢٦٢١ - وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه أصدق أم كلثوم ابنة علي أربعين ألفا، رواه أبو حفص، مع أن هذا إجماع حكاه ابن عبد البر وغيره، لكن الأولى تقليل المهر وتخفيفه.
٢٦٢٢ - لما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة» رواه أحمد.
٢٦٢٣ - وعن أبي العجفاء، قال: لا تغالوا بصدق النساء، فإنه لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله، كان أولاكم بها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما أصدق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية. رواه الخمسة، وصححه الترمذي. وكماله عشرة دراهم، على ظاهر كلام القاضي أبي يعلى الصغير، خروجا من الخلاف، واتفق الكل على أن المستحب أن لا يزيد على صداق أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبناته، تأسيا به، وطلبا لبركته والاقتداء به، وهو من أربع مائة درهم إلى خمس مائة، لما تقدم عن عمر.
٢٦٢٤ - وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كم كان صداق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا، قالت: أتدري ما النش؟
قلت: لا. قالت: نصف أوقية، فتلك خمسمائة درهم، هذا صداق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأزواجه. رواه مسلم، وكلام أحمد في رواية حنبل يقتضي أنه بلغه أن صداق بنات النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أربعمائة درهم.
وقد تضمن كلام الخرقي أن من شرط صحة التسمية الرضى ممن هو معتبر منه، ولا نزاع في ذلك، قال الله سبحانه وتعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} [النساء: ٢٤] .
٢٦٢٥ - ويروى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «العلائق ما تراضى عليه الأهلون»
ثم إن كان العاقد الأب وهي صغيرة فالرضى منوط به،
وإن كانت بالغة رشيدة اعتبر رضاها، نعم للأب أن يزوجها بدون صداق مثلها، كما تقدم في أول كتاب النكاح، والله أعلم.
(تنبيه) وجوب المهر في ابتداء النكاح هل هو حق لله تعالى أو للآدمي؟ فيه وجهان: (أحدهما) : أنه حق للآدمي، قاله القاضي في التعليق، في ضمن مسألة أقل الصداق،
وفي تزويج الدنيء بغير مهر،
وفي فساد المهر، وهو قول كثير من أصحابه في الخلاف، وبنوا عليه تزويج عبده من أمته ولا مهر، وذلك لأنه يسقط بالعفو بعد وجوبه،
ولو كان حقا لله تعالى لما سقط.
(والثاني) : أنه حق لله تعالى، قاله القاضي أبو يعلى الصغير، وابن عقيل في موضع، وهو قياس المنصوص في وجوب المهر فيما إذا زوج عبده من أمته، وذلك لأنه يجب مهر المثل للمفوضة،
وإن رضيت بسقوطه، وهذا هو مأخذ المفوضة عند القاضي أبي يعلى الصغير، والقاضي يجيب عن ذلك بأنه إسقاط للحق قبل وجوبه فلذلك لم يسقط، والله أعلم.
[مَسْأَلَة حُكْم الصَّدَاق إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ بَالِغَةً رَشِيدَةً أَوْ صَغِيرَةً عَقَدَ عَلَيْهَا أَبُوهَا] (٥٥٥٠) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ بَالِغَةً رَشِيدَةً، أَوْ صَغِيرَةً عَقَدَ عَلَيْهَا أَبُوهَا، فَأَيُّ صَدَاقٍ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَهُوَ جَائِزٌ، إذَا كَانَ شَيْئًا لَهُ نِصْفٌ يُحَصَّلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ فُصُول:(٥٥٥١) الْفَصْلُ الْأَوَّل: أَنَّ الصَّدَاقَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، لَا أَقَلُّهُ وَلَا أَكْثَرُهُ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ مَالًا جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا. وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُد وَزَوَّجَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ابْنَتَهُ بِدِرْهَمَيْنِ،
وَقَالَ: لَوْ أَصْدَقَهَا سَوْطًا لَحَلَّتْ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ: هُوَ مُقَدَّرُ الْأَقَلِّ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: أَقَلُّهُ مَا يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ.
وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: خَمْسَةُ دَرَاهِمَ. وَعَنْ النَّخَعِيِّ: أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
وَعَنْهُ عِشْرُونَ. وَعَنْهُ عِشْرُونَ. وَعَنْهُ رِطْلٌ مِنْ الذَّهَبِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: خَمْسُونَ دِرْهَمًا. وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَنَّهُ قَالَ:«لَا مَهْرَ أَقَلُّ مِنْ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ» . وَلِأَنَّهُ يُسْتَبَاحُ بِهِ عُضْوٌ، فَكَانَ مُقَدَّرًا كَاَلَّذِي يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَّذِي زَوَّجَهُ:«هَلْ عِنْدَك مِنْ شَيْءٍ تَصَدَّقَهَا؟ قَالَ: لَا أَجِدُ. قَالَ: الْتَمِسْ، وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي فَزَارَةَ، تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَرَضِيَتْ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَأَجَازَهُ.» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ،
وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَعَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ:«لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْطَى امْرَأَةً صَدَاقًا مِلْءَ يَدِهِ طَعَامًا، كَانَتْ لَهُ حَلَالًا» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي الْمُسْنَدِ.
وَفِي لَفْظٍ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ:«كُنَّا نَنْكِحُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْقَبْضَةِ مِنْ الطَّعَامِ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَلِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} . يَدْخُلُ فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ. وَلِأَنَّهُ بَدَلُ مَنْفَعَتِهَا، فَجَازَ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ، كَالْعَشَرَةِ وَكَالْأُجْرَةِ.
وَحَدِيثُهُمْ غَيْرُ صَحِيحٍ، رَوَاهُ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، وَهُوَ مُدَلِّسٌ. وَرَوَوْهُ عَنْ جَابِرٍ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْهُ خِلَافَهُ. أَوْ نَحْمِلُهُ عَلَى مَهْرِ امْرَأَةٍ بِعَيْنِهَا، أَوْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. وَقِيَاسُهُمْ لَا يَصِحُّ؛
فَإِنَّ النِّكَاحَ اسْتِبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ بِالْجُمْلَةِ، وَالْقَطْعُ إتْلَافُ عُضْوٍ دُونَ اسْتِبَاحَتِهِ، وَهُوَ عُقُوبَةٌ وَحَدٌّ، وَهَذَا عِوَضٌ، فَقِيَاسُهُ عَلَى الْأَعْوَاضِ أَوْلَى.
وَأَمَّا أَكْثَرُ الصَّدَاقِ، فَلَا تَوْقِيتَ فِيهِ، بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:{وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} . وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ عُمَرَ أَصْدَقَ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَةَ عَلِيٍّ أَرْبَعِينَ أَلْفًا. وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْت وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَنْهَى عَنْ كَثْرَةِ الصَّدَاقِ، فَذَكَرْت هَذِهِ الْآيَةَ:{وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} . قَالَ أَبُو صَالِحٍ: الْقِنْطَارُ مِائَةُ رِطْلٍ.
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا وَعَنْ مُجَاهِدٍ: سَبْعُونَ أَلْفَ مِثْقَالٍ.
[فَصْلٌ غَلَاء الصَّدَاقَ] (٥٥٥٢) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَغْلِيَ الصَّدَاقَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً، أَيْسَرُهُنَّ مُؤْنَةً» . رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ.
وَعَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أَلَا لَا تُغْلُوا صَدَاقَ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا، أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ، كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ، أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً، وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيُغْلِيَ بِصَدَقَةِ امْرَأَتِهِ، حَتَّى يَكُونَ لَهَا عَدَاوَةٌ فِي قَلْبِهِ، وَحَتَّى يَقُولَ: كُلِّفْت لَكُمْ عِلْقَ الْقِرْبَةِ.»
أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ، وَأَبُو دَاوُد مُخْتَصَرًا. وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ:«سَأَلْت عَائِشَةَ عَنْ صَدَاقِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: ثَنَتَا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشُّ. فَقُلْت: وَمَا نَشُّ؟ قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةِ.» أَخْرَجَاهُ أَيْضًا.
وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، فَلَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَثُرَ رُبَّمَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ، فَيَتَعَرَّضُ لِلضَّرَرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
[فَصْلٌ كُلُّ مَا جَازَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ أَوْ أُجْرَةً فِي الْإِجَارَةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا] (٥٥٥٣) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَا جَازَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ، أَوْ أُجْرَةً فِي الْإِجَارَةِ، مِنْ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ، وَالْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ، وَالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَمَنَافِعِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَغَيْرِهِمَا، جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا. وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، بِإِسْنَادِهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنْكِحُوا الْأَيَامَى، وَأَدُّوا الْعَلَائِقَ. قِيلَ: مَا الْعَلَائِقُ بَيْنَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الْأَهْلُونَ، وَلَوْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» .
وَرَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنَافِعُ الْحُرِّ لَا تَكُونُ صَدَاقًا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَالًا، وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} . وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَلِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ يَجُوزُ الْعِوَضُ عَنْهَا فِي الْإِجَارَةِ، فَجَازَتْ صَدَاقًا، كَمَنْفَعَةِ الْعَبْدِ. وَقَوْلُهُمْ: لَيْسَتْ مَالًا. مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّهَا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ عَنْهَا وَبِهَا.
ثُمَّ إنْ لَمْ تَكُنْ مَالًا، فَقَدْ أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْمَالِ فِي هَذَا، فَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ. وَقَدْ نَقَلَ مُهَنَّا، عَنْ أَحْمَدَ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَخْدُمَهَا سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ، كَيْفَ يَكُونُ هَذَا؟ قِيلَ لَهُ: فَامْرَأَةٌ يَكُونُ لَهَا ضِيَاعٌ وَأَرْضُونَ، لَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَعْمُرَهَا؟ ، قَالَ: لَا يَصْلُحُ هَذَا: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إنْ كَانَتْ الْخِدْمَةُ مَعْلُومَةً جَازَ،
وَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةً لَا تَنْضَبِطُ فَلَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا. كَأَنَّهُ تَأَوَّلَ مَسْأَلَةَ مُهَنَّا عَلَى أَنَّ الْخِدْمَةَ مَجْهُولَةٌ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ.
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ، عَنْ أَحْمَدَ التَّزْوِيجُ عَلَى بِنَاءِ الدَّارِ، وَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ، وَعَمَلِ شَيْءٍ، جَائِزٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا كَالْأَعْيَانِ.
وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَأْتِيَهَا بِعَبْدِهَا الْآبِقِ مِنْ مَكَان مُعَيَّنٍ، صَحَّ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ مَعْلُومٌ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَنْهُ.
وَإِنْ أَصْدَقَهَا الْإِتْيَانَ بِهِ أَيْنَ كَانَ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ.
[فَصْلٌ نَكَحَهَا عَلَى أَنْ يَحُجَّ بِهَا] (٥٥٥٤) فَصْلٌ: وَلَوْ نَكَحَهَا عَلَى أَنْ يَحُجَّ بِهَا، لَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَبُو عُبَيْدٍ: يَصِحُّ، وَلَنَا أَنَّ الْحُمْلَانَ مَجْهُولٌ، لَا يُوقَفُ لَهُ عَلَى حَدٍّ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا شَيْئًا. فَعَلَى هَذَا لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ،
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: لَا تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ.
[فَصْلٌ أَصْدَقَهَا خِيَاطَةَ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ فَهَلَكَ الثَّوْبُ] (٥٥٥٥) فَصْلٌ: وَإِنْ أَصْدَقَهَا خِيَاطَةَ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ، فَهَلَكَ الثَّوْبُ، لَمْ تَفْسُدْ التَّسْمِيَةُ، وَلَمْ يَجِبْ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ تَعَذُّرَ تَسْلِيمِ مَا أَصْدَقَهَا بِعَيْنِهِ لَا يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ، كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا قَفِيزَ حِنْطَةٍ فَهَلَكَ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ،
وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ خِيَاطَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَى الْعَمَلِ فِيهِ تَلَفٌ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى عِوَضِ الْعَمَلِ، كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ عَبْدِهَا صِنَاعَةً فَمَاتَ قَبْلَ التَّعْلِيمِ،
وَإِنْ عَجَزَ عَنْ خِيَاطَتِهِ مَعَ بَقَاءِ الثَّوْبِ لَمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ مُقَامَهُ مَنْ يَخِيطُهُ،
وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ خِيَاطَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَعَلَيْهِ خِيَاطَةُ نِصْفِهِ إنْ أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ نِصْفِهِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَعَلَيْهِ نِصْفُ أَجْرِ خِيَاطَتِهِ إلَّا أَنْ يَبْذُلَ خِيَاطَةَ أَكْثَرِ مِنْ نِصْفِهِ بِحَيْثُ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ خَاطَ النِّصْفَ يَقِينًا،
وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَعْد خِيَاطَتِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ أَجْرِهِ.
[فَصْلٌ إنَّ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ صِنَاعَةٍ أَوْ تَعْلِيمَ عَبْدِهَا صِنَاعَةً صَحَّ] (٥٥٥٦) فَصْلٌ: وَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ صِنَاعَةٍ أَوْ تَعْلِيمَ عَبْدِهَا صِنَاعَةً صَحَّ؛ لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ مَعْلُومَةٌ يَجُوزُ بَذْلُ الْعِوَضِ عَنْهَا فَجَازَ جَعْلُهَا صَدَاقًا كَخِيَاطَةِ ثَوْبِهَا.
وَإِنْ أَصْدَقِهَا تَعْلِيمَهُ أَوْ تَعْلِيمَهَا شِعْرًا مُبَاحًا مُعَيَّنًا أَوْ فِقْهًا أَوْ لُغَةً أَوْ نَحْوًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يَجُوزُ أَخَذُ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِهَا جَازَ وَصَحَّتْ التَّسْمِيَةُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ فَجَازَ صَدَاقًا كَمَنَافِعِ الدَّارِ.
[فَصْلٌ جَعَلَ صَدَاقهَا تَعْلِيم الْقُرْآنِ] (٥٥٥٧) فَصْلٌ: فَأَمَّا تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي جَعْلِهِ صَدَاقًا.
فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: أَكْرَهُهُ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهَا سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ عَلَى نَعْلَيْنِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ يَعْنِي رِوَايَتَيْنِ.
قَالَ وَاخْتِيَارِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَكْحُولٍ، وَإِسْحَاقَ وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَهُ بِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إنِّي وَهَبْت نَفْسِي لَك فَقَامَتْ طَوِيلًا فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَك بِهَا حَاجَةٌ فَقَالَ هَلْ عِنْدَك مِنْ شَيْءٍ تَصَدَّقَهَا؟ فَقَالَ مَا عِنْدِي إلَّا إزَارِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إزَارُك إنْ أَعْطَيْتهَا جَلَسْت وَلَا إزَارَ لَك فَالْتَمِسْ شَيْئًا قَالَ لَا أَجِدُ. قَالَ الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ. فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُعَيَّنَةٌ مُبَاحَةٌ، فَجَازَ جَعْلُهَا صَدَاقًا كَتَعْلِيمِ قَصِيدَةٍ مِنْ الشِّعْرِ الْمُبَاحِ.
وَوَجْهُ الرَّاوِيَةِ الْأُخْرَى أَنَّ الْفُرُوجَ لَا تُسْتَبَاحُ إلَّا بِالْأَمْوَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} وقَوْله تَعَالَى {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} وَالطَّوْلُ الْمَالُ. وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجَ رَجُلًا عَلَى سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ قَالَ لَا تَكُونُ لِأَحَدٍ بَعْدَك مَهْرًا» رَوَاهُ النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ. وَلِأَنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ إلَّا قُرْبَةً لِفَاعِلِهِ فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا، كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَتَعْلِيمِ الْإِيمَانِ.
وَلِأَنَّ التَّعْلِيمَ مِنْ الْمُعَلِّمِ، وَالْمُتَعَلِّمُ مُخْتَلَفٌ، وَلَا يَكَادُ يَنْضَبِطُ فَأَشْبَهَ الشَّيْءَ الْمَجْهُولَ.
فَأَمَّا حَدِيثُ الْمَوْهُوبَةِ فَقَدْ قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ أَيْ زَوَّجْتُكَهَا لِأَنَّك مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ كَمَا زَوَّجَ أَبَا طَلْحَةَ عَلَى إسْلَامِهِ فَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ أَتَى أُمَّ سُلَيْمٍ يَخْطُبُهَا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، فَقَالَتْ: أَتَزَوَّجُ بِك وَأَنْتَ تَعْبُدُ خَشَبَةً نَحَتَهَا عَبْدُ بَنَى فُلَانٍ؟ إنْ أَسْلَمْت تَزَوَّجْت بِك. قَالَ فَأَسْلَمَ أَبُو طَلْحَةَ، فَتَزَوَّجَهَا عَلَى إسْلَامِهِ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ذِكْرُ التَّعْلِيمِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا لِذَلِكَ الرَّجُلِ؛
بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ النَّجَّادُ وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ،
فَأَمَّا عَلَى الْأُخْرَى فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ مَا يُعَلِّمُهَا إيَّاهُ؛
إمَّا سُورَةً مُعَيَّنَةً أَوْ سُوَرًا أَوْ آيَاتٍ بِعَيْنِهَا؛ لِأَنَّ السُّوَرَ تَخْتَلِفُ
وَكَذَلِكَ الْآيَاتُ، وَهَلْ تَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِ قِرَاءَةٍ مُرَتَّبَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَغْرَاضَ تَخْتَلِفُ وَالْقِرَاءَاتُ تَخْتَلِفُ فَمِنْهَا صَعْبٌ كَقِرَاءَةِ حَمْزَةَ، وَسَهْلٌ فَأَشْبَهَ تَعْيِينَ الْآيَاتِ.
وَالثَّانِي لَا يَفْتَقِرُ إلَى التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ يَسِيرٌ وَكُلُّ حَرْفٍ يَنُوبُ مَنَابَ صَاحِبهِ وَيَقُومُ مَقَامَهُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعَيِّنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمَرْأَةِ قِرَاءَةً وَقَدْ كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِي الْقِرَاءَةِ أَشَدَّ مِنْ اخْتِلَافِ الْقُرَّاءِ الْيَوْمَ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَصْدَقَهَا قَفِيزًا مِنْ صُبْرَةٍ وَلِلشَّافِعِي فِي هَذَا وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ.
[فَصْلٌ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ سُورَةٍ لَا يُحْسِنُهَا] (٥٥٥٨) فَصْلٌ: فَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ سُورَةٍ لَا يُحْسِنُهَا نَظَرْت،
فَإِنْ قَالَ: أُحَصِّلُ لَك تَعْلِيمَ هَذِهِ السُّورَةِ صَحَّ لِأَنَّ هَذِهِ مَنْفَعَةٌ فِي ذِمَّتِهِ لَا تَخْتَصُّ بِهِ فَجَازَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَيْهَا مَنْ لَا يُحْسِنُهَا كَالْخِيَاطَةِ إذَا اسْتَأْجَرَ مَنْ يُحَصِّلُهَا لَهُ،
وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ أَنْ أُعَلِّمَك فَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ بِفِعْلِهِ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْخِيَاطَةَ لَيَخِيطَ لَهُ، وَذَكَرَ فِي الْمُجَرَّدِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَصْدَقَهَا مَالًا فِي ذِمَّتِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ.
[فَصْلٌ جَاءَتْهُ بِغَيْرِهَا فَقَالَتْ عَلِّمْهُ السُّورَةَ الَّتِي جَعَلَتْ تَعْلِيمِيّ إيَّاهَا صَدَاقِي] (٥٥٥٩) فَصْلٌ: فَإِنْ جَاءَتْهُ بِغَيْرِهَا، فَقَالَتْ: عَلِّمْهُ السُّورَةَ الَّتِي تُرِيدُ تَعْلِيمِي إيَّاهَا لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي عَيْنٍ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ إيقَاعُهُ فِي غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَتْهُ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ فَأَتَتْهُ بِغَيْرِهِ، فَقَالَتْ: خِطْ هَذَا، وَلِأَنَّ الْمُتَعَلِّمِينَ يَخْتَلِفُونَ فِي التَّعَلُّمِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا. وَلِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي تَعْلِيمِهَا فَلَا يُجْبَرُ عَلَى تَعْلِيمِ غَيْرِهَا،
وَإِنْ أَتَاهَا بِغَيْرِهِ يُعَلِّمُهَا، لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُعَلِّمِينَ يَخْتَلِفُونَ فِي التَّعْلِيمِ، وَلِأَنَّ لَهَا غَرَضًا فِي التَّعَلُّمِ مِنْهُ، لِكَوْنِهِ زَوْجَهَا تَحِلُّ لَهُ وَيَحِلُّ لَهَا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَلْزَمْهُ تَعْلِيمُ غَيْرِهَا، لَمْ يَلْزَمْهَا التَّعَلُّمُ مِنْ غَيْرِهِ، قِيَاسًا لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
[فَصْلٌ تَعَلَّمَتْ السُّورَة الَّتِي أُصَدِّقهَا إيَّاهَا مِنْ غَيْرِهِ أَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ تَعْلِيمُهَا] (٥٥٦٠) فَصْلٌ: فَإِنْ تَعَلَّمَتْهَا مِنْ غَيْرِهِ أَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ تَعْلِيمُهَا فَعَلَيْهِ أَجْرُ تَعْلِيمِهَا،
فَإِنْ اخْتَلَفَا، فَقَالَ: عَلَّمْتُكَهَا فَأَنْكَرَتْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ تَعْلِيمِهَا، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُمَا إنْ اخْتَلَفَا بَعْد أَنْ تَعَلَّمَتْهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهَا،
وَإِنْ عَلَّمَهَا السُّورَةَ ثُمَّ أُنْسِيَتْهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَفَّى لَهَا بِمَا شَرَطَ، وَإِنَّمَا تَلِفَ الصَّدَاقُ بَعْدَ الْقَبْضِ،
وَإِنْ لَقَّنَهَا الْجَمِيعَ وَكُلَّمَا لَقَّنَهَا آيَةً أُنْسِيَتْهَا لَمْ يَعْتَدَّ بِذَلِكَ تَعْلِيمًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ تَعْلِيمًا وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَأَفْضَى إلَى أَنَّهُ مَتَى قَرَأَهَا فَقَرَأَتْهَا بِلِسَانِهَا مِنْ غَيْرِ حِفْظٍ كَانَ تَلْقِينًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَلْقِينًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَقَّنَهَا الْآيَةَ وَحَفِظَتْهَا،
فَأَمَّا مَا دُونَ الْآيَةِ فَلَيْسَ بِتَلْقِينٍ وَجْهًا وَاحِدًا.
[فَصْلٌ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بَعْدَ تَعْلِيمِهَا السُّورَةَ الَّتِي أُصَدِّقهَا إيَّاهَا] (٥٥٦١) فَصْلٌ: فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بَعْدَ تَعْلِيمِهَا السُّورَةَ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ أَجْرِ تَعْلِيمِهَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَّمَهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ؛: أَحَدُهُمَا، عَلَيْهِ نِصْفُ أَجْرِ تَعْلِيمِهَا، لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً، فَلَا يُؤْمَنُ فِي تَعْلِيمِهَا الْفِتْنَةُ.
وَالثَّانِي يُبَاحُ لَهُ تَعْلِيمُهَا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ مِنْ غَيْرِ خَلْوَةٍ بِهَا، كَمَا يَجُوزُ لَهُ سَمَاعُ كَلَامِهَا فِي الْمُعَامَلَاتِ،
وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَعْدَ الدُّخُولِ فَفِي تَعْلِيمِهَا السُّورَةَ الْوَجْهَانِ.
وَإِنْ أَصْدَقَهَا رَدَّ عَبْدِهَا مِنْ مَكَان مُعَيَّنٍ، فَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ الرَّدِّ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ أَجْرِ الرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ نِصْفُ الرَّدِّ،
وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الرَّدِّ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ أَجْرِهِ.
[فَصْلٌ أَصْدَقَ الْكِتَابِيَّةَ تَعْلِيمَ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ] (٥٥٦٢) فَصْلٌ: وَلَوْ أَصْدَقَ الْكِتَابِيَّةَ تَعْلِيمَ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ لَمْ يَجُزْ، وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصِحُّ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} وَلَنَا أَنَّ الْجُنُبَ يُمْنَعُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ مَعَ إيمَانِهِ وَاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ حَقٌّ فَالْكَافِرُ أَوْلَى، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، مَخَافَةَ أَنْ تَنَالَهُ أَيْدِيهِمْ» فَالتَّحَفُّظُ أَوْلَى أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ،
فَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا؛
فَإِنَّ السَّمَاعَ غَيْرُ الْحِفْظِ وَإِنْ أَصْدَقَهَا أَوْ أَصْدَقَ الْمُسْلِمَةَ تَعْلِيمَ شَيْءٍ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ لَمْ يَصِحّ فِي الْمَذْهَبَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مُبَدِّلٌ مُغَيِّرٌ.
وَلَوْ أَصْدَقَ الْكِتَابِيُّ الْكِتَابِيَّةَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كَانَ كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا مُحَرَّمًا.
[فَصْلُ الصَّدَاقَ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَرَضُوا بِهِ] (٥٥٦٣) الْفَصْلُ الثَّانِي أَنَّ الصَّدَاقَ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَرَضُوا بِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعَلَائِقُ مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الْأَهْلُونَ» ؛ وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَيُعْتَبَرُ رِضَى الْمُتَعَاقِدَيْنِ، كَسَائِرِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ.
فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ الْأَبَ فَمَهْمَا اتَّفَقَ هُوَ وَالزَّوْجُ عَلَيْهِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ فِيمَا مَضَى، وَلِذَلِكَ زَوَّجَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ابْنَتَهُ وَجَعَلَا الصَّدَاقَ إجَارَةَ ثَمَانِي حِجَجٍ مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةِ الزَّوْجَةِ،
وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ غَيْرَ الْأَبِ اُعْتُبِرَ رِضَى الْمَرْأَةِ وَالزَّوْجِ، لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَهَا وَهُوَ عِوَضُ لمَنْفَعَتِهَا فَأَشْبَهَ أَجْرَ دَارِهَا وَصَدَاقَ أَمَتِهَا.
فَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهَا الْوَلِيُّ فِي الصَّدَاقِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْوَكِيلِ الْمُطْلَقِ فِي الْبَيْعِ إنْ جُعِلَ الصَّدَاقُ مَهْرَ الْمِثْلِ فَمَا زَادَ صَحَّ وَلَزِمَ،
وَإِنْ نَقَصَ عَنْهُ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ.
[فَصْلُ الصَّدَاقَ لَا يَكُونُ إلَّا مَالًا] (٥٥٦٤) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الصَّدَاقَ لَا يَكُونُ إلَّا مَالًا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ}
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِصْفٌ يُتَمَوَّلُ عَادَةً، بِحَيْثُ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بَقِيَ لَهَا مِنْ النِّصْفِ مَالٌ حَلَالٌ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: لَهُ نِصْفٌ يُحَصَّلُ، وَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ، كَالْمُحَرَّمِ وَالْمَعْدُومِ وَالْمَجْهُولِ وَمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ، وَمَا لَا يَتِمُّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ كَالْمَبِيعِ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَمَا لَا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ، وَمَا لَا يُتَمَوَّلُ عَادَةً كَحَبَّةِ حِنْطَةٍ وَقِشْرَةِ جَوْزَةٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا؛
لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ فِيهِ بِعِوَضٍ فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ كَالْمَبِيعِ وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ نِصْفُهُ مِمَّا يُتَمَوَّلُ عَادَةً وَيُبْذَلُ الْعِوَضُ فِي مِثْلِهِ عُرْفًا، لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَعْرِضُ فِيهِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا يَبْقَى لِلْمَرْأَةِ إلَّا نِصْفُهُ، فَيَجِبُ أَنْ يَبْقَى لَهَا مَالٌ تَنْتَفِعُ بِهِ. وَيُعْتَبَرُ نِصْفُ الْقِيمَةِ، لَا نِصْفُ عَيْنِ الصَّدَاقِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا جَازَ،
وَإِنْ لَمْ تُمْكِنْ قِسْمَتُهُ.
[مَسْأَلَة أَصْدَقَهَا عَبْدًا بِعَيْنِهِ فَوَجَدَتْ بِهِ عَيْبًا فَرَدَّتْهُ] مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ وَإِذَا أَصْدَقَهَا عَبْدًا بِعَيْنِهِ، فَوَجَدَتْ بِهِ عَيْبًا فَرَدَّتْهُ، فَلَهَا عَلَيْهِ قِيمَتُهُ. وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّدَاقَ إذَا كَانَ مُعَيَّنًا فَوَجَدَتْ بِهِ عَيْبًا فَلَهَا رَدُّهُ كَالْمَبِيعِ الْمَعِيبِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا إذَا كَانَ الْعَيْبُ كَثِيرًا،
فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، فَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ لَا يُرَدُّ بِهِ. وَلَنَا أَنَّهُ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ، فَرُدَّ بِهِ الصَّدَاقُ، كَالْكَثِيرِ،
وَإِذَا رَدَّتْهُ، فَلَهَا قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْفَسِخُ بِرَدِّهِ، فَيَبْقَى سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَهَا إيَّاهُ فَأَتْلَفَهُ،
وَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ مِثْلِيًّا، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، فَرَدَّتْهُ، فَلَهَا عَلَيْهِ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهِ،
وَإِنْ اخْتَارَتْ إمْسَاكَ الْمَعِيبِ، وَأَخْذَ أَرْشِهِ فَلَهَا ذَلِكَ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ.
وَإِنْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ عِنْدَهَا، ثُمَّ وَجَدَتْ بِهِ عَيْبًا خُيِّرَتْ بَيْنَ أَخْذِ أَرْشِهِ، وَبَيْنَ رَدِّهِ وَرَدِّ أَرْشِ عَيْبِهِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَيَثْبُتُ فِيهِ ذَلِكَ، كَالْبَيْعِ، وَسَائِرِ فُرُوعِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، فَيَثْبُتُ فِيهَا هَا هُنَا مِثْلُ مَا يَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ شَرَطَتْ فِي الصَّدَاقِ صِفَةً مَقْصُودَةً] (٥٥٦٦) فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَتْ فِي الصَّدَاقِ صِفَةً مَقْصُودَةً، كَالْكِتَابَةِ وَالصِّنَاعَةِ، فَبَانَ بِخِلَافِهَا، فَلَهَا الرَّدُّ، كَمَا تُرَدُّ بِهِ فِي الْبَيْعِ وَهَكَذَا إنْ دَلَّسَهُ تَدْلِيسًا يُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ، مِثْلُ تَحْمِيرِ وَجْهِ الْجَارِيَةِ، وَتَسْوِيدِ شَعْرِهَا وَتَجْعِيدِهِ، وَتَضْمِيرِ الْمَاءِ عَلَى الْحَجَرِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَلَهَا الرَّدُّ بِهِ،
وَإِنْ وَجَدَتْ الشَّاةَ مُصَرَّاةً فَلَهَا رَدُّهَا وَرَدُّ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ، وَقَدْ نَقَلَ مُهَنَّا، عَنْ أَحْمَدَ، فِي مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَلْفِ ذِرَاعٍ فَإِذَا هِيَ تِسْعُمِائَةٍ: هِيَ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَتْ أَخَذَتْ الدَّارَ،
وَإِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْ قِيمَةَ أَلْفِ ذِرَاعٍ وَالنِّكَاحُ جَائِزٌ.
وَهَذَا فِيمَا إذَا أَصْدَقَهَا دَارًا بِعَيْنِهَا عَلَى أَنَّهَا أَلْفُ ذِرَاعٍ، فَخَرَجَتْ تِسْعَمِائَةٍ، فَهَذَا كَالْعَيْبِ فِي ثُبُوتِ الرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ شَرْطًا مَقْصُودًا، فَبَانَ بِخِلَافِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ الْعَبْدَ كَاتِبًا، فَبَانَ بِخِلَافِهِ. وَجَوَّزَ أَحْمَدُ الْإِمْسَاكَ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ رَضِيَتْ بِهَا نَاقِصَةً، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا مَعَ الْإِمْسَاكِ أَرْشًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَيْبِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهَا الرُّجُوعَ بِقِيمَةِ نَقْصِهَا، أَوْ رَدَّهَا وَأَخْذَ قِيمَتِهَا.
[مَسْأَلَة تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ فَخَرَجَ حُرًّا] (٥٥٦٧) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ
وَكَذَلِكَ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ فَخَرَجَ حُرًّا، أَوْ اُسْتُحِقَّ، سَوَاءٌ سَلَّمَهُ إلَيْهَا أَوْ لَمْ يُسَلِّمْهُ. وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ بِعَيْنِهِ، تَظُنُّهُ عَبْدًا مَمْلُوكًا فَخَرَجَ حُرًّا، أَوْ مَغْصُوبًا، فَلَهَا قِيمَتُهُ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَدِيمِ قَوْلَيْهِ.
وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ،
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ فِي الْمَغْصُوبِ كَقَوْلِنَا،
وَفِي الْحُرِّ كَقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الْحُرِّ بِإِشَارَتِهِ إلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَلِمَاهُ حُرًّا.
وَلَنَا، أَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى التَّسْمِيَةِ، فَكَانَ لَهَا قِيمَتُهُ، كَالْمَغْصُوبِ، وَلِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِقِيمَتِهِ، إذْ ظَنَّتْهُ مَمْلُوكًا، فَكَانَ لَهَا قِيمَتُهُ، كَمَا لَوْ وَجَدَتْهُ مَعِيبًا فَرَدَّتْهُ،
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: أَصْدَقْتُك هَذَا الْحُرَّ، أَوْ هَذَا الْمَغْصُوبَ. فَإِنَّهَا رَضِيَتْ بِلَا شَيْءٍ، لِرِضَاهَا بِمَا تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، أَوْ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَمْلِيكِهِ إيَّاهَا، فَكَانَ وُجُودُ التَّسْمِيَةِ كَعَدَمِهَا، فَكَانَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ:" سَوَاءٌ سَلَّمَهُ إلَيْهَا أَوْ لَمْ يُسَلِّمْهُ " يَعْنِي أَنْ تَسْلِيمَهُ لَا يُفِيدُ شَيْئًا، لِأَنَّهُ سَلَّمَ مَا لَا يَجُوزُ تَسْلِيمُهُ، وَلَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ، فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
[فَصْلٌ أَصْدَقَهَا مِثْلِيًّا فَبَانَ مَغْصُوبًا] (٥٥٦٨) فَصْلٌ: فَإِنْ أَصْدَقَهَا مِثْلِيًّا، فَبَانَ مَغْصُوبًا فَلَهَا مِثْلُهُ لِأَنَّ الْمِثْلَ أَقْرَبُ إلَيْهِ، وَلِهَذَا يَضْمَنُ بِهِ فِي الْإِتْلَافِ وَإِنْ أَصْدَقَهَا جَرَّةَ خَلٍّ، فَخَرَجَتْ خَمْرًا أَوْ مَغْصُوبَةً، فَلَهَا مِثْلُ ذَلِكَ خَلًّا لِأَنَّ الْخَلَّ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ،
وَقَالَ الْقَاضِي: لَهَا قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ.
وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ سَمَّاهُ خَلًّا، فَرَضِيَتْ بِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَكَانَ لَهَا بَدَلُ الْمُسَمَّى كَالْحُرِّ، وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا أَصْدَقَهَا عَبْدًا فَبَانَ حُرًّا؛ وَلِأَنَّهُ إنْ أَوْجَبَ قِيمَةَ الْخَمْرِ، فَالْخَمْرُ لَا قِيمَةَ لَهُ،
وَإِنْ أَوْجَبَ قِيمَةَ الْخَلِّ، فَقَدْ اعْتَبَرَ التَّسْمِيَةَ فِي إيجَابِ قِيمَتِهِ، فَفِي إيجَابِ مِثْلِهِ أَوْلَى.
[فَصْلٌ قَالَ أَصْدَقْتُك هَذَا الْخَمْرَ
وَأَشَارَ إلَى الْخَلِّ] (٥٥٦٩) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَصْدَقْتُك هَذَا الْخَمْرَ -
وَأَشَارَ إلَى الْخَلِّ - أَوْ عَبْدَ فُلَانٍ هَذَا -
وَأَشَارَ إلَى عَبْدِهِ - صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ، وَلَهَا الْمُشَارُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَيْهِ، فَلَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ صِفَتِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا الْأُسُودَ.
وَأَشَارَ إلَى أَبْيَضَ. أَوْ هَذَا الطَّوِيلَ. وَأَشَارَ إلَى قَصِيرٍ.
[فَصْلٌ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدَيْنِ فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا حُرًّا أَوْ مَغْصُوبًا] (٥٥٧٠) فَصْلٌ: وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدَيْنِ، فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا حُرًّا أَوْ مَغْصُوبًا، صَحَّ الصَّدَاقُ فِيمَا تَمَلَّكَهُ وَلَهَا قِيمَةُ الْآخَرِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ،
وَإِنْ كَانَ عَبْدًا وَاحِدًا، فَخَرَجَ نِصْفُهُ حُرًّا أَوْ مَغْصُوبًا، فَلَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ رَدِّهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ، وَبَيْنَ إمْسَاكِ نِصْفِهِ وَأَخْذِ قِيمَةِ بَاقِيهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، لِأَنَّ الشَّرِكَةَ عَيْبٌ، فَكَانَ لَهَا الْفَسْخُ، كَمَا لَوْ وَجَدَتْهُ مَعِيبًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا تَقُولُونَ بِبُطْلَانِ التَّسْمِيَةِ فِي الْجَمِيعِ، وَتَرْجِعُ بِالْقِيمَةِ كُلِّهَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، كَمَا فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ؟ قُلْنَا: إنَّ الْقِيمَةَ بَدَلٌ، إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْأَصْلِ، وَهَا هُنَا الْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ، وَلَا عَيْبَ فِيهِ وَهُوَ مُسَمًّى فِي الْعَقْدِ، فَلَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ إلَى بَدَلِهِ.
أَمَّا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ، فَإِنَّهُ إذَا بَطَلَ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ، صِرْنَا إلَى الثَّمَنِ، وَلَيْسَ هُوَ بَدَلًا عَنْ الْمَبِيعِ، وَإِنَّمَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ، فَرَجَعَ فِي رَأْسِ مَالِهِ، وَهَا هُنَا لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ وَإِنَّمَا رَجَعَ إلَى قِيمَةِ الْحُرِّ مِنْهُمَا؛ لِتَعَذُّرِ تَسْلِيمِهِ. وَالْعَبْدُ مَقْدُورٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَلَا وَجْهَ لِإِيجَابِ قِيمَتِهِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا، فَفِيهِ عَيْبٌ، فَجَازَ رَدُّهُ بِعَيْبِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا أَصْدَقَهَا عَبْدَيْنِ،
فَإِذَا أَحَدُهُمَا حُرٌّ، فَلَهَا الْعَبْدُ وَحْدَهُ صَدَاقًا، وَلَا شَيْءَ لَهَا سِوَاهُ. وَلَنَا أَنَّهُ أَصْدَقَهَا حُرًّا، فَلَمْ تَسْقُطْ تَسْمِيَتُهُ إلَى غَيْرِ شَيْءٍ، كَمَا لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا. آخِرُ الْجُزْءِ الرَّابِعِ مِنْ رُبْعِ النِّكَاحِ مِنْ أَجْزَاءِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.