وإذا قال له: يا لوطي، سئل عما أراد،
الشروح عليها
قال: وإذا قال له: يا لوطي، سئل عما أراد، فإذا قال: أردت أنك من قوم لوط، فلا شيء عليه، وإن قال: أردت أنك تعمل عمل قوم لوط، فهو كمن قذف بالزنا. ش: إذا قال له: يا لوطي، فعند الخرقي - وهو إحدى الروايتين عن أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن هذا ليس بصريح في القذف، لاحتماله له ولغيره، إذ يحتمل أنه منهم أي ينسب إليهم.
وإذا احتمل واحتمل، والحد يدرأ بالشبهة، مع أن الأصل براءة الذمة، لم يحكم بأنه صريح، وعند ذلك يسأل عما أراد،
فإن فسره بما لا يوجب الحد، كما إذا قال: أردت أنك من قوم لوط، أي تنسب إليهم، فلا حد عليه، لأنه فسر كلامه بما يحتمله مما لا يوجب حدا،
وإن فسره بما يوجب الحد، كما إذا قال: أردت أنك تأتي الذكران؛ وجب الحد عندنا بلا ريب، لوجوب حد الزنا على فاعل ذلك كما تقدم، وهذا هو الضابط، وهو أن كل ما وجب حد الزنا بفعله، وجب الحد بالقذف به، وما لا، فلا،
ومن ثم خرج الخلاف إذا قذفه بإتيان بهيمة، انتهى.
وكذلك إن فسره بما يشمل الوطء وغيره، كقوله: أردت أنك تعمل عمل قوم لوط؛ لأن من أشهر أعمالهم إتيان الذكران.
(وعن أحمد) لا يقبل تفسيره في حال الغضب، لأن القرينة تكذبه، والمنصوص عن أحمد في رواية الجماعة - وعليه عامة الأصحاب - أن ذلك صريح في القذف، فلا يقبل قوله بما يحيله، لأن هذا اللفظ إذا أطلق لا يكاد يفهم منه إلا إتيان الذكران، وإرادة الانتساب إلى قوم لوط بعيدة جدا؛ إذ الظاهر أو القطع بأنهم لم يبق منهم أحد، والاحتمال البعيد وجوده كعدمه،
ومن ثم بعد الشيخان قول الخرقي، فعلى هذا إذا قال: أردت أنك تعمل عمل قوم لوط غير إتيان الذكران، فهل يقبل منه، نظرا إلى أنه من باب إطلاق العام، وإرادة الخاص، وهو سائغ كثيرا، أو لا يقبل، لمخالفته الظاهر؟ فيه وجهان.
أما على قول الخرقي فيقبل منه بطريق الأولى، لأنه إذا قبل منه صرف اللفظ عن مقتضاه عرفا، فلأن يقبل منه إطلاق العام وإرادة الخاص أولى، هذا هو التحقيق، تبعا لأبي البركات. وأبو محمد في مغنيه يبني الوجهين على روايتي الصراحة وعدمها،
فإن قلنا صريح لم يقبل، وإلا قبل، والله أعلم.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ لَهُ يَا لُوطِيُّ] [الْفَصْلُ الْأَوَّل قَذف رَجُلًا بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ] (٧٢١٧) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قَالَ لَهُ: يَا لُوطِيُّ. سُئِلَ عَمَّا أَرَادَ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنَّك مِنْ قَوْمِ لُوطٍ. فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ أَرَدْت أَنَّك تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَهُوَ كَمَنْ قَذَفَ بِالزِّنَا) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَصْلَانِ (٧٢١٨) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ مَنْ قَذَفَ رَجُلًا بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ،
إمَّا فَاعِلًا وَإِمَّا مَفْعُولًا، فَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ بِمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ عِنْدَهُ، وَعِنْدَنَا هُوَ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا مَضَى.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَذَفَ امْرَأَةً أَنَّهَا وُطِئَتْ فِي دُبُرِهَا، أَوْ قَذَفَ رَجُلًا بِوَطْءِ امْرَأَةٍ فِي دُبُرِهَا، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَمَبْنَى الْخِلَافِ هَاهُنَا عَلَى الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ حَدِّ الزِّنَا عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ،
فَأَمَّا إنْ قَذَفَهُ بِإِتْيَانِ بَهِيمَةٍ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى فَاعِلِهِ،
فَمَنْ أَوْجَبَ الْحَدَّ عَلَى فَاعِلِهِ، أَوْجَبَ حَدَّ الْقَذْفِ عَلَى الْقَاذِفِ بِهِ،
وَمَنْ لَا فَلَا. وَكُلُّ مَا لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِفِعْلِهِ، لَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْقَاذِفِ بِهِ، كَمَا لَوْ قَذَفَ إنْسَانًا بِالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ بِالْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ، أَوْ قَذَفَ امْرَأَةً بِالْمُسَاحَقَةِ، أَوْ بِالْوَطْءِ مُسْتَكْرَهَةً، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عَلَى الْقَاذِفِ؛ وَلِأَنَّهُ رَمَاهُ بِمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَذَفَهُ بِاللَّمْسِ وَالنَّظَرِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: يَا كَافِرُ، يَا فَاسِقُ، يَا سَارِقُ، يَا مُنَافِقُ، يَا فَاجِرُ، يَا خَبِيثُ، يَا أَعْوَرُ، يَا أَقْطَعُ، يَا أَعْمَى ابْنَ الزَّمَنِ الْأَعْمَى الْأَعْرَجِ. فَلَا حَدَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ قَذْفٌ بِمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، فَلَمْ يُوجِبْ الْحَدَّ، كَمَا لَوْ قَالَ يَا كَاذِبُ. يَا نَمَّامُ. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ؛ لِسَبِّ النَّاسِ وَأَذَاهُمْ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَذَفَ مَنْ لَا يُوجِبُ قَذْفُهُ الْحَدَّ.
[الْفَصْلُ الثَّانِي قَالَ أَرَدْت أَنَّك مِنْ قَوْمِ لُوطٍ بَعْدَمَا قَالَ لَهُ يَا لُوطِيُّ] (٧٢١٩) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَرَدْت أَنَّك مِنْ قَوْمِ لُوطٍ. فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ؛ فَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، بِقَوْلِهِ: يَا لُوطِيُّ. وَلَا يُسْمَعُ تَفْسِيرُهُ بِمَا يُحِيلُ الْقَذْفَ. وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَنَحْوُهُ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ. نَقَلَهَا الْمَرُّوذِيُّ. وَنَحْوُ هَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ. قَالَ الْحَسَنُ: إذَا قَالَ: نَوَيْت أَنَّ دِينَهُ دِينُ لُوطٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَإِنْ: قَالَ أَرَدْت أَنَّك تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ. فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. وَوَجْهُ ذَلِكَ، أَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَدٌّ، كَمَا لَوْ فَسَّرَهُ بِهِ مُتَّصِلًا بِكَلَامِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي غَضَبٍ، قَالَ: إنَّهُ لَأَهْلٌ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ الْغَضَبِ تَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْقَذْفِ.
بِخِلَافِ حَالِ الرِّضَا. وَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ الرِّوَايَةُ الْأُولَى؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لَا يُفْهَمُ مِنْهَا إلَّا الْقَذْفُ بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ، فَكَانَتْ صَرِيحَةً فِيهِ، كَقَوْلِهِ: يَا زَانِي. وَلِأَنَّ قَوْمَ لُوطٍ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمْ.
(٧٢٢٠) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنَّك عَلَى دِينِ لُوطٍ، أَوْ أَنَّك تُحِبُّ الصِّبْيَانَ، أَوْ تُقَبِّلَهُمْ، أَوْ تَنْظُرُ إلَيْهِمْ، أَوْ أَنَّك تَتَخَلَّقُ بِأَخْلَاقِ قَوْمِ لُوطٍ فِي أَنْدِيَتِهِمْ، غَيْرَ إتْيَانِ الْفَاحِشَةِ، أَوْ أَنَّك تَنْهَى عَنْ الْفَاحِشَةِ كَنَهْيِ لُوطٍ عَنْهَا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، خُرِّجَ فِي هَذَا كُلِّهِ وَجْهَانِ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الْمَنْصُوصَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَاهُ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.