وإذا بلغ الغلام سبع سنين خير بين أبويه، فكان مع من اختار منهما.
الشروح عليها
قال: وإذا بلغ الغلام سبع سنين خير بين أبويه، فكان مع من اختار منهما. ش: أي إذا بلغ الغلام سبع سنين وهو عاقل، لما تقدم له من أن حضانة المعتوه لأمه،
والمذهب المشهور أن الغلام والحال هذه يخير بين أبويه.
٢٨٨٧ - لما روي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خير غلاما بين أبيه وأمه» ، رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه،
وفي رواية «أن امرأة جاءت إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأنا قاعد عنده، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة، وقد نفعني، فقال لها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «استهما عليه» فقال زوجها: من يحاقني في ولدي؟ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت» فأخذ بيد أمه فانطلقت به؛ مختصر» رواه أبو داود.
٢٨٨٨ - وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه خير غلاما بين أبيه وأمه رواه سعيد.
٢٨٨٩ - وعن عمارة الجرمي قال: خيرني علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بين عمي وأمي، وكنت ابن سبع سنين أو ثمان، وروي نحو ذلك عن أبي هريرة، ولا نعرف لهم مخالفا، ولأن الحضانة تثبت لحظ الولد، فيقدم فيها من هو أشفق به، ولا ريب أن ميل الولد إلى أحد الأبوين دليل على أنه أشفق به، فرجح بذلك، وإنما قيدناه بالسبع لأنه إذًا بلغ حدا يعرب عن نفسه، ويميز بين الإكرام وضده، ولأنه أول حال أمر الشرع بمخاطبته فيها (وعن أحمد) رواية أخرى أن الأم أحق به، لما تقدم من حديث عمرو بن شعيب، ولا ريب أن حديث أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أخص منه فيقدم،
(وعنه) رواية ثالثة الأب أحق به؛ لأنه إذًا يحتاج إلى التأديب والتعليم، والأب أخص بذلك، ولا ريب أنها أضعفهن، لمخالفتها الحديثين معا، وقد ذكر الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - حكم الطفل وحكم الغلام، ولم يتعرض لحكم البالغ، والحكم أنه يكون حيث شاء إن كان رشيدا.
(تنبيه) : «يحاقني» أي ينازعني في حقي منه، والله أعلم.
[مَسْأَلَةٌ إذَا بَلَغَ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ] (٦٥٣٨) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ، خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، فَكَانَ مَعَ مَنْ اخْتَارَ مِنْهُمَا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْغُلَامَ إذَا بَلَغَ سَبْعًا، وَلَيْسَ بِمَعْتُوهٍ، خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، إذَا تَنَازَعَا فِيهِ،
فَمَنْ اخْتَارَهُ مِنْهُمَا، فَهُوَ أَوْلَى بِهِ قَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَشُرَيْحٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ،
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُخَيَّرُ لَكِنْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ، فَأَكَلَ بِنَفْسِهِ، وَلَبِسَ بِنَفْسِهِ، وَاسْتَنْجَى بِنَفْسِهِ، فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهِ وَمَالِكٌ يَقُولُ: الْأُمُّ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُثْغِرَ،
وَأَمَّا التَّخْيِيرُ، فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْغُلَامَ لَا قَوْلَ لَهُ، وَلَا يَعْرِفُ حَظَّهُ، وَرُبَّمَا اخْتَارَ مَنْ يَلْعَبُ عِنْدَهُ وَيَتْرُكُ تَأْدِيبَهُ، وَيُمَكِّنُهُ مِنْ شَهَوَاتِهِ، فَيُؤَدِّي إلَى فَسَادِهِ، وَلِأَنَّهُ دُونَ الْبُلُوغِ، فَلَمْ يُخَيَّرْ، كَمَنْ دُونَ السَّبْعِ وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ، بِإِسْنَادِهِ وَالشَّافِعِيُّ وَفِي لَفْظٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:«جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ، وَقَدْ نَفَعَنِي فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:» هَذَا أَبُوك، وَهَذِهِ أُمُّك فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْت «فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَارَةَ الْجَرْمِيُّ، أَنَّهُ قَالَ: خَيَّرَنِي عَلِيٌّ بَيْنَ عَمِّي وَأُمِّيِّ، وَكُنْت ابْنَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهَذِهِ قِصَصٌ فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، وَلَمْ تُنْكَرْ، فَكَانَتْ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ التَّقْدِيمَ فِي الْحَضَانَةِ لِحَقِّ الْوَلَدِ، فَيُقَدَّمُ مَنْ هُوَ أَشْفَقُ؛
لِأَنَّ حَظَّ الْوَلَدِ عِنْدَهُ أَكْثَرُ، وَاعْتَبَرْنَا الشَّفَقَةَ بِمَظِنَّتِهَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُهَا بِنَفْسِهَا،
فَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ حَدًّا يُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ، وَيُمَيِّزُ بَيْنَ الْإِكْرَامِ وَضِدِّهِ، فَمَالَ إلَى أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ، وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ، فَقُدِّمَ بِذَلِكَ وَقَيَّدْنَاهُ بِالسَّبْعِ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ حَالٍ أَمَرَ الشَّرْعُ فِيهَا بِمُخَاطَبَتِهِ بِالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّ الْأُمَّ قُدِّمَتْ فِي حَالِ الصِّغَرِ، لِحَاجَتِهِ إلَى حَمْلِهِ، وَمُبَاشَرَةِ خِدْمَتِهِ، لِأَنَّهَا أَعْرَفُ بِذَلِكَ، وَأَقْوَمُ بِهِ،
فَإِذَا اسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ، تَسَاوَى وَالِدَاهُ، لَقُرْبِهِمَا مِنْهُ، فَرَجَّحَ بِاخْتِيَارِهِ.
[فَصْلٌ وَمَتَى اخْتَارَ أَحَدَهُمَا فَسُلِّمَ إلَيْهِ ثُمَّ اخْتَارَ الْآخِرَ رُدَّ إلَيْهِ فِي الْحَضَانَةِ] (٦٥٣٩) فَصْلٌ: وَمَتَى اخْتَارَ أَحَدَهُمَا فَسُلِّمَ إلَيْهِ، ثُمَّ اخْتَارَ الْآخَرَ، رُدَّ إلَيْهِ،
فَإِنْ عَادَ فَاخْتَارَ الْأَوَّلَ، أُعِيدَ إلَيْهِ، هَكَذَا أَبَدًا كُلَّمَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا صَارَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اخْتِيَارُ شَهْوَةٍ، لَحَظِّ نَفْسِهِ، فَاتَّبَعَ مَا يَشْتَهِيه، كَمَا يَتَّبِعُ مَا يَشْتَهِيه فِي الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ، وَقَدْ يَشْتَهِي الْمُقَامَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا فِي وَقْتٍ، وَعِنْدَ الْآخَرِ فِي وَقْتٍ، وَقَدْ يَشْتَهِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا،
وَأَنْ لَا يَنْقَطِعَ عَنْهُمَا وَإِنْ خَيَّرْنَاهُ، فَلَمْ يَخْتَرْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، أَوْ اخْتَارَهُمَا مَعًا، قُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لَأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَلَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى حَضَانَتِهِ، فَقُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ،
فَإِذَا قُدِّمَ بِهَا، ثُمَّ اخْتَارَ الْآخَرَ، رُدَّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّنَا قَدَّمْنَا اخْتِيَارَهُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، فَعَلَى الْقُرْعَةِ الَّتِي هِيَ بَدَلٌ أَوْلَى.
[فَصْلٌ كَانَ الْأَبُ مَعْدُومًا أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ] (٦٥٤٠) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْأَبُ مَعْدُومًا، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، وَحَضَرَ غَيْرُهُ مِنْ الْعَصَبَاتِ، كَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَابْنِهِ، قَامَ مَقَامَ الْأَبِ فَيُخَيَّرُ الْغُلَامُ بَيْنَ أُمِّهِ وَعَصَبَتِهِ لِأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَيَّرَ عُمَارَةَ الْجَرْمِيَّ بَيْنَ أُمِّهِ وَعَمِّهِ وَلِأَنَّهُ عَصَبَةٌ، فَأَشْبَهَ الْأَبَ
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْأُمُّ مَعْدُومَةً، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، فَسُلِّمَ إلَى الْجَدَّةِ، خُيِّرَ الْغُلَامُ بَيْنهَا وَبَيْنَ أَبِيهِ، أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ الْعَصَبَاتِ،
فَإِنْ كَانَ الْأَبَوَانِ مَعْدُومَيْنِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، فَسُلِّمَ إلَى امْرَأَةٍ كَأُخْتِهِ أَوْ عَمَّتِهِ أَوْ خَالَتِهِ، قَامَتْ مَقَامَ أُمِّهِ، فِي التَّخْيِيرِ بَيْنهَا وَبَيْنَ عَصَبَاتِهِ، لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَبَوَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْأَبَوَانِ رَقِيقَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَحَدٌ مِنْ أَقَارِبه سِوَاهُمَا، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا حَضَانَةَ لَهُمَا عَلَيْهِ، وَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا، وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَيُسَلَّمُ إلَى مِنْ يَحْضُنُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
[فَصْلٌ يُخَيَّرُ الْغُلَامُ فِي الْحَضَانَة بِشَرْطَيْنِ] (٦٥٤١) فَصْلٌ: وَإِنَّمَا يُخَيَّرُ الْغُلَامُ بِشَرْطَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ،
فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، كَانَ كَالْمَعْدُومِ، وَيُعَيَّنُ الْآخَرُ. الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ الْغُلَامُ مَعْتُوهًا،
فَإِنْ كَانَ مَعْتُوهًا كَانَ عِنْدَ الْأُمِّ، وَلَمْ يُخَيَّرْ؛ لِأَنَّ الْمَعْتُوهَ بِمَنْزِلَةِ الطِّفْلِ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا، وَلِذَلِكَ كَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِكَفَالَةِ وَلَدِهَا الْمَعْتُوهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَلَوْ خُيِّرَ الصَّبِيُّ، فَاخْتَارَ أَبَاهُ، ثُمَّ زَالَ عَقْلُهُ، رُدَّ إلَى الْأُمِّ، وَبَطَلَ اخْتِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا خُيِّرَ حِينَ اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ،
فَإِذَا زَالَ اسْتِقْلَالُهُ بِنَفْسِهِ، كَانَتْ الْأُمُّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَشْفَقُ عَلَيْهِ، وَأَقْوَمُ بِمَصَالِحِهِ، كَمَا فِي حَالِ طُفُولِيَّتِهِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.