ولا يقطع وإن اعترف بالسرقة أو قامت بينة، حتى يأتي مالك المسروق فيدعيه.
الشروح عليها
قال: ولا يقطع وإن اعترف بالسرقة أو قامت بينة، حتى يأتي مالك المسروق فيدعيه. ش: هذا المذهب المختار للخرقي، والقاضي وأصحابه، لأن المال مما يباح بالبذل، فيحتمل أن مالكه أباحه له، أو وقفه على طائفة السارق منهم، أو أذن له في دخول حرزه ونحو ذلك، فاعتبرت المطالبة لتزول الشبهة، ويرشح هذا ما تقدم في المسألة قبل،
وقال أبو بكر في الخلاف: لا تشترط المطالبة، وهو قوي، عملا بإطلاق الآية الكريمة، وعامة الأحاديث، فإنه ليس في شيء منها اشتراط المطالبة ولا ذكرها،
ولو اشترطت لبين ذلك وذكرها، وإلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، والإخلال بما الحكم متوقف عليه، وإنه لا يجوز.
(تنبيه) : وهل يفتقر إلى المطالبة في القطع بالكفن كسائر المسروقات، ويكون المطالب ورثة الميت، أو لا يفتقر، لأن الطلب شرع لاحتمال كون المسروق مملوكا للسارق. وقد يئس من ذلك هنا؟ فيه احتمالان، أظهرهما الثاني. والله أعلم. [
[مَسْأَلَةٌ هَلْ تُشْتَرَطُ الْمُطَالَبَةُ مِنْ مَالِكِ الْمَسْرُوقِ حَتَّى يُقَامَ حَدُّ الْقَطْعِ] (٧٣١٨) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُقْطَعُ وَإِنْ اعْتَرَفَ أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ، حَتَّى يَأْتِيَ مَالِكُ الْمَسْرُوقِ يَدَّعِيهِ) وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ،
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُقْطَعُ، وَلَا يُفْتَقَرُ إلَى دَعْوَى وَلَا مُطَالَبَةٍ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّ مُوجِبَ الْقَطْعِ ثَبَتَ، فَوَجَبَ مِنْ غَيْرِ مُطَالَبَةٍ، كَحَدِّ الزِّنَا. وَلَنَا أَنَّ الْمَالَ يُبَاحُ بِالْبَذْلِ وَالْإِبَاحَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَالِكَهُ أَبَاحَهُ إيَّاهُ، أَوْ وَقَفَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ عَلَى طَائِفَةٍ السَّارِقُ مِنْهُمْ، أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي دُخُولِ حِرْزِهِ، فَاعْتُبِرَتْ الْمُطَالَبَةُ لِتَزُولَ هَذِهِ الشُّبْهَةُ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ الزِّنَا، فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ؛ وَلِأَنَّ الْقَطْعَ أَوْسَعُ فِي الْإِسْقَاطِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا سَرَقَ مَالَ أَبِيهِ لَمْ يُقْطَعْ،
وَلَوْ زَنَى بِجَارِيَتِهِ حُدَّ؟ وَلِأَنَّ الْقَطْعَ شُرِعَ لِصِيَانَةِ مَالِ الْآدَمِيِّ، فَلَهُ بِهِ تَعَلُّقٌ، فَلَمْ يُسْتَوْفَ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ مُطَالِبٍ بِهِ، وَالزِّنَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى مَحْضٌ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى طَلَبٍ بِهِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا،
فَإِنَّ وَكِيلَ الْمَالِكِ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الطَّلَبِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا أَقَرَّ بِسَرِقَةِ مَالٍ غَائِبٍ، حُبِسَ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَبَاحَهُ،
وَلَوْ أَقَرَّ بِحَقٍّ مُطْلَقٍ لِغَائِبٍ لَمْ يُحْبَسْ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ عَلَيْهِ لِغَيْرِ الْغَائِبِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِحَبْسِهِ، فَلَمْ يُحْبَسْ،
وَفِي مَسْأَلَتِنَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَقُّ الْآدَمِيِّ، فَحُبِسَ؛ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى،
فَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ، أَخَذَهَا الْحَاكِمُ، وَحَفِظَهَا لِلْغَائِبِ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ،
فَإِذَا جَاءَ الْغَائِبُ كَانَ الْخَصْمَ فِيهَا.
[فَصْلٌ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ مِنْ رَجُلٍ فَقَالَ الْمَالِكُ: لَمْ تَسْرِقْ مِنِّي وَلَكِنْ غَصَبْتنِي] (٧٣١٩) فَصْلٌ: وَلَوْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ مِنْ رَجُلٍ، فَقَالَ الْمَالِكُ: لَمْ تَسْرِقْ مِنِّي، وَلَكِنْ غَصَبْتنِي. أَوْ كَانَ لِي قِبَلَك وَدِيعَةٌ فَجَحَدْتنِي. لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَمْ يُوَافِقْ دَعْوَى الْمُدَّعِي. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ رَجُلَيْنِ، فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، أَوْ قَالَ الْآخَرُ: بَلْ غَصَبْتنِيهِ أَوْ جَحَدْتنِيهِ، لَمْ يُقْطَعْ. وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إذَا قَالَ الْآخَرُ: غَصَبْتنِيهِ أَوْ جَحَدْتنِيهِ. قُطِعَ. وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يُوَافِقْ عَلَى سَرِقَةِ نِصَابٍ، فَلَمْ يُقْطَعْ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا،
وَإِنْ وَافَقَاهُ جَمِيعًا، قُطِعَ. وَإِنْ حَضَرَ أَحَدُهُمَا، فَطَالَبَ، وَلَمْ يَحْضُرْ الْآخَرُ، لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ مَا حَصَلَتْ الْمُطَالَبَةُ بِهِ لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِمُفْرَدِهِ.
وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ رَجُلٍ شَيْئًا، فَقَالَ الرَّجُلُ: قَدْ فَقَدْتُهُ مِنْ مَالِي. فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ سَمُرَةَ بْنِ حَبِيبٍ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ «، جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي سَرَقْت جَمَلًا لِبَنِي فُلَانٍ فَطَهِّرْنِي. فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَيْهِمْ، فَقَالُوا: إنَّا افْتَقَدْنَا جَمَلًا لَنَا. فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُطِعَتْ يَدُهُ. قَالَ ثَعْلَبَةُ: أَنَا أَنْظُرُ إلَيْهِ حِينَ وَقَعَتْ يَدُهُ، وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي طَهَّرَنِي مِنْك، أَرَدْت أَنْ تُدْخِلِي جَسَدِي النَّارَ» . أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
[فَصْلٌ ثَبَتَتْ سَرِقَتُهُ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ فَأَنْكَرَ] (٧٣٢٠) فَصْلٌ: وَمَنْ ثَبَتَتْ سَرِقَتُهُ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ، فَأَنْكَرَ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إنْكَارِهِ.
وَإِنْ قَالَ: أَحْلِفُوهُ لِي أَنِّي سَرَقْت مِنْهُ. لَمْ يُحْلَفْ؛ لِأَنَّ السَّرِقَةَ قَدْ ثَبَتَتْ بِالْبَيِّنَةِ،
وَفِي إحْلَافِهِ عَلَيْهَا قَدْحٌ فِي الشَّهَادَةِ.
وَإِنْ قَالَ: الَّذِي أَخَذْتُهُ مِلْكٌ لِي، كَانَ لِي عِنْدَهُ وَدِيعَةً، أَوْ رَهْنًا، أَوْ ابْتَعْتُهُ مِنْهُ، أَوْ وَهَبَهُ لِي، أَوْ أَذِنَ لِي فِي أَخْذِهِ، أَوْ غَصَبَهُ مِنِّي، أَوْ مِنْ أَبِي، أَوْ بَعْضُهُ لِي. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ ثَبَتَتْ لَهُ،
فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَتْ دَعْوَى السَّارِقِ، وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ مَا قَالَ، وَلِهَذَا أَحْلَفْنَا الْمَسْرُوقَ مِنْهُ،
وَإِنْ نَكَلَ، قَضَيْنَا عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ. وَهَذِهِ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الْقَطْعِ بِدَعْوَاهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَجِبَ قَطْعُ سَارِقٍ، فَتَفُوتَ مَصْلَحَةُ الزَّجْرِ.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أَنَّهُ إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ قُطِعَ؛ لِأَنَّهُ يُعْلَمُ كَذِبُهُ، وَإِلَّا سَقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَإِفْضَاؤُهُ إلَى سُقُوطِ الْقَطْعِ لَا يَمْتَنِعُ اعْتِبَارُهُ، كَمَا أَنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ فِي شَهَادَةِ الزِّنَا شُرُوطًا لَا يَقَعُ مَعَهَا إقَامَةُ حَدٍّ بِبَيِّنَةٍ أَبَدًا، عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَيْهِ لَازِمًا،
فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنْ السُّرَّاقِ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ هَذَا، وَلَا يَهْتَدُونَ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِعِلْمِ هَذَا الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ لَا يَسْرِقُونَ غَالِبًا.
وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ، قُضِيَ عَلَيْهِ، وَسَقَطَ الْحَدُّ، وَجْهًا وَاحِدًا. [كِتَابُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ] ِ الْأَصْلُ فِي حُكْمِهِمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} . وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، نَزَلَتْ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُرْتَدِّينَ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا قِصَّةُ الْعُرَنِيِّينَ، وَكَانُوا ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ، وَقَتَلُوا الرُّعَاةَ، فَاسْتَاقُوا إبِلَ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ جَاءَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، وَأَلْقَاهُمْ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا. قَالَ أَنَسٌ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ} الْآيَةَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ. وَلِأَنَّ مُحَارَبَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ الْكُفَّارِ لَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} . وَالْكُفَّارُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ، كَمَا تُقْبَلُ قَبْلَهَا، وَيَسْقُطُ عَنْهُمْ الْقَتْلُ وَالْقَطْعُ فِي كُلِّ حَالٍ، وَالْمُحَارَبَةُ قَدْ تَكُونُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} (٧٣٢١) مَسْأَلَةٌ:
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.