وإذا شهدت امرأة واحدة على الرضاع حرم النكاح إن كانت مرضية، وقد قال أبو عبد الله في موضع آخر: إن كانت مرضية استحلفت،
الشروح عليها
قال: وإذا شهدت امرأة واحدة على الرضاع حرم النكاح إن كانت مرضية، وقد قال أبو عبد الله في موضع آخر: إن كانت مرضية استحلفت، فإن كانت كاذبة لم يحل الحول حتى تبيض ثدياها، وذهب في ذلك إلى قول ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. ش: شهادة المرأة الواحدة مقبولة في الرضاع، على المذهب المشهور.
٢٨٦٠ - لما روي «عن عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما. قال: فذكرت ذلك للنبي فأعرض عني، قال: فتنحيت فذكرت ذلك له، فقال: «كيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما» فنهاه عنها» ، أخرجه البخاري وغيره «، وللنسائي قال: فأعرض عنه، فأتيته من قبل وجهه، قلت: إنها كاذبة. قال: «كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما، دعها عنك» .
٢٨٦١ - وقال الزهري: فرق بين أهل أبيات في زمن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بشهادة امرأة في الرضاع.
٢٨٦٢ - وقال الشعبي: كانت القضاة يفرقون بين الرجل والمرأة بشهادة امرأة واحدة في الرضاع (وعن أحمد) رواية ثانية: لا يقبل إلا بشهادة امرأتين لأن الرجال أكمل من النساء ولا يقبل إلا بشهادة رجلين فكذلك لا يقبل إلا بشهادة امرأتين (وعنه) ثالثة تقبل شهادة المرأة الواحدة، وتستحلف مع شهادتها.
٢٨٦٣ - اعتمادا على قول ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فإنه قال في امرأة زعمت أنها أرضعت رجلا وأهله، فقال: إن كانت مرضية استحلفت، وفارق امرأته، وقال: إن كانت كاذبة لم يحل الحول حتى تبيض ثدياها. يعني يصيبها فيهما برص، عقوبة على كذبها، نسأل الله العافية من ذلك، والظاهر أنه لا يقول مثل هذا إلا عن توقيف، وعلى كل حال فلا يقبل إلا شهادة مرضية، إذ غيرها يدخل في قَوْله تَعَالَى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: ٦] الآية.
[الإقرار بالرضاع قبل الدخول أو بعده]
لا زيادة له على هذه المسألة.
[مَسْأَلَةٌ شَهِدَتْ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الرَّضَاعِ] (٦٤٤٦) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَتْ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الرَّضَاعِ، حَرُمَ النِّكَاحُ إذَا كَانَتْ مُرْضِيَةً. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، رِوَايَةٌ أُخْرَى: إنْ كَانَتْ مُرْضِيَةً اُسْتُحْلِفَتْ، فَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً، لَمْ يَحُلْ الْحَوْلُ حَتَّى تَبْيَضَّ ثَدْيَاهَا، وَذَهَبَ فِي ذَلِكَ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ مَقْبُولَةٌ فِي الرَّضَاعِ، إذَا كَانَتْ مُرْضِيَةً. وَبِهَذَا قَالَ طَاوُسٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَسَعِيدُ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَا يُقْبَلُ إلَّا شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ؛ لِأَنَّ الرِّجَالَ أَكْمَلُ مِنْ النِّسَاءِ؛ وَلَا يُقْبَلُ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، فَالنِّسَاءُ أَوْلَى. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ مَقْبُولَةٌ، وَتُسْتَحْلَفُ مَعَ شَهَادَتِهَا. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ
قَالَ، فِي امْرَأَةٍ زَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْ رَجُلًا وَأَهْلَهُ، فَقَالَ: إنْ كَانَتْ مُرْضِيَةً، اُسْتُحْلِفَتْ، وَفَارَقَ امْرَأَتَهُ.
وَقَالَ: إنْ كَانَتْ كَاذِبَةً، لَمْ يَحُلْ الْحَوْلُ حَتَّى يَبْيَضَّ ثَدْيَاهَا. يَعْنِي يُصِيبُهَا فِيهَا بَرَصٌ، عُقُوبَةً عَلَى كَذِبِهَا. وَهَذَا لَا يَقْتَضِيه قِيَاسٌ، وَلَا يَهْتَدِي إلَيْهِ رَأْيٌ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقُولُهُ إلَّا تَوْقِيفًا.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُقْبَلُ مِنْ النِّسَاءِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ كَرَجُلِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا رَجُلَانِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} . وَلَنَا، مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ:«تَزَوَّجْت أُمُّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا. فَأَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: وَكَيْفَ، وَقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ النَّسَائِيّ، قَالَ:«فَأَتَيْته مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَقُلْت: إنَّهَا كَاذِبَةٌ. قَالَ: كَيْفَ، وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا، خَلِّ سَبِيلَهَا» .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: فُرِّقَ بَيْنَ أَهْلِ أَبْيَاتٍ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ فِي الرَّضَاعِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: فَرَّقَ عُثْمَانُ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ وَبَيْنَ نِسَائِهِمْ، بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ فِي الرَّضَاعِ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَتْ الْقُضَاةُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الرَّضَاعِ. وَلِأَنَّ هَذَا شَهَادَةٌ عَلَى عَوْرَةٍ، فَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ، كَالْوِلَادَةِ. وَعَلَّلَ الشَّافِعِيُّ، بِأَنَّهُ مَعْنًى يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ، فَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْمُنْفَرِدَةِ، كَالْخَبَرِ.
[فَصْلٌ شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهَا] (٦٤٤٧) فَصْلٌ: وَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ، مِنْ أَنَّ الْأَمَةَ السَّوْدَاءَ قَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا. فَقَبِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَهَادَتَهَا. وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ لَا يَحْصُلُ لَهَا بِهِ نَفْعٌ مَقْصُودٌ، وَلَا تَدْفَعُ عَنْهَا بِهِ ضَرَرًا، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهَا بِهِ، كَفِعْلِ غَيْرِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّهَا تَسْتَبِيحُ الْخَلْوَةَ بِهِ، وَالسَّفَرَ مَعَهُ، وَتَصِيرُ مَحْرَمًا لَهُ. قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الْمَقْصُودَةِ، الَّتِي تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلَيْنِ لَوْ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ، وَأَعْتَقَ أَمَتَهُ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا،
وَإِنْ كَانَ يَحِلُّ لَهُمَا نِكَاحُهُمَا بِذَلِكَ. [فَصْلٌ الشَّهَادَةُ عَلَى الرَّضَاعِ] (٦٤٤٨) فَصْلٌ: وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الرَّضَاعِ إلَّا مُفَسَّرَةً،
فَلَوْ قَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا ابْنُ هَذِهِ مِنْ الرَّضَاعِ. لَا تُقْبَلُ، لِأَنَّ الرَّضَاعَ الْمُحَرَّمَ يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِ، مِنْهُمْ مَنْ يُحَرِّمُ بِالْقَلِيلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَرِّمُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ، فَلَزِمَ الشَّاهِدَ تَبْيِينُ كَيْفِيَّتِهِ، لِيَحْكُمَ الْحَاكِمُ فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ، فَيَحْتَاجُ الشَّاهِدُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ هَذَا ارْتَضَعَ مِنْ ثَدْيِ هَذِهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ، خَلَصَ اللَّبَنُ فِيهِنَّ إلَى جَوْفِهِ، فِي الْحَوْلَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: خُلُوصُ اللَّبَنِ إلَى جَوْفِهِ لَا طَرِيقَ لَهُمْ إلَى مُشَاهَدَتِهِ، فَكَيْفَ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ؟ قُلْنَا: إذَا عَلِمَ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ ذَاتُ لَبَنٍ، وَرَأْي الصَّبِيَّ قَدْ الْتَقَمَ ثَدْيَهَا، وَحَرَّكَ فَمَه فِي الِامْتِصَاصِ، وَحَلْقَهُ فِي الِاجْتِرَاعِ، حَصَلَ ظَنٌّ يَقْرُبُ إلَى الْيَقِينِ أَنَّ اللَّبَنَ قَدْ وَصَلَ إلَى جَوْفِهِ، وَمَا يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ بِالْمُشَاهَدَةِ، اُكْتُفِيَ فِيهِ بِالظَّاهِرِ، كَالشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ، وَثُبُوتِ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ، وَالشَّهَادَةِ عَلَى النَّسَبِ بِالِاسْتِفَاضَةِ.
وَلَوْ قَالَ الشَّاهِدُ: أَدْخَلَ رَأْسَهُ تَحْتَ ثِيَابِهَا، وَالْتَقَمَ ثَدْيَهَا. لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُدْخِلُ رَأْسَهُ وَلَا يَأْخُذُ الثَّدْيَ، وَقَدْ يَأْخُذُ الثَّدْيَ وَلَا يَمُصُّ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ هَذِهِ أَرْضَعَتْ هَذَا. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ فِي ثُبُوتِ أَصْلِ الرَّضَاعِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا. اُكْتُفِيَ بِقَوْلِهَا.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.