وفي البطن إذا ضرب فلم يستمسك الغائط الدية، وفي المثانة إذا لم يستمسك البول الدية. وفي ذهاب العقل الدية. وفي اليد الشلاء ثلث ديتها،
الشروح عليها
قال: وفي البطن إذا ضرب فلم يستمسك الغائط الدية، وفي المثانة إذا لم يستمسك البول الدية. ش: لأن كل واحد من هذين العضوين فيه منفعة ليس في البدن مثله، فوجب في تفويت منفعته دية كاملة، كسائر الأعضاء، وحكى ابن أبي موسى رواية في المثانة أن فيها ثلث الدية، والله أعلم. قال: وفي ذهاب العقل الدية. ٣٠٠٧ - ش: لأن ذلك يروى عن عمر وزيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، ولأن به يتميز من البهائم، ويعرف به حقائق المعلومات، ويدخل به في التكليف، وهو شرط في ثبوت الولايات، وصحة التصرفات، وأداء العبادات، فكان بإيجاب الدية أحق من بقية الحواس، وقد ادعى أبو محمد أن في كتاب عمرو بن حزم «وفي العقل الدية» ، ولم أر ذلك، والله أعلم. قال: وفي اليد الشلاء ثلث ديتها، وكذلك العين القائمة، والسن السوداء.
ش: هذا إحدى الروايتين عن إمامنا، واختيار عامة أصحابنا.
٣٠٠٨ - لما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى في العين العوراء السادة لمكانها إذا طمست بثلث ديتها، وفي اليد الشلاء إذا قطعت بثلث ديتها، وفي السن السوداء إذا نزعت بثلث ديتها» ؛ رواه النسائي، ولأبي داود منه: «قضى في العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية» .
٣٠٠٩ - وعن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قضى في العين القائمة إذا خسفت، واليد الشلاء إذا قطعت، والسن السوداء، إذا كسرت ثلث دية كل واحدة منهن. (والرواية الثانية) في جميع ذلك حكومة، ولعله قال ذلك قبل أن يبلغه الخبر، أو قبل أن يثبت عنده،
وإذا لا مقدر في ذلك، ولا يمكن إيجاب الدية فيه كاملة، لذهاب نفعه، فيجب فيه حكومة. تنبيهان: (أحدهما) العين القائمة هي الباقية في موضعها صحيحة، وإنما ذهب نظرها وإبصارها، واليد الشلاء التي بطلت لآفة تعتريها،
ومن ثم قال القاضي: الروايتان في السن السوداء التي ذهب نفعها،
أما إن لم يذهب نفعها بالكلية، ففيها ديتها كاملة، وخالفه أبو محمد عملا بإطلاق أحمد، وبظاهر الحديث.
(الثاني) : الروايتان السابقتان جاريتان في الرجل الشلاء، والإصبع الشلاء، والذكر الأشل، والثدي الأشل، ولسان الأخرس، ولسان الصبي الذي أتى عليه أن يحركه بالبكاء ولم يحركه، والثدي دون حلمته، والذكر دون حشفته، والكف دون أصابعه، وقصبة الأنف، واليد والإصبع، والرجل والسن الزوائد [وذكر الخصي والعنين على رواية، إلا أن المختار لأبي محمد في اليد والأصبع والرجل والسن الزوائد] أن فيها حكومة،
وكذلك مختاره في الذكر، دون حشفته، والكف دون أصابعه، والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - اقتصر على ما تقدم،
إما لورود النص فيها دون غيرها،
وإما لأن مختاره وجوب الحكومة فيما عداها. واعلم أن أبا محمد جعل من صور الخلاف هنا شحمة الأذن، وكلامه في المغني في هذا الموضع يقتضي أن مختاره أن فيها حكومة،
ولما تكلم في قطع الأذن،
وأن في بعضها بالحساب من ديتها، قال: إنه روي عن أحمد أن في شحمة الأذن ثلث ديتها،
وأن المذهب الأول، وعلى هذا الثاني جرى أبو البركات، ولم يحك رواية الحكومة.
[مَسْأَلَةٌ دِيَة الْبَطْنِ إذَا ضَرَبَ فَلَمْ يَسْتَمْسِك الْغَائِط] (٦٩٥٣) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي الْبَطْنِ إذَا ضُرِبَ فَلَمْ يَسْتَمْسِكْ الْغَائِطُ الدِّيَةُ، وَفِي الْمَثَانَةِ إذَا لَمْ يَسْتَمْسِكْ الْبَوْلُ الدِّيَةُ) وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَلَمْ أَعْلَمْ فِيهِ مُخَالِفًا، إلَّا أَنَّ ابْنَ أَبِي مُوسَى ذَكَرَ فِي الْمَثَانَةِ رِوَايَةً أُخْرَى، فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْمَحَلَّيْنِ عُضْوٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ كَبِيرَةٌ، لَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِثْلُهُ، فَوَجَبَ فِي تَفْوِيتِ مَنْفَعَتِهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ،
فَإِنَّ نَفْعَ الْمَثَانَةِ حَبْسُ الْبَوْلِ، وَحَبْسُ الْبَطْنِ الْغَائِطَ مَنْفَعَةٌ مِثْلُهَا، وَالنَّفْعُ بِهِمَا كَثِيرٌ، وَالضَّرَرُ بِفَوَاتِهِمَا عَظِيمٌ، فَكَانَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الدِّيَةُ، كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ.
وَإِنْ فَاتَتْ الْمَنْفَعَتَانِ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ، وَجَبَ عَلَى الْجَانِي دِيَتَانِ، كَمَا لَوْ أَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ. [مَسْأَلَة دِيَة ذَهَاب الْعَقْلِ] (٦٩٥٤) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَفِي ذَهَابِ الْعَقْلِ الدِّيَةُ) لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَزَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَنْ بَلَغَنَا قَوْلُهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ.
«وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: وَفِي الْعَقْلِ الدِّيَةُ» . وَلِأَنَّهُ أَكْبَرُ الْمَعَانِي قَدْرًا، وَأَعْظَمُ الْحَوَاسِّ نَفْعًا.
فَإِنَّ بِهِ يَتَمَيَّزُ مِنْ الْبَهِيمَةِ، وَيَعْرِفُ بِهِ حَقَائِقَ الْمَعْلُومَاتِ، وَيَهْتَدِي إلَى مَصَالِحِهِ، وَيَتَّقِي مَا يَضُرُّهُ، وَيَدْخُلُ بِهِ فِي التَّكْلِيفِ، وَهُوَ شَرْطٌ فِي ثُبُوتِ الْوِلَايَاتِ، وَصِحَّةِ التَّصَرُّفَاتِ، وَأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ، فَكَانَ بِإِيجَابِ الدِّيَةِ أَحَقَّ مِنْ بَقِيَّةِ الْحَوَاسِّ،
فَإِنْ نَقَصَ عَقْلُهُ نَقْصًا مَعْلُومًا، مِثْلُ أَنْ صَارَ يُجَنُّ يَوْمًا وَيُفِيقُ يَوْمًا، فَعَلَيْهِ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَتْ فِيهِ الدِّيَةُ، وَجَبَ بَعْضُهَا فِي بَعْضِهِ بِقَدْرِهِ، كَالْأَصَابِعِ،
وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ، مِثْلُ أَنْ صَارَ مَدْهُوشًا، أَوْ يَفْزَعُ مِمَّا لَا يُفْزَعُ مِنْهُ، وَيَسْتَوْحِشُ إذَا خَلَا، فَهَذَا لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ، فَتَجِبُ فِيهِ حُكُومَةٌ.
[فَصْلٌ أَذْهَب عَقْله بِجِنَايَةٍ لَا تُوجِبُ أَرَشًّا] (٦٩٥٥) فَصْلٌ: فَإِنْ أَذْهَبَ عَقْلَهُ بِجِنَايَةٍ لَا تُوجِبُ أَرْشًا، كَاللَّطْمَةِ، وَالتَّخْوِيفِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَفِيهِ الدِّيَةُ لَا غَيْرُ.
وَإِنْ أَذْهَبَهُ بِجِنَايَةٍ تُوجِبُ أَرْشًا، كَالْجِرَاحِ، أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ، وَأَرْشُ الْجُرْحِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: يَدْخُلُ الْأَقَلُّ مِنْهُمَا فِي الْأَكْثَرِ،
فَإِنْ كَانَتْ الدِّيَةُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْشِ الْجُرْحِ، وَجَبَتْ وَحْدَهَا،
وَإِنْ كَانَ أَرْشُ الْجُرْحِ أَكْثَرَ، كَأَنْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ، وَجَبَتْ دِيَةُ الْجُرْحِ، وَدَخَلَتْ دِيَةُ الْعَقْلِ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَهَابَ الْعَقْلِ تَخْتَلُّ مَعَهُ مَنَافِعُ الْأَعْضَاءِ، فَدَخَلَ أَرْشُهَا فِيهِ، كَالْمَوْتِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ أَذْهَبَتْ مَنْفَعَةً مِنْ غَيْرِ مَحَلِّهَا مَعَ بَقَاءِ النَّفْسِ، فَلَمْ يَتَدَاخَلْ الْأَرْشَانِ، كَمَا لَوْ أَوْضَحَهُ فَذَهَبَ بَصَرُهُ أَوْ سَمْعُهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَنَى عَلَى أُذُنِهِ أَوْ أَنْفِهِ، فَذَهَبَ سَمْعُهُ أَوْ شَمُّهُ، لَمْ يَدْخُلْ أَرْشُهُمَا فِي دِيَةِ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ، مَعَ قُرْبِهِمَا مِنْهُمَا، فَهَاهُنَا أَوْلَى. وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ أَرْشُ الْجُرْحِ فِي دِيَةِ الْعَقْلِ، لَمْ يَجِبْ أَرْشُهُ إذَا زَادَ عَلَى دِيَةِ الْعَقْلِ، كَمَا أَنَّ دِيَةَ الْأَعْضَاءِ كُلِّهَا مَعَ الْقَتْلِ لَا يَجِبُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ.
وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ: إنَّ مَنَافِعَ الْأَعْضَاءِ تَبْطُلُ بِذَهَابِ الْعَقْلِ،
فَإِنَّ الْمَجْنُونَ تُضْمَنُ مَنَافِعُهُ وَأَعْضَاؤُهُ بَعْدَ ذَهَابِ عَقْلِهِ بِمَا تُضْمَنُ بِهِ مَنَافِعُ الصَّحِيحِ وَأَعْضَاؤُهُ،
وَلَوْ ذَهَبَتْ مَنَافِعُهُ وَأَعْضَاؤُهُ، لَمْ تُضْمَنْ، كَمَا لَا تُضْمَنُ مَنَافِعُ الْمَيِّتِ وَأَعْضَاؤُهُ،
وَإِذَا جَازَ أَنْ تُضْمَنَ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا بَعْدَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، جَازَ ضَمَانُهَا مَعَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِجِرَاحَةٍ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا.
[فَصْلٌ جَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ عَقْله وَسَمِعَهُ وَبَصَره وَكَلَامه] (٦٩٥٦) فَصْلٌ: فَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ، فَأَذْهَبَ عَقْلَهُ وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَكَلَامَهُ، وَجَبَ أَرْبَعُ دِيَاتٍ مَعَ أَرْشِ الْجُرْحِ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: رَمَى رَجُلٌ رَجُلًا بِحَجَرٍ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ وَبَصَرُهُ وَسَمْعُهُ وَلِسَانُهُ، فَقَضَى فِيهِ عُمَرُ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ وَهُوَ حَيٌّ. وَلِأَنَّهُ أَذْهَبَ مَنَافِعَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا دِيَةٌ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَاتُهَا، كَمَا لَوْ أَذْهَبَهَا بِجِنَايَاتٍ.
فَإِنْ مَاتَ مِنْ الْجِنَايَةِ، لَمْ تَجِبْ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ دِيَاتِ الْمَنَافِعِ كُلَّهَا تَدْخُلُ فِي دِيَةِ النَّفْسِ، كَدِيَاتِ الْأَعْضَاءِ.
[مَسْأَلَةٌ دِيَة صَعَّرَ الْوَجْه] (٦٩٥٧) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي الصَّعَرِ الدِّيَةُ، وَالصَّعَرُ: أَنْ يَضْرِبَهُ، فَيَصِيرَ وَجْهُهُ فِي جَانِبٍ) أَصْلُ الصَّعَرِ، دَاءٌ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ فِي عُنُقِهِ، فَيَلْتَوِي عُنُقُهُ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} . أَيْ: لَا تُعْرِضْ عَنْهُمْ بِوَجْهِك تَكَبُّرًا، كَإِمَالَةِ وَجْهِ الْبَعِيرِ الَّذِي بِهِ الصَّعَرُ،
فَمَنْ جَنَى عَلَى إنْسَانٍ جِنَايَةً، فَعَوِجَ عُنُقَهُ، حَتَّى صَارَ وَجْهُهُ فِي جَانِبٍ، فَعَلَيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ فِيهِ إلَّا حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهُ إذْهَابُ جَمَالٍ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ. وَلَنَا مَا رَوَى مَكْحُولٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ،
أَنَّهُ قَالَ: وَفِي الصَّعَرِ الدِّيَةُ. وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْجَمَالَ وَالْمَنْفَعَةَ، فَوَجَبَتْ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، كَسَائِرِ الْمَنَافِعِ. وَقَوْلُهُمْ: لَمْ يَذْهَبْ بِمَنْفَعَتِهِ. غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى النَّظَرِ أَمَامَهُ، وَاتِّقَاءِ مَا يَحْذَرُهُ إذَا مَشَى،
وَإِذَا نَابَهُ أَمْرٌ، أَوْ دَهَمَهُ عَدُوٌّ، لَمْ يُمْكِنْهُ الْعِلْمُ بِهِ، وَلَا اتِّقَاؤُهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ لَيُّ عُنُقِهِ لِيَعْرِفَ مَا يُرِيدُ نَظَرَهُ، وَيَتَعَرَّفَ مَا يَنْفَعُهُ وَيَضُرّهُ.
[فَصْلٌ جَنَى عَلَيْهِ فَصَارَ الِالْتِفَات عَلَيْهِ شَاقًّا أَوْ ابْتِلَاع الْمَاء أَوْ غَيْره] (٦٩٥٨) فَصْلٌ: فَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ، فَصَارَ الِالْتِفَاتُ عَلَيْهِ شَاقًّا، أَوْ ابْتِلَاعُ الْمَاءِ، أَوْ غَيْرُهُ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ بِالْمَنْفَعَةِ كُلِّهَا، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهَا.
وَإِنْ صَارَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ ازْدِرَادُ رِيقِهِ، فَهَذَا لَا يَكَادُ يَبْقَى،
فَإِنْ بَقِيَ مَعَ ذَلِكَ، فَفِيهِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّهُ تَفْوِيتُ مَنْفَعَةٍ لَيْسَ لَهَا مِثْلٌ فِي الْبَدَنِ.
[مَسْأَلَةٌ دِيَة الْيَد الشَّلَّاء] (٦٩٥٩) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ ثُلُثُ دِيَتِهَا، وَكَذَلِكَ الْعَيْنُ الْقَائِمَةُ، وَالسِّنُّ السَّوْدَاءُ) الْيَدُ الشَّلَّاء: الَّتِي ذَهَبَ مِنْهَا مَنْفَعَةُ الْبَطْشِ. وَالْعَيْنُ الْقَائِمَةُ: الَّتِي ذَهَبَ بَصَرُهَا وَصُورَتُهَا بَاقِيَةٌ كَصُورَةِ الصَّحِيحَةِ. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِمَا،
وَفِي السِّنِّ السَّوْدَاءِ، فَعَنْهُ، فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ ثُلُثُ دِيَتِهَا. رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَمُجَاهِدٍ. وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ مِائَةُ دِينَارٍ. وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ حُكُومَةٌ. وَهَذَا قَوْلُ مَسْرُوقٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَالنُّعْمَانِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ دِيَةٍ كَامِلَةٍ، لِكَوْنِهَا قَدْ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهَا، وَلَا مُقَدَّرَ فِيهَا، فَتَجِبُ الْحُكُومَةُ فِيهَا، كَالْيَدِ الزَّائِدَةِ. وَلَنَا، مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ:«قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ السَّادَّةِ لِمَكَانِهَا بِثُلُثِ الدِّيَةِ، وَفِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ إذَا قُطِعَتْ ثُلُثُ دِيَتِهَا، وَفِي السِّنِّ السَّوْدَاءِ إذَا قُلِعَتْ ثُلُثُ دِيَتِهَا.»
رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْعَيْنِ وَحْدَهَا مُخْتَصَرًا.
وَقَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْ خِلَاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْن يَعْمُرَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخِطَابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَضَى فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ إذَا خَسَفَتْ، وَالْيَدِ الشَّلَّاءِ إذَا قُطِعَتْ، وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ إذَا كُسِرَتْ، ثُلُثَ دِيَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ. وَلِأَنَّهَا كَامِلَةُ الصُّورَةِ، فَكَانَ فِيهَا مُقَدَّرٌ كَالصَّحِيحَةِ، وَقَوْلُهُمْ: لَا يُمْكِنُ إيجَابُ مُقَدَّرٍ. مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّا قَدْ ذَكَرْنَا التَّقْدِيرَ وَبَيَّنَّاهُ. (٦٩٦٠) فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: قَوْلُ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فِي السِّنِّ السَّوْدَاءِ، ثُلُثُ دِيَتِهَا.
مَحْمُولٌ عَلَى سِنٍّ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهَا، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَعَضَّ بِهَا الْأَشْيَاءَ، أَوْ كَانَتْ تَفَتَّتَتْ،
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ مَنْفَعَتُهَا بَاقِيَةً، وَلَمْ يَذْهَبْ مِنْهَا إلَّا لَوْنُهَا، فَفِيهَا كَمَالُ دِيَتِهَا، سَوَاءٌ قَلَّتْ مَنْفَعَتُهَا، بِأَنْ عَجَزَ عَنْ عَضِّ الْأَشْيَاءِ الصُّلْبَةِ بِهَا أَوْ لَمْ يَعْجِزْ؛ لِأَنَّهَا بَاقِيَةُ الْمَنْفَعَةِ، فَكَمَلَتْ دِيَتُهَا، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَلَيْسَ عَلَى مَنْ سَوَّدَهَا إلَّا حُكُومَةٌ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ مَا يُوَافِقُ ظَاهِرَ كَلَامِهِ؛ لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ، وَقَضَاءِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلِأَنَّهُ ذَهَبَ جَمَالُهَا بِتَسْوِيدِهَا، فَكَمَلَتْ دِيَتُهَا عَلَى مَنْ سَوَّدَهَا، كَمَا لَوْ سَوَّدَ وَجْهَهُ. وَلَمْ يَجِبْ عَلَى مُتْلِفِهَا أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ دِيَتِهَا كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَكَالسِّنِّ إذَا كَانَتْ بَيْضَاءَ فَانْقَلَعَتْ، وَنَبَتَ مَكَانَهَا سَوْدَاءُ، لِمَرَضٍ فِيهَا،
فَإِنَّ الْقَاضِيَ وَأَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ، سَلَّمُوا أَنَّهَا لَا تَكْمُلُ دِيَتُهَا.
[فَصْلٌ نَبَتَتْ أَسْنَان صَبِيّ سَوْدَاء ثُمَّ ثُغِرَ ثُمَّ عَادَتْ سَوْدَاء] (٦٩٦١) فَصْلٌ: فَإِنْ نَبَتَتْ أَسْنَانُ صَبِيٍّ سَوْدَاءَ ثُمَّ ثُغِرَ ثُمَّ عَادَتْ سَوْدَاءَ، فَدِيَتُهَا تَامَّةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا جِنْسٌ خُلِقَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، فَأَشْبَهَ مَنْ خُلِقَ أَسْوَدَ الْجِسْمِ وَالْوَجْهِ جَمِيعًا.
وَإِنْ نَبَتَتْ أَوَّلًا بَيْضَاءَ، ثُمَّ ثُغِرَ، ثُمَّ عَادَتْ سَوْدَاءَ، سُئِلَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ،
فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ السَّوَادُ لِعِلَّةٍ وَلَا مَرَضٍ، فَفِيهَا أَيْضًا كَمَالُ دِيَتِهَا،
وَإِنْ قَالُوا: ذَلِكَ لِمَرَضٍ فِيهَا. فَعَلَى قَالِعِهَا ثُلُثُ دِيَتِهَا، أَوْ حُكُومَةٌ. وَقَدْ سَلَّمَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فِيمَا خَالَفُوا فِيهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا كَانَتْ سَوْدَاءَ مِنْ ابْتِدَاءِ الْخِلْقَةِ هَكَذَا؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ قَدْ يَكُونُ فِي فِيهِ مِنْ ابْتِدَاءِ خِلْقَتِهِ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي بَعْضِ دِيَتِهَا، كَمَا لَوْ كَانَ طَارِئًا.
[فَصْلٌ دِيَة لِسَانِ الْأَخْرَس] فَصْل: وَفِي لِسَانِ الْأَخْرَسِ رِوَايَتَانِ أَيْضًا، كَالرِّوَايَتَيْنِ فِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ عُضْوٍ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ، وَبَقِيَتْ صُورَتُهُ، كَالرِّجْلِ الشَّلَّاءِ، وَالْإِصْبَعِ وَالذَّكَرِ إذَا كَانَ أَشَلَّ، وَذَكَرِ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ إذَا قُلْنَا: لَا تَكْمُلُ دِيَتُهُمَا. وَأَشْبَاهِ هَذَا، فَكُلُّهُ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا؛ فِيهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ. وَالْأُخْرَى، حُكُومَةٌ.
[فَصْلٌ دِيَة الْيَدِ أَوْ الرَّجُل أَوْ الْإِصْبَعِ أَوْ السِّنِّ الزَّوَائِدِ] (٦٩٦٣) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْيَدُ أَوْ الرِّجْلُ أَوْ الْإِصْبَعُ أَوْ السِّنُّ الزَّوَائِدُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا حُكُومَةٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا فِي مَعْنَى الْيَدِ الشَّلَّاءِ، فَتَكُونُ عَلَى قِيَاسِهَا، يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِي هَذَا، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمُقَدَّرِ،
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الْعُضْوِ الَّذِي ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ وَبَقِيَ جَمَالُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الزَّوَائِدَ لَا جَمَالَ فِيهَا، إنَّمَا هِيَ شَيْنٌ فِي الْخِلْقَةِ، وَعَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ، وَتَنْقُصُ بِهِ الْقِيمَةُ، فَكَيْفَ يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْجَمَالُ؟ ثُمَّ لَوْ حَصَلَ بِهِ جَمَالٌ مَا، لَكِنَّهُ يُخَالِفُ جَمَالَ الْعُضْوِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ تَمَامُ الْخِلْقَةِ، وَيَخْتَلِفُ فِي نَفْسِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَوَجَبَتْ فِيهِ الْحُكُومَةُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ فِيهِ شَيْءٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ دِيَة قَطَعَ الذَّكَرِ بَعْدَ حَشَفَته وَقَطَعَ الْكَفّ بَعْد أَصَابِعه] (٦٩٦٤) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي قَطْعِ الذَّكَرِ بَعْدَ حَشَفَتِهِ، وَقَطْعِ الْكَفِّ بَعْدَ أَصَابِعِهِ؛ فَرَوَى أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ، فِيهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ،
وَكَذَلِكَ شَحْمَةُ الْأُذُنِ. وَعَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ حُكُومَةٌ.
وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا، أَنَّ فِيهِ حُكُومَةً؛ لِعَدَمِ التَّقْدِيرِ فِيهِ، وَامْتِنَاعِ قِيَاسِهِ عَلَى مَا فِيهِ تَقْدِيرٌ، لِأَنَّ الْأَشَلَّ بَقِيَتْ صُورَتُهُ، وَهَذَا لَمْ تَبْقَ صُورَتُهُ، إنَّمَا بَقِيَ بَعْضُ مَا فِيهِ الدِّيَةُ، أَوْ أَصْلُ مَا فِيهِ الدِّيَةُ.
فَأَمَّا قَطْعُ الذِّرَاعِ بَعْدَ قَطْعِ الْكَفِّ، وَالسَّاقِ بَعْدَ قَطْعِ الْقَدَمِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الْحُكُومَةُ فِيهِ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ إيجَابَ ثُلُثِ دِيَةِ الْيَدِ فِيهِ، يُفْضِي إلَى أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ فِيهِ مَعَ بَقَاءِ الْكَفِّ وَالْقَدَمِ وَذَهَابِهِمَا وَاحِدًا، مَعَ تَفَاوُتِهِمَا وَعَدَمِ النَّصِّ فِيهِمَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.