وليس للأولياء أن يقسموا على أكثر من واحد.
الشروح عليها
قال: وليس للأولياء أن يقسموا على أكثر من واحد. ش: لا نزاع عندنا أن القسامة [عندنا] لا تشرع على أكثر من واحد، إذا كانت الدعوى موجبة للقصاص، اعتمادا على الحديث، وهو قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمته» وحذارا من أخذ أنفس بنفس واحدة، ببينة ضعيفة، وبيان ضعفها أن الحق هنا ثبت بقول المدعي مع يمينه، مع التهمة في حقه، وقيام العداوة المانعة من صحة شهادته على عدوه في حق لغيره، فما بالك في حق لنفسه، وفارق البينة، فإنها قوية بالعدد، وعدالة الشهود، وانتفاء التهمة في حقهم، لأنهم لا يثبتون لأنفسهم حقا، ولا عداوة بينهم وبين المشهود عليه، واختلف عن إمامنا هل تشرع القسامة على أكثر من واحد، إذا كانت الدعوى موجبة للدية؟
(فعنه) - وهو اختيار الخرقي، وأبي بكر والقاضي، وجماعة من أصحابه، الشريف، وأبي الخطاب، والشيرازي وابن البنا، وابن عقيل - لا تشرع، اقتصارا على مورد النص
(وعنه) تشرع، لأنها بمنزلة البينة في إثبات القود، فكذلك في القسامة على أكثر من واحد، وإنما تركنا ذلك فيما إذا كانت موجبة للقصاص، للمحذور السابق، وقد انتفى هنا، فعلى هذا هل يحلف كل واحد من المدعى عليهم خمسين يمينا، أو قسطه منها؟ على وجهين.
[كفارة القتل الخطأ]
[مَسْأَلَة لَيْسَ لِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَى أَكْثَرِ مِنْ وَاحِدٍ] (٧٠٤٠) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَيْسَ لِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ بِالْقَسَامَةِ أَكْثَرُ مِنْ قَتْلِ وَاحِدٍ. وَبِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُسْتَحَقُّ بِهَا قَتْلُ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْقَوَدِ، فَاسْتَوَى فِيهَا الْوَاحِدُ وَالْجَمَاعَةُ، كَالْبَيِّنَةِ. وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ أَبِي ثَوْرٍ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ» . فَخَصَّ بِهَا الْوَاحِدَ؛ وَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ ضَعِيفَةٌ، خُولِفَ بِهَا الْأَصْلُ فِي قَتْلِ الْوَاحِدِ، فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ، وَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ فِيمَا عَدَاهُ.
وَبَيَانُ مُخَالَفَةِ الْأَصْلِ بِهَا، أَنَّهَا تَثْبُتُ بِاللَّوْثِ، وَاللَّوْثُ شُبْهَةٌ مُغَلِّبَةٌ عَلَى الظَّنِّ صِدْقَ الْمُدَّعِي، وَالْقَوَدُ يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ، فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِهَا، وَلِأَنَّ الْأَيْمَانَ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى تَثْبُتُ ابْتِدَاءً فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ. وَبَيَانُ ضَعْفِهَا، أَنَّهَا تَثْبُتُ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي وَيَمِينِهِ، مَعَ التُّهْمَةِ فِي حَقِّهِ، وَالشَّكِّ فِي صِدْقِهِ، وَقِيَامِ الْعَدَاوَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ فِي إثْبَاتِ حَقٍّ لِغَيْرِهِ، فَلَأَنْ يُمْنَعَ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهِ وَحْدَهُ فِي إثْبَاتِ حَقِّهِ لِنَفْسِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَفَارَقَ الْبَيِّنَةَ، فَإِنَّهَا قَوِيَتْ بِالْعَدَدِ، وَعَدَالَةِ الشُّهُودِ، وَانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ فِي حَقِّهِمْ مِنْ الْجِهَتَيْنِ، فِي كَوْنِهِمْ لَا يُثْبِتُونَ لِأَنْفُسِهِمْ حَقًّا وَلَا نَفْعًا، وَلَا يَدْفَعُونَ عَنْهَا ضُرًّا، وَلَا عَدَاوَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا يَثْبُتُ بِهَا سَائِرُ الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ الَّتِي تَنْتَفِي بِالشُّبُهَاتِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا قَسَامَةَ فِيمَا لَا قَوَدَ فِيهِ، فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، فَيَطَّرِدُ قَوْلُهُ فِي أَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تُشْرَعُ إلَّا فِي حَقِّ وَاحِدٍ. وَعِنْدَ غَيْرِهِ أَنَّ الْقَسَامَةَ تَجْرِي فِيمَا لَا قَوَدَ فِيهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقْسِمُوا فِي هَذَا عَلَى جَمَاعَةٍ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. فَعَلَى هَذَا، إنْ ادَّعَى عَلَى اثْنَيْنِ، عَلَى أَحَدِهِمَا لَوْثٌ، حَلَفَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ اللَّوْثُ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الدِّيَةِ عَلَيْهِ، وَحَلَفَ الْآخَرُ يَمِينًا وَاحِدَةً، وَبُرِّئَ،
وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَإِنْ ادَّعَى عَلَى ثَلَاثَةٍ عَلَيْهِمْ لَوْثٌ، وَلَمْ يَحْضُرْ إلَّا وَاحِدٌ مِنْهُمْ، حَلَفَ عَلَى الْحَاضِرِ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَاسْتَحَقَّ ثُلُثَ الدِّيَةِ،
فَإِذَا حَضَرَ الثَّانِي: فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَحْلِفُ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا أَيْضًا، وَيَسْتَحِقُّ ثُلُثَ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَثْبُتُ عَلَى أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ إلَّا بِمَا يَثْبُتُ عَلَى الْآخَرِ، كَالْبَيِّنَةِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ الْكَامِلَةِ عَلَى الثَّانِي: كَإِقَامَتِهَا عَلَى الْأَوَّلِ.
وَالثَّانِي: يَحْلِفُ عَلَيْهِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ حَضَرَا مَعًا، لَحَلَفَ عَلَيْهِمَا خَمْسِينَ يَمِينًا، حِصَّةُ هَذَا مِنْهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ. وَهَذَا الْوَجْهُ ضَعِيفٌ؛
فَإِنَّ الْيَمِينَ لَا تُقْسَمُ عَلَيْهِمْ إذَا حَضَرُوا،
وَلَوْ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مُنْفَرِدٍ حِصَّتَهُ مِنْ الْأَيْمَانِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حَقٌّ، وَإِنَّمَا الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، وَتَتَنَاوَلُهُمْ تَنَاوُلًا وَاحِدًا، وَلِأَنَّهَا لَوْ قُسِمَتْ عَلَيْهِمْ بِالْحِصَصِ، لَوَجَبَ أَنْ لَا يُقْسَمَ عَلَى الْأَوَّلِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا،
وَكَذَلِكَ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ هُوَ حِصَّتُهُ مِنْ الْأَيْمَانِ، فَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ، لَا وَجْهَ لِحَلِفِهِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَمِينًا.
وَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا حَلَفَ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ وَحِصَّةِ الثَّالِثِ. فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ أَرْبَعَةً وَثَلَاثِينَ.
وَإِذَا قَدِمَ الثَّالِثُ: فَفِيهِ الْوَجْهَانِ؛ أَصَحُّهُمَا، يَحْلِفَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَيَسْتَحِقُّ ثُلُثَ الدِّيَةِ. وَالْآخَرُ، يَحْلِفُ سَبْعَةَ عَشَرَ يَمِينًا.
وَإِنْ حَضَرُوا جَمِيعًا، حَلَفَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَاسْتَحَقَّ الدِّيَةَ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا، وَهَذَا التَّفْرِيعُ يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ حُضُورِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقْتَ الْأَيْمَانِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا أُقِيمَتْ مُقَامَ الْبَيِّنَةِ، فَاشْتُرِطَ حُضُورُ مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ، كَالْبَيِّنَةِ.
وَكَذَلِكَ إنْ رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، اُشْتُرِطَ حُضُورُ الْمُدَّعِينَ وَقْتَ حَلِفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ، فَيُعْتَبَرُ رِضَاهُ بِهَا وَحُضُورُهُ، إلَّا أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا، فَيَقُومَ حُضُورُهُ مَقَامَ مُوَكِّلِهِ.
[فَصْلٌ قَالَ الْمُدَّعِي قَتَلَهُ هَذَا وَرَجُلٌ آخَرُ لَا أَعْرِفُهُ] (٧٠٤١) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: قَتَلَهُ هَذَا وَرَجُلٌ آخَرُ لَا أَعْرِفُهُ. وَكَانَ عَلَى الْمُعَيَّنِ لَوْثٌ، أَقْسَمَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الدِّيَةِ،
فَإِنْ تَعَيَّنَ لَهُ الْآخَرُ، حَلَفَ عَلَيْهِ، وَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الدِّيَةِ.
وَإِنْ قَالَ: قَتَلَهُ هَذَا، وَنَفَرٌ لَا أَعْلَمُ عَدَدَهُمْ. لَمْ تَجِبْ الْقَسَامَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَمْ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ.
[فَصْلٌ لَا تَسْمَع الدَّعْوَى إلَّا مُحَرَّرَةً] (٧٠٤٢) فَصْلٌ: وَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى إلَّا مُحَرَّرَةً، بِأَنْ يَقُولَ: أَدَّعِي أَنَّ هَذَا قَتَلَ وَلِيِّي فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ، عَمْدًا، أَوْ خَطَأً، أَوْ شِبْهَ الْعَمْدِ. وَيَصِفُ الْقَتْلَ،
فَإِنْ كَانَ عَمْدًا قَالَ: قَصَدَ إلَيْهِ بِسَيْفٍ، أَوْ بِمَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا.
فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى وَاحِدٍ، فَأَقَرَّ ثَبَتَ الْقَتْلُ،
وَإِنْ أَنْكَرَ وَثَمَّ بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بِهَا، وَإِلَّا صَارَ الْأَمْرُ إلَى الْأَيْمَانِ.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَقُولَ: قَتَلَهُ هَذَا، وَهَذَا تَعَمَّدَ قَتْلَهُ. وَيَصِفُ الْعَمْدَ بِصِفَتِهِ، فَيُقَالُ لَهُ: عَيِّنْ وَاحِدًا.
فَإِنَّ الْقَسَامَةَ الْمُوجِبَةَ لِلْقَوَدِ لَا تَكُونُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ. الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: تَعَمَّدَ هَذَا، وَهَذَا كَانَ خَاطِئًا، فَهُوَ يَدَّعِي قَتْلًا غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْقَوَدِ، فَيُقْسِمُ عَلَيْهِمَا، وَيَأْخُذُ نِصْفَ الدِّيَةِ مِنْ مَالِ الْعَامِدِ، وَنِصْفَهَا مِنْ عَاقِلَةِ الْمُخْطِئِ. الْحَالُ الثَّالِثُ؛ أَنْ يَقُولَ: عَمَدَ هَذَا، وَلَا أَدْرِي أَكَانَ قَتْلُ الثَّانِي عَمْدًا أَوْ خَطَأً؟ فَقِيلَ: لَا تَسُوغُ الْقَسَامَةُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ مُخْطِئًا، فَيَكُونَ مُوجَبُهَا الدِّيَةَ عَلَيْهِمَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَامِدًا، فَلَا تَسُوغُ الْقَسَامَةُ عَلَيْهِمَا،
وَيَجِبُ تَعْيِينُ وَاحِدٍ، وَالْقَسَامَةُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مُوجَبُهَا الْقَوَدَ، فَلَمْ تَجُزْ الْقَسَامَةُ مَعَ هَذَا.
فَإِنْ عَادَ فَقَالَ: عَلِمْت أَنَّ الْآخَرَ كَانَ عَامِدًا. فَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَ وَاحِدًا، وَيُقْسِمَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قَالَ: كَانَ مُخْطِئًا. ثَبَتَتْ الْقَسَامَةُ حِينَئِذٍ، وَيُسْأَلُ،
فَإِنْ أَنْكَرَ، ثَبَتَتْ الْقَسَامَةُ. وَإِنْ أَقَرَّ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ لَا بِالْقَسَامَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ اعْتِرَافًا. الْحَالُ الرَّابِعُ، أَنْ يَقُولَ: قَتَلَاهُ خَطَأً، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، أَوْ أَحَدُهُمَا خَاطِئٌ، وَالْآخَرُ شِبْهُ الْعَمْدِ. فَلَهُ أَنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِمَا.
فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ عَمْدًا، فَسُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ الْعَمْدِ، فَفَسَّرَهُ بِعَمْدِ الْخَطَإِ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ، وَأَقْسَمَ عَلَى مَا فَسَّرَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ فِي وَصْفِ الْقَتْلِ بِالْعَمْدِيَّةِ. وَنَقْلَ الْمُزَنِيّ، عَنْ الشَّافِعِيِّ: لَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِدَعْوَى الْعَمْدِ بَرَّأَ الْعَاقِلَةَ، فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُوجِبُ عَلَيْهِمْ الْمَالَ.
وَلَنَا، أَنَّ دَعْوَاهُ قَدْ تَحَرَّرَتْ، وَإِنَّمَا غَلِطَ فِي تَسْمِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ عَمْدًا، وَهَذَا مِمَّا يَشْتَبِهُ، فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ.
وَلَوْ أَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ قَبْلَ تَحْرِيرِ الدَّعْوَى وَتَبَيُّنِ نَوْعِ الْقَتْلِ، لَمْ يُعْتَدَّ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى لَا تُسْمَعُ غَيْرَ مُحَرَّرَةٍ، فَكَأَنَّهُ حَلَّفَهُ قَبْلَ الدَّعْوَى، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يُحَلِّفُهُ لِيُوجِبَ لَهُ مَا يَسْتَحِقُّهُ،
فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا يَسْتَحِقُّهُ بِدَعْوَاهُ، لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ بِالْيَمِينِ، فَلَمْ يَصِحَّ.
[فَصْلٌ لِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَى الْقَاتِلِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُ قَتَلَهُ] (٧٠٤٣) فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ لِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَى الْقَاتِلِ، إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُ قَتَلَهُ،
وَإِنْ كَانُوا غَائِبِينَ عَنْ مَكَانِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْأَنْصَارِ:«تَحْلِفُونَ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» . وَكَانُوا بِالْمَدِينَةِ، وَالْقَتْلُ بِخَيْبَرَ. وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَحْلِفُ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، كَمَا أَنَّ مَنْ اشْتَرَى مِنْ إنْسَانٍ شَيْئًا، فَجَاءَ آخَرُ يَدَّعِيهِ، جَازَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مِلْكُ الَّذِي بَاعَهُ،
وَكَذَلِكَ إذَا وَجَدَ شَيْئًا بِخَطِّهِ أَوْ خَطِّ أَبِيهِ وَدَفْتَرِهِ، جَازَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ،
وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَ شَيْئًا لَمْ يَعْلَمْ فِيهِ عَيْبًا، فَادَّعَى عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَعِيبٌ، وَأَرَادَ رَدَّهُ، كَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ بَاعَهُ بَرِيئًا مِنْ الْعَيْبِ.
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعِي إلَّا بَعْدَ الِاسْتِثْبَاتِ، وَغَلَبَةِ ظَنٍّ يُقَارِبُ الْيَقِينَ، وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: اتَّقُوا اللَّهَ، وَاسْتَثْبِتُوا. وَيَعِظَهُمْ، وَيُحَذِّرَهُمْ، وَيَقْرَأَ عَلَيْهِمْ:{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا} . وَيُعَرِّفَهُمْ مَا فِي الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، وَظُلْمِ الْبَرِيءِ، وَقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَيُعَرِّفَهُمْ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ. وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
[فَصْلٌ اسْتِظْهَار أَلْفَاظ الْيَمِين فِي الْقَسَامَة تَأْكِيدًا] (٧٠٤٤) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَظْهِرَ فِي أَلْفَاظِ الْيَمِينِ فِي الْقَسَامَةِ تَأْكِيدًا، فَيَقُولَ: وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالَمِ خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورِ.
فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظَةِ: وَاَللَّهِ. كَفَى، أَوْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ، أَوْ بِاَللَّهِ، أَوْ تَاللَّهِ. بِالْجَرِّ كَمَا تَقْتَضِيهِ الْعَرَبِيَّةُ.
فَإِنْ قَالَهُ مَضْمُومًا، أَوْ مَنْصُوبًا، فَقَدْ لَحَنَ. قَالَ الْقَاضِي: وَيُجْزِئُهُ تَعَمَّدَهُ أَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ؛ لِأَنَّهُ لَحْنٌ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَمَا زَادَ عَلَى هَذَا تَأْكِيدٌ، وَيَقُولُ: لَقَدْ قَتَلَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ وَيُشِيرُ إلَيْهِ فُلَانًا ابْنِي، أَوْ أَخِي، مُنْفَرِدًا بِقَتْلِهِ، مَا شَرَكَهُ غَيْرُهُ.
وَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ قَالَ: مُنْفَرِدَيْنِ، مَا شَرَكَهُمَا غَيْرُهُمَا. ثُمَّ يَقُولُ: عَمْدًا أَوْ خَطَأً. وَبِأَيِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، حَلَفَ، أَجْزَأَ، إذَا كَانَ إطْلَاقُهُ يَنْصَرِفُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَيَقُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْيَمِينِ: وَاَللَّهِ مَا قَتَلْتُهُ، وَلَا شَارَكْت فِي قَتْلِهِ، وَلَا أَحْدَثْت شَيْئًا مَاتَ مِنْهُ، وَلَا كَانَ سَبَبًا فِي مَوْتِهِ، وَلَا مُعِينًا عَلَى مَوْتِهِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.