فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: ومن مر بثمرة فله أن يأكل منها ولا يحمل، فإن كان عليها محوطا فلا يدخل إلا بإذن. ش: اختلفت الرواية عن إمامنا في هذه المسألة (فروي عنه) إباحة ذلك مطلقا، أعني: سواء كان محتاجا أو لم يكن، وسواء أكل من المعلق أو من المتساقط، وهذه ظاهر كلام الخرقي، واختيار القاضي وغيره، قال القاضي في خلافه الصغير: اختاره عامة أصحابنا.

٦٬٩٧٨

وقال أبو الخطاب في هدايته: عامة شيوخنا.

٣٥٦٨ - وذلك لما روي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من دخل حائطا فليأكل ولا يتخذ خبنة» . رواه الترمذي وابن ماجه.

٣٥٦٩ - وعن عبد الله بن عمرو، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال: «سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الرجل يدخل الحائط فقال: «يأكل غير متخذ خبنة» . رواه أحمد، (وعنه) : لا يحل له ذلك مطلقا إلا بإذن المالك. حكاها ابن عقيل في التذكرة.

٣٥٧٠ - لعموم: « «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام» . متفق عليه. ٣٥٧١ - وعن العرباض بن سارية أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ألا وإن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذي عليهم» . أخرجه أبو داود. وغاية هذين عموم فنخصه بما تقدم.

(وعنه) جواز ذلك من المتساقط دون غيره.

٣٥٧٢ - لما «روى رافع بن عمرو، قال: كنت أرمي نخل الأنصار، فأخذوني فذهبوا بي إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «يا رافع لم ترم نخلهم؟» قلت: يا رسول الله الجوع. قال: «لا ترم، وكل ما وقع، أشبعك الله وأرواك» . » وقد يقال: إن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علم أنه يسقط من نخلهم ما يشبعه، وكيف لا يحصل له الشبع، وقد حصل له دعاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومع حصول ذلك فلا حاجة إلى الرمي، لأنه نوع إفساد.

(وعنه) : يحل له ذلك لحاجة، ولا يحل لغير حاجة.

٣٥٧٣ - لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه سئل عن التمر المعلق، فقال: «ما أصاب منه من ذي الحاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن أخرج منه شيئا فعليه غرامة مثليه، والعقوبة» » . رواه الترمذي وحسنه.

(وعنه) : إن كان مضطرا أكل وإلا لم يأكل. . حكاها القاضي في الجامع وغيره، وهي ظاهر كلامه في رواية أبي طالب، وسئل إذا لم يكن تحت الشجرة شيء يصعد؟ فقال: لم أسمع يصعد، فإن اضطر أرجو أن لا يكون به بأس. (وهذه الرواية) قد تحمل على أن المراد بالضرورة الحاجة، لأن أبا محمد صرح بأنه هنا لا يعتبر حقيقة الاضطرار، والظاهر حملها على ظاهرها، وأن المراد بالضرورة هنا: الضرورة المبيحة للميتة، ولهذا قال القاضي هنا - بعد أن ذكر الرواية -: وعندي أنه يباح له الأكل إذا احتاج إلى ذلك، مثل أن تشتهي نفسه الثمرة وتلتهف عليها، ولا شيء معه لشرائها، ولا يجد من يبيعه إياها نسيئا.

لا يقال: فلا فائدة في هذه المسألة على هذه الرواية، لأن غير الثمرة تباح أيضا عند الضرورة، لأنا نقول: فائدة ذلك أن الثمرة تباح مجانا حيث أبيح تناولها.

(وعنه) : يباح ذلك في السفر دون الحضر، قال في الرواية صالح - وسئل عن ذلك: إنما الرخصة للمسافر، وهذه الرواية قد تحمل على رواية اشتراط الحاجة. واعلم أن هذا الخلاف كله في الأكل بفيه دون الحمل كما صرح به الخرقي، وشهدت به الأحاديث، وهو أن لا يتخذ خبنة، وهي ما تحمله في حضنك؛ وقيل: هو أن يأخذه في خبنة ثوبه، وهو ذيله وأسفله. ثم شرط جواز الأكل حيث قيل به أن لا يكون على الثمرة حائط، نص عليه أحمد والأصحاب، قال أحمد: لأنه شبه الحريم.

٣٥٧٤ - وبأنه استند في ذلك إلى قول ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: إن كان عليها حائط فهو حريم، فلا تأكل، وإن لم يكن عليها حائط فلا بأس. وسيأتي في الحديث ما يرشد إلى ذلك أيضا. (نعم) إن كان مضطرا جاز له الدخول والأكل، وفي معنى الحائط الناطور، قاله غير واحد من الأصحاب، وقال في المغني: قال بعض أصحابنا: الناطور بمنزلة المحوط. وظاهر كلام الخرقي أن هذا الحكم مختص بالثمرة، فلا يثبت هذا الحكم لغيرها من مال الغير، ولا نزاع في ذلك إلا في صورتين، فإنه قد اختلف عن إمامنا فيهما، (إحداهما) : الزرع، (فعنه) المنع كغيره من الأموال، وقال: إنما رخص في الثمار، وقال: ما سمعنا في الزرع أن يمس منه، وذلك لأن الثمار النفوس تتشوف إليها رطبة، بخلاف الزرع.

(وعنه) يأكل من الفريك، إذ العادة جارية بأكله رطبا فأشبه الثمرة. قال أبو محمد: وكذلك الحكم في الباقلاء والحمص، وشبههما مما يؤكل رطبا، فأما الشعير وما لم تجر العادة بأكله فلا يجوز الأكل منه.

قلت: ولهذه المسألة التفات إلى ما تقدم في الزكاة من أنه يوضع لرب المال عند خرص الثمرة الثلث أو الربع، ولا يترك له شيء من الزرع إلا ما العادة أكله فريكا.

(تنبيهان) : «أحدهما» : قد علم أن الخلاف إنما هو في الفريك، وأبو محمد ألحق بذلك ما في معناه كما تقدم، وهو حسن، والشيخان في مختصريهما وغيرهما يحكون الخلاف في الزرع على الإطلاق.

(الثاني) ظاهر كلام أحمد أن الخلاف في الزرع حيث رخص له في الثمرة، وأبو البركات جعل الخلاف على الرواية الأولى، وظاهر كلامه المنع على ما بعدها مطلقا.

(الصورة الثانية) : شرب لبن الماشية، فيه أيضا روايتان، (إحداهما) : له أن يحلب ويشرب ولا يحمل، اختارها أبو بكر.

٣٥٧٥ - لما روى الحسن عن سمرة بن جندب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له فليحتلب وليشرب، وإن لم يكن فليصوت ثلاثا، فإن أجابه فليستأذنه، فإن أذن له، فليحتلب وليشرب ولا يحمل» . رواه أبو داود والترمذي وصححه، وقال ابن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح.

٣٥٧٦ - وعن أبي سعيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا أتى أحدكم حائطا فأراد أن يأكل فليناد: يا صاحب الحائط. ثلاثا، فإن أجابه وإلا فليأكل، وإذا مر أحدكم بإبل فأراد أن يشرب من ألبانها فليناد: يا صاحب الإبل، أو يا راعي الإبل. فإن أجابه وإلا فليشرب» . رواه أحمد وابن ماجه.

(والثانية) : ليس له ذلك، نص عليه.

٣٥٧٧ - مفرقا بينه وبين الثمر؛ لأن أكل الثمر فعله غيره واحد من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

٣٥٧٨ - ومستدلا على المنع هنا بحديث ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وقال: هو أجود إسنادا، وهو ما روى عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يحلبن أحدكم ماشية أحد إلا بإذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فينتقل طعامه، وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه» » . متفق عليه.

(قلت) : وقد يحمل على ما إذا كان صاحبها فيها، توفيقا بين الحديثين.

(تنبيهان) : «أحدهما» : الخلاف أيضا في الماشية حكاه أبو البركات على الرواية الأولى، وينبغي أن يكون حيث أبيح الأخذ.

(الثاني) : إذا جوزنا الأكل من الثمار وغيرها، فقال أبو محمد: الأولى أن لا يأكل إلا بإذن، للخلاف والأخبار الدالة على التحريم.

(قلت) : وينبغي أن يتقيد جواز الحلب والشرب من الماشية بما إذا صوت بصاحبها ثلاثا فلم يجبه، كما في الحديث، وقد نص أحمد على ذلك فقال: ناد ثلاثا، فإن أجابك وإلا فاشرب.

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَةٌ مَرَّ بِثَمَرَةٍ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا وَلَا يَحْمِلَ] (٧٨٠٩) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ مَرَّ بِثَمَرَةٍ، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، وَلَا يَحْمِلَ) هَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ فِي حَالِ الْجُوعِ وَالْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ عَقِيبَ مَسْأَلَةِ الْمُضْطَرِّ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا حَائِطٌ، يَأْكُلُ إذَا كَانَ جَائِعًا،

٣٩٬٦١٧

وَإِذَا لَمْ يَكُنْ جَائِعًا، فَلَا يَأْكُلُ.

٣٩٬٦١٨

وَقَالَ: قَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنْ إذَا كَانَ عَلَيْهِ حَائِطٌ، لَمْ يَأْكُلْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ شِبْهَ الْحَرِيمِ.

٣٩٬٦١٩

وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: إنَّمَا الرُّخْصَةُ لِلْمُسَافِرِ. إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ هَاهُنَا حَقِيقَةَ الِاضْطِرَارِ؛ لِأَنَّ الِاضْطِرَارَ يُبِيحُ مَا وَرَاءَ الْحَائِطِ. وَرُوِيَتْ عَنْهُ الرُّخْصَةُ فِي الْأَكْلِ مِنْ غَيْرِ الْمَحُوطَةِ مُطْلَقًا، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ جُوعٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي زَيْنَبَ التَّيْمِيِّ، قَالَ: سَافَرْت مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ وَأَبِي بُرْدَةَ، فَكَانُوا يَمُرُّونَ بِالثِّمَارِ، فَيَأْكُلُونَ فِي أَفْوَاهِهِمْ.

وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي بُرْدَةَ. قَالَ عُمَرُ: يَأْكُلُ، وَلَا يَتَّخِذُ خُبْنَةً. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: يَأْكُلُ مِمَّا تَحْتَ الشَّجَرِ،

٣٩٬٦٢٠

وَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ الشَّجَرِ فَلَا يَأْكُلُ ثِمَارَ النَّاسِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُ. وَلَا يَضْرِبُ بِحَجَرٍ، وَلَا يَرْمِي؛ لِأَنَّ هَذَا يُفْسِدُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كُنْت أَرْمِي نَخْلَ الْأَنْصَارِ، فَأَخَذُونِي، فَذَهَبُوا بِي إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ:«يَا رَافِعُ، لِمَ تَرْمِي نَخْلَهُمْ؟» .

٣٩٬٦٢١

قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْجُوعُ. قَالَ:«لَا تَرْمِ، وَكُلْ مَا وَقَعَ، أَشْبَعَكَ اللَّهُ وَأَرْوَاكَ» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ.

٣٩٬٦٢٢

وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

٣٩٬٦٢٣

وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: لَا يُبَاحُ الْأَكْلُ فِي الضَّرُورَةِ؛ لِمَا رَوَى الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إلَّا بِإِذْنٍ، وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ، وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ، إذَا أَعْطَوْكُمْ الَّذِي عَلَيْهِمْ.» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد.

٣٩٬٦٢٤

وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَلَنَا، مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ:«مَا أَصَابَ مِنْهُ مِنْ ذِي حَاجَةٍ، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَخْرَجَ مِنْهُ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«إذَا أَتَيْت عَلَى حَائِطِ بُسْتَانٍ فَنَادِ صَاحِبَ الْبُسْتَانِ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابَك، وَإِلَّا فَكُلْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفْسِدَ» .

وَرَوَى سَعِيدٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ،. وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا.

٣٩٬٦٢٥

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَبَى سَعْدٌ أَنْ يَأْكُلَ؟ قُلْنَا: امْتِنَاعُ سَعْدٍ مِنْ أَكْلِهِ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتْرُكُ الْمُبَاحَ غِنًى عَنْهُ، أَوْ تَوَرُّعًا، أَوْ تَقَذُّرًا، كَتَرْكِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْلَ الضَّبِّ.

٣٩٬٦٢٦

فَأَمَّا أَحَادِيثُهُمْ، فَهِيَ مَخْصُوصَةٌ بِمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ وَالْإِجْمَاعِ،

٣٩٬٦٢٧

فَإِنْ كَانَتْ مَحُوطَةً، لَمْ يَجُزْ الدُّخُولُ إلَيْهَا؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إنْ كَانَ عَلَيْهَا حَائِطٌ فَهُوَ حَرِيمٌ، فَلَا تَأْكُلْ،

٣٩٬٦٢٨

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا حَائِطٌ، فَلَا بَأْسَ. وَلِأَنَّ إحْرَازَهُ بِالْحَائِطِ يَدُلُّ عَلَى شُحِّ صَاحِبِهِ بِهِ، وَعَدَمِ الْمُسَامَحَةِ فِيهِ.

قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إذَا كَانَ عَلَيْهِ نَاطُورٌ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَحُوطِ، فِي أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ إلَيْهِ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ إلَّا فِي الضَّرُورَةِ.

[فَصْلٌ الْأَكْلُ مِنْ زَرْعِ الْغَيْرِ] (٧٨١٠) فَصْلٌ: وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْأَكْلِ مِنْ الزَّرْعِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا: قَالَ لَا: يَأْكُلُ، إنَّمَا رُخِّصَ فِي الثِّمَارِ، لَيْسَ الزَّرْعِ.

٣٩٬٦٢٩

وَقَالَ: مَا سَمِعْنَا فِي الزَّرْعِ أَنْ يُمَسَّ مِنْهُ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الثِّمَارَ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْأَكْلِ رَطْبَةً، وَالنُّفُوسُ تَتُوقُ إلَيْهَا، وَالزَّرْعُ بِخِلَافِهَا. وَالثَّانِيَةُ: قَالَ: يَأْكُلُ مِنْ الْفَرِيكِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَكْلِهِ رَطْبًا، أَشْبَهَ الثَّمَرَ.

٣٩٬٦٣٠

وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبَاقِلَا، وَالْحِمَّصِ، وَشِبْهِهِ مِمَّا يُؤْكَلُ رَطْبًا.

٣٩٬٦٣١

فَأَمَّا الشَّعِيرُ، وَمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ: فَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ. وَالْأَوْلَى فِي الثِّمَارِ وَغَيْرِهَا أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْهَا إلَّا بِإِذْنٍ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّحْرِيمِ.

[فَصْلٌ حُكْمُ حَلْبِ لَبَنِ مَاشِيَةِ الْغَيْرِ] (٧٨١١) فَصْلٌ: وَعَنْ أَحْمَدَ فِي حَلْبِ لَبَنِ الْمَاشِيَةِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْلِبَ، وَيَشْرَبَ، وَلَا يَحْمِلَ؛ لِمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا، فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإِنْ أَذِنَ فَلْيَحْلِبْ، وَلْيَشْرَبْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا، فَلْيُصَوِّتْ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابَهُ أَحَدٌ، فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَلْيَحْلِبْ، وَلْيَشْرَبْ، وَلَا يَحْمِلْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ،

٣٩٬٦٣٢

وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ.

وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْلِبَ وَلَا يَشْرَبَ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَا يَحْلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ، فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْقَلَ طَعَامُهُ، فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ، فَلَا يَحْلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِهِ» .

٣٩٬٦٣٣

وَفِي لَفْظٍ:«فَإِنَّ مَا فِي ضُرُوعِ مَوَاشِيهِمْ مِثْلَ مَا فِي مَشَارِبِهِمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.