فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: وإذا رمى صيدا فعقره، ورماه آخر فأثبته، ورماه آخر فقتله، لم يؤكل.

٦٬٨٦٣

ش: أما عقر الأول فلم يؤثر في الصيد ملكا لعدم إثباته له،

٦٬٨٦٤

وأما رمي الثاني فإنه ملكه بإثباته، لأنه أزال امتناعه،

٦٬٨٦٥

وإذا تتعين ذكاته للقدرة عليه، فلما رماه الثالث فقتله لم يؤكل، لأن ذكاته بذبحه أو نحره، ولم يوجد واحد منهما.

وكلام الخرقي محمول على أن من أثبته لم يوحه، ولذلك نسب القتل إلى الثالث، وعلى أن الثالث لم يذبحه، ولذلك أتى بلفظ القتل في حقه،

٦٬٨٦٦

أما إن كان المثبت له جرحه موحيا، وجرح الثالث غير موح فإنه يحل بلا ريب، لأنه قد صار بالجرح الأول في حكم المذبوح، فلم يؤثر الثاني شيئا،

٦٬٨٦٧

وكذلك إن كان جرح الثالث موحيا لذلك.

وخرج التحريم من قول الخرقي فيمن ذبح فأتى على المقاتل، فلم تخرج الروح حتى وقعت في ماء، أو وطئ عليها شيء لم تؤكل. وقوله أيضا - فيما إذا رماه فوقع في ماء أو تردى من جبل - لم يؤكل،

٦٬٨٦٨

وأما إن كان الثالث أصاب مذبحه فإنه يحل، لمصادفته محل الذبح، نعم إن قيل أن من ذبح ملك الغير لا يحل، فكذلك ها هنا. قال: وكان لمن أثبته القيمة مجروحا على من قتله. ش: قد علم من هذا أن العاقر له لا شيء له، لأنه لم يثبت له فيه حق، لبقائه على امتناعه، ولا عليه، لأنه حين ضربه كان مباحا،

٦٬٨٦٩

أما من أثبته فله القيمة على قاتله، لأنه ملكه بالإثبات لإزالته امتناعه، فالثالث قتل حيوانا مملوكا لغيره، فيكون عليه الضمان.

وقد تقدم أن مسألة الخرقي فيما إذا كان المثبت له لم يوحه،

٦٬٨٧٠

وأن القاتل لم يذبحه. ولنبين ذلك إن شاء الله تعالى بيانا شافيا فنقول: المثبت إن أوحاه فلا شيء على الثالث إلا قيمة ما خرق من جلده، لأنه هو الذي فوته على المثبت،

٦٬٨٧١

وإن كان المثبت لم يوحه فلا يخلو،

٦٬٨٧٢

إما أن يكون الثالث ذبحه برميته أو لا.

٦٬٨٧٣

فإن كان قد ذبحه بها فقال الشيخان في مختصريهما: لا شيء عليه أيضا إلا قيمة ما خرق من جلده.

٦٬٨٧٤

وقال في المغني: عليه أرش ذبحه، كما لو ذبح شاة لغيره، وهذا أصوب في النظر،

٦٬٨٧٥

فإن الفرض أن المثبت لم يوحه،

٦٬٨٧٦

فلو ترك لعاش، فالثالث فوت حياته، فيكون عليه أرش ذلك، وهو تفاوت ما بين قيمته مجروحا حيا بالجرح الأول، وبين قيمته مذبوحا.

٦٬٨٧٧

وإن لم يكن ذبحه برميته فلا يخلو

٦٬٨٧٨

إما أن يوحيه برميته أو لا،

٦٬٨٧٩

فإن أوحاه ضمن جميعه، لأنه حرمه على مالكه، وحال بينه وبينه،

٦٬٨٨٠

وكذلك إن لم يوحه ولم يدرك مالكه ذكاته،

٦٬٨٨١

أما إن أدرك مالكه ذكاته وذبحه أو تركه فعاش فلا شيء عليه الثالث إلا أرش جرحه.

٦٬٨٨٢

وإن تركه بلا ذكاة حتى مات بالجرح. (فقيل) : إن الثالث يضمن جميعه أيضا، نظرا إلى أنه مات من جرحين مباح ومحرم، فاختص الضمان بالمحرم.

٦٬٨٨٣

(وقيل) - وهو قول القاضي -: يضمن نصف قيمته مجروحا بالجرحين، مع أرش ما نقصه بجرحه، لأنه مات من الجرحين، ومالكه لما ترك ذكاته اختار موته، فتعلق الضمان بجرحه، ثم يجب على الثالث مع نصف القيمة أرش ما نقصه بجرحه، لانفراده إذا بالتعدي.

٦٬٨٨٤

(وقيل) - وهو اختيار أبي البركات - إن الثالث إنما يضمن نصف قيمته مجروحا بالجرح الأول لا غير، ويدخل أرش الجرح في بدل النفس، كما في الجناية على الآدمي، والله أعلم.

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَةٌ رَمَى صَيْدًا فَعَقَرَهُ وَرَمَاهُ آخَرُ فَأَثْبَتَهُ وَرَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ] (٧٧٣٢) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا رَمَى صَيْدًا فَعَقَرَهُ، وَرَمَاهُ آخَرُ فَأَثْبَتَهُ، وَرَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ، لَمْ يُؤْكَلْ، وَكَانَ لِمَنْ أَثْبَتَهُ الْقِيمَةُ مَجْرُوحًا عَلَى قَاتِلِهِ)

٣٩٬٣٦١

أَمَّا الَّذِي عَقَرَهُ وَلَمْ يُثْبِتْهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ ضَرَبَهُ كَانَ مُبَاحًا لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ فِيهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى امْتِنَاعِهِ،

٣٩٬٣٦٢

وَأَمَّا الَّذِي أَثْبَتَهُ فَقَدْ مَلَكَهُ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ امْتِنَاعَهُ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ إمْسَاكِهِ،

٣٩٬٣٦٣

فَإِذَا ضَرَبَهُ الثَّالِثُ فَقَتَلَهُ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ حَيَوَانًا مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ.

وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ جُرْحَ الْمُثْبَتِ لَيْسَ بِمُوحٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ نَسَبَ الْقَتْلَ إلَى الثَّالِثِ، وَيَضْمَنُهُ مَجْرُوحًا حِينَ الْجُرْحِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ وَهُمَا فِيهِ.

٣٩٬٣٦٤

فَأَمَّا إبَاحَتُهُ، فَيُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ أَصَابَ مَذْبَحَهُ حَلَّ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ مَحَلَّ الذَّبْحِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا أَرْشُ ذَبْحِهِ، كَمَا لَوْ ذَبَحَ شَاةً لِغَيْرِهِ،

٣٩٬٣٦٥

وَإِنْ كَانَ أَصَابَ غَيْرَ مَذْبَحِهِ لَمْ يَحِلَّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَثْبَتَهُ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ لَا يَحِلُّ إلَّا بِالذَّبْحِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ،

٣٩٬٣٦٦

فَإِذَا قَتَلَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ، كَمَا لَوْ قَتَلَ شَاةً.

وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ.

٣٩٬٣٦٧

[فَصْلٌ رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ فَأَصَابَهُ] (٧٧٣٣) فَصْلٌ: وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ، ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ فَأَصَابَهُ، لَمْ تَخْلُ رَمْيَةُ الْأَوَّلِ مِنْ قِسْمَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ تَكُونَ مُوحِيَةً، مِثْلُ أَنْ تَنْحَرَهُ، أَوْ تَذْبَحَهُ، أَوْ تَقَعَ فِي خَاصِرَتِهِ أَوْ قَلْبِهِ، فَيُنْظَرَ فِي رَمْيَةِ الثَّانِي،

٣٩٬٣٦٨

فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُوحِيَةٍ، فَهُوَ حَلَالٌ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الثَّانِي، إلَّا أَنْ يُنْقِصَهُ بِرَمْيِهِ شَيْئًا، فَيَضْمَنَ مَا نَقَصَهُ؛ لِأَنَّهُ بِالرَّمْيَةِ الْأُولَى صَارَ مَذْبُوحًا.

٣٩٬٣٦٩

وَإِنْ كَانَتْ رَمْيَةُ الثَّانِي مُوحِيَةً، فَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: يَحِلُّ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا، كَقَوْلِهِ فِي مَنْ ذَبَحَ، فَأَتَى عَلَى الْمَقَاتِلِ، فَلَمْ تَخْرُجْ الرُّوحُ حَتَّى وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ، أَوْ وَطِئَ عَلَيْهَا شَيْءٌ، لَمْ يُؤْكَلْ. الْقِسْمُ الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ جُرْحُ الْأَوَّلِ غَيْرَ مُوحٍ، فَيُنْظَرَ فِي رَمْيَةِ الثَّانِي،

٣٩٬٣٧٠

فَإِنْ كَانَتْ مُوحِيَةً، فَهُوَ مُحَرَّمٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ ذَبَحَتْهُ أَوْ نَحَرَتْهُ،

٣٩٬٣٧١

وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُوحِيَةٍ، فَلَهَا ثَلَاثُ صُوَرٍ؛ إحْدَاهَا، أَنَّهُ ذُكِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَحِلُّ.

وَالثَّانِيَةُ، لَمْ يُذَكَّ حَتَّى مَاتَ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جُرْحَيْنِ؛ مُبِيحٍ وَمُحَرِّمٍ، فَحَرُمَ، كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ جُرْحِ مُسْلِمٍ وَمَجُوسِيٍّ، وَعَلَى الثَّانِي ضَمَانُ جَمِيعِهِ؛ لِأَنَّ جُرْحَهُ هُوَ الَّذِي حَرَّمَهُ، فَكَانَ جَمِيعُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ. وَالثَّالِثَةُ، قَدَرَ عَلَى ذَكَاتِهِ فَلَمْ يُذَكِّهِ حَتَّى مَاتَ، حَرُمَ لِمَعْنَيَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ تَرَكَ ذَكَاتَهُ مَعَ إمْكَانِهَا.

٣٩٬٣٧٢

وَالثَّانِي، أَنَّهُ مَاتَ مِنْ جُرْحَيْنِ؛ مُبِيحٍ، وَمُحَرِّمٍ،

٣٩٬٣٧٣

وَيَلْزَمُ الثَّانِيَ الضَّمَانُ، وَفِي قَدْرِهِ احْتِمَالَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَضْمَنُ جَمِيعَهُ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.

قَالَ الْقَاضِي: هَذَا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ؛ لِإِيجَابِهِ الضَّمَانَ فِي مَسْأَلَتِهِ عَلَى الثَّالِثِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ. وَلَيْسَتْ هَذِهِ مَسْأَلَةُ الْخِرَقِيِّ لِقَوْلِهِ: ثُمَّ رَمَاهُ الثَّالِثُ فَقَتَلَهُ. فَتَعَيَّنَ حَمْلُهَا عَلَى أَنَّ جُرْحَ الثَّانِي كَانَ مُوحِيًا لَا غَيْرُ.

الِاحْتِمَالُ الثَّانِي، أَنْ يَضْمَنَ الثَّانِي بِقِسْطِ جُرْحِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إذَا تَرَكَ الذَّبْحَ مَعَ إمْكَانِهِ، صَارَ جُرْحُهُ حَاظِرًا أَيْضًا، بِدَلِيلِ مَا لَوْ انْفَرَدَ وَقَتَلَ الصَّيْدَ، فَيَكُونُ الضَّمَانُ مُنْقَسِمًا عَلَيْهِمَا، وَذَكَرَ الْقَاضِي، فِي قِسْمَتِهِ عَلَيْهِمَا، أَنَّهُ يُقَسِّطُ أَرْشَ جُرْحِ الْأَوَّلِ، وَعَلَى الثَّانِي أَرْشُ جِرَاحَتِهِ، ثُمَّ يُقْسَمُ مَا بَقِيَ مِنْ الْقِيمَةِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.

وَفَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي صَيْدٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، نَقَصَهُ جُرْحُ الْأَوَّلِ دِرْهَمًا، وَنَقَصَهُ جُرْحُ الثَّانِي دِرْهَمًا، فَعَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَيُقْسَمُ الْبَاقِي وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَيَكُونُ عَلَى الثَّانِي خَمْسَةُ دَرَاهِمَ؛ دِرْهَمٌ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَأَرْبَعَةٌ بِالسِّرَايَةِ، وَتَسْقُطُ حِصَّةُ الْأَوَّلِ وَهِيَ خَمْسَةٌ،

٣٩٬٣٧٤

وَإِنْ كَانَ أَرْشُ جُرْحِ الثَّانِي دِرْهَمَيْنِ، لَزِمَاهُ، وَيَلْزَمُهُ نِصْفُ السَّبْعَةِ الْبَاقِيَةِ، ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ، فَيَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ، وَتَسْقُطُ حِصَّةُ الْأَوَّلِ أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ.

٣٩٬٣٧٥

وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُمَا عَلَى حَيَوَانٍ مَمْلُوكٍ لِغَيْرِهِمَا، قُسِمَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا كَذَلِكَ. وَيَتَوَجَّهُ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الْجِنَايَتَيْنِ، مَعَ أَنَّ الثَّانِيَ جَنَى عَلَيْهِ وَقِيمَتُهُ دُونَ قِيمَتِهِ يَوْمَ جَنَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ أَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي بَدَلِ النَّفْسِ، كَمَا يَدْخُلُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْآدَمِيِّ.

وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا انْفَرَدَ بِإِتْلَافِ مَا قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ، وَتَسَاوَيَا فِي إتْلَافِ الْبَاقِي بِالسِّرَايَةِ، فَتَسَاوَيَا فِي الضَّمَانِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي بَدَلِ النَّفْسِ الَّتِي لَا يَنْقُصُ بَدَلُهَا بِإِتْلَافِ بَعْضِهَا، وَهُوَ الْآدَمِيُّ،

٣٩٬٣٧٦

أَمَّا الْبَهَائِمُ، فَإِنَّهُ إذَا جَنَى عَلَيْهَا جِنَايَةً أَرْشُهَا دِرْهَمٌ، نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ قِيمَتِهَا،

٣٩٬٣٧٧

فَإِذَا سَرَى إلَى النَّفْسِ، أَوْجَبْنَا مَا بَقِيَ مِنْ قِيمَةِ النَّفْسِ، وَلَمْ يَدْخُلْ الْأَرْشُ فِيهَا.

وَذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي قِسْمَةِ الضَّمَانِ طُرُقًا سِتَّةً؛ أَصَحُّهُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْأَوَّلَ أَتْلَفَ نِصْفَ نَفْسٍ قِيمَتُهَا عَشَرَةٌ، فَيَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ،

٣٩٬٣٧٨

وَالثَّانِي أَتْلَفَ نِصْفَ نَفْسٍ قِيمَتُهَا تِسْعَةٌ، فَيَلْزَمُهُ أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ، فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ تِسْعَةً وَنِصْفًا، وَهِيَ أَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ، لِأَنَّهَا عَشَرَةٌ، فَتُقْسَمُ الْعَشَرَةُ عَلَى تِسْعَةٍ وَنِصْفٍ، فَيَسْقُطُ عَنْ الْأَوَّلِ مَا يُقَابِلُ أَرْبَعَةً وَنِصْفًا، وَيَتَوَجَّهُ عَلَى هَذَا، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ نِصْفِ الصَّيْدِ حِينَ جَنَى عَلَيْهِ.

٣٩٬٣٧٩

وَإِنْ كَانَتْ الْجِرَاحَاتُ مِنْ ثَلَاثَةٍ،

٣٩٬٣٨٠

فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ هُوَ أَثْبَتَهُ، فَعَلَى طَرِيقَةِ الْقَاضِي، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَرْشُ جُرْحِهِ، وَتُقْسَمُ السِّرَايَةِ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا،

٣٩٬٣٨١

وَإِنْ كَانَ الْمُثْبِتُ لَهُ هُوَ الثَّانِيَ، فَجُرْحُهُ الْأَوَّلُ هَدْرٌ لَا عِبْرَةَ بِهَا، وَالْحُكْمُ فِي جِرَاحَةَ الْآخَرِينَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُخْرَى، الْأَوَّلُ أَتْلَفَ ثُلُثَ نَفْسٍ قِيمَتُهَا عَشَرَةٌ، فَيَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ وَالثَّانِي أَتْلَفَ ثُلُثَهَا، وَقِيمَتُهَا تِسْعَةٌ، فَيَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ،

٣٩٬٣٨٢

وَالثَّالِثُ أَتْلَفَ ثُلُثَهَا، وَقِيمَتُهَا ثَمَانِيَةٌ، فَيَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ وَثُلُثَانِ، فَمَجْمُوعُ ذَلِكَ تِسْعَةٌ، تُقْسَمُ عَلَيْهَا الْعَشَرَةُ، حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يُقَابِلُ مَا أَتْلَفَهُ.

٣٩٬٣٨٣

وَإِنْ أَتْلَفُوا شَاةً مَمْلُوكَةً لِغَيْرِهِمْ ضَمِنُوهَا كَذَلِكَ.

٣٩٬٣٨٤

فَصْلٌ: فَإِنْ رَمَيَاهُ مَعًا فَقَتَلَاهُ، كَانَ حَلَالًا، وَمَلَكَاهُ؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي سَبَبِ الْمِلْكِ وَالْحِلِّ، تَسَاوَى الْجُرْحَانِ أَوْ تَفَاوَتَا؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ كَانَ بِهِمَا،

٣٩٬٣٨٥

فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوحِيًا وَالْآخَرُ غَيْرَ مُوحٍ، وَلَا يُثْبِتُهُ مِثْلُهُ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الْجُرْحِ الْمُوحِي، لِأَنَّهُ الَّذِي أَثْبَتَهُ وَقَتَلَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ جُرْحَهُ كَانَ قَبْلَ ثُبُوتِ مِلْكِ الْآخَرِ فِيهِ.

٣٩٬٣٨٦

وَإِنْ أَصَابَهُ أَحَدُهُمَا بَعْدَ صَاحِبِهِ، فَوَجَدْنَاهُ مَيِّتًا، وَلَمْ نَعْلَمْ هَلْ صَارَ بِالْأَوَّلِ مُمْتَنِعًا أَوْ لَا؟ حَلَّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الِامْتِنَاعُ، وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ أَيْدِيَهُمَا عَلَيْهِ.

٣٩٬٣٨٧

فَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا أَثْبَتُّهُ، ثُمَّ قَتَلْته أَنْتَ. حَرُمَ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَيَتَحَالَفَانِ لِأَخْذِ الضَّمَانِ.

٣٩٬٣٨٨

وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا، فَادَّعَى الْأَوَّلُ أَنَّهُ أَثْبَتَهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ، وَأَنْكَرَ الثَّانِي إثْبَاتَ الْأَوَّلِ لَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ امْتِنَاعِهِ،

٣٩٬٣٨٩

وَيَحْرُمُ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِإِقْرَارِهِ بِتَحْرِيمِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي فِي عَدَمِ الِامْتِنَاعِ مَعَ يَمِينِهِ.

٣٩٬٣٩٠

وَإِنْ عُلِمَتْ جِرَاحَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، نَظَرْنَا فِيهَا،

٣٩٬٣٩١

فَإِنْ عُلِمَ أَنَّ جِرَاحَةَ الْأَوَّلِ لَا يَبْقَى مَعَهَا امْتِنَاعٌ، مِثْلُ أَنْ كَسَرَ جَنَاحَ الطَّائِرِ، أَوْ سَاقَ الظَّبْيِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ يَمِينٍ،

٣٩٬٣٩٢

وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُزِيلُ الِامْتِنَاعَ، مِثْلُ خَدْشِ الْجِلْدِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي،

٣٩٬٣٩٣

وَإِنْ احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ الْأَوَّلُ مُحْتَمِلٌ.

٣٩٬٣٩٤

[فَصْلٌ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَهُ وَبَقِيَ عَلَى امْتِنَاعِهِ حَتَّى دَخَلَ دَارَ إنْسَانٍ فَأَخَذَهُ] (٧٧٣٥) فَصْلٌ: وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَهُ، وَبَقِيَ عَلَى امْتِنَاعِهِ حَتَّى دَخَلَ دَارَ إنْسَانٍ فَأَخَذَهُ، فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَمْلِكْهُ، لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا، فَمَلَكَهُ الثَّانِي بِأَخْذِهِ.

٣٩٬٣٩٥

وَلَوْ رَمَى طَائِرًا عَلَى شَجَرَةٍ فِي دَارِ قَوْمٍ، فَطَرَحَهُ فِي دَارِهِمْ فَأَخَذُوهُ، فَهُوَ لِلرَّامِي دُونَهُمْ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِإِزَالَةِ امْتِنَاعِهِ.

٣٩٬٣٩٦

[فَصْلٌ تَعَلَّقَ صَيْدٌ فِي شَرَكِ إنْسَانٍ أَوْ شَبَكَتِهِ] (٧٧٣٦) فَصْلٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا تَعَلَّقَ صَيْدٌ فِي شَرَكِ إنْسَانٍ أَوْ شَبَكَتِهِ؛ مَلَكَهُ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَته بِآلَتِهِ،

٣٩٬٣٩٧

فَإِنْ أَخَذَهُ أَحَدٌ، لَزِمَهُ رَدُّهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ آلَتَهُ أَثْبَتَتْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَثْبَتَهُ بِسَهْمِهِ.

٣٩٬٣٩٨

فَإِنْ لَمْ تُمْسِكْهُ الشَّبَكَةُ، بَلْ انْفَلَتَ مِنْهَا فِي الْحَالِ، أَوْ بَعْدَ حِينٍ، لَمْ يَمْلِكْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْهُ.

٣٩٬٣٩٩

وَإِنْ أَخَذَ الشَّبَكَةَ وَانْفَلَتَ بِهَا، فَصَادَهُ إنْسَانٌ، مَلَكَهُ، وَيَرُدُّ الشَّبَكَةَ عَلَى صَاحِبِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْهُ.

٣٩٬٤٠٠

وَإِنْ كَانَ يَمْشِي بِالشَّبَكَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَهُوَ لِصَاحِبِهَا؛ لِأَنَّهَا أَزَالَتْ امْتِنَاعَهُ.

٣٩٬٤٠١

وَإِذَا أَمْسَكَهُ الصَّائِدُ، وَثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْفَلَتَ مِنْهُ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْهُ بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِهِ، فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ شَرَدَتْ فَرَسُهُ، أَوْ نَدَّ بَعِيرُهُ.

٣٩٬٤٠٢

فَإِنْ اصْطَادَ صَيْدًا، فَوَجَدَ عَلَيْهِ عَلَامَةً، مِثْلُ أَنْ يَجِدَ فِي عُنُقِهِ قِلَادَةً، أَوْ فِي أُذُنِهِ قُرْطًا، لَمْ يَمْلِكْهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي اصْطَادَهُ مَلَكَهُ، فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ بِالِانْفِلَاتِ.

٣٩٬٤٠٣

وَكَذَلِكَ إنْ وَجَدَ طَائِرًا مَقْصُوصَ الْجَنَاحِ.

٣٩٬٤٠٤

فَإِنْ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّ الَّذِي أَمْسَكَهُ أَوَّلًا مُحْرِمٌ لَمْ يَمْلِكْهُ، أَوْ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّخْلِيَةِ وَإِزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْهُ، كَإِلْقَاءِ الشَّيْءِ التَّافِهِ.

٣٩٬٤٠٥

قُلْنَا: أَمَّا الْأَوَّلُ فَنَادِرٌ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ ظَاهَرَ حَالِ الْمُحْرِمِ أَنَّهُ لَا يَصِيدُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ،

٣٩٬٤٠٦

وَأَمَّا الثَّانِي فَخِلَافُ الْأَصْلِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِهِ عَلَيْهِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مُحْتَمِلٌ، فَلَا يَزُولُ الْمِلْكُ بِالشَّكِّ.

٣٩٬٤٠٧

وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ مَالِكَهُ أَرْسَلَهُ اخْتِيَارًا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْهُ بِالْإِرْسَالِ وَالْإِعْتَاقِ، كَمَا لَوْ أَرْسَلَ الْبَعِيرَ وَالْبَقَرَةَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَزُولَ الْمِلْكُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، فَالْإِرْسَالُ يَرُدُّهُ إلَى أَصْلِهِ، وَيُفَارِقُ بَهِيمَةَ الْأَنْعَامِ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدِهِمَا، أَنَّ الْأَصْلَ هَاهُنَا الْإِبَاحَةُ، وَبَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ بِخِلَافِهِ. الثَّانِي، أَنَّ الْإِرْسَالَ هَاهُنَا يُفِيدُ، وَهُوَ رَدُّ الصَّيْدِ إلَى الْخَلَاصِ مِنْ أَيْدِي الْآدَمِيِّينَ وَحَبْسِهِمْ، وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّهُ اشْتَرَى عُصْفُورًا مِنْ صَبِيٍّ فَأَرْسَلَهُ.

٣٩٬٤٠٨

وَيَجِبُ إرْسَالُ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ إذَا أَحْرَمَ، أَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ وَهُوَ فِي يَدِهِ،

٣٩٬٤٠٩

بِخِلَافِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، فَإِنَّ إرْسَالَهُ تَضْيِيعٌ لَهُ، وَرُبَّمَا هَلَكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَقُومُ بِهِ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.