فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ١٬٦١٣مختصر الخرقيالحنابلةج ٦ ص ٣٢٥ج ٦ ص ٣٢٥

وإذا سرق ربع دينار من العين، أو ثلاثة دراهم من الورق، أو قيمة ثلاثة دراهم طعاما كان أو غيره، وأخرجه من الحرز قطع. إلا أن يكون المسروق ثمرا أو كثرا فلا قطع فيه.

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

كتاب القطع في السرقة]

ش: وهو مشروع بشهادة النص والإجماع، قال الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: ٣٨] .

٣١٥٧ - وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا» والله أعلم.

[مقدار النصاب في السرقة] قال: وإذا سرق ربع دينار من العين، أو ثلاثة دراهم من الورق، أو قيمة ثلاثة دراهم طعاما كان أو غيره، وأخرجه من الحرز قطع. ش: لا نزاع عندنا أن القطع لا يكون إلا في نصاب، فلا قطع في القليل.

٣١٥٨ - لما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا» .

٦٬٣٥٥

وفي رواية قالت: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا» متفق عليهما. .

٦٬٣٥٦

وفي رواية قال: « «اقطعوا في ربع الدينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك» ، وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثنا عشر درهما. رواه أحمد، وهذا يقيد إطلاق الآية الكريمة.

٣١٥٩ - ويصرف قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الصحيح: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده» عن ظاهره، أن المراد بذلك ما يساوي ثلاثة دراهم.

٣١٦٠ - ففي الحديث قال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد، وأن من الحبال ما يساوي دراهم. وهذا نقل للإجماع، أو قول قريب منه، أو أن المراد البيضة والحبل على ظاهرهما، وأن ذلك وسيلة إلى القطع، لأنه إذا سرق التافه تدرج إلى ما هو أعلى منه، إلى أن يسرق نصابا فيقطع.

واختلف عن إمامنا - رَحِمَهُ اللَّهُ - في قدر النصاب، ولا نزاع عندنا أن الفضة أصل في القطع وفي التقويم، وأن أقل نصابها ثلاثة دراهم.

٣١٦١ - لما روى عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قطع يد السارق في مجن قيمته ثلاثة دراهم. وفي رواية: ثمنه ثلاثة دراهم» . رواه الجماعة. والأصل عدم القطع فيما دون ذلك، إذ قد علم أن إطلاق الآية الكريمة ليس بمراد.

٣١٦٢ - وعن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: إن سارقا سرق في زمن عثمان أترجة، فأمر بها عثمان أن تقوم، فقومت بثلاثة دراهم، من صرف اثني عشر درهما بدينار، فقطع عثمان يده. . رواه مالك في الموطأ، وهذا ظاهر في أن التقويم حصل بهما.

واختلف عن أحمد في المذهب: هل هو أصل في القطع بنفسه؟

(فعنه) : نعم، وهو المذهب، لحديث عائشة المتقدم.

(وعنه) : لا، ولعل ذلك يحتج له برواية أحمد في حديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - المتقدم: وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، فعلى هذه يقوم بالدراهم، فما يساوي منه ثلاثة دراهم قطع به، وإن لم يبلغ ربع الدينار، [وما لم يساو ثلاثة دراهم لم يقطع به، وإن بلغ ربع دينار] ، (وعلى المذهب) أقله ربع دينار، فلو كان دونه وساوى ثلاثة دراهم لم يقطع، لعموم حديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «لا قطع إلا في ربع دينار» ، ثم على هذا هل هو أصل في التقويم، وهو اختيار ابن عقيل في تذكرته، وأبي محمد في كافيه، لأنه أحد النقدين، فكان التقويم به كالأجزاء، وأن ما كان أصلا في القطع، كان أصلا في التقويم كالأجزاء، أو ليس بأصل في التقويم، وإنما الأصل الدراهم، وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار أكثر الأصحاب، القاضي والشيرازي، والشريف وأبي الخطاب في خلافيهما، وابن البنا؛ لأن التقويم في حديث ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - حصل بها، وكذلك عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قوم بها؟ على روايتين؛ فعلى الأولى متى بلغت قيمة المسروق أدنى النصابين قطع.

وعلى الثانية الاعتبار بالدراهم فقط؛ وسواء كان المسروق طعاما أو غيره، بعد أن يكون مالا، لما تقدم عن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولما سيأتي إن شاء الله تعالى في حديث الثمر. وإنما يجب القطع إذا أخرج ذلك من حرز مثله.

٣١٦٣ - لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: «سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الثمر المعلق، فقال: «من أصاب منه بفيه من ذي حاجة، غير متخذ خبنة؛ فلا شيء عليه» . رواه الترمذي والنسائي، وأبو داود، وزاد: «ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن؛ فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة» ، وللنسائي في رواية قال: «سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: في كم تقطع اليد؟ قال: «لا تقطع في تمر معلق، فإذا ضمه الجرين قطعت في ثمن المجن، ولا تقطع في حريسة الجبل، فإذا ضمها المراح قطعت» » .

٣١٦٤ - وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين المكي، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا قطع في تمر معلق، ولا في حريسة جبل، فإذا آواه المراح أو الجرين، فالقطع فيما بلغ ثمن المجن» رواه مالك في الموطأ، فنفى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - القطع في التمر المعلق، وفي حريسة الجبل، لعدم الحرز فيهما، وأوجب القطع فيما ضمه الجرين أو المراح، لوجود الحرز فيهما، والأحراز تختلف باختلاف الأموال، وبيان ذلك له محل آخر.

هذا بيان كلام الخرقي مجملا، أما بيانه مفصلا فقوله: وإذا سرق، يخرج منه المنتهب والمختلس، والغاصب والخائن، فلا قطع على واحد منهم. ٣١٦٥ - لما روى جابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع» رواه الخمسة وصححه الترمذي؛ ولأن الله ورسوله إنما أوجب القطع على السارق، وهؤلاء ليسوا بسارقين، ويخرج منه أيضا جاحد العارية، وهو إحدى الروايتين، واختيار ابن شاقلا، وأبي الخطاب في الهداية، وأبي محمد، لما تقدم من أن الشارع إنما أوجب القطع على السارق، وجاحد العارية ليس بسارق، ولدخوله في الخائن، وقد أسقط عنه الشارع القطع.

(والرواية الثانية) وهي أشهرهما، وبها قطع القاضي في جامعه، وأبو الخطاب والشريف في خلافيهما، وابن البنا وغيرهم: يقطع.

٣١٦٦ - لما «روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: كانت مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقطع يدها، فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلموه، فكلم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيها، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يا أسامة ألا أراك تشفع في حد من حدود الله عز وجل» ، ثم قام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خطيبا فقال: «إنما هلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها» رواه مسلم وغيره.

وفي رواية قالت: «استعارت امرأة - تعني حليا - على ألسنة أناس يعرفون ولا تعرف هي، فباعته، فأخذت، فأتي بها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأمر بقطع يدها، وهي التي شفع فيها أسامة بن زيد، وقال فيها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما قال» . . . رواه أبو داود والنسائي.

٣١٦٧ - وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن امرأة مخزومية كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بها فقطعت يدها» . . رواه أبو داود والنسائي وقال فيه: «كانت تستعير متاعا على ألسنة جاراتها وتجحده، وفي رواية: كانت تستعير الحلي للناس وتمسكه، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لتتب هذه إلى الله ورسوله، وترد ما تأخذ على القوم» ثم قال: «قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها» ، وهذه الألفاظ منها ما هو ظاهر، ومنها ما هو صريح في أن القطع كان لجحد العارية، وتسميتها سارقة في الصحيح؛ دليل على أن جاحد العارية يسمى سارقا، والاعتبار بالتسمية الشرعية. اهـ.

ويخرج من كلامه أيضا الطرار، وهو الذي يبط الجيب أو غيره، ويأخذ منه، وهذا أيضا إحدى الروايتين.

(والثانية) : يقطع، وإليها ميل أبي محمد، وبني القاضي في روايتيه الخلاف على أن الجيب والكم هل هما حرز مطلقا، أو بشرط أن يقبض على كمه، ويزر جيبه، ونحو ذلك.

وقوله: ربع دينار من العين، أو ثلاثة دراهم من الورق؛ ظاهره أن يكون ذلك خالصا من الغش، أما إن كان فيه غش، فلا قطع حتى يبلغ ما فيه نصابا، وهل يكفي وزن التبر منهما، أو تعتبر قيمته بالمضروب؟ فيه وجهان، المذهب منهما الأول.

وقوله: أو قيمة ثلاثة دراهم، قد تقدم أن من مذهب الخرقي أن الذهب أصل في القطع، وليس بأصل في التقويم، ثم إن أبا محمد قال: إذا قومنا بذلك قومنا بالمضروب، لأن الإطلاق إنما ينصرف إليها دون المكسرة.

وقوله: طعاما كان أو غيره. قد تقدم أنه يشترط أن يكون مالا، ليخرج الحر، ولا نزاع في ذلك في غير النائم والمجنون، أما فيهما فروايتان، ويدخل في ذلك العبد، بشرط أن يكون صغيرا أو نائما، أو مجنونا، أو أعجميا لا يميز بين سيده وبين غيره. وقد استثني من ذلك ما لا يتمول عادة كالماء ونحوه، والمحرم كالصليب ونحوه، والتابع لغيره كإناء الخمر ونحوه، على خلاف في الجميع، واستقصاء ذلك له محل آخر.

وقوله: وأخرجه من الحرز، مفهومه أنه لو أتلفه في الحرز، أو أكله أنه لا قطع عليه، وهو كذلك، نعم لو ابتلع جوهرا ونحوه وخرج به ففي القطع ثلاثة أوجه، ثالثها: إن خرج قطع وإلا فلا.

وقوله: وأخرجه، سواء أخرجه بنفسه، أو كان الإخراج ينسب إليه، كأن تركه في ماء فخرج به، أو على دابة فخرجت به، أو دفعه لمجنون فأخرجه، ونحو ذلك، ومقتضى كلامه أن الإخراج يترتب الحكم عليه، ولو ملكه بعد ذلك بهبة أو غيرها وهو كذلك.

(تنبيه) : «الخبنة» ما تحمله في حضنك، وقيل: هو ما تأخذه في خبنة ثوبك، وهو ذيله وأسفله.

«والجرين» : موضع التمر الذي يجفف فيه، مثل البيدر للحنطة.

«والمجن» : الترس.

«وحريسة الجبل» : فعيلة بمعنى مفعولة، أي ليس فيما يحرس بالجبل إذا سرق قطع، لأنه ليس بموضع حرز.

«والمراح» بضم الميم: الموضع الذي تأوي إليه الماشية ليلا.

«والخائن» : اسم فاعل من خان، وهو يشمل الخيانة في الوديعة وفي غيرها.

«والمنتهب» : اسم فاعل من انتهب الشيء استلبه ولم يختلسه.

«والمختلس» : اسم فاعل من اختلس الشيء اختطفه. قاله ابن فارس.

«والسرقة» : فسرها أبو محمد بأنها أخذ المال في وجه الخفية والاستتار، قال: ومنه استراق السمع، وقال: إن الاختلاس نوع من الخطف والنهب، وإنما المختلس يختفي في ابتداء اختلاسه، بخلاف السارق، والله أعلم.

[ما لا قطع فيه في السرقة] قال: إلا أن يكون المسروق ثمرا أو كثرا فلا قطع فيه. ش: الكثر جمار النخل، وهذا الاستثناء من قوله: طعاما كان أو غيره. أو من قوله: وأخرجه من الحرز، لأنه إذا كان في بستان محوط، وأخرجه منه، يتوهم أنه محرز، فلذلك استثناه، والأصل في عدم القطع بذلك حديث عمرو بن شعيب، المتقدم.

٣١٦٨ - وعن رافع بن خديج - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لا قطع في ثمر ولا كثر» رواه الترمذي والنسائي، وأبو داود. وقد علم مما تقدم أنه لا فرق بين أن يكون ذلك في بستان محوط أو غيره، واستثنى من ذلك أبو محمد ما إذا كانت النخلة أو الشجرة في دار محرزة، فسرق منها نصابا، فإن عليه القطع.

(تنبيه) : ويغرم ذلك بمثليه للخبر، ثم إن بعض الأصحاب اقتصر على ذلك.

وحكى أبو محمد عن الأصحاب أنهم عدوا ذلك إلى الماشية تسرق من المرعى، إذا لم تكن محرزة، واقتصروا على ذلك، لما تقدم من حديث عمرو بن شعيب في حريسة الجبل، وكذلك الحديث الذي في الموطأ، وأن أبا بكر عدى ذلك إلى كل ما سرق من غير حرز، أنه يغرم بمثليه.

وحكى أبو البركات ذلك نصا، قياسا على ما تقدم في حديث عمرو بن شعيب. ٣١٦٩ - وعن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أن رقيقا لحاطب سرقوا ناقة لرجل من مزينة فانتحروها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم، ثم قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أراك تجيعهم، ثم قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: والله لأغرمنك غرما يشق عليك، ثم قال للمزني: كم ثمن ناقتك؟ فقال المزني: كنت والله أمنعها من أربعمائة درهم؛ فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أعطه ثمان مائة درهم. . . رواه مالك في الموطأ، واحتج به أحمد، فأوجب غرامة مثليها، لما أسقط القطع، ومقتضى هذا الحديث، وكذلك مقتضى حديث عمرو بن شعيب أن المسروق متى فات القطع فيه، إما لعدم حرزه، أو عدم بلوغه نصابا، أو لشبهة ونحو ذلك؛ أنه يغرم بمثليه، وهذا مقتضى احتجاج أحمد، وإذا يتلخص في المسألة أربعة أقوال، هل يختص غرامة المثلين بالثمر والكثر، أو بهما وبالماشية، أو بكل ما سرق من غير حرز، أو يتعدى ذلك لكل ما سقط فيه القطع، وهو أظهر، ثم هل يجب مع غرامة المثلين تعزير؟ أوجبه ابن عقيل في تذكرته، وأكثر الأصحاب لم يذكروا ذلك. [محل القطع وكيفيته في السرقة]

المغنيابن قدامة

(وَإِذَا سَرَقَ رُبْعَ دِينَارٍ مِنْ الْعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ مِنْ الْوَرِقِ، أَوْ قِيمَةَ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ الْحِرْزِ، قُطِعَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْقَطْعِ لَا يَجِبُ إلَّا بِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ؛ أَحَدُهَا: السَّرِقَةُ، وَمَعْنَى السَّرِقَةِ: أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الْخِفْيَةِ وَالِاسْتِتَارِ. وَمِنْهُ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ، وَمُسَارَقَةُ النَّظَرِ، إذَا كَانَ يَسْتَخْفِي بِذَلِكَ،

٣٦٬٩٨٤

فَإِنْ اخْتَطَفَ أَوْ اخْتَلَسَ، لَمْ يَكُنْ سَارِقًا، وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَحَدٍ عَلِمْنَاهُ غَيْرَ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: أَقْطَعُ الْمُخْتَلِسَ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَخْفِي بِأَخْذِهِ، فَيَكُونُ سَارِقًا، وَأَهْلُ الْفِقْهِ وَالْفَتْوَى مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى خِلَافِهِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«لَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ وَلَا الْمُخْتَلِسِ قَطْعٌ» . وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد.

٣٦٬٩٨٥

وَقَالَ: لَمْ يَسْمَعْهُمَا ابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ. وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ قَطْعُ السَّارِقِ، وَهَذَا غَيْرُ سَارِقٍ؛ وَلِأَنَّ الِاخْتِلَاسَ نَوْعٌ مِنْ الْخَطْفِ وَالنَّهْبِ، وَإِنَّمَا يَسْتَخْفِي فِي ابْتِدَاءِ اخْتِلَاسِهِ،

٣٦٬٩٨٦

بِخِلَافِ السَّارِقِ. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي جَاحِدِ الْعَارِيَّةِ، فَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْقَطْعُ. وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَطْعِ يَدِهَا، فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا أَرَاك تُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى. ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطِيبًا، فَقَالَ: إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِأَنَّهُ إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَطَعْت يَدَهَا. قَالَتْ: فَقَطَعَ يَدَهَا» .

قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْرِفُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،

٣٦٬٩٨٧

وَعَنْهُ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ، وَأَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا قَطْعَ عَلَى الْخَائِنِ» .

وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ قَطْعُ السَّارِقِ، وَالْجَاحِدُ غَيْرُ سَارِقٍ، وَإِنَّمَا هُوَ خَائِنٌ، فَأَشْبَهَ جَاحِدَ الْوَدِيعَةِ، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ إنَّمَا قُطِعَتْ لِسَرِقَتِهَا، لَا بِجَحْدِهَا، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ:«إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ» . وَقَوْلَهُ:«وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، لَقَطَعْت يَدَهَا» .

٣٦٬٩٨٨

وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ رِوَايَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، وَذَكَرَتْ الْقِصَّةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

٣٦٬٩٨٩

وَفِي حَدِيثٍ أَنَّهَا سَرَقَتْ قَطِيفَةً، فَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ:«لَمَّا سَرَقَتْ الْمَرْأَةُ تِلْكَ الْقَطِيفَةَ مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْظَمْنَا ذَلِكَ، وَكَانَتْ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ، فَجِئْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْنَا: نَحْنُ نَفْدِيهَا بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً. قَالَ: تُطَهَّرَ خَيْرٌ لَهَا. فَلَمَّا سَمِعْنَا لِينَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ، أَتَيْنَا أُسَامَةَ، فَقُلْنَا: كَلِّمْ لَنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.»

وَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَ سِيَاقِ عَائِشَةَ. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّهَا سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ بِسَرِقَتِهَا، وَإِنَّمَا عَرَّفَتْهَا عَائِشَةُ بِجَحْدِهَا لِلْعَارِيَّةِ؛ لِكَوْنِهَا مَشْهُورَةً بِذَلِكَ،

٣٦٬٩٩٠

وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا، كَمَا لَوْ عَرَّفَتْهَا بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهَا، وَفِيمَا ذَكَرْنَا جَمْعٌ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَمُوَافَقَةٌ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ وَالْقِيَاسِ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، فَيَكُونُ أَوْلَى.

٣٦٬٩٩١

فَأَمَّا جَاحِدُ الْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَمَانَاتِ، فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَقُولُ بِوُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَيْهِ.

الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ نِصَابًا، وَلَا قَطْعَ فِي الْقَلِيلِ، فِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ كُلِّهِمْ، إلَّا الْحَسَنَ، وَدَاوُد، وَابْنَ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ، وَالْخَوَارِجَ، قَالُوا: يُقْطَعُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ،

تعليق

وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ سَارِقٌ مِنْ حِرْزٍ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ، كَسَارِقِ الْكَثِيرِ.

وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ. وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ، وَالْحَبْلُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُسَاوِيَ ذَلِكَ،

٣٦٬٩٩٢

وَكَذَلِكَ الْبَيْضَةُ، يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا بَيْضَةُ السِّلَاحِ، وَهِيَ تُسَاوِي ذَلِكَ. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي قَدْرِ النِّصَابِ الَّذِي يَجِبُ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ، فَرَوَى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ، أَنَّهُ رُبْعُ دِينَارٍ مِنْ الذَّهَبِ، أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مِنْ الْوَرِقِ، أَوْ مَا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مِنْ غَيْرِهِمَا. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ. وَرَوَى عَنْهُ الْأَثْرَمُ، أَنَّهُ إنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، مَا قِيمَتُهُ رُبْعُ دِينَارٍ، أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ قُطِعَ. فَعَلَى هَذَا يُقَوَّمُ غَيْرُ الْأَثْمَانِ بِأَدْنَى الْأَمْرَيْنِ، مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ.

٣٦٬٩٩٣

وَعَنْهُ، أَنَّ الْأَصْلَ الْوَرِقُ، وَيُقَوَّمُ الذَّهَبُ بِهِ،

٣٦٬٩٩٤

فَإِنْ نَقَصَ رُبْعُ دِينَارٍ عَنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهُ. وَهَذَا يُحْكَى عَنْ اللَّيْثِ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا. وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَبِهِ قَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا.»

٣٦٬٩٩٥

وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: تُقْطَعُ الْيَدُ فِي دِرْهَمٍ، فَمَا فَوْقَهُ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ الْيَدَ تُقْطَعُ فِي أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا. وَعَنْ عُمَرَ أَنَّ الْخَمْسَ لَا تُقْطَعُ إلَّا فِي الْخَمْسِ. وَبِهِ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ.

٣٦٬٩٩٦

وَقَالَ أَنَسٌ: قَطَعَ أَبُو بَكْرٍ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ. رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ.

٣٦٬٩٩٧

وَقَالَ عَطَاءٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِي دِينَارٍ، أَوْ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ؛ لِمَا رَوَى الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«لَا قَطْعَ إلَّا فِي عَشْرَةِ دَرَاهِمَ» . وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ. قَالَ:«قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَ رَجُلٍ فِي مِجَنٍّ، قِيمَتُهُ دِينَارٌ، أَوْ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ» . وَعَنْ النَّخَعِيِّ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِي أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا.

وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا أَصَحُّ حَدِيثٍ يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ، لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ. وَحَدِيثُ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلُ يَرْوِيهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَاَلَّذِي يَرْوِيهِ عَنْ الْحَجَّاجِ ضَعِيفٌ أَيْضًا. وَالْحَدِيثُ الثَّانِي لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِمَا دُونَهُ،

٣٦٬٩٩٨

فَإِنَّ مَنْ أَوْجَبَ الْقَطْعَ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، أَوْجَبَهُ بِعَشْرَةٍ، وَيَدُلُّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْعَرْضَ يُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّ الْمِجَنَّ قُوِّمَ بِهَا؛ وَلِأَنَّ مَا كَانَ الذَّهَبُ فِيهِ أَصْلًا، كَانَ الْوَرِقُ فِيهِ أَصْلًا، كَنُصُبِ الزَّكَاةِ، وَالدِّيَاتِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ.

وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ، أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ مِجَنًّا مَا يَسُرُّنِي أَنَّهُ لِي بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ مَا يُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، فَقَطَعَهُ أَبُو بَكْرٍ. وَأُتِيَ عُثْمَانُ بِرَجُلٍ قَدْ سَرَقَ أُتْرُجَّةً، فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ فَأُقِيمَتْ، فَبَلَغَتْ قِيمَتُهَا رُبْعَ دِينَارٍ، فَأَمَرَ بِهِ عُثْمَانُ فَقُطِعَ.

٣٦٬٩٩٩

[فَصْلٌ سَرَقَ رُبْعَ دِينَارٍ مِنْ الْمَضْرُوبِ الْخَالِصِ] (٧٢٥٢) فَصْلٌ: وَإِذَا سَرَقَ رُبْعَ دِينَارٍ مِنْ الْمَضْرُوبِ الْخَالِصِ، فَفِيهِ الْقَطْعُ.

٣٧٬٠٠٠

وَإِنْ كَانَ فِيهِ غِشٌّ أَوْ تِبْرٌ يَحْتَاجُ إلَى تَصْفِيَةٍ، لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ حَتَّى يَبْلُغَ مَا فِيهِ مِنْ الذَّهَبِ رُبْعَ دِينَارٍ؛ لِأَنَّ السَّبْكَ يَنْقُصُهُ.

٣٧٬٠٠١

وَإِنْ سَرَقَ رُبْعَ دِينَارٍ قُرَاضَةً، أَوْ تِبْرًا خَالِصًا، أَوْ حُلِيًّا، فَفِيهِ الْقَطْعُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْجُوزَجَانِيِّ، قَالَ قُلْت لَهُ: كَيْفَ يَسْرِقُ رُبْعَ دِينَارٍ؟ فَقَالَ: قِطْعَةَ ذَهَبٍ، أَوْ خَاتَمًا، أَوْ حُلِيًّا. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.

وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ احْتِمَالَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الدِّينَارَ اسْمٌ لِلْمَضْرُوبِ. وَلَنَا أَنَّ ذَلِكَ رُبْعُ دِينَارٍ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: دِينَارٌ قُرَاضَةٌ، وَمُكَسَّرٌ، أَوْ دِينَارٌ خَالِصٌ. وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ سَرِقَةُ رُبْعِ دِينَارٍ مُفْرَدٍ فِي الْغَالِبِ إلَّا مَكْسُورًا. وَقَدْ أُوجِبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ بِذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى تَعَلَّقَ بِالْمَضْرُوبِ، فَتَعَلَّقَ بِمَا لَيْسَ بِمَضْرُوبٍ، كَالزَّكَاةِ، وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا سَرَقَ مِنْ الْمَكْسُورِ وَالتِّبْرِ مَا لَا يُسَاوِي رُبْعَ دِينَارٍ صَحِيحٍ،

٣٧٬٠٠٢

فَإِنْ بَلَغَ ذَلِكَ فَفِيهِ الْقَطْعُ. وَالدِّينَارُ هُوَ الْمِثْقَالُ مِنْ مَثَاقِيلِ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَهُوَ الَّذِي كُلُّ سَبْعَةٍ مِنْهَا عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبْلَهُ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ مُخْتَلِفَةً، فَجُمِعَتْ وَجُعِلَتْ كُلُّ عَشْرَةٍ مِنْهَا سَبْعَةَ مَثَاقِيلَ، فَهِيَ الَّتِي يَتَعَلَّقُ الْقَطْعُ بِثَلَاثَةٍ مِنْهَا، إذَا كَانَتْ خَالِصَةً، مَضْرُوبَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الذَّهَبِ.

وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النِّصَابَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَضْرُوبِ مِنْهَا، وَقَدْ ذَكَرَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ مَا قَالَهُ فِي الدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهَا يَتَنَاوَلُ الصِّحَاحَ الْمَضْرُوبَةَ،

٣٧٬٠٠٣

بِخِلَافِ رُبْعِ الدِّينَارِ، عَلَى أَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا فِيهَا احْتِمَالًا مُتَقَدِّمًا، فَهَاهُنَا أَوْلَى. وَمَا قُوِّمَ مِنْ غَيْرِهِمَا بِهِمَا، فَلَا قَطْعَ فِيهِ، حَتَّى يَبْلُغَ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ صِحَاحًا؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهَا يَنْصَرِفُ إلَى الْمَضْرُوبِ دُونَ الْمُكَسَّرِ.

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا،

٣٧٬٠٠٤

فَإِنْ سَرَقَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، كَالْحُرِّ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا. وَبِهَذَا قَالَ، الشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.

٣٧٬٠٠٥

وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ: يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الْحُرِّ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُمَيِّزٍ، أَشْبَهَ الْعَبْدَ. وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ. وَلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، فَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ، كَالْكَبِيرِ النَّائِمِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ عَلَيْهِ حُلِيٌّ أَوْ ثِيَابٌ تَبْلُغُ نِصَابًا، لَمْ يُقْطَعْ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَكْثَرُ أ صْحَابِ الشَّافِعِيِّ.

وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا آخَرَ، أَنَّهُ يُقْطَعُ. وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ؛ وَلِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ الْحَلْيِ، فَوَجَبَ فِيهِ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ سَرَقَهُ مُنْفَرِدًا. وَلَنَا أَنَّهُ تَابِعٌ لِمَا لَا قَطْعَ فِي سَرِقَتِهِ، أَشْبَهَ ثِيَابَ الْكَبِيرِ؛ وَلِأَنَّ يَدَ الصَّبِيِّ عَلَى مَا عَلَيْهِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ مَا يُوجَدُ مَعَ اللَّقِيطِ يَكُونُ لَهُ. وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْكَبِيرُ نَائِمًا عَلَى مَتَاعٍ، فَسَرَقَهُ وَمَتَاعَهُ، لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ.

٣٧٬٠٠٦

[فَصْلٌ سَرَقَ عَبْدًا صَغِيرًا] (٧٢٥٣) فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ عَبْدًا صَغِيرًا، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ. وَالصَّغِيرُ الَّذِي يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ، هُوَ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ،

٣٧٬٠٠٧

فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَائِمًا، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ أَعْجَمِيًّا لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ سَيِّدِهِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي الطَّاعَةِ، فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ.

٣٧٬٠٠٨

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُقْطَعُ سَارِقُ الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ كَبِيرًا، لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ صَغِيرًا، كَالْحُرِّ.

وَلَنَا أَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مَمْلُوكًا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ نِصَابًا، فَوَجَبَ الْقَطْعُ عَلَيْهِ، كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ. وَفَارَقَ الْحُرَّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا مَمْلُوكٍ. وَفَارَقَ الْكَبِيرَ؛ لِأَنَّ الْكَبِيرَ لَا يُسْرَقُ، وَإِنَّمَا يُخْدَعُ بِشَيْءٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ زَوَالِ عَقْلِهِ، بِنَوْمٍ، أَوْ جُنُونٍ، فَتَصِحُّ سَرِقَتُهُ، وَيُقْطَعُ سَارِقُهُ.

٣٧٬٠٠٩

فَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ فِي حَالِ نَوْمِهِ أَوْ جُنُونِهِ أُمَّ وَلَدٍ، فَفِي قَطْعِ سَارِقِهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهَا لَا يَحِلُّ بَيْعُهَا، وَلَا نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهَا، فَأَشْبَهَتْ الْحُرَّةَ.

٣٧٬٠١٠

وَالثَّانِي: يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ تُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ، فَأَشْبَهَتْ الْقِنَّ. وَحُكْمُ الْمُدَبَّرِ حُكْمُ الْقِنِّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَيُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ.

٣٧٬٠١١

فَأَمَّا الْمُكَاتَبُ: فَلَا يُقْطَعُ سَارِقُهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ سَيِّدِهِ لَيْسَ بِتَامٍّ عَلَيْهِ، لِكَوْنِهِ لَا يَمْلِكُ مَنَافِعَهُ، وَلَا اسْتِخْدَامَهُ، وَلَا أَخْذَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ،

٣٧٬٠١٢

وَلَوْ جَنَى السَّيِّدُ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ لَهُ الْأَرْشُ،

٣٧٬٠١٣

وَلَوْ اسْتَوْفَى مَنَافِعَهُ كَرْهًا، لَزِمَهُ عِوَضُهَا،

٣٧٬٠١٤

وَلَوْ حَبَسَهُ لَزِمَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ حَبْسِهِ، أَوْ إنْظَارُهُ مِقْدَارَ مُدَّةِ حَبْسِهِ.

٣٧٬٠١٥

وَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ لِأَجْلِ مِلْكِ الْمُكَاتَبِ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ.

٣٧٬٠١٦

وَإِنْ سَرَقَ مِنْ مَالِ الْمُكَاتَبِ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُكَاتَبِ ثَابِتٌ فِي مَالِ نَفْسِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّارِقُ سَيِّدَهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي مَالِهِ حَقًّا وَشُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ، وَلِذَلِكَ لَوْ وَطِئَ جَارِيَتَهُ لَمْ يُحَدَّ.

[فَصْلٌ سَرَقَ مَاءً] فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ مَاءً، فَلَا قَطْعَ فِيهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَمَوَّلُ عَادَةً وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.

٣٧٬٠١٧

وَإِنْ سَرَقَ كَلَأً أَوْ مِلْحًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا قَطْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا وَرَدَ الشَّرْعُ بِاشْتِرَاكِ النَّاسِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ الْمَاءَ.

٣٧٬٠١٨

وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا: فِيهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَوَّلُ عَادَةً، فَأَشْبَهَ التِّبْنَ وَالشَّعِيرَ.

٣٧٬٠١٩

وَأَمَّا الثَّلْجُ: فَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ كَالْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ جَامِدٌ، فَأَشْبَهَ الْجَلِيدَ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ كَالْمِلْحِ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَوَّلُ عَادَةً، فَهُوَ كَالْمِلْحِ الْمُنْعَقِدِ مِنْ الْمَاءِ.

٣٧٬٠٢٠

وَأَمَّا التُّرَابُ: فَإِنْ كَانَ مِمَّا تَقِلُّ الرَّغَبَاتُ فِيهِ، كَاَلَّذِي يُعَدُّ لِلتَّطْيِينِ وَالْبِنَاءِ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَوَّلُ،

٣٧٬٠٢١

وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ كَثِيرَةٌ، كَالطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ، الَّذِي يُعَدُّ لِلدَّوَاءِ، أَوْ الْمُعَدِّ لِلْغَسْلِ بِهِ، أَوْ الصَّبْغِ كَالْمَغْرَةِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا قَطْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا لَا يَتَمَوَّلُ، أَشْبَهَ الْمَاءَ.

٣٧٬٠٢٢

وَالثَّانِي: فِيهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَوَّلُ عَادَةً، وَيُحْمَلُ إلَى الْبُلْدَانِ لِلتِّجَارَةِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ الْعُودَ الْهِنْدِيَّ. وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ السِّرْجِينِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ نَجِسًا فَلَا قِيمَةَ لَهُ،

٣٧٬٠٢٣

وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا، فَلَا يَتَمَوَّلُ عَادَةً، وَلَا تَكْثُرُ الرَّغَبَاتُ فِيهِ، فَأَشْبَهَ التُّرَابَ الَّذِي لِلْبِنَاءِ، وَمَا عُمِلَ مِنْ التُّرَابِ كَاللَّبِنِ وَالْفَخَّارِ، فَفِيهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَوَّلُ عَادَةً.

[فَصْلٌ الْأَمْوَالُ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْقَطْعُ إذَا سُرِقَتْ] (٧٢٥٥) فَصْلٌ: وَمَا عَدَا هَذَا مِنْ الْأَمْوَالِ، فَفِيهِ الْقَطْعُ، سَوَاءٌ كَانَ طَعَامًا، أَوْ ثِيَابًا، أَوْ حَيَوَانًا، أَوْ أَحْجَارًا، أَوْ قَصَبًا، أَوْ صَيْدًا، أَوْ نُورَةً، أَوْ جِصًّا، أَوْ زِرْنِيخًا، أَوْ تَوَابِلَ، أَوْ فَخَّارًا، أَوْ زُجَاجًا، أَوْ غَيْرَهُ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.

٣٧٬٠٢٤

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِ الطَّعَامِ الرَّطْبِ الَّذِي يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ، كَالْفَوَاكِهِ، وَالطَّبَائِخِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ هَذَا مُعَرِّضٌ لِلْهَلَاكِ، أَشْبَهَ مَا لَمْ يُحْرَزْ. وَلَا قَطْعَ فِيمَا كَانَ أَصْلُهُ مُبَاحًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، كَالصَّيُّودِ، وَالْخَشَبِ، إلَّا فِي السَّاجِ وَالْآبُنُوسِ، وَالصَّنْدَلِ، وَالْقَنَا، وَالْمَعْمُولِ مِنْ الْخَشَبِ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ. وَمَا عَدَا هَذَا لَا يُقْطَعُ بِهِ؛

لِأَنَّهُ يُوجَدُ كَثِيرًا مُبَاحًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَأَشْبَهَ التُّرَابَ. وَلَا قَطْعَ فِي الْقُرُونِ،

٣٧٬٠٢٥

وَإِنْ كَانَتْ مَعْمُولَةً؛ لِأَنَّ الصَّنْعَةَ لَا تَكُونُ غَالِبَةً عَلَيْهَا، بَلْ الْقِيمَةُ لَهَا،

٣٧٬٠٢٦

بِخِلَافِ مَعْمُولِ الْخَشَبِ. وَلَا قَطْعَ عِنْدَهُ فِي التَّوَابِلِ، وَالنُّورَةِ، وَالْجِصِّ، وَالزِّرْنِيخِ، وَالْمِلْحِ وَالْحِجَارَةِ، وَاللَّبِنِ، وَالْفَخَّارِ، وَالزُّجَاجِ.

٣٧٬٠٢٧

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: مَا يَفْسُدُ فِي يَوْمِهِ، كَالثَّرِيدِ وَاللَّحْمِ، لَا قَطْعَ فِيهِ.

وَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} . وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ، فَفِيهِ الْقَطْعُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ. وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ سَرَقَ أُتْرُجَّةً، فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ فَأُقِيمَتْ، فَبَلَغَتْ قِيمَتُهَا رُبْعَ دِينَارٍ، فَأَمَرَ بِهِ عُثْمَانُ فَقُطِعَ.

رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَلِأَنَّ هَذَا مَالٌ يَتَمَوَّلُ فِي الْعَادَةِ، وَيُرْغَبُ فِيهِ، فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ إذَا اجْتَمَعْت الشُّرُوطُ، كَالْمُجَفَّفِ؛ وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ الْقَطْعُ فِي مَعْمُولِهِ، وَجَبَ فِيهِ قَبْلَ الْعَمَلِ، كَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَحَدِيثُهُمْ أَرَادَ بِهِ الثَّمَرَ الْمُعَلَّقَ؛ بِدَلِيلِ حَدِيثِنَا، فَإِنَّهُ مُفَسِّرٌ لَهُ، وَتَشْبِيهُهُ بِغَيْرِ الْمُحْرَزِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُحْرَزِ مُضَيَّعٌ، وَهَذَا مَحْفُوظٌ، وَلِهَذَا افْتَرَقَ سَائِرُ الْأَمْوَالِ بِالْحِرْزِ وَعَدَمِهِ. وَقَوْلُهُمْ: يُوجَدُ مُبَاحًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. يُنْتَقَضُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ، وَسَائِرِ الْمَعَادِنِ. وَالتُّرَابُ قَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهِ.

٣٧٬٠٢٨

[فَصْلٌ سَرَقَ مُصْحَفًا] (٧٢٥٦) فَصْلٌ: فَإِنْ سَرَقَ مُصْحَفًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي: لَا قَطْعَ فِيهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ مَا فِيهِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مِمَّا لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ وُجُوبَ قَطْعِهِ،

٣٧٬٠٢٩

وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ سَرَقَ كِتَابًا فِيهِ عِلْمٌ لِيَنْظُرَ فِيهِ، فَقَالَ: كُلُّ مَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فِيهِ الْقَطْعُ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ فِي كُلِّ سَارِقٍ؛ وَلِأَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ، تَبْلُغُ قِيمَتُهُ نِصَابًا، فَوَجَبَ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ، كَكُتُبِ الْفِقْهِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ بِسَرِقَةِ كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَسَائِرِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ.

٣٧٬٠٣٠

فَإِنْ كَانَ الْمُصْحَفُ مُحَلًّى بِحِلْيَةٍ تَبْلُغُ نِصَابًا، خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ، عِنْدَ مَنْ لَمْ يَرَ الْقَطْعَ بِسَرِقَةِ الْمُصْحَفِ، أَحَدُهُمَا: لَا يُقْطَعُ. وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا، وَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْحُلِيَّ تَابِعَةٌ لِمَا لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ، أَشْبَهَتْ ثِيَابَ الْحُرِّ.

٣٧٬٠٣١

وَالثَّانِي: يُقْطَعُ. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ الْحُلِيِّ، فَوَجَبَ قَطْعُهُ، كَمَا لَوْ سَرَقَهُ مُنْفَرِدًا. وَأَصْلُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مَنْ سَرَقَ صَبِيًّا عَلَيْهِ حَلْيٌ.

٣٧٬٠٣٢

[فَصْلٌ سَرَقَ عَيْنًا مَوْقُوفَةً] (٧٢٥٧) فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ عَيْنًا مَوْقُوفَةً، وَجَبَ الْقَطْعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقْطَعَ، بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَقُولُ: إنَّ الْمَوْقُوفَ لَا يَمْلِكُهُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ.

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَسْرِقَ مِنْ حِرْزٍ، وَيُخْرِجَهُ مِنْهُ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَلَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافَهُمْ، إلَّا قَوْلًا حُكِيَ عَنْ عَائِشَةَ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، فِيمَنْ جَمَعَ الْمَتَاعَ، وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْ الْحِرْزِ، عَلَيْهِ الْقَطْعُ. وَعَنْ الْحَسَنِ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ.

وَحُكِيَ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْحِرْزُ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَفْصِيلَ فِيهَا. وَهَذِهِ أَقْوَالٌ شَاذَّةٌ، غَيْرُ ثَابِتَةٍ عَمَّنْ نُقِلَتْ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَيْسَ فِيهِ خَبَرٌ ثَابِتٌ، وَلَا مَقَالٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ، فَهُوَ كَالْإِجْمَاعِ، وَالْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ. وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ «، أَنَّ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الثِّمَارِ، فَقَالَ: مَا أُخِذَ فِي غَيْرِ أَكْمَامِهِ فَاحْتُمِلَ، فَفِيهِ قِيمَتُهُ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، وَمَا كَانَ فِي الْخَزَائِنِ، فَفِيهِ الْقَطْعُ إذَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ» .

رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُمَا. وَهَذَا الْخَبَرُ يَخُصُّ الْآيَةَ، كَمَا خَصَّصْنَاهَا فِي اعْتِبَارِ النِّصَابِ.

إذَا ثَبَتَ اعْتِبَارُ الْحِرْزِ، وَالْحِرْزُ مَا عُدَّ حِرْزًا فِي الْعُرْفِ، فَإِنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ فِي الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ تَنْصِيصٍ عَلَى بَيَانِهِ، عُلِمَ أَنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الْعُرْفِ؛ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى مَعْرِفَتِهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَيُرْجَعُ إلَيْهِ، كَمَا رَجَعْنَا إلَيْهِ، فِي مَعْرِفَةِ الْقَبْضِ وَالْفُرْقَةِ فِي الْبَيْعِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. إذَا ثَبَتَ هَذَا،

٣٧٬٠٣٣

فَإِنَّ مِنْ حِرْزِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْجَوَاهِرِ الصَّنَادِيقُ تَحْتَ الْأَغْلَاقِ وَالْأَقْفَالِ الْوَثِيقَةِ فِي الْعُمْرَانِ، وَحِرْزُ الثِّيَابِ، وَمَا خَفَّ مِنْ الْمَتَاعِ، كَالصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ، فِي الدَّكَاكِينِ، وَالْبُيُوتِ الْمُقْفَلَةِ فِي الْعُمْرَانِ، أَوْ يَكُونُ فِيهَا حَافِظٌ، فَيَكُونُ حِرْزًا،

٣٧٬٠٣٤

وَإِنْ كَانَتْ مَفْتُوحَةً. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُغْلَقَةً وَلَا فِيهَا حَافِظٌ، فَلَيْسَتْ بِحِرْزٍ.

٣٧٬٠٣٥

وَإِنْ كَانَتْ فِيهَا خَزَائِنُ مُغْلَقَةٌ، فَالْخَزَائِنُ حِرْزٌ لِمَا فِيهَا، وَمَا خَرَجَ عَنْهَا فَلَيْسَ بِمُحْرَزٍ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، فِي الْبَيْتِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ غَلَقٌ، يُسْرَقُ مِنْهُ: أَرَاهُ سَارِقًا. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ أَهْلَهُ فِيهِ،

٣٧٬٠٣٦

فَأَمَّا الْبُيُوتُ الَّتِي فِي الْبَسَاتِينِ أَوْ الطُّرُقِ أَوْ الصَّحْرَاءِ،

٣٧٬٠٣٧

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ فَلَيْسَتْ حِرْزًا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُغْلَقَةً أَوْ مَفْتُوحَةً؛ لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ مَتَاعَهُ فِي مَكَان خَالٍ مِنْ النَّاسِ وَالْعُمَرَانِ، وَانْصَرَفَ عَنْهُ لَا يُعَدُّ حَافِظًا لَهُ،

٣٧٬٠٣٨

وَإِنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَهْلُهَا أَوْ حَافِظٌ، فَهِيَ حِرْزٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُغْلَقَةً أَوْ مَفْتُوحَةً.

٣٧٬٠٣٩

وَإِذَا كَانَ لَابِسًا لِلثَّوْبِ، أَوْ مُتَوَسِّدًا لَهُ، نَائِمًا، أَوْ مُسْتَيْقِظًا، أَوْ مُفْتَرِشًا لَهُ، أَوْ مُتَّكِئًا عَلَيْهِ، فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ الْبَلَدِ، أَوْ بَرِّيَّةٍ، فَهُوَ مُحْرَزٌ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ رِدَاءَ صَفْوَانَ سُرِقَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ لَهُ، فَقَطَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَارِقَهُ.

٣٧٬٠٤٠

وَإِنْ تَدَحْرَجَ عَنْ الثَّوْبِ، زَالَ الْحِرْزُ إنْ كَانَ نَائِمًا،

٣٧٬٠٤١

وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْمَتَاعِ، كَبَزِّ الْبَزَّازِينَ، وَقُمَاشِ الْبَاعَةِ، وَخُبْزِ الْخَبَّازِينَ، بِحَيْثُ يُشَاهِدُهُ، وَيَنْظُرُ إلَيْهِ، فَهُوَ مُحْرَزٌ،

٣٧٬٠٤٢

وَإِنْ نَامَ، أَوْ كَانَ غَائِبًا عَنْ مَوْضِعِ مُشَاهَدَتِهِ، فَلَيْسَ بِمُحْرَزٍ.

٣٧٬٠٤٣

وَإِنْ جَعَلَ الْمَتَاعَ فِي الْغَرَائِرِ، وَعَلَّمَ عَلَيْهَا، وَمَعَهَا حَافِظٌ يُشَاهِدُهَا، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ، وَإِلَّا فَلَا. [فَصْلٌ سَرَقَ الْخَيْمَةَ والخركاه وَكَانَ فِيهَا أَحَدٌ نَائِمًا أَوْ مُنْتَبِهًا] (٧٢٥٨) فَصْلٌ: وَالْخَيْمَةُ والخركاه إنْ نُصِبَتْ، وَكَانَ فِيهَا أَحَدٌ نَائِمًا أَوْ مُنْتَبِهًا، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ وَمَا فِيهَا؛ لِأَنَّهَا هَكَذَا تُحْرَزُ فِي الْعَادَةِ،

٣٧٬٠٤٤

وَإِنْ [لَمْ] يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ، وَلَا عِنْدَهَا حَافِظٌ، فَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِهَا. وَمِمَّنْ أَوْجَبَ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ مِنْ الْفُسْطَاطِ؛ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ قَالُوا: يُقْطَعُ السَّارِقُ مِنْ الْفُسْطَاطِ، دُونَ سَارِقِ الْفُسْطَاطِ. وَلَنَا أَنَّهُ مُحْرَزٌ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، أَشْبَهَ مَا فِيهِ.

[فَصْلٌ حِرْزُ الْبَقْلِ وَقُدُورِ الْبَاقِلَاءِ وَنَحْوِهَا] (٧٢٥٩) فَصْلٌ: وَحِرْزُ الْبَقْلِ، وَقُدُورِ الْبَاقِلَاءِ، وَنَحْوِهَا بِالشَّرَائِحِ مِنْ الْقَصَبِ أَوْ الْخَشَبِ، إذَا كَانَ فِي السُّوقِ حَارِسٌ، وَحِرْزُ الْخَشَبِ وَالْحَطَبِ وَالْقَصَبِ فِي الْحَظَائِرِ، وَتَعْبِئَةُ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ، وَتَقْيِيدُهُ بِقَيْدٍ، بِحَيْثُ يَعْسُرُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ، عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي فُنْدُقٍ مُغْلَقٍ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مُحْرَزًا وَإِنْ لَمْ يُقَيَّدْ.

[فَصْلٌ حِرْزُ الْإِبِلِ] (٧٢٦٠) فَصْلٌ: وَالْإِبِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرَابٍ؛ بَارِكَةٌ، وَرَاعِيَةٌ، وَسَائِرَةٌ،

٣٧٬٠٤٥

فَأَمَّا الْبَارِكَةُ: فَإِنْ كَانَ مَعَهَا حَافِظٌ لَهَا، وَهِيَ مَعْقُولَةٌ، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ،

٣٧٬٠٤٦

وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةً، وَكَانَ الْحَافِظُ نَاظِرًا إلَيْهَا، أَوْ مُسْتَيْقِظًا بِحَيْثُ يَرَاهَا، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ،

٣٧٬٠٤٧

وَإِنْ كَانَ نَائِمًا، أَوْ مَشْغُولًا عَنْهَا، فَلَيْسَتْ مُحْرَزَةً؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الرُّعَاةَ إذَا أَرَادُوا النَّوْمَ عَقَلُوا إبِلَهُمْ؛ وَلِأَنَّ حَلَّ الْمَعْقُولَةِ يُنَبِّهُ النَّائِمَ وَالْمُشْتَغِلَ.

٣٧٬٠٤٨

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا أَحَدٌ، فَهِيَ غَيْرُ مُحْرَزَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَعْقُولَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ.

٣٧٬٠٤٩

وَأَمَّا الرَّاعِيَةُ: فَحِرْزُهَا بِنَظَرِ الرَّاعِي إلَيْهَا، فَمَا غَابَ عَنْ نَظَرِهِ، أَوْ نَامَ عَنْهُ، فَلَيْسَ بِمُحْرَزٍ؛ لِأَنَّ الرَّاعِيَةَ إنَّمَا تُحْرَزُ بِالرَّاعِي وَنَظَرِهِ،

٣٧٬٠٥٠

وَأَمَّا السَّائِرَةُ: فَإِنْ كَانَ مَعَهَا مَنْ يَسُوقُهَا، فَحِرْزُهَا نَظَرُهُ إلَيْهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُقَطَّرَةً أَوْ غَيْرَ مُقَطَّرَةٍ. وَمَا كَانَ مِنْهَا بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ، فَلَيْسَ بِمُحْرَزٍ.

٣٧٬٠٥١

وَإِنْ كَانَ مَعَهَا قَائِدٌ، فَحِرْزُهَا أَنْ يُكْثِرَ الِالْتِفَاتَ إلَيْهَا، وَالْمُرَاعَاةَ لَهَا، وَيَكُونَ بِحَيْثُ يَرَاهَا إذَا الْتَفَتَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.

٣٧٬٠٥٢

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُحْرِزُ الْقَائِدُ إلَّا الَّتِي زِمَامُهَا بِيَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يُوَلِّيهَا ظَهْرَهُ، وَلَا يَرَاهَا إلَّا نَادِرًا، فَيُمْكِنُ أَخْذُهَا مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ. وَلَنَا أَنَّ الْعَادَةَ فِي حِفْظِ الْإِبِلِ الْمُقَطَّرَةِ بِمُرَاعَاتِهَا، بِالِالْتِفَاتِ، وَإِمْسَاكِ زِمَامِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ ذَلِكَ حِرْزًا لَهَا، كَاَلَّتِي زِمَامُهَا فِي يَدِهِ.

٣٧٬٠٥٣

فَإِنْ سَرَقَ مِنْ أَحْمَالِ الْجِمَالِ السَّائِرَةِ الْمُحْرَزَةِ مَتَاعًا قِيمَتُهُ نِصَابٌ، قُطِعَ،

٣٧٬٠٥٤

وَكَذَلِكَ إنْ سَرَقَ الْجَمَلَ، وَإِنْ سَرَقَ الْجَمَلَ بِمَا عَلَيْهِ، وَصَاحِبُهُ نَائِمٌ عَلَيْهِ، لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ صَاحِبِهِ،

٣٧٬٠٥٥

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ نَائِمًا عَلَيْهِ، قُطِعَ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.

٣٧٬٠٥٦

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْحِمْلِ مُحْرَزٌ بِهِ،

٣٧٬٠٥٧

فَإِذَا أَخَذَ جَمِيعَهُ، لَمْ يَهْتِكْ حِرْزَ الْمَتَاعِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ سَرَقَ أَجْزَاءَ الْحِرْزِ.

وَلَنَا أَنَّ الْجَمَلَ مُحْرَزٌ بِصَاحِبِهِ، وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْرَزًا، فَقَدْ سَرَقَهُ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَ الْمَتَاعَ. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ سَرِقَةَ الْحِرْزِ مِنْ حِرْزِهِ لَا تُوجِبُ الْقَطْعَ، فَإِنَّهُ لَوْ سَرَقَ الصُّنْدُوقَ بِمَا فِيهِ مِنْ بَيْتٍ هُوَ مُحْرَزٌ فِيهِ، وَجَبَ قَطْعُهُ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي الْإِبِلِ الَّتِي فِي الصَّحْرَاءِ،

٣٧٬٠٥٨

فَأَمَّا الَّتِي فِي الْبُيُوتِ وَالْمَكَانِ الْمُحْصَنِ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الثِّيَابِ، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ. وَالْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْمَوَاشِي كَالْحُكْمِ فِي الْإِبِلِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهَا.

٣٧٬٠٥٩

[فَصْلٌ سَرَقَ مِنْ الْحَمَّامِ وَلَا حَافِظَ فِيهِ] (٧٢٦١) فَصْلٌ: وَإِذَا سَرَقَ مِنْ الْحَمَّامِ، وَلَا حَافِظَ فِيهِ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ،

٣٧٬٠٦٠

وَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَافِظٌ. فَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ عَلَى سَارِقِ الْحَمَّامِ قَطْعٌ.

٣٧٬٠٦١

وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: لَا يُقْطَعُ سَارِقُ الْحَمَّامِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَتَاعِ قَاعِدٌ، مِثْلَ مَا صُنِعَ بِصَفْوَانَ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لِلنَّاسِ فِي دُخُولِهِ، فَجَرَى مَجْرَى سَرِقَةِ الضَّيْفِ مِنْ الْبَيْتِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي دُخُولِهِ؛ وَلِأَنَّ دُخُولَ النَّاسِ إلَيْهِ يَكْثُرُ، فَلَا يَتَمَكَّنُ الْحَافِظُ مِنْ حِفْظِ مَا فِيهِ.

قَالَ الْقَاضِي: وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ يَجِبُ الْقَطْعُ إذَا كَانَ فِيهِ حَافِظٌ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ مَتَاعٌ لَهُ حَافِظٌ، فَيَجِبُ قَطْعُ سَارِقِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي بَيْتٍ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَهَذَا يُفَارِقُ مَا فِي الْبَيْتِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا.

٣٧٬٠٦٢

فَأَمَّا إنْ كَانَ صَاحِبُ الثِّيَابِ قَاعِدًا عَلَيْهَا، أَوْ مُتَوَسِّدًا لَهَا، أَوْ جَالِسًا وَهِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَحْفَظُهَا، قُطِعَ سَارِقُهَا بِكُلِّ حَالٍ، كَمَا قُطِعَ سَارِقُ رِدَاءِ صَفْوَانَ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ لَهُ.

٣٧٬٠٦٣

وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ نَائِبُ صَاحِبِ الثِّيَابِ،

٣٧٬٠٦٤

إمَّا الْحَمَّامِيُّ وَإِمَّا غَيْرُهُ حَافِظًا لَهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، قُطِعَ سَارِقُهَا؛ لِأَنَّهَا مُحْرَزَةٌ.

٣٧٬٠٦٥

وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، فَقَالَ الْقَاضِي: إنْ نَزَعَ الدَّاخِلُ ثِيَابَهُ، عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَلَمْ يَسْتَحْفِظْهَا لِأَحَدٍ فَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِهَا، وَلَا غُرْمَ عَلَى الْحَمَّامِيِّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُودَعٍ فَيَضْمَنَ، وَلَا هِيَ مُحْرَزَةٌ فَيُقْطَعَ سَارِقُهَا،

٣٧٬٠٦٦

وَإِنْ اسْتَحْفَظَهَا الْحَمَّامِيَّ، فَهُوَ مُودَعٌ يَلْزَمُهُ مُرَاعَاتُهَا بِالنَّظَرِ وَالْحِفْظِ،

٣٧٬٠٦٧

فَإِنْ تَشَاغَلَ عَنْهَا، أَوْ تَرَكَ النَّظَرَ إلَيْهَا، فَسُرِقَتْ، فَعَلَيْهِ الْغُرْمُ لِتَفْرِيطِهِ، وَلَا قَطْعَ عَلَى السَّارِقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ مِنْ حِرْزٍ.

٣٧٬٠٦٨

وَإِنْ تَعَاهَدَهَا الْحَمَّامِيُّ بِالْحِفْظِ وَالنَّظَرِ، فَسُرِقَتْ، فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ؛ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ، وَعَلَى السَّارِقِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهَا مُحْرَزَةٌ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ أَحْمَدُ: أَرْجُو أَنْ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لِلنَّاسِ فِي دُخُولِهِ.

٣٧٬٠٦٩

وَلَوْ اسْتَحْفَظَ رَجُلٌ آخَرَ مَتَاعَهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَسُرِقَ،

٣٧٬٠٧٠

فَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّطَ فِي مُرَاعَاتِهِ وَنَظَرِهِ إلَيْهِ، فَعَلَيْهِ الْغُرْمُ إذَا كَانَ الْتَزَمَ حِفْظَهُ، وَأَجَابَهُ إلَى مَا سَأَلَهُ،

٣٧٬٠٧١

وَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ، لَكِنْ سَكَتَ، لَمْ يَلْزَمْهُ غُرْمٌ؛ لِأَنَّهُ مَا قَبِلَ الِاسْتِيدَاعَ، وَلَا قَبَضَ الْمَتَاعَ، وَلَا قَطْعَ عَلَى السَّارِقِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْرَزٍ.

٣٧٬٠٧٢

وَإِنْ حَفِظَ الْمَتَاعَ بِنَظَرِهِ إلَيْهِ، وَقُرْبِهِ مِنْهُ، فَسُرِقَ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى السَّارِقِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ. وَيُفَارِقُ الْمَتَاعَ فِي الْحَمَّامِ،

٣٧٬٠٧٣

فَإِنَّ الْحِفْظَ فِيهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَضَعُ بَعْضُهُمْ ثِيَابَهُ عِنْدَ ثِيَابِ بَعْضٍ وَيَشْتَبِهُ عَلَى الْحَمَّامِيِّ صَاحِبُ الثِّيَابِ، فَلَا يُمْكِنُهُ مَنْعُ أَخْذِهَا؛ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِمَالِكِهَا.

[فَصْلٌ حِرْزُ حَائِطِ الدَّارِ] (٧٢٦٢) فَصْلٌ: وَحِرْزُ حَائِطِ الدَّارِ كَوْنُهُ مَبْنِيًّا فِيهَا، إذَا كَانَتْ فِي الْعُمْرَانِ، أَوْ كَانَتْ فِي الصَّحْرَاءِ وَفِيهَا حَافِظٌ،

٣٧٬٠٧٤

فَإِنْ أَخَذَ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَائِطِ أَوْ خَشَبِهِ نِصَابًا فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَجَبَ قَطْعُهُ؛ لِأَنَّ الْحَائِطَ حِرْزٌ لِغَيْرِهِ، فَيَكُونُ حِرْزًا لِنَفْسِهِ.

٣٧٬٠٧٥

وَإِنْ هَدَمَ الْحَائِطَ وَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِيهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الْمَتَاعَ فِي الْحِرْزِ وَلَمْ يَسْرِقْهُ.

٣٧٬٠٧٦

وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ بِحَيْثُ لَا تَكُونُ حِرْزًا لِمَا فِيهَا، كَدَارٍ فِي الصَّحْرَاءِ، لَا حَافِظَ فِيهَا، فَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ أَخَذَ مِنْ حَائِطِهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ حِرْزًا لِمَا فِيهَا، فَلِنَفْسِهَا أَوْلَى.

٣٧٬٠٧٧

وَأَمَّا بَابُ الدَّارِ: فَإِنْ كَانَ مَنْصُوبًا فِي مَكَانِهِ، فَهُوَ مُحْرَزٌ، سَوَاءٌ كَانَ مُغْلَقًا أَوْ مَفْتُوحًا؛ لِأَنَّهُ هَكَذَا يُحْفَظُ، وَعَلَى سَارِقِهِ الْقَطْعُ إذَا كَانَتْ الدَّارُ مُحْرَزَةً بِمَا ذَكَرْنَاهُ.

٣٧٬٠٧٨

وَأَمَّا أَبْوَابُ الْخَزَائِنِ فِي الدَّارِ،

٣٧٬٠٧٩

فَإِنْ كَانَ بَابُ الدَّارِ مُغْلَقًا، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَفْتُوحَةً أَوْ مُغْلَقَةً،

٣٧٬٠٨٠

وَإِنْ كَانَ مَفْتُوحًا، لَمْ تَكُنْ مُحْرَزَةً، إلَّا أَنْ تَكُونَ مُغْلَقَةً، أَوْ يَكُونَ فِي الدَّارِ حَافِظٌ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ بَابِ الدَّارِ وَبَابِ الْخِزَانَةِ، أَنَّ أَبْوَابَ الْخَزَائِنِ تُحْرَزُ بِبَابِ الدَّارِ، وَبَابُ الدَّارِ لَا يُحْرَزُ إلَّا بِنَصْبِهِ، وَلَا يُحْرَزُ بِغَيْرِهِ.

٣٧٬٠٨١

وَأَمَّا حَلْقَةُ الْبَابِ: فَإِنْ كَانَتْ مَسْمُورَةً، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهَا تُحْرَزُ بِتَسْمِيرِهَا.

٣٧٬٠٨٢

[فَصْلٌ سَرَقَ بَابَ مَسْجِدٍ مَنْصُوبًا أَوْ بَابَ الْكَعْبَةِ الْمَنْصُوبَ أَوْ سَرَقَ مِنْ سَقْفِهِ شَيْئًا أَوْ تَأْزِيرِهِ] (٧٢٦٣) فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ بَابَ مَسْجِدٍ مَنْصُوبًا، أَوْ بَابَ الْكَعْبَةِ الْمَنْصُوبَ، أَوْ سَرَقَ مِنْ سَقْفِهِ شَيْئًا، أَوْ تَأْزِيرِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ الْقَطْعُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْقَاسِمِ، صَاحِبِ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مُحْرَزًا يُحْرَزُ مِثْلُهُ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، فَلَزِمَهُ الْقَطْعُ، كَبَابِ بَيْتِ الْآدَمِيِّ.

٣٧٬٠٨٣

وَالثَّانِي: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالِكَ لَهُ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ، فَلَا يُقْطَعُ فِيهِ، كَحُصْرِ الْمَسْجِدِ وَقَنَادِيلِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ ذَلِكَ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِكَوْنِهِ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ، فَيَكُونُ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ، فَلَمْ يُقْطَعْ بِهِ، كَالسَّرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.

٣٧٬٠٨٤

وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ سِتَارَةِ الْكَعْبَةِ الْخَارِجَةِ مِنْهَا.

٣٧٬٠٨٥

وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَيْسَتْ بِمَخِيطَةٍ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُحْرَزُ بِخِيَاطَتِهَا.

٣٧٬٠٨٦

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ فِيهَا بِحَالٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ.

٣٧٬٠٨٧

[فَصْلٌ أَجَّرَ دَارِهِ ثُمَّ سَرَقَ مِنْهَا مَالَ الْمُسْتَأْجِرِ] (٧٢٦٤) فَصْلٌ: وَإِذَا أَجَّرَ دَارِهِ، ثُمَّ سَرَقَ مِنْهَا مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.

٣٧٬٠٨٨

وَقَالَ صَاحِبَاهُ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَحْدُثُ فِي مِلْكِ الْآجِرِ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ. وَلَنَا أَنَّهُ هَتَكَ حِرْزًا، وَسَرَقَ مِنْهُ نِصَابًا لَا شُبْهَةَ لَهُ، فَوَجَبَ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ سَرَقَ مِنْ مِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ. وَمَا قَالَاهُ لَا نُسَلِّمُهُ.

٣٧٬٠٨٩

وَلَوْ اسْتَعَارَ دَارًا فَنَقَبَهَا الْمُعِيرُ، وَسَرَقَ مَالَ الْمُسْتَعِيرِ مِنْهَا، قُطِعَ أَيْضًا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.

٣٧٬٠٩٠

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مِلْكٌ لَهُ، فَمَا هَتَكَ حِرْزَ غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ مَتَى شَاءَ، وَهَذَا يَكُونُ رُجُوعًا.

وَلَنَا مَا تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا،

٣٧٬٠٩١

وَلَا يَصِحُّ مَا ذَكَرَهُ، لِأَنَّ هَذَا قَدْ صَارَ حِرْزًا لِمَالِ غَيْرِهِ، لَا يَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْعَارِيَّةِ، وَالْمُطَالَبَةُ بِرَدِّهِ إلَيْهِ.

٣٧٬٠٩٢

[فَصْلٌ غَصَبَ بَيْتًا فَأَحْرَزَ فِيهِ مَالَهُ فَسَرَقَهُ مِنْهُ أَجْنَبِيٌّ أَوْ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ] (٧٢٦٥) فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ بَيْتًا، فَأَحْرَزَ فِيهِ مَالَهُ، فَسَرَقَهُ مِنْهُ أَجْنَبِيٌّ، أَوْ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ بِحِرْزِهِ إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا بِهِ، ظَالِمًا فِيهِ.

٣٧٬٠٩٣

[فَصْلٌ سَرَقَ الضَّيْفُ مِنْ مَالِ مُضِيفِهِ شَيْئًا نَظَرْت] فَصْلٌ: وَإِذَا سَرَقَ الضَّيْفُ مِنْ مَالِ مُضِيفِهِ شَيْئًا، نَظَرْت،

٣٧٬٠٩٤

فَإِنْ سَرَقَهُ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَنْزَلَهُ فِيهِ، أَوْ مَوْضِعٍ لَمْ يُحْرِزْهُ عَنْهُ، لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ مِنْ حِرْزٍ،

٣٧٬٠٩٥

وَإِنْ سَرَقَ مِنْ مَوْضِعٍ مُحْرَزٍ دُونَهُ، نَظَرْت؛

٣٧٬٠٩٦

فَإِنْ كَانَ مَنَعَهُ قِرَاهُ، فَسَرَقَ بِقَدْرِهِ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ أَيْضًا،

٣٧٬٠٩٧

وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْهُ قِرَاهُ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى الضَّيْفِ. وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى إحْدَى الْحَالَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ.

٣٧٬٠٩٨

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْمُضِيفَ بَسَطَهُ فِي بَيْتِهِ وَمَالِهِ، فَأَشْبَهَ ابْنَهُ.

وَلَنَا أَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مُحْرَزًا عَنْهُ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، فَلَزِمَهُ الْقَطْعُ، كَالْأَجْنَبِيِّ. وَقَوْلُهُ: إنَّهُ بَسَطَهُ فِيهِ. لَا يَصِحُّ، فَإِنَّهُ أَحْرَزَ عَنْهُ هَذَا الْمَالَ، وَلَمْ يَبْسُطْهُ فِيهِ، وَتَبَسُّطُهُ فِي غَيْرِهِ لَا يُوجِبُ تَبَسُّطَهُ فِيهِ، كَمَا لَوْ تَصَدَّقَ عَلَى مِسْكِينٍ بِصَدَقَةٍ، أَوْ أَهْدَى إلَى صَدِيقِهِ هَدِيَّةً، فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَطْعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ، أَوْ أَهْدَى إلَيْهِ.

٣٧٬٠٩٩

[فَصْلٌ أَحْرَزَ الْمُضَارِبُ مَالَ الْمُضَارَبَةِ أَوْ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْعَارِيَّةِ أَوْ الْمَالَ الَّذِي وُكِّلَ فِيهِ فَسَرَقَهُ أَجْنَبِيٌّ] (٧٢٦٧) فَصْلٌ: وَإِذَا أَحْرَزَ الْمُضَارِبُ مَالَ الْمُضَارَبَةِ، أَوْ الْوَدِيعَةِ، أَوْ الْعَارِيَّةِ، أَوْ الْمَالَ الَّذِي وُكِّلَ فِيهِ، فَسَرَقَهُ أَجْنَبِيٌّ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ يَنُوبُ مَنَابَ الْمَالِكِ فِي حِفْظِ الْمَالِ وَإِحْرَازِهِ، وَيَدُهُ كَيَدِهِ.

٣٧٬١٠٠

وَإِنْ غَصَبَ عَيْنًا وَأَحْرَزَهَا، أَوْ سَرَقَهَا وَأَحْرَزَهَا، فَسَرَقَهَا سَارِقٌ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ.

٣٧٬١٠١

وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ.

٣٧٬١٠٢

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كَقَوْلِنَا فِي السَّارِقِ، وَكَقَوْلِهِمْ فِي الْغَاصِبِ. وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ الْمَالَ مِنْ مَالِكِهِ، وَلَا مِمَّنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَهُ ضَائِعًا فَأَخَذَهُ، وَفَارَقَ السَّارِقَ مِنْ الْمَالِكِ أَوْ نَائِبِهِ، فَإِنَّهُ أَزَالَ يَدَهُ، وَسَرَقَ مِنْ حِرْزِهِ.

٣٧٬١٠٣

[فَصْلٌ سَرَقَ نِصَابًا أَوْ غَصَبَهُ فَأَحْرَزَهُ فَجَاءَ الْمَالِكُ فَهَتَكَ الْحِرْزَ وَأَخَذَ مَالَهُ] (٧٢٦٨) فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ نِصَابًا، أَوْ غَصَبَهُ فَأَحْرَزَهُ، فَجَاءَ الْمَالِكُ، فَهَتَكَ الْحِرْزَ؛ وَأَخَذَ مَالَهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَحَدٍ، سَوَاءٌ أَخَذَهُ سَرِقَةً أَوْ غَيْرَهَا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَهُ.

٣٧٬١٠٤

وَإِنْ سَرَقَ غَيْرَهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا قَطْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي هَتْكِ الْحِرْزِ، وَأَخْذِ مَالِهِ، فَصَارَ كَالسَّارِقِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ؛ وَلِأَنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي أَخْذِ قَدْرِ مَالِهِ، لِذَهَابِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ إلَى جَوَازِ أَخْذِ الْإِنْسَانِ قَدْرَ دَيْنِهِ مِنْ مَالِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ.

٣٧٬١٠٥

وَالثَّانِي: عَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِهِ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ قَدْرِ مَالِهِ إذَا عَجَزَ عَنْ أَخْذِ مَالِهِ، وَهَذَا أَمْكَنَهُ أَخْذُ مَالِهِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ غَيْرِهِ.

٣٧٬١٠٦

وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا أَخَذَ مَالَهُ، وَأَخَذَ مِنْ غَيْرِهِ نِصَابًا مُتَمَيِّزًا عَنْ مَالِهِ،

٣٧٬١٠٧

فَإِنْ كَانَ مُخْتَلِطًا بِمَالِهِ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ مِنْهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَهُ الَّذِي لَهُ أَخْذُهُ، وَحَصَّلَ غَيْرَهُ مَأْخُوذًا ضَرُورَةَ أَخْذِهِ، فَيَجِبُ أَنْ لَا يُقْطَعَ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ لَهُ فِي أَخْذِهِ شُبْهَةً، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.

٣٧٬١٠٨

فَأَمَّا إنْ سَرَقَ مِنْهُ مَالًا آخَرَ مِنْ غَيْرِ الْحِرْزِ الَّذِي فِيهِ مَالُهُ، أَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى إنْسَانٍ، فَسَرَقَ مِنْ مَالِهِ قَدْرَ دَيْنِهِ مِنْ حِرْزِهِ، نَظَرْت،

٣٧٬١٠٩

فَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ أَوْ الْغَرِيمُ بَاذِلًا لِمَا عَلَيْهِ، غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ أَدَائِهِ، أَوْ قَدَرَ الْمَالِكُ عَلَى أَخْذِ مَالِهِ فَتَرَكَهُ وَسَرَقَ مَالَ الْغَاصِبِ أَوْ الْغَرِيمِ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ،

٣٧٬١١٠

وَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، فَسَرَقَ قَدْرَ دَيْنِهِ، أَوْ حَقِّهِ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ.

٣٧٬١١١

وَقَالَ الْقَاضِي: عَلَيْهِ الْقَطْعُ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِنَا فِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ قَدْرِ دَيْنِهِ.

وَلَنَا أَنَّ هَذَا مُخْتَلَفٌ فِي حِلِّهِ، فَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ بِهِ، كَمَا لَوْ وَطِئَ فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِي صِحَّتِهِ، وَتَحْرِيمُ الْأَخْذِ لَا يَمْنَعُ الشُّبْهَةَ النَّاشِئَةَ عَنْ الِاخْتِلَافِ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.

٣٧٬١١٢

فَإِنْ سَرَقَ أَكْثَرَ مِنْ دَيْنِهِ، فَهُوَ كَالْمَغْصُوبِ مِنْهُ إذَا سَرَقَ أَكْثَرَ مِنْ مَالِهِ، عَلَى مَا مَضَى. [فَصْلٌ إخْرَاجُ الْمَتَاعِ مِنْ الْحِرْزِ] (٧٢٦٩) فَصْلٌ: وَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِ الْمَتَاعِ مِنْ الْحِرْزِ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى اشْتِرَاطِهِ، فَمَتَى أَخْرَجَهُ مِنْ الْحِرْزِ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، سَوَاءٌ حَمَلَهُ إلَى مَنْزِلِهِ، أَوْ تَرَكَهُ خَارِجًا مِنْ الْحِرْزِ، وَسَوَاءٌ أَخْرَجَهُ بِأَنْ حَمَلَهُ، أَوْ رَمَى بِهِ إلَى خَارِجِ الْحِرْزِ، أَوْ شَدَّ فِيهِ حَبْلًا ثُمَّ خَرَجَ فَمَدَّهُ بِهِ، أَوْ شَدَّهُ عَلَى بَهِيمَةٍ ثُمَّ سَاقَهَا بِهِ حَتَّى أَخْرَجَهَا، أَوْ تَرَكَهُ فِي نَهْرٍ جَارٍ، فَخَرَجَ بِهِ، فَفِي هَذَا كُلِّهِ يَجِبُ الْقَطْعُ؛

لِأَنَّهُ هُوَ الْمُخْرِجُ لَهُ، إمَّا بِنَفْسِهِ،

٣٧٬١١٣

وَإِمَّا بِآلَتِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ حَمَلَهُ، فَأَخْرَجَهُ، وَسَوَاءٌ دَخَلَ الْحِرْزَ فَأَخْرَجَهُ، أَوْ نَقَبَهُ ثُمَّ أَدْخَلَ إلَيْهِ يَدَهُ أَوْ عَصًا لَهَا شُجْنَةٌ فَاجْتَذَبَهُ بِهَا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.

٣٧٬١١٤

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ صَغِيرًا لَا يُمْكِنُهُ دُخُولُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَهْتِكْ الْحِرْزَ بِمَا أَمْكَنَهُ، فَأَشْبَهَ الْمُخْتَلِسَ. وَلَنَا أَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْقَطْعِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْبَيْتُ ضَيِّقًا، وَيُخَالِفُ الْمُخْتَلِسَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَهْتِكْ الْحِرْزَ.

٣٧٬١١٥

وَإِنْ رَمَى الْمَتَاعَ، فَأَطَارَتْهُ الرِّيحُ فَأَخْرَجَتْهُ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى كَانَ ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ مِنْهُ، لَمْ يُؤَثِّرْ فِعْلُ الرِّيحِ، كَمَا لَوْ رَمَى صَيْدًا، فَأَعَانَتْ الرِّيحُ السَّهْمَ حَتَّى قَتَلَ الصَّيْدَ، حَلَّ،

٣٧٬١١٦

وَلَوْ رَمَى الْجِمَارَ، فَأَعَانَتْهَا الرِّيحُ حَتَّى وَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى، اُحْتُسِبَ بِهِ، وَصَارَ هَذَا كَمَا لَوْ تَرَكَ الْمَتَاعَ فِي الْمَاءِ فَجَرَى بِهِ فَأَخْرَجَهُ،

٣٧٬١١٧

وَلَوْ أَمَرَ صَبِيًّا لَا يُمَيِّزُ، فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ آلَةٌ لَهُ،

٣٧٬١١٨

فَأَمَّا إنْ تَرَكَ الْمَتَاعَ عَلَى دَابَّةٍ، فَخَرَجَتْ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ سَوْقِهَا، أَوْ تَرَكَ الْمَتَاعَ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ، فَانْفَتَحَ فَخَرَجَ الْمَتَاعُ، أَوْ عَلَى حَائِطٍ فِي الدَّارِ، فَأَطَارَتْهُ الرِّيحُ، فَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ سَبَبُ خُرُوجِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَاقَ الْبَهِيمَةَ، أَوْ فَتْحَ الْمَاءَ، وَحَلَّقَ الثَّوْبَ فِي الْهَوَاءِ.

٣٧٬١١٩

وَالثَّانِي: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَكُنْ آلَةً لِلْإِخْرَاجِ، وَإِنَّمَا خَرَجَ الْمَتَاعُ بِسَبَبٍ حَادِثٍ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ، وَالْبَهِيمَةُ لَهَا اخْتِيَارٌ لِنَفْسِهَا.

٣٧٬١٢٠

[فَصْلٌ أَخْرَجَ الْمَتَاعَ مِنْ بَيْتٍ فِي الدَّارِ أَوْ الْخَانِ إلَى الصَّحْنِ] (٧٢٧٠) فَصْلٌ: وَإِذَا أَخْرَجَ الْمَتَاعَ مِنْ بَيْتٍ فِي الدَّارِ، أَوْ الْخَانِ إلَى الصَّحْنِ،

٣٧٬١٢١

فَإِنْ كَانَ بَابُ الْبَيْتِ مُغْلَقًا، فَفَتَحَهُ أَوْ نَقَبَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْمَتَاعَ مِنْ الْحِرْزِ،

٣٧٬١٢٢

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُغْلَقًا، فَمَا أَخْرَجَهُ مِنْ الْحِرْزِ. وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَخْرَجَ الْمَتَاعَ مِنْ الْبَيْتِ إلَى الدَّارِ، يُقْطَعُ. وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الصُّورَةِ الْأُولَى. [فَصْلٌ الطَّرَّارُ سِرًّا يُقْطَعُ وَإِنْ اخْتَلَسَ لَمْ يُقْطَعْ] (٧٢٧١) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ الطَّرَّارُ سِرًّا يُقْطَعُ،

٣٧٬١٢٣

وَإِنْ اخْتَلَسَ لَمْ يُقْطَعْ. وَمَعْنَى الطَّرَّارِ: الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ جَيْبِ الرَّجُلِ أَوْ كُمِّهِ، أَوْ صُفْنِهِ، وَسَوَاءٌ بَطَّ مَا أَخَذَ مِنْهُ الْمَسْرُوقَ، أَوْ قَطَعَ الصُّفْنَ فَأَخَذَهُ، أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْجَيْبِ فَأَخَذَ مَا فِيهِ،

٣٧٬١٢٤

فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَطْعَ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الَّذِي يَأْخُذُ مِنْ جَيْبِ الرَّجُلِ وَكُمِّهِ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ. فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ.

٣٧٬١٢٥

[فَصْلٌ دَخَلَ السَّارِقُ حِرْزًا فَاحْتَلَبَ لَبَنًا مِنْ مَاشِيَةٍ وَأَخْرَجَهُ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ] (٧٢٧٢) فَصْلٌ: وَإِذَا دَخَلَ السَّارِقُ حِرْزًا، فَاحْتَلَبَ لَبَنًا مِنْ مَاشِيَةٍ، وَأَخْرَجَهُ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ. بِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.

٣٧٬١٢٦

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَشْيَاءِ الرَّطْبَةِ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي هَذَا.

٣٧٬١٢٧

وَإِنْ شَرِبَهُ فِي الْحِرْزِ، أَوْ شَرِبَ مِنْهُ مَا يُنْقِصُ النِّصَابَ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْ مِنْ الْحِرْزِ نِصَابًا.

٣٧٬١٢٨

وَإِنْ ذَبَحَ الشَّاةَ فِي الْحِرْزِ، أَوْ شَقَّ الثَّوْبَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا، وَقِيمَتُهُمَا بَعْدَ الشَّقِّ وَالذَّبْحِ نِصَابٌ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.

٣٧٬١٢٩

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِي الشَّاةِ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ لَا يُقْطَعُ عِنْدَهُ بِسَرِقَتِهِ، وَالثَّوْبُ إنْ شُقَّ أَكْثَرُهُ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ جَمِيعِهِ، فَيَكُونَ قَدْ أَخْرَجَهُ وَهُوَ مِلْكٌ لَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْأُصُولِ.

٣٧٬١٣٠

وَإِنْ دَخَلَ الْحِرْزَ فَابْتَلَعَ جَوْهَرَةً وَخَرَجَ، فَلَمْ تَخْرُجْ؛ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا فِي الْحِرْزِ،

٣٧٬١٣١

وَإِنْ خَرَجَتْ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهَا فِي وِعَائِهَا، فَأَشْبَهَ إخْرَاجَهَا فِي كُمِّهِ.

٣٧٬١٣٢

وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَهَا بِالْبَلْعِ، فَكَانَ إتْلَافًا لَهَا؛ وَلِأَنَّهُ مُلْجَأٌ إلَى إخْرَاجِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ بِدُونِهَا.

٣٧٬١٣٣

وَإِنْ تَطَيَّبَ فِي الْحِرْزِ بِطِيبٍ، وَخَرَجَ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْ الطِّيبِ، مَا إذَا جُمِعَ كَانَ نِصَابًا، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَجْتَمِعُ قَدْ أَتْلَفَهُ بِاسْتِعْمَالِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ الطَّعَامَ،

٣٧٬١٣٤

وَإِنْ كَانَ يَبْلُغُ نِصَابًا، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ نِصَابًا. وَذُكِرَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، فِيمَا إذَا كَانَ مَا تَطَيَّبَ بِهِ يَبْلُغُ نِصَابًا، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ وَإِنْ نَقَصَ مَا يَجْتَمِعُ عَنْ النِّصَابِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ نِصَابًا. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.

٣٧٬١٣٥

وَإِنْ جَرَّ خَشَبَةً فَأَلْقَاهَا بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ بَعْضَهَا مِنْ الْحِرْزِ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ خَرَجَ مِنْهَا مَا يُسَاوِي نِصَابًا أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ بَعْضَهَا لَا يَنْفَرِدُ عَنْ بَعْضٍ.

٣٧٬١٣٦

وَكَذَلِكَ لَوْ أَمْسَكَ الْغَاصِبُ طَرَفَ عِمَامَتِهِ، وَالطَّرَفُ الْآخَرُ فِي يَدِ مَالِكِهَا، لَمْ يَضْمَنْهَا.

٣٧٬١٣٧

وَكَذَلِكَ إذَا سَرَقَ ثَوْبًا أَوْ عِمَامَةً فَأَخْرَجَ بَعْضَهُمَا.

٣٧٬١٣٨

[فَصْلٌ نَقَبَ الْحِرْزَ ثُمَّ دَخَلَ فَأَخْرَجَ مَا دُونَ النِّصَابِ ثُمَّ دَخَلَ فَأَخْرَجَ مَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ] (٧٢٧٣) فَصْلٌ: وَإِذَا نَقَبَ الْحِرْزَ، ثُمَّ دَخَلَ فَأَخْرَجَ مَا دُونَ النِّصَابِ، ثُمَّ دَخَلَ فَأَخْرَجَ مَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ، نَظَرْت؛

٣٧٬١٣٩

فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ، أَوْ لَيْلَتَيْنِ، لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا سَرِقَةٌ مُفْرَدَةٌ لَا تَبْلُغُ نِصَابًا.

٣٧٬١٤٠

وَكَذَلِكَ إنْ كَانَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَبَيْنَهُمَا مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ.

٣٧٬١٤١

وَإِنْ تَقَارَبَا، وَجَبَ قَطْعُهُ؛ لِأَنَّهَا سَرِقَةٌ وَاحِدَةٌ،

٣٧٬١٤٢

وَإِذَا بُنِيَ فِعْلُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى فِعْلِ شَرِيكِهِ، فَبِنَاءُ فِعْلِ الْوَاحِدِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ أَوْلَى.

الشَّرْطُ الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ وَالسَّابِعُ: كَوْنُ السَّارِقِ مُكَلَّفًا، وَثَبَتَتْ السَّرِقَةُ، وَيُطَالِبُ بِهَا الْمَالِكُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْتَفِي الشُّبُهَاتُ. وَيُذْكَرُ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ.

[مَسْأَلَةٌ كَانَ الْمَسْرُوقُ ثَمَرًا أَوْ كَثَرًا] (٧٢٧٤) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ ثَمَرًا أَوْ كَثَرًا، فَلَا قَطْعَ فِيهِ) يَعْنِي بِهِ الثَّمَرَ فِي الْبُسْتَانِ قَبْلَ إدْخَالِهِ الْحِرْزَ، فَهَذَا لَا قَطْعَ فِيهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.

كَذَلِكَ الْكَثَرُ الْمَأْخُوذُ مِنْ النَّخْلِ، وَهُوَ جُمَّارُ النَّخْلِ. رُوِيَ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.

٣٧٬١٤٣

وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إنْ كَانَ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ بُسْتَانٍ مُحْرَزٍ، فَفِيهِ الْقَطْعُ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إنْ لَمْ يَصِحَّ خَبَرُ رَافِعٍ. قَالَ: وَلَا أَحْسَبُهُ ثَابِتًا. وَاحْتَجَّا بِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَبِقِيَاسِهِ عَلَى سَائِرِ الْمُحْرَزَاتِ.

وَلَنَا مَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ: مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ» .

وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّ الْبُسْتَانَ لَيْسَ بِحِرْزٍ لِغَيْرِ الثَّمَرِ، فَلَا يَكُونُ حِرْزًا لَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَحُوطًا،

٣٧٬١٤٤

فَأَمَّا إنْ كَانَتْ نَخْلَةٌ أَوْ شَجَرَةٌ فِي دَارٍ مُحْرِزَةٍ، فَسَرَقَ مِنْهَا نِصَابًا، فَفِيهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.

٣٧٬١٤٥

[فَصْلٌ سَرَقَ مِنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ] (٧٢٧٥) فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ مِنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ. وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ؛ لِلْخَبَرِ الْمَذْكُورِ.

٣٧٬١٤٦

وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ سَبَبًا يَدْفَعُهُ.

٣٧٬١٤٧

وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: لَا يَجِبُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ مِثْلِهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِوُجُوبِ غَرَامَةِ مِثْلَيْهِ. وَاعْتَذَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَنْ هَذَا الْخَبَرِ، بِأَنَّهُ كَانَ حِينَ كَانَتْ الْعُقُوبَةُ فِي الْأَمْوَالِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ.

وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ حُجَّةٌ لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ، إلَّا بِمُعَارَضَةِ مِثْلِهِ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ، وَهَذَا الَّذِي اعْتَذَرَ بِهِ هَذَا الْقَائِلُ دَعْوَى لِلْفَسْخِ بِالِاحْتِمَالِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ فَاسِدٌ بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ هُوَ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ؛ لِقَوْلِهِ:"

٣٧٬١٤٨

وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ ". فَقَدْ بَيَّنَ وُجُوبَ الْقَطْعِ مَعَ إيجَابِ غَرَامَةِ مِثْلَيْهِ، وَهَذَا يُبْطِلُ مَا قَالَهُ. وَقَدْ احْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ عُمَرَ أَغْرَمَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ حِينَ انْتَحَرَ غِلْمَانُهُ نَاقَةَ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، مِثْلَيْ قِيمَتِهَا.

٣٧٬١٤٩

وَرَوَى الْأَثْرَمُ الْحَدِيثَيْنِ فِي " سُنَنِهِ "، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَفِي الْمَاشِيَةِ تُسْرَقُ مِنْ الْمَرْعَى، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مُحْرَزَةً، مِثْلَا قِيمَتِهَا؛ لِلْحَدِيثِ، وَهُوَ مَا جَاءَ فِي سِيَاقِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، «أَنَّ السَّائِلَ قَالَ: الشَّاةُ الْحَرِيسَةُ مِنْهُنَّ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: ثَمَنُهَا وَمِثْلُهُ مَعَهُ، وَالْفِكَاكُ، وَمَا كَانَ فِي الْمُرَاحِ، فَفِيهِ الْقَطْعُ إذَا كَانَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ» . وَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ. وَمَا عَدَا هَذَيْنِ لَا يُغْرَمُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ مِثْلِهِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا.

هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ، إلَّا أَبَا بَكْرٍ. فَإِنَّهُ ذَهَبَ إلَى إيجَابِ غَرَامَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ بِمِثْلَيْهِ، قِيَاسًا عَلَى الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ وَحَرِيسَةِ الْجَبَلِ، وَاسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ حَاطِبٍ.

وَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ غَرَامَةِ الْمِثْلِيِّ بِمِثْلِهِ، وَالْمُتَقَوَّمِ بِقِيمَتِهِ بِدَلِيلِ الْمُتْلَفِ وَالْمَغْصُوبِ، وَالْمُنْتَهَبِ وَالْمُخْتَلَسِ، وَسَائِرِ مَا تَجِبُ غَرَامَتُهُ، خُولِفَ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ لِلْأَثَرِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.