ولا يجوز أن يقال لمن عليه دين ضارب بالدين الذي عليك.
الشروح عليها
قال: ولا يجوز أن يقال لمن عليه دين ضارب بالدين الذي عليك. ش: حكى ابن المنذر هذا إجماعا عمن يحفظ عنه من أهل العلم، لأن المال ما دام في يد المدين لا يصير للغريم إلا بقبضه، ولم يوجد القبض هنا، وخرج أبو البركات الصحة من صحة المضاربة بالعروض، لأنه إذا اشترى شيئا للمضاربة، ودفع الدين، فقد وقع الشراء [والدفع بإذن الغريم] ، فيصير كما لو دفع إليه عرضا،
وقال: ضارب به، والله أعلم.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ضَارِبِ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْك] (٣٧١٣) . مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ: ضَارِبْ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْك) نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ مُضَارَبَةً، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا ذَلِكَ عَنْهُ: عَطَاءٌ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَحْتَمِلُ أَنْ تَصِحَّ الْمُضَارَبَةُ؛ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا لِلْمُضَارَبَةِ، فَقَدْ اشْتَرَاهُ بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ، وَدَفَعَ الدَّيْنَ إلَى مَنْ أَذِنَ لَهُ فِي دَفْعِهِ إلَيْهِ، فَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْهُ، وَيَصِيرُ كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ عَرْضًا،
وَقَالَ: بِعْهُ، وَضَارِبِ بِثَمَنِهِ. وَجَعَلَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ مَكَانَ هَذَا الِاحْتِمَالِ أَنَّ الشِّرَاءَ لِرَبِّ الْمَالِ، وَلِلْمُضَارِبِ أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ،
وَلَا يَصِحُّ عِنْدَهُمْ تَعْلِيقُ الْقِرَاضِ بِشَرْطٍ.
وَالْمَذْهَبُ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدَيْ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَهُ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ لِغَرِيمِهِ بِقَبْضِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ الْقَبْضُ هَاهُنَا.
وَإِنْ قَالَ لَهُ: اعْزِلْ الْمَالَ الَّذِي لِي عَلَيْك، وَقَدْ قَارَضْتُكَ عَلَيْهِ. فَفَعَلَ، وَاشْتَرَى بِعَيْنِ ذَلِكَ الْمَالِ شَيْئًا لِلْمُضَارَبَةِ، وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ يَشْتَرِي لِغَيْرِهِ بِمَالِ نَفْسِهِ، فَحَصَلَ الشِّرَاءُ لَهُ وَإِنْ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الْقِرَاضَ عَلَى مَا لَا يَمْلِكُهُ، وَعَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ لَا يَمْلِكُ بِهِ الْمَالَ.
[فَصْلٌ قَالَ لِرَجُلِ اقْبِضْ الْمَالَ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ وَاعْمَلْ بِهِ مُضَارَبَةً] (٣٧١٤) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ: اقْبِضْ الْمَالَ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ، وَاعْمَلْ بِهِ مُضَارَبَةً. فَقَبَضَهُ، وَعَمِلَ بِهِ، جَازَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا. وَيَكُونُ وَكِيلًا فِي قَبْضِهِ، مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَجَازَ أَنْ يَجْعَلَهُ مُضَارَبَةً، كَمَا لَوْ قَالَ: اقْبِضْ الْمَالَ مِنْ غُلَامِي، وَضَارِبِ بِهِ.
قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: أَقْرِضْنِي أَلْفًا شَهْرًا، ثُمَّ هُوَ بَعْدَ الشَّهْرِ مُضَارَبَةٌ؟ قَالَ: لَا يَصْلُحُ؛ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَقْرَضَهُ صَارَ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَارِبَ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ.
وَلَوْ قَالَ: ضَارِبْ بِهِ شَهْرًا، ثُمَّ خُذْهُ قَرْضًا. جَازَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
[فَصْل مِنْ شَرْطِ الْمُضَارَبَةِ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ] (٣٧١٥) فَصْلٌ: وَمَنْ شَرْطِ الْمُضَارَبَةِ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا وَلَا جُزَافًا،
وَلَوْ شَاهَدَاهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَصِحُّ إذَا شَاهَدَاهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ مَعَ يَمِينِهِ فِي قَدْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينُ رَبِّ الْمَالِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا فِي يَدَيْهِ، فَقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَجْهُولٌ، فَلَمْ تَصِحَّ الْمُضَارَبَةُ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُشَاهِدَاهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي بِكَمْ يَرْجِعُ عِنْد الْمُفَاصَلَةِ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ وَالِاخْتِلَافِ فِي مِقْدَارِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْكِيسِ. وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالسَّلَمِ، وَبِمَا إذَا لَمْ يُشَاهِدَاهُ.
[فَصْلٌ أَحْضَرَ كِيسَيْنِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالٌ مَعْلُومُ الْمِقْدَارِ وَقَالَ قَارِضَتك عَلَى أَحَدِهِمَا] (٣٧١٦) فَصْلٌ: وَلَوْ أَحْضَرَ كِيسَيْنِ، فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالٌ مَعْلُومُ الْمِقْدَارِ،
وَقَالَ: قَارَضْتُك عَلَى أَحَدِهِمَا. لَمْ يَصِحَّ، سَوَاءٌ تَسَاوَى مَا فِيهِمَا أَوْ اخْتَلَفَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَمْنَعُ صِحَّتَهُ الْجَهَالَةُ، فَلَمْ يَجُزْ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَالْبَيْعِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.