وإذا رمى صيدا فأبان منه عضوا لم يأكل ما أبان منه، وأكل ما سواه في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ - والرواية الأخرى: يأكله وما أبان منه.
الشروح عليها
قال: وإذا رمى صيدا فأبان منه عضوا لم يأكل ما أبان منه، وأكل ما سواه في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ - والرواية الأخرى: يأكله وما أبان منه. ش: محل هذا الخلاف فيما إذا أبان منه عضوا وبقيت فيه حياة غير مستقرة، وقد أشار الخرقي إلى ذلك بقوله: وأكل ما سواه. وإنما يأكل ما سواه إذا مات في الحال، وذلك إذا كانت الحياة فيه غير مستقرة،
أما لو ضربه فقطع رأسه، أو قطعه نصفين،
فإن هذا يحل بلا نزاع، إذ هذا ذكاة،
ولو أبان منه عضوا وبقيت فيه حياة معتبرة فإنه لا يحل ما بان منه بلا نزاع.
٣٥٢٠ - لانطباق قوله: - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ما أبين من حي فهو ميت» ، عليه، اللهم إلا أن يكون مما يحل ميتته كالسمك والجراد، فإنه يحل ما بان منه، إذ غاية المبان أنه ميتة، وميتة هذا حلال.
إذا تقرر هذا (فوجه الرواية الأولى) قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما أبين من حي فهو ميت» . وهذا يصدق عليه أنه أبين من حي فيكون ميتا، (ووجه الثانية) - وهي المشهورة، والمختارة لعامة الأصحاب، أبي بكر والقاضي والشريف، وأبي الخطاب والشيرازي، وابن عقيل وابن البنا - أن ما كان ذكاة لبعض الحيوان كان ذكاة لجمعيه.
والخبر نقول بموجبه، إذ هذا ما أبين من حي، إنما أبين ممن هو في حكم الميت، وقد أشار أحمد إلى ذلك فقال: إنما حديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ما قطعت من الحي ميتة» ، إذا قطعت وهي حية تمشي وتذهب،
أما إذا كانت البينونة والموت جميعا، أو بعده بقليل فلا بأس به، ألا ترى الذي يذبح ربما مكث ساعة، وربما مشى حتى يموت، اهـ.
وقول الخرقي: أبان منه عضوا، ظاهره أنه لو بقي معلقا بجلده حل بحل الصيد بلا خلاف، وهو كذلك، صرح به أبو الخطاب، وغيره، والله أعلم.
[نصب المناجل للصيد]
قال - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وكذلك إذا نصب المناجل للصيد. ش: يعني أنه يباح الصيد المقتول بها،
وأن ما أبين منه هل يحل أم لا؟ على الخلاف والتفصيل السابق.
٣٥٢١ - وذلك لدخوله في عموم: «كل ما ردت عليك يدك» ، ولأنه قتل الصيد بحديدة، على الوجه المعتاد، أشبه ما لو رماه بها، وحكم السكاكين حكم المناجل، ولا بد أن يلحظ أن شرائط الصيد موجودة في الناصب، كأن يكون أهلا للذكاة ويسمي.
بقي: هل يشترط أن يرى الصيد كما في السهم والكلب؟ لم أر من صرح بذلك، بل ربما كلامهم يوهم عدم ذلك، والله أعلم.
[حكم الصيد بالمعراض]
[مَسْأَلَةٌ رَمَى صَيْدًا فَأَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا] (٧٧٢٦) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا رَمَى صَيْدًا، فَأَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا، لَمْ يُؤْكَلْ مَا أَبَانَ مِنْهُ وَيُؤْكَلُ مَا سِوَاهُ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى يَأْكُلُهُ وَمَا أَبَانَ مِنْهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا رَمَى صَيْدًا، أَوْ ضَرَبَهُ، فَبَانَ بَعْضُهُ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَحْوَالٍ ثَلَاثَةٍ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَقْطَعَهُ قِطْعَتَيْنِ، أَوْ يَقْطَعَ رَأْسَهُ، فَهَذَا جَمِيعُهُ حَلَالٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْقِطْعَتَانِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ أَوْ مُتَفَاوِتَتَيْنِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ،
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَتَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ، أَوْ الَّتِي مَعَ الرَّأْسِ أَقَلَّ، حَلَّتَا،
وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى أَقَلَّ، لَمْ يَحِلَّ، وَحَلَّ الرَّأْسُ وَمَا مَعَهُ، لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ» . وَلَنَا، أَنَّهُ جُزْءٌ لَا تَبْقَى فِيهِ الْحَيَاةُ مَعَ فَقْدِهِ، فَأُبِيحَ، كَمَا لَوْ تَسَاوَتْ الْقِطْعَتَانِ.
الْحَالُ الثَّانِي، أَنْ يَبِينَ مِنْهُ عُضْوٌ، وَتَبْقَى فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فَالْبَائِنُ مُحَرَّمٌ بِكُلِّ حَالٍ، سَوَاءٌ بَقِيَ الْحَيَوَانُ حَيًّا، أَوْ أَدْرَكَهُ فَذَكَّاهُ، أَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ آخَرَ فَقَتَلَهُ، إلَّا أَنَّهُ إنْ ذَكَّاهُ حَلَّ بِكُلِّ حَالٍ دُونَ مَا أَبَانَ مِنْهُ.
وَإِنْ ضَرَبَهُ فِي غَيْرِ مَذْبَحِهِ فَقَتَلَهُ، نَظَرْت؛
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَثْبَتَهُ بِالضَّرْبَةِ الْأُولَى حَلَّ، دُونَ مَا أَبَانَ مِنْهُ،
وَإِنْ كَانَ أَثْبَتَهُ، لَمْ يَحِلَّ شَيْءٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ذَكَاةَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ، أَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا، وَلَمْ تَبْقَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فَهَذِهِ الَّتِي ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ؛ أَشْهَرُهُمَا عَنْ أَحْمَدَ، إبَاحَتُهُمَا. قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا قَطَعْت مِنْ الْحَيِّ مَيْتَةٌ. إذَا قُطِعَتْ وَهِيَ حَيَّةٌ، تَمْشِي وَتَذْهَبُ» .
أَمَّا إذَا كَانَتْ الْبَيْنُونَةُ وَالْمَوْتُ جَمِيعًا، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، إذَا كَانَ فِي عِلَاجِ الْمَوْتِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، أَلَا تَرَى الَّذِي يُذْبَحُ رُبَّمَا مَكَثَ سَاعَةً، وَرُبَّمَا مَشَى حَتَّى يَمُوتَ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَعِكْرِمَةُ: إنْ وَقَعَا مَعًا أَكَلَهُمَا،
وَإِنْ مَشَى بَعْدَ قَطْعِ الْعُضْوِ أَكَلَهُ، وَلَمْ يَأْكُلْ الْعُضْوَ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يُبَاحُ مَا بَانَ مِنْهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ» .
وَلِأَنَّ هَذِهِ الْبَيْنُونَةَ لَا تَمْنَعُ بَقَاءَ الْحَيَوَانِ فِي الْعَادَةِ، فَلَمْ يُبَحْ أَكْلُ الْبَائِنِ، كَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ الصَّيَّادُ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ. وَالْأُولَى الْمَشْهُورَةُ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ ذَكَاةً لِبَعْضِ الْحَيَوَانِ، كَانَ ذَكَاةً لِجَمِيعِهِ، كَمَا لَوْ قَدَّهُ نِصْفَيْنِ، وَالْخَبَرُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي حَيًّا، حَتَّى يَكُونَ الْمُنْفَصِلُ مِنْهُ مَيِّتًا،
وَكَذَا نَقُولُ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فَإِنْ بَقِيَ مُعَلَّقًا بِجِلْدِهِ، حَلَّ رِوَايَةً وَاحِدَةً.
[فَصْلٌ حُكْم الطَّرِيدَةِ فِي الصَّيْد] (٧٧٢٧) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ الْحَسَنِ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالطَّرِيدَةِ بَأْسًا، كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي مَغَازِيهِمْ، وَمَا زَالَ النَّاسُ يَفْعَلُونَهُ فِي مَغَازِيهِمْ. وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: وَالطَّرِيدَةُ الصَّيْدُ يَقَعُ بَيْنَ الْقَوْمِ، فَيَقْطَعُ ذَا مِنْهُ بِسَيْفِهِ قِطْعَةً، وَيَقْطَعُ الْآخَرُ أَيْضًا، حَتَّى يُؤْتَى عَلَيْهِ وَهُوَ حَيٌّ. قَالَ: وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي إلَّا أَنَّ الصَّيْدَ يَقَعُ بَيْنَهُمْ، لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَكَاتِهِ، فَيَأْخُذُونَهُ قِطَعًا.
[مَسْأَلَةٌ نَصَبَ الْمَنَاجِلَ لِلصَّيْدِ] (٧٧٢٨) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَكَذَلِكَ إذَا نَصَبَ الْمَنَاجِلَ لِلصَّيْدِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا نَصَبَ الْمَنَاجِلَ لِلصَّيْدِ، فَعَقَرَتْ صَيْدًا، أَوْ قَتَلَتْهُ، حَلَّ.
فَإِنْ بَانَ مِنْهُ عُضْوٌ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَائِنِ بِضَرْبَةِ الصَّائِدِ. رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُبَاحُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذَكِّهِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا قَتَلْت الْمَنَاجِلُ بِنَفْسِهَا، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الصَّائِدِ إلَّا السَّبَبُ، فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى مَنْ نَصَبَ سِكِّينًا، فَذَبَحَتْ شَاةً، وَلِأَنَّهُ لَوْ رَمَى سَهْمًا وَهُوَ لَا يَرَى صَيْدًا، فَقَتَلَ صَيْدًا، لَمْ يَحِلَّ، فَهَذَا أَوْلَى.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْك يَدُك» . وَلِأَنَّهُ قَتَلَ الصَّيْدَ بِحَدِيدَةٍ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَمَاهُ بِهَا، وَلِأَنَّهُ قَصَدَ قَتْلَ الصَّيْدِ بِمَا لَهُ حَدٌّ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالصَّيْدِ بِهِ، أَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا، وَالسَّبَبُ جَرَى مَجْرَى الْمُبَاشَرَةِ فِي الضَّمَانِ، فَكَذَلِكَ فِي إبَاحَةِ الصَّيْدِ، وَفَارَقَ مَا إذَا نَصَبَ سِكِّينًا؛
فَإِنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِالصَّيْدِ بِهَا،
وَإِذَا رَمَى سَهْمًا، وَلَمْ يَرَ صَيْدًا، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُعْتَادٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُ صَيْدًا، فَلَمْ يَصِحَّ قَصْدُهُ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ.
[فَصْلٌ مَا قَتَلَتْهُ الشَّبَكَةُ أَوْ الْحَبْلُ فِي الصَّيْد] (٧٧٢٩) فَصْلٌ: فَأَمَّا مَا قَتَلَتْهُ الشَّبَكَةُ أَوْ الْحَبْلُ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إلَّا عَنْ الْحَسَنِ، أَنَّهُ يُبَاحُ مَا قَتَلَهُ الْحَبْلُ إذَا سَمَّى، فَدَخَلَ فِيهِ وَجَرَحَهُ. وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ، يُخَالِفُ عَوَامَّ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِمَا لَيْسَ لَهُ حَدٌّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ بِالْبُنْدُقِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.