فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: وإذا طلقها بلسانه، واستثنى شيئا بقلبه، وقع الطلاق ولم ينفعه الاستثناء. ش: إذا طلق زوجته بلسانه، كأن قال مثلا: أنت طالق ثلاثا. واستثنى شيئا بقلبه، كأن نوى إلا واحدة، وقع الطلاق، ولم ينفعه الاستثناء، لأن العدد نص، والنية لا تقاومه، فلا يرتفع بالضعيف ما يثبت بالنص القاطع، واستعمال الثلاث بمعنى اثنتين استعمال للفظ في غير ما يصلح له. وظاهر كلام الخرقي أنه لا ينفعه الاستثناء لا ظاهرا ولا باطنا، وهو اختيار الشيخين، إذ اللفظ غير صالح لما أراد، ومفهوم كلام أبي الخطاب أنه ينفعه باطنا، لأنه قال: لم يقبل في الحكم،

٥٬٢١٨

(وقول الخرقي) : وإذا طلقها بلسانه. قد يحترز عما إذا طلق نسوة واستثنى واحدة منهن بقلبه، ولهذا صورتان، (إحداهما) : أن يقول: نسائي الأربع طوالق. ثم يستثنى بقلبه إلا واحدة، فهذه كمسألة الكتاب (الثانية) : أن يقول: نسائي طوالق ويستثني بقلبه إلا واحدة، فهذا ينفعه الاستثناء، لأن (نسائي) عام قابل للتخصيص، والنية صالحة لذلك، (وقوله) : واستثنى شيئا بقلبه. يحترز عما إذا استثنى بلسانه، فإنه ينفعه ذلك، لورود ذلك في الكتاب والسنة، وكلام العرب، وعن أبي بكر: لا يصح الاستثناء في عدد الطلاق بحال، وليس بشيء، وعلى الأول يصح استثناء الأقل بلا نزاع،

٥٬٢١٩

ولا يصح استثناء الكل بلا نزاع،

٥٬٢٢٠

وفي النصف والأكثر ثلاثة أقوال (ثالثها) : يصح في النصف دون الأكثر، وهو مقتضى قول الخرقي في الأقارير، والله أعلم. [الطلاق المضاف لوقت]

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَةٌ طَلَّقَهَا بِلِسَانِهِ وَاسْتَثْنَى شَيْئًا بِقَلْبِهِ] (٥٩٠٣) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا طَلَّقَهَا بِلِسَانِهِ، وَاسْتَثْنَى شَيْئًا بِقَلْبِهِ، وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ الِاسْتِثْنَاءُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَا يَتَّصِلُ بِاللَّفْظِ مِنْ قَرِينَةٍ، أَوْ اسْتِثْنَاءٍ، عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛ أَحَدُهَا، مَا لَا يَصِحُّ نُطْقًا وَلَا نِيَّةً، وَذَلِكَ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، مَا يَرْفَعُ حُكْمَ اللَّفْظِ كُلَّهُ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا. أَوْ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً لَا تَلْزَمُك. أَوْ: لَا تَقَعُ عَلَيْك. فَهَذَا لَا يَصِحُّ بِلَفْظِهِ وَلَا بِنِيَّتِهِ؛

لِأَنَّهُ يَرْفَعُ حُكْمَ اللَّفْظِ كُلَّهُ، فَيَصِيرُ الْجَمِيعُ لَغْوًا، فَلَا يَصِحُّ هَذَا فِي اللُّغَةِ بِالِاتِّفَاقِ،

٢٩٬٢٠٥

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ سَقَطَ الِاسْتِثْنَاءُ وَالصِّفَةُ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ. الضَّرْبُ الثَّانِي، مَا يُقْبَلُ لَفْظًا، وَلَا يُقْبَلُ نِيَّةً، لَا فِي الْحُكْمِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الْأَقَلِّ، فَهَذَا يَصِحُّ لَفْظًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ،

٢٩٬٢٠٦

وَلَا يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا. وَيَسْتَثْنِيَ بِقَلْبِهِ: إلَّا وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ. فَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ نَصٌّ فِيمَا تَنَاوَلَهُ، لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، فَلَا يَرْتَفِعُ بِالنِّيَّةِ مَا ثَبَتَ بِنَصِّ اللَّفْظِ،

٢٩٬٢٠٧

فَإِنَّ اللَّفْظَ أَقْوَى مِنْ النِّيَّةِ،

٢٩٬٢٠٨

وَلَوْ نَوَى بِالثَّلَاثِ اثْنَتَيْنِ، كَانَ مُسْتَعْمِلًا لِلَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا يَصْلُحُ لَهُ فَوَقَعَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَلَغَتْ نِيَّتُهُ.

وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا لَوْ قَالَ: نِسَائِي طَوَالِقُ. وَاسْتَثْنَى بِقَلْبِهِ: إلَّا فُلَانَةَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ نِسَائِي اسْمٌ عَامٌّ يَجُوزُ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ بَعْضِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ الْعُمُومُ بِإِزَاءِ الْخُصُوصِ كَثِيرًا،

٢٩٬٢٠٩

فَإِذَا أَرَادَ بِهِ الْبَعْضَ صَحَّ، وَقَوْلُهُ: ثَلَاثًا. اسْمُ عَدَدٍ لِلثَّلَاثِ، لَا يَجُوزُ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ عَدَدِ غَيْرِهَا، وَلَا يَحْتَمِلُ سِوَاهَا بِوَجْهٍ،

٢٩٬٢١٠

فَإِذَا أَرَادَ بِذَلِكَ اثْنَتَيْنِ، فَقَدْ أَرَادَ بِاللَّفْظِ مَالًا يَحْتَمِلُهُ، وَإِنَّمَا تَعْمَلُ النِّيَّةُ فِي صَرْفِ اللَّفْظِ الْمُحْتَمِلِ إلَى أَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهِ،

٢٩٬٢١١

فَأَمَّا مَا لَا يَحْتَمِلُ فَلَا، فَإِنَّا لَوْ عَمِلْنَا بِهِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ، كَانَ عَمَلًا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَمُجَرَّدُ النِّيَّةِ لَا تَعْمَلُ فِي نِكَاحٍ، وَلَا طَلَاقٍ، وَلَا بَيْعٍ.

تعليق

وَلَوْ قَالَ: نِسَائِي الْأَرْبَعُ طَوَالِقُ. أَوْ قَالَ لَهُنًّ: أَرْبَعَتُكُنَّ طَوَالِقُ. وَاسْتَثْنَى بَعْضَهُنَّ بِالنِّيَّةِ، لَمْ يُقْبَلْ، عَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَا يَدِينِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَنَى بِاللَّفْظِ مَا لَا يَحْتَمِلُ. الضَّرْبُ الثَّالِثُ، مَا يَصِحُّ نُطْقًا،

٢٩٬٢١٢

وَإِذَا نَوَاهُ دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ مِثْلُ تَخْصِيصِ اللَّفْظِ الْعَامِ، أَوْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي مَجَازِهِ، مِثْلُ قَوْلِهِ: نِسَائِي طَوَالِقُ. يُرِيدُ بَعْضَهُنَّ، أَوْ يَنْوِي بِقَوْلِهِ: طَوَالِقُ. أَيْ مِنْ وَثَاقٍ، فَهَذَا يُقْبَلُ إذَا كَانَ لَفْظًا. وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ كَلَامَهُ بِمَا بَيَّنَ مُرَادَهُ،

٢٩٬٢١٣

وَإِنْ كَانَ بِنِيَّتِهِ، قُبِلَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ تَخْصِيصَ اللَّفْظِ الْعَامِ، وَاسْتِعْمَالَهُ فِي الْخُصُوصِ، وَهَذَا سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ، شَائِعٌ فِي الْكَلَامِ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ وَالتَّكَلُّمِ بِهِ، وَيَكُونُ اللَّفْظُ بِنِيَّتِهِ مُنْصَرِفًا إلَى مَا أَرَادَهُ، دُونَ مَا لَمْ يُرِدْهُ.

وَهَلْ يُقْبَلُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛: إحْدَاهُمَا، يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ. وَأَرَادَ بِالثَّانِيَةِ إفْهَامَهَا. وَالثَّانِيَةُ، لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

٢٩٬٢١٤

وَمِنْ شَرْطِ هَذَا أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِلَّفْظِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولُ: نِسَائِي طَوَالِقُ. يَقْصِدُ بِهَذَا اللَّفْظِ بَعْضَهُنَّ،

٢٩٬٢١٥

فَأَمَّا إنْ كَانَتْ النِّيَّةُ مُتَأَخِّرَةً عَنْ اللَّفْظِ، فَقَالَ: نِسَائِي طَوَالِقُ. ثُمَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ نَوَى بِقَلْبِهِ بَعْضَهُنَّ، لَمْ تَنْفَعْهُ النِّيَّةُ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِجَمِيعِهِنَّ.

٢٩٬٢١٦

وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَّقَ نِسَاءَهُ، وَنَوَى بَعْدَ طَلَاقِهِنَّ، أَيْ مِنْ وَثَاقٍ، لَزِمَهُ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَالنِّيَّةُ الْأَخِيرَةُ نِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ، لَا لَفْظَ مَعَهَا، فَلَا تَعْمَلُ.

٢٩٬٢١٧

وَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ تَخْصِيصُ حَالٍ دُونَ حَالٍ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ. ثُمَّ يَصِلُهُ بِشَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ، أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ، أَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ بَعْدَ شَهْرٍ. فَهَذَا يَصِحُّ إذَا كَانَ نُطْقًا، بِغَيْرِ خِلَافٍ.

٢٩٬٢١٨

وَإِنْ نَوَاهُ، وَلَمْ يَلْفِظْ بِهِ دُيِّنَ. وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

٢٩٬٢١٩

قَالَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ، فِي مَنْ حَلَفَ لَا تَدْخُلُ الدَّارَ،

٢٩٬٢٢٠

وَقَالَ: نَوَيْت شَهْرًا. يُقْبَلُ مِنْهُ. أَوْ قَالَ: إذَا دَخَلْت دَارَ فُلَانٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ. وَنَوَى تِلْكَ السَّاعَةَ، وَذَلِكَ الْيَوْمَ. قُبِلَتْ نِيَّتُهُ. وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، لَا تُقْبَلُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ. وَنَوَى فِي نَفْسِهِ إلَى سَنَةٍ، تَطْلُقْ. لَيْسَ يُنْظَرُ إلَى نِيَّتِهِ.

٢٩٬٢٢١

وَقَالَ: إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ.

٢٩٬٢٢٢

وَقَالَ: نَوَيْت إنْ دَخَلْت الدَّارَ. لَا يُصَدَّقُ.

وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ، بِأَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ فِي الْقَبُولِ، عَلَى أَنَّهُ يَدِينِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ فِي عَدَمِ الْقَبُولِ، عَلَى الْحُكْمِ فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا، أَنَّ إرَادَةَ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ شَائِعٌ كَثِيرٌ، وَإِرَادَةَ الشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِهِ غَيْرُ سَائِغٍ، فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا كُلُّهُ مِنْ جُمْلَةِ التَّخْصِيصِ.

٢٩٬٢٢٣

[فَصْلٌ قَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ طَلَّقَنِي فَقَالَ نِسَائِيّ طَوَالِقُ] (٥٩٠٤) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ: طَلِّقْنِي. فَقَالَ: نِسَائِي طَوَالِقُ. وَلَا نِيَّةَ لَهُ، طَلُقْنَ كُلُّهُنَّ. بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ عَامٌ. إنْ قَالَتْ لَهُ: طَلِّقْ نِسَاءَك. فَقَالَ: نِسَائِي طَوَالِقُ. فَكَذَلِكَ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّ السَّائِلَةَ لَا تَطْلُقُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ الْعَامَ يُقْصَرُ عَلَى سَبَبِهِ الْخَاصِّ، وَسَبَبُهُ سُؤَالُ طَلَاقِ مَنْ سِوَاهَا. وَلَنَا، أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌ فِيهَا، وَلَمْ يُرَدْ بِهِ غَيْرُ مُقْتَضَاهُ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِعُمُومِهِ، كَالصُّورَةِ الْأُولَى، وَالْعَمَلُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ خُصُوصِ السَّبَبِ؛

لِأَنَّ دَلِيلَ الْحُكْمِ هُوَ اللَّفْظُ، فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ، وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ فِي خُصُوصِهِ وَعُمُومِهِ، وَلِذَلِكَ لَوْ كَانَ أَخَصَّ مِنْ السَّبَبِ، لَوَجَبَ قَصْرُهُ عَلَى خُصُوصِهِ، وَاتِّبَاعُ صِفَةِ اللَّفْظِ دُونَ صِفَةِ السَّبَبِ،

٢٩٬٢٢٤

فَإِنْ أَخْرَجَ السَّائِلَةَ بِنِيَّتِهِ، دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الصُّورَتَيْنِ، وَقُبِلَ فِي الْحُكْمِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ دَلِيلٌ عَلَى نِيَّتِهِ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى.

قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ لِأَنَّ طَلَاقَهُ جَوَابٌ لِسُؤَالِهَا الطَّلَاقَ لِنَفْسِهَا، فَلَا يُصَدَّقُ فِي صَرْفِهِ عَنْهَا لِأَنَّهُ يُخَالِفُ الظَّاهِرَ مِنْ وَجْهَيْنِ. وَلِأَنَّهَا سَبَبُ الطَّلَاقِ، وَسَبَبُ الْحُكْمِ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ مِنْ الْعُمُومِ بِالتَّخْصِيصِ.

٢٩٬٢٢٥

وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَطْلُقَ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ عَامٌّ، وَالْعَامُّ يَحْتَمِل التَّخْصِيصَ.

٢٩٬٢٢٦

[فَصْل قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنَّ دَخَلْت الدَّارَ] (٥٩٠٥) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ. ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا أَرَدْتُ الطَّلَاقَ فِي الْحَالِ، لَكِنْ سَبَقَ لِسَانِي إلَى الشَّرْطِ. طَلَقَتْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يُوجِبُ الطَّلَاقَ، فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: قَدْ طَلَّقْتُهَا.

٢٩٬٢٢٧

فَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: كَذَبْتُ، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ طَلَاقَهَا عِنْدَ الشَّرْطِ. دُيِّنَ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ.

[فَصْلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً] (٥٩٠٦) فَصْلٌ: وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: وَاسْتَثْنَى شَيْئًا بِقَلْبِهِ. يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ إذَا اسْتَثْنَى بِلِسَانِهِ صَحَّ، وَلَمْ يَقَعْ مَا اسْتَثْنَاهُ.

وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً. أَنَّهَا تَطْلُقُ طَلْقَتَيْنِ. مِنْهُمْ؛ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يُؤَثِّرُ فِي عَدَدِ الطَّلْقَاتِ،

٢٩٬٢٢٨

وَيَجُوزُ فِي الْمُطَلَّقَاتِ، فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً. وَقَعَ الثَّلَاثُ.

تعليق

وَلَوْ قَالَ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا فُلَانَةَ. لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ بَعْدَ إيقَاعِهِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يَرْفَعُهُ لَوْ صَحَّ.

وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّعْلِيلِ بَاطِلٌ بِمَا سَلَّمَهُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْمُطَلَّقَات، وَلَيْسَ الِاسْتِثْنَاءُ رَفْعًا لِمَا وَقَعَ، إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَمَا صَحَّ فِي الْمُطَلَّقَاتِ، وَلَا الْإِعْتَاقِ، وَلَا فِي الْإِقْرَارِ، وَلَا الْإِخْبَارِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُبَيِّنٌ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ مُرَادٍ بِالْكَلَامِ، فَهُوَ يَمْنَعُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ، فَقَوْلُهُ:{فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا} . عِبَارَةٌ عَنْ تِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ. وَقَوْلُهُ:{إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ}{إِلا الَّذِي فَطَرَنِي} . تَبَرُّؤٌ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً.

عِبَارَةٌ عَنْ اثْنَتَيْنِ لَا غَيْرُ، وَحَرْفُ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُسْتَوْلَى عَلَيْهِ إلَّا، وَيُشَبَّهُ بِهِ أَسْمَاءٌ وَأَفْعَالٌ وَحُرُوفٌ؛ فَالْأَسْمَاءُ غَيْرُ وَسِوَى، وَالْأَفْعَالُ لَيْسَ وَلَا يَكُونُ وَعَدَا، وَالْحُرُوفُ حَاشَا وَخَلَا، فَبِأَيِّ كَلِمَةٍ اسْتَثْنَى بِهَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ.

٢٩٬٢٢٩

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ] (٥٩٠٧) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.

تعليق

فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ. وَقَعَ ثَلَاثٌ. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ. وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْإِقْرَارِ. وَذَكَرْنَا أَنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ إنَّمَا أَجَازُوهُ فِي الْقَلِيلِ مِنْ الْكَثِيرِ، وَحَكَيْنَا ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ اللُّغَةِ.

٢٩٬٢٣٠

فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً. وَقَعَ اثْنَتَانِ.

٢٩٬٢٣١

وَإِنْ قَالَ: إلَّا اثْنَتَيْنِ. وَقَعَ ثَلَاثٌ.

٢٩٬٢٣٢

وَإِنْ قَالَ: طَلْقَتَيْنِ إلَّا طَلْقَةً. فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَقَعُ طَلْقَةٌ.

٢٩٬٢٣٣

وَالثَّانِي، طَلْقَتَانِ؛ بِنَاءً عَلَى اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ، هَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

٢٩٬٢٣٤

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا وَقَعَ ثَلَاثٌ. بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لِرَفْعِ بَعْضِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرْفَعَ جَمِيعُهُ.

٢٩٬٢٣٥

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ خَمْسًا إلَّا ثَلَاثًا. وَقَعَ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إنْ عَادَ إلَى الْخَمْسِ، فَقَدْ اسْتَثْنَى الْأَكْثَرَ،

٢٩٬٢٣٦

وَإِنْ عَادَ إلَى الثَّلَاثِ الَّتِي يَمْلِكُهَا، فَقَدْ رَفَعَ جَمِيعَهَا. وَكِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ.

٢٩٬٢٣٧

وَإِنْ قَالَ: خَمْسًا إلَّا طَلْقَةً. فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَقَعُ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ كَأَنَّهُ نَطَقَ بِمَا عَدَا الْمُسْتَثْنَى، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَرْبَعًا.

٢٩٬٢٣٨

وَالثَّانِي، يَقَعُ اثْنَتَانِ.

ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْجِعُ إلَى مَا مَلَكَهُ مِنْ الطَّلْقَاتِ، وَهِيَ الثَّلَاثُ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا يَلْغُو، وَقَدْ اسْتَثْنَى وَاحِدَةً مِنْ الثَّلَاثِ، فَيَصِحُّ، وَيَقَعُ طَلْقَتَانِ.

٢٩٬٢٣٩

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَرْبَعًا إلَّا اثْنَتَيْنِ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَيَقَعُ اثْنَتَانِ، وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَيَقَعُ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْجِعُ إلَى الثَّلَاثِ، فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ.

٢٩٬٢٤٠

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً] (٥٩٠٨) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْفَعُ الْجُمْلَة الْأَخِيرَةَ بِكَمَالِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا، فَيَصِيرُ ذِكْرُهَا وَاسْتِثْنَاؤُهَا لَغْوًا، وَكُلُّ اسْتِثْنَاءٍ أَفْضَى تَصْحِيحُهُ إلَى الْغَايَةِ وَإِلْغَاءِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بَطَلَ، كَاسْتِثْنَاءِ الْجَمِيعِ، وَلِأَنَّ إلْغَاءَهُ وَحْدَهُ أَوْلَى مِنْ إلْغَائِهِ مَعَ إلْغَاءِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَعُودُ إلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءً لِلْجَمِيعِ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي، يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَيَقَعُ طَلْقَتَانِ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ بِالْوَاوِ يَجْعَلُ الْجُمْلَتَيْنِ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، فَيَصِيرُ مُسْتَثْنِيًا لَوَاحِدَةٍ مِنْ ثَلَاثٍ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا إلَّا خَمْسِينَ. صَحَّ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.

٢٩٬٢٤١

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَاثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً. فَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، يُخَرَّجُ فِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ؛ بِنَاءً عَلَى اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ.

٢٩٬٢٤٢

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَطَالِقٌ، إلَّا طَلْقَةً. أَوْ قَالَ: طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ وَنِصْفًا إلَّا طَلْقَةً. فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كَالْحُكْمِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى سَوَاءً.

٢٩٬٢٤٣

وَإِنْ كَانَ الْعَطْفُ بِغَيْرِ وَاوٍ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ، أَوْ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ إلَّا طَلْقَةً، لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّ هَذَا حَرْفٌ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَكَوْنَ الطَّلْقَةِ الْأَخِيرَةِ مُفْرَدَةً عَمَّا قَبْلَهَا، فَيَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَيْهَا وَحْدَهَا فَلَا يَصِحُّ.

٢٩٬٢٤٤

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَاثْنَتَيْنِ إلَّا اثْنَتَيْنِ. لَمْ يَصِحّ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَادَ إلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ، فَهُوَ رَفْعٌ لِجَمِيعِهَا،

٢٩٬٢٤٥

وَإِنْ عَادَ إلَى الثَّلَاثِ الَّتِي يَمْلِكُهَا، فَهُوَ رَفْعٌ لِأَكْثَرِهَا، وَكِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَطْفَ بِالْوَاوِ يَجْعَلُ الْجُمْلَتَيْنِ جُمْلَةً وَاحِدَةً،

٢٩٬٢٤٦

وَأَنَّ اسْتِثْنَاءَ النِّصْفِ يَصِحُّ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَرْبَعًا إلَّا اثْنَتَيْنِ.

٢٩٬٢٤٧

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَاثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً. احْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ. وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَادَ إلَى الرَّابِعَةِ، فَقَدْ بَقِيَ بَعْدَهَا ثَلَاثٌ،

٢٩٬٢٤٨

وَإِنْ عَادَ إلَى الْوَاحِدَةِ الْبَاقِيَةِ مِنْ الِاثْنَتَيْنِ، فَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الْجَمِيعِ.

٢٩٬٢٤٩

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا طَلْقَةً وَطَلْقَةً وَطَلْقَةً] (٥٩٠٩) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا طَلْقَةً وَطَلْقَةً وَطَلْقَةً. فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَلْغُو الِاسْتِثْنَاءُ، وَيَقَعُ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ يُوجِبُ اشْتَرَاكَ الْمَعْطُوفِ مَعَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ مُسْتَثْنِيًا لَثَلَاثٍ مِنْ ثَلَاثٍ. وَهَذَا وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.

٢٩٬٢٥٠

وَالثَّانِي، يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي طَلْقَةٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَقَلَّ جَائِزٌ، وَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، فَيَلْغُو وَحْدَهُ.

٢٩٬٢٥١

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ اثْنَتَيْنِ، وَيَلْغُو فِي الثَّالِثَةِ؛ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ فِي أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ جَائِزٌ. وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.

٢٩٬٢٥٢

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ إلَّا طَلْقَةً وَطَلْقَةً. فَفِيهِ الْوَجْهَانِ.

٢٩٬٢٥٣

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا طَلْقَةً وَنِصْفًا. احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ أَيْضًا؛ أَحَدُهُمَا، يَلْغُو الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ يُكَمَّلُ، فَيَكُونُ مُسْتَثْنِيًا لِلْأَكْثَرِ، فَيَلْغُو.

٢٩٬٢٥٤

وَالثَّانِي، يَصِحُّ فِي طَلْقَةٍ، فَتَقَعُ طَلْقَتَانِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا.

٢٩٬٢٥٥

فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً وَإِلَّا وَاحِدَةً. كَانَ عَاطِفًا الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى اسْتِثْنَاءٍ، فَيَصِحُّ الْأَوَّلُ، وَيَلْغُو الثَّانِي؛ لِأَنَّنَا لَوْ صَحَّحْنَاهُ لَكَانَ مُسْتَثْنِيًا لِلْأَكْثَرِ، فَيَقَعُ بِهِ طَلْقَتَانِ، وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ أَنْ يَصِحَّ فِيهِمَا، فَتَقَعُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ.

٢٩٬٢٥٦

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً، إلَّا وَاحِدَةً. كَانَ مُسْتَثْنِيًا مِنْ الْوَاحِدَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ وَاحِدَةً، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْغُوَ الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي،

٢٩٬٢٥٧

وَيَصِحَّ الْأَوَّلُ، فَيَقَعَ بِهِ طَلْقَتَانِ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ بِهِ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الثَّانِيَ مَعْنَاهُ إثْبَاتُ طَلْقَةٍ فِي حَقِّهَا؛ لِكَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا، فَيُقْبَلَ ذَلِكَ فِي إيقَاعِ طَلَاقِهِ،

٢٩٬٢٥٨

وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ فِي نَفْيِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ وَنِصْفًا. وَقَعَ بِهِ ثَلَاثٌ.

تعليق

وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا نِصْفَ طَلْقَةٍ. وَقَعَ بِهِ ثَلَاثٌ، فَكُمِّلَ النِّصْفُ فِي الْإِثْبَاتِ، وَلَمْ يُكَمَّلْ فِي النَّفْيِ.

٢٩٬٢٥٩

[فَصْلٌ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً] (٥٩١٠) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ.

٢٩٬٢٦٠

وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ فِي الطَّلَاقِ إلَّا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ، عَلَى اخْتِلَافٍ فِيهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً. فَإِنَّهُ يَصِحُّ إذَا أَجَزْنَا اسْتِثْنَاءَ النِّصْفِ، فَيَقَعُ بِهِ طَلْقَتَانِ.

٢٩٬٢٦١

فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ أَجَزْتُمْ اسْتِثْنَاءَ الِاثْنَتَيْنِ مِنْ الثَّلَاثِ، وَهِيَ أَكْثَرُهَا؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ لَمْ يَسْكُتْ عَلَيْهِمَا، بَلْ وَصَلَهُمَا بِأَنْ اسْتَثْنَى مِنْهَا طَلْقَةً، فَصَارَ عِبَارَةً عَنْ وَاحِدَةٍ.

٢٩٬٢٦٢

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ. لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الِاثْنَتَيْنِ مِنْ الثَّلَاثِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُمَا أَكْثَرُهَا، وَاسْتِثْنَاءُ الثَّلَاثِ مِنْ الثَّلَاثِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا جَمِيعُهَا.

٢٩٬٢٦٣

وَإِنْ قَالَ: ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً. لَمْ يَصِحَّ، وَوَقَعَ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَثْنَى وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ، بَقِيَ اثْنَتَانِ، لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُمَا مِنْ الثَّلَاثِ الْأُولَى، فَيَقَعُ الثَّلَاثُ.

وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا وَجْهًا آخَرَ، أَنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ يَلْغُو؛ لِكَوْنِهِ اسْتِثْنَاءَ الْجَمِيعِ، فَيَرْجِعُ قَوْلُهُ: إلَّا وَاحِدَةً إلَى الثَّلَاثِ الْمُثْبَتَةِ، فَيَقَعُ مِنْهَا طَلْقَتَانِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ،

٢٩٬٢٦٤

وَمِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، فَإِذَا اسْتَثْنَى مِنْ الثَّلَاثِ الْمَنْفِيَّةِ طَلْقَةً، كَانَ مُثْبِتًا لَهَا، فَلَا يَجُوزُ جَعْلُهَا مِنْ الثَّلَاثِ الْمُثْبَتَةِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ إثْبَاتًا مِنْ إثْبَاتٍ.

٢٩٬٢٦٥

وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلَّا مُتَّصِلًا بِالْكَلَامِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْإِقْرَارِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.