وإذا أبق العبد فلمن جاء به إلى سيده ما أنفق عليه.
الشروح عليها
قال: وإذا أبق العبد فلمن جاء به إلى سيده ما أنفق عليه. ش: هذا هو المشهور، حتى إن أبا الخطاب في الهداية وأبا محمد في المقنع، وغيرهما قطعوا بذلك، وخرج أبو محمد قولا آخر أنه لا يرجع، بناء على رواية النفقة على الرهن والوديعة، والجمال إذا هرب الجمال، ونحو ذلك،
وكذلك أبو البركات برد الآبق، مع جملة هذه المسائل، وذكر الخلاف، إلا أنه قيد ذلك بما إذا نوى الرجوع، وتعذر استئذان المالك، وبعض الأصحاب لا يشترط تعذر الاستئذان، وقد يفرق بين الآبق وغيره أن الآبق يخشى ضرره، لاحتمال لحوقه بدار الحرب، وارتداده، وهذا المعنى غير موجود في غيره، والله سبحانه وتعالى أعلم.
[
[مَسْأَلَةٌ أَبَقَ الْعَبْدُ فَلِمَنْ جَاءَ بِهِ إلَى سَيِّدِهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ] (٦٥٧٧) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ، فَلِمَنْ جَاءَ بِهِ إلَى سَيِّدِهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَقَدْ قَامَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مَقَامَ سَيِّدِهِ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَرَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِإِنْفَاقٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ أَدَّى عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَدَائِهِ مِنْهُ، فَرَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَدَّى الْحَاكِمُ عَنْ الْمُمْتَنِعِ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى امْرَأَتِهِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَرْجِعَ بِشَيْءِ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، فِي مَنْ أَنْفَقَ عَلَى الرَّهْنِ الَّذِي عِنْدَهُ، أَوْ الْوَدِيعَةِ، أَوْ الْجِمَالِ إذَا هَرَبَ الْجَمَّالُ وَتَرَكَهَا مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ.
[فَصْل لسَّيِّدِ تَأْدِيبُ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ] (٦٥٧٨) فَصْلٌ: وَلَهُ تَأْدِيبُ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ إذَا أَذْنَبَا، بِالتَّوْبِيخِ، وَالضَّرْبِ الْخَفِيفِ، كَمَا يُؤَدِّبُ وَلَدَهُ، وَامْرَأَتَهُ فِي النُّشُوزِ، وَلَيْسَ لَهُ ضَرْبُهُ عَلَى غَيْرِ ذَنْبٍ، وَلَا ضَرْبُهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا وَإِنْ أَذْنَبَ، وَلَا لَطْمُهُ فِي وَجْهِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيّ، قَالَ:«لَقَدْ رَأَيْتنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ، لَيْسَ لَنَا إلَّا خَادِمٌ وَاحِدٌ، فَلَطَمَهَا أَحَدُنَا، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِعْتَاقِهَا، فَأَعْتَقْنَاهَا» . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ:«كُنْت أَضْرِبُ غُلَامًا لِي، فَإِذَا رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي يَقُولُ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْك مِنْك عَلَى هَذَا الْغُلَامِ.»
[فَصْل مَنْ مَلَكَ بَهِيمَةً فَلَهُ نَفَقَتُهَا] (٦٥٧٩) فَصْلٌ وَمَنْ مَلَكَ بَهِيمَةً، لَزِمَهُ الْقِيَامُ بِهَا، وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ، مِنْ عَلْفِهَا، أَوْ إقَامَةِ مَنْ يَرْعَاهَا؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ أَبَى أَوْ عَجَزَ، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا، أَوْ ذَبْحِهَا إنْ كَانَتْ مِمَّا يُذْبَحُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُجْبِرُهُ السُّلْطَانُ، بَلْ يَأْمُرُهُ، كَمَا يَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَاهُ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ الْبَهِيمَةَ لَا يَثْبُتُ لَهَا حَقٌّ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ مِنْهَا الْخُصُومَةُ، وَلَا يُنْصَبُ عَنْهَا خَصْمٌ، فَصَارَتْ كَالزَّرْعِ وَالشَّجَرِ. وَلَنَا، أَنَّهَا نَفَقَةُ حَيَوَانٍ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، فَكَانَ لِلسُّلْطَانِ إجْبَارُهُ عَلَيْهَا، كَنَفَقَةِ الْعَبِيدِ، وَيُفَارِقُ نَفَقَةَ الشَّجَرِ وَالزَّرْعِ، فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ.
فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْإِنْفَاقِ، وَامْتَنَعَ مِنْ الْبَيْعِ، بِيعَتْ عَلَيْهِ، كَمَا يُبَاعُ الْعَبْدُ إذَا طَلَبَ الْبَيْعَ عِنْدَ إعْسَارِ سَيِّدِهِ بِنَفَقَتِهِ، وَكَمَا يَفْسَخُ نِكَاحَهُ إذَا أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ امْرَأَتِهِ.
وَإِنْ عَطِبَتْ الْبَهِيمَةُ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا،
فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُؤْكَلُ، خُيِّرَ بَيْنَ ذَبْحِهَا وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا،
وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ، أُجْبِرَ عَلَى الْإِنْقَاقِ عَلَيْهَا، كَالْعَبْدِ الزَّمِنِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَمِّلَ الْبَهِيمَةَ مَا لَا تُطِيقُ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْعَبْدِ، وَقَدْ مَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَكْلِيفَ الْعَبْدِ مَا لَا يُطِيقُ. وَلِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لِلْحَيَوَانِ الَّذِي لَهُ حُرْمَةٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِضْرَارًا بِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ. وَلَا يَحْلِبُ مِنْ لَبَنِهَا إلَّا مَا يَفْضُلُ عَنْ كِفَايَةِ وَلَدِهَا؛ لِأَنَّ كِفَايَتَهُ وَاجِبَةٌ عَلَى مَالِكِهِ، وَلَبَنُ أُمِّهِ مَخْلُوقٌ لَهُ، فَأَشْبَهَ وَلَدَ الْأَمَةِ. [
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.