ومن ادعي عليه شيء فقال: قد كان ذلك وقضيته. لم يكن ذلك إقرارا.
الشروح عليها
قال: ومن ادعي عليه شيء فقال: قد كان ذلك وقضيته. لم يكن ذلك إقرارا. ش: هذا منصوص أحمد في رواية جماعة، وجزم به الجمهور، كالشريف، وأبي الخطاب، والشيرازي، وشيخهم،
وقال: لم أجد رواية بغير هذا، وذلك لأن الكلام بآخره، والذي تضمنه مجموع كلامه أنه لا شيء له عليه، لأن الاستصحاب إنما يعمل عمله إذا لم يرد ما يخالفه. وعن أحمد رواية أخرى اختارها أبو الخطاب، أنه يكون مقرا مدعيا للقضاء، ولا يقبل قوله في دعوى القضاء إلا ببينة؛ إذ كلامه انطوى على جملتين: إحداهما: كان له علي ألف.
(والثانية) : وقضيته. فيقبل قوله فيما عليه، ولا يقبل قوله فيما له إلا ببينة.
وعنه رواية ثالثة، حكاها أبو البركات: أن هذا ليس بجواب صحيح، فيطالب برد الجواب، إذ إقراره الأول يناقضه دعوى القضاء ثانيا،
وإذا تناقضا تساقطا، ولو قال: له علي ألف وقضيته. ولم يقل «كان» ففيه الروايتان الأوليان، وثالثة أنه مقر بالحق، مكذب لنفسه في الوفاء، فلا يسمع منه،
وإن أتى ببينة، لأن: له علي ألف. يقتضي بقاءها في ذمته، ودعوى القضاء تناقض ذلك،
ولو قال: كان له علي ألف. ولم يقل: وقضيته. فهو إقرار، وخرج عدمه، والله أعلم.
[مَسْأَلَة اُدُّعِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَقَالَ قَدْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ وَقَضَيْته] (٣٨٢٨) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ وَقَضَيْتُهُ. لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إقْرَارًا) حَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِإِقْرَارٍ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي،
وَقَالَ: لَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً بِغَيْرِ هَذَا.
وَالثَّانِيَةُ، أَنَّهُ مُقِرٌّ بِالْحَقِّ، مُدَّعٍ لِقَضَائِهِ، فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِالْقَضَاءِ؛ وَإِلَّا حَلَفَ غَرِيمُهُ وَأَخَذَ. وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ، وَادَّعَى الْقَضَاءَ، فَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ، كَمَا لَوْ ادَّعَى الْقَضَاءَ بِكَلَامِ مُنْفَصِلٍ، وَلِأَنَّهُ رَفَعَ جَمِيعَ مَا أَثْبَتَهُ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ. وَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ. وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ قَوْلٌ مُتَّصِلٌ، يُمْكِنُ صِحَّتُهُ، وَلَا تَنَاقُضَ فِيهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ كَاسْتِثْنَاءِ الْبَعْضِ، وَفَارَقَ الْمُنْفَصِلَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَوَّلِ قَدْ اسْتَقَرَّ بِسُكُوتِهِ عَلَيْهِ، فَلَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَرْتَفِعُ بَعْضُهُ بِاسْتِثْنَاءِ وَلَا غَيْرِهِ، فَمَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ دَعْوَى الْقَضَاءِ يَكُونُ دَعْوَى مُجَرَّدَةً، لَا تُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةِ،
وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ فَمُتَنَاقِضٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ أَلْفٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
(٣٨٢٩) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ، وَقَضَيْتُهُ مِنْهَا خَمْسِينَ. فَالْكَلَامُ فِيهَا كَالْكَلَامِ فِيمَا إذَا قَالَ: وَقَضَيْتهَا.
وَإِنْ قَالَ لَهُ إنْسَانٌ: لِي عَلَيْك مِائَةٌ. فَقَالَ: قَضَيْتُك مِنْهَا خَمْسِينَ. فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَكُونُ مُقِرًّا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْخَمْسِينَ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ قَضَاهَا فِي كَلَامِهِ مَا تَمْنَعُ بَقَاءَهَا، وَهُوَ دَعْوَى الْقَضَاءِ، وَبَاقِي الْمِائَةِ لَمْ يَذْكُرْهَا، وَقَوْلُهُ: مِنْهَا. يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا مِمَّا يَدَّعِيه، وَيَحْتَمِلُ مِمَّا عَلَيَّ، فَلَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِكَلَامٍ مُحْتَمِلٍ. وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنْ يَلْزَمَهُ الْخَمْسُونَ الَّتِي ادَّعَى قَضَاءَهَا؛ لِأَنَّ فِي ضِمْنِ دَعْوَى الْقَضَاءِ إقْرَارًا بِأَنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِ، فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الْقَضَاءِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ.
[فَصْلٌ قَالَ كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَسَكَتَ فِي الْإِقْرَار بِالْحُقُوقِ] (٣٨٣٠) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ. وَسَكَتَ، لَزِمَهُ الْأَلْفُ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَصْحَابِنَا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ
وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَلَيْسَ هَذَا بِإِقْرَارٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهِ شَيْئًا فِي الْحَالِ، إنَّمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ فَجَازَ فِي زَمَنٍ مَاضٍ، فَلَا يَثْبُتْ فِي الْحَالِ، وَلِذَلِكَ لَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِهِ لَمْ يَثْبُتْ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْوُجُوبِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يَرْفَعُهُ، فَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا لَوْ تَنَازَعَا دَارًا، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكَهُ، حُكِمَ بِهَا لَهُ، إلَّا أَنَّهُ هَاهُنَا إنْ عَادَ فَادَّعَى الْقَضَاءَ أَوْ الْإِبْرَاءَ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ إقْرَارِهِ وَبَيْنَ مَا يَدَّعِيه.
[فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ قَضَيْته إيَّاهَا فِي الْإِقْرَار بِالْحُقُوقِ] (٣٨٣١) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ، قَضَيْته إيَّاهَا. لَزِمَهُ الْأَلْفُ، وَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَى الْقَضَاءِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ مَا أَثْبَتَهُ بِدَعْوَى الْقَضَاءِ مُتَّصِلًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: كَانَ لَهُ عَلَيَّ، وَقَضَيْته.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى إنْ قَالَ: قَضَيْت جَمِيعَهُ. لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَلَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَلَهُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ.
وَلَوْ قَالَ: قَضَيْت بَعْضَهُ. قُبِلَ مِنْهُ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ بَعْضَ مَا أَقَرَّ بِهِ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَثْنَاهُ،
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: قَضَيْت جَمِيعَهُ. لِكَوْنِهِ رَفَعَ جَمِيعَ مَا هُوَ ثَابِتٌ، فَأَشْبَهَ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا قَوْلٌ مُتَنَاقِضٌ، إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ أَلْفٌ قَدْ قَضَاهُ،
فَإِنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي بَقَاءَهُ فِي ذِمَّتِهِ، وَاسْتِحْقَاقَ مُطَالَبَتِهِ بِهِ، وَقَضَاؤُهُ يَقْتَضِي بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ مِنْهُ، وَتَحْرِيمَ مُطَالَبَتِهِ بِهِ، وَالْإِقْرَارُ بِهِ يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ، وَالْقَضَاءُ يَقْتَضِي رَفْعَهُ، وَهَذَانِ ضِدَّانِ لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ،
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: كَانَ لَهُ عَلَيَّ، وَقَضَيْته. فَإِنَّهُ أَخْبَرَ بِهِمَا فِي زَمَانَيْنِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَرْتَفِعَ مَا كَانَ ثَابِتًا، وَيَقْضِيَ مَا كَانَ دَيْنًا،
وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ هَذَا فِي الْجَمِيعِ، لَمْ يَصِحَّ فِي الْبَعْضِ؛ لِاسْتِحَالَةِ بَقَاءِ أَلْفٍ عَلَيْهِ وَقَدْ قَضَى بَعْضَهُ، وَيُفَارِقُ الِاسْتِثْنَاءَ؛
فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْبَاقِي مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا} . عِبَارَةٌ عَنْ تِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ.
أَمَّا الْقَضَاءُ فَإِنَّمَا يَرْفَعُ جُزْءًا كَانَ ثَابِتًا،
فَإِذَا ارْتَفَعَ بِالْقَضَاءِ لَا يَجُوزُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْبَقَاءِ.
[فَصْلٌ وَصَلَ إقْرَارَهُ بِمَا يُسْقِطُهُ] فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَلَ إقْرَارَهُ بِمَا يُسْقِطُهُ، فَقَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، أَوْ مِنْ ثَمَنِ طَعَامٍ اشْتَرَيْته فَهَلَكَ قَبْلَ قَبْضِهِ، أَوْ ثَمَنِ مَبِيعٍ فَاسِدٍ لَمْ أَقْبِضْهُ، أَوْ تَكَفَّلْت بِهِ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ. لَزِمَهُ الْأَلْفُ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي إسْقَاطِهِ. ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ إذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ زُيُوفٌ. فَفَسَّرَهُ بِرَصَاصٍ أَوْ نُحَاسٍ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ كُلَّ مَا اعْتَرَفَ بِهِ.
وَقَالَ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا: يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ عَزَا إقْرَارَهُ إلَى سَبَبِهِ، فَقُبِلَ كَمَا لَوْ عَزَاهُ إلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا يُنَاقِضُ مَا أَقَرَّ بِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَالصُّورَةِ الَّتِي سَلَّمَهَا، وَكَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ لَا يَلْزَمُنِي. أَوْ يَقُولُ: دَفَعَ جَمِيعَ مَا أَقَرَّ بِهِ. فَلَمْ يُقْبَلْ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ.
وَغَيْرُ خَافٍ تَنَاقُضُ كَلَامِهِ؛ فَإِنَّ ثُبُوتَ أَلْفٍ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَا يُتَصَوَّرُ، وَإِقْرَارُهُ إخْبَارٌ بِثُبُوتِهِ، فَيَتَنَافَيَانِ،
وَإِنْ سَلَّمَ ثُبُوتَ الْأَلْفِ عَلَيْهِ فَهُوَ مَا قُلْنَاهُ.
[فَصْلٌ رُجُوعُ الْمُقِرِّ عَنْ إقْرَارِهِ] (٣٨٣٢) فَصْلٌ: وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُ الْمُقِرِّ عَنْ إقْرَارِهِ، إلَّا فِيمَا كَانَ حَدًّا لِلَّهِ تَعَالَى، يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَيُحْتَاطُ لِإِسْقَاطِهِ.
فَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ، وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَا تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ، فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهَا. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
فَإِذَا قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ، لَا بَلْ لِعَمْرٍو. أَوْ ادَّعَى زَيْدٌ عَلَى مَيِّتٍ شَيْئًا مُعَيَّنًا مِنْ تَرِكَتِهِ، فَصَدَّقَهُ ابْنُهُ، ثُمَّ ادَّعَاهُ عَمْرٌو، فَصَدَّقَهُ، حُكِمَ بِهِ لِزَيْدٍ وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ غَرَامَتُهُ لِعَمْرٍو. وَهَذَا ظَاهِرُ أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَا يَغْرَمُ لِعَمْرٍو شَيْئًا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَا عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ بِهِ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ الْحُكْمُ مِنْ قَبُولِهِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ حَالَ بَيْنَ عَمْرٍو وَبَيْنَ مِلْكِهِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ بِإِقْرَارِهِ لِغَيْرِهِ، فَلَزِمَهُ غُرْمُهُ، كَمَا لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى آخَرَ بِإِعْتَاقِ عَبْدِهِ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ، أَوْ كَمَا لَوْ رَمَى بِهِ إلَى الْبَحْرِ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ.
وَإِنْ قَالَ: غَصَبْت هَذِهِ الدَّارَ مِنْ زَيْدٍ، لَا بَلْ مِنْ عَمْرٍو. أَوْ غَصَبْتهَا مِنْ زَيْدٍ، وَغَصَبَهَا زَيْدٌ مِنْ عَمْرٍو. حُكِمَ بِهَا لِزَيْدِ، وَلَزِمَهُ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ، وَيَغْرَمُهَا لِعَمْرٍو.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَا يَضْمَنُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ. وَلَنَا، أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْغَصْبِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ وَالرَّدِّ إلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، ثُمَّ لَمْ يَرُدَّ مَا أَقَرَّ بِغَصْبِهِ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ تَلِفَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلِ: اسْتَوْدَعْتُك هَذَا الثَّوْبَ. قَالَ: صَدَقْت، ثُمَّ قَالَ: اسْتَوْدَعَنِيهِ رَجُلٌ آخَرِ. فَالثَّوْبُ لِلْأَوَّلِ، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِلْآخَرِ. وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا الْفَصْلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ إقْرَارُهُ بِكَلَامِ مُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ.
[فَصْلٌ قَالَ غَصَبْت هَذِهِ الدَّارَ مِنْ زَيْدٍ وَمِلْكُهَا لِعَمْرِو فِي الْإِقْرَار بِالْحُقُوقِ] (٣٨٣٣) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: غَصَبْت هَذِهِ الدَّارَ مِنْ زَيْدٍ، وَمِلْكُهَا لِعَمْرٍو. لَزِمَهُ دَفْعُهَا إلَى زَيْدٍ؛ لِإِقْرَارِهِ لَهُ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَهَا فِي يَدِهِ بِحَقٍّ، وَمِلْكُهَا لِعَمْرٍو لَا يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ زَيْدٍ بِإِجَارَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، وَلَا يَغْرَمُ لِعَمْرِو شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ. وَفَارَقَ هَذَا مَا إذَا قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ، بَلْ لِعَمْرِو؛
لِأَنَّهُ أَقَرَّ لِلثَّانِيَّ بِمَا أَقَرَّ بِهِ لِلْأَوَّلِ، فَكَانَ الثَّانِي رُجُوعًا عَنْ الْأَوَّلِ؛ لِتَعَارُضِهِمَا، وَهَا هُنَا لَا تَعَارُضَ بَيْنَ إقْرَارَيْهِ.
وَإِنْ قَالَ: مِلْكُهَا لِعَمْرٍو، وَغَصَبْتهَا مِنْ زَيْدٍ. فَكَذَلِكَ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَالْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ دَفْعُهَا إلَى عَمْرٍو، وَيَغْرَمُهَا لِزَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِهَا لِعَمْرٍو أَوَّلًا، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ بِالْيَدِ لِزَيْدِ. وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ: هَذَا الْأَلْفُ دَفَعَهُ إلَيَّ زَيْدٌ، وَهُوَ لِعَمْرٍو. أَوْ قَالَ: هُوَ لِعَمْرٍو دَفَعَهُ إلَيَّ زَيْدٌ. فَكَذَلِكَ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْقَوْلِ فِيهِ.
[فَصْلٌ قَالَ غَصَبْت هَذِهِ الدَّارَ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ هِيَ لِأَحَدِهِمَا] (٣٨٣٤) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: غَصَبْتهَا مِنْ أَحَدِهِمَا. أَوْ هِيَ لِأَحَدِهِمَا. صَحَّ الْإِقْرَارُ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ، فَيَصِحُّ لِلْمَجْهُولِ، وَيُطَالَبُ بِالْبَيَانِ،
فَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا دُفِعَتْ إلَيْهِ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ إنْ ادَّعَاهَا، وَلَا يَغْرَمُ لَهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ لَهُ بِشَيْءٍ.
وَإِنْ قَالَ: لَا أَعْرِفُهُ عَيْنًا. فَصَدَّقَاهُ، نُزِعَتْ مِنْ يَدِهِ، وَكَانَا خَصْمَيْنِ فِيهَا،
وَإِنْ كَذَّبَاهُ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ، وَتُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ.
فَإِنْ كَانَ لَأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا،
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا،
فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ، وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ.
وَإِنْ بَيَّنَ الْغَاصِبُ بَعْدَ ذَلِكَ مَالِكَهَا، قُبِلَ مِنْهُ، كَمَا لَوْ بَيَّنَهُ ابْتِدَاءً. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ، تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَمْ يَغْصِبْهُ،
فَإِنْ حَلَفَ لَأَحَدِهِمَا، لَزِمَهُ دَفْعُهَا إلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى تَعْيِينِهِ،
وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَهُمَا جَمِيعًا، فَسُلِّمَتْ إلَى أَحَدِهِمَا بِقُرْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، لَزِمَهُ غُرْمُهَا لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ نَكَلَ عَنْ يَمِينٍ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ، فَقُضِيَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ ادَّعَاهَا وَحْدَهُ.
[فَصْلٌ كَانَ فِي يَدِهِ عَبْدَانِ فَقَالَ أَحَدُ هَذَيْنِ لِزَيْدِ] (٣٨٣٥) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ عَبْدَانِ، فَقَالَ: أَحَدُ هَذَيْنِ لِزَيْدٍ. طُولِبَ بِالْبَيَانِ،
فَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا فَصَدَّقَهُ زَيْدٌ أَخَذَهُ.
وَإِنْ قَالَ: هَذَا لِي، وَالْعَبْدُ الْآخَرُ لِزَيْدٍ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي الْعَبْدِ الَّذِي يُنْكِرُهُ.
وَإِنْ قَالَ زَيْدٌ: إنَّمَا لِي الْعَبْدُ الْآخَرُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ فِي الْعَبْدِ الَّذِي يُنْكِرُهُ، وَلَا يَدْفَعُ إلَى زَيْدٍ الْعَبْدَ الْمُقَرَّ بِهِ وَلَكِنْ يُقَرُّ فِي يَدِ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ بِهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ،
وَفِي الْآخَرِ، يُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ، لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ، وَيَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالِكَ لَهُ مَعْرُوفٌ، فَأَشْبَهَ مِيرَاثَ مَنْ لَا يُعْرَفُ وَارِثُهُ.
فَإِنْ أَبَى التَّعْيِينَ، فَعَيَّنَهُ الْمُقَرُّ لَهُ،
وَقَالَ: هَذَا عَبْدِي. طُولِبَ بِالْجَوَابِ،
فَإِنْ أَنْكَرَ حَلَفَ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ تَعْيِينِهِ لِلْآخَرِ،
وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ يُقْضَى عَلَيْهِ،
وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ، فَهُوَ كَتَعْيِينِهِ.
[فَصْلٌ أَقَرَّ لِرَجُلِ بِعَبْدِ ثُمَّ جَاءَهُ بِهِ] (٣٨٣٦) فَصْلٌ: وَلَوْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ، ثُمَّ جَاءَهُ بِهِ، فَقَالَ: هَذَا الَّذِي أَقْرَرْت بِهِ. فَقَالَ: لَيْسَ هُوَ هَذَا، إنَّمَا هُوَ آخَرُ. فَعَلَى الْمُقِرِّ الْيَمِينُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ سِوَاهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ هَذَا إلَى الْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيه.
وَإِنْ قَالَ: هَذَا لِي، وَلِي عِنْدَك آخَرُ. سَلَّمَ إلَيْهِ هَذَا، وَحَلَفَ لَهُ عَلَى نَفْيِ الْآخَرِ. وَكُلُّ مَنْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِمِلْكٍ، فَكَذَّبَهُ، بَطَلَ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلْإِنْسَانِ مِلْكٌ لَا يَعْتَرِفُ بِهِ.
وَفِي الْمَالِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُتْرَكُ فِي يَدِ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَحْكُومًا لَهُ بِهِ،
فَإِذَا بَطَلَ إقْرَارُهُ بَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي، يُؤْخَذُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ مَالِكٌ.
وَقِيلَ: يُؤْخَذُ فَيُحْفَظُ حَتَّى يَظْهَرَ مَالِكُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيه أَحَدٌ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ هَذَا.
فَإِنْ عَادَ أَحَدُهُمَا فَكَذَّبَ نَفْسَهُ، دُفِعَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِيه، وَلَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ،
وَإِنْ كَذَّبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، نَفْسَهُ، فَرَجَعَ الْمُقِرُّ عَنْ إقْرَارِهِ، وَادَّعَاهُ الْمُقَرُّ لَهُ،
فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِ الْمُقِرِّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ لِغَيْرِهِ،
وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا بِتَلَفٍ أَوْ إبَاقٍ وَنَحْوِهِ، بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَلَا شَيْءَ فِيهِ مِنْ يَمِينٍ وَلَا غَيْرِهَا،
وَإِنْ كَانَ بِتَعَدٍّ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ بَاقِيًا.
فَإِذَا حَلَفَ، سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ،
وَإِنْ كَانَ تَلَفُهُ. بِتَعَدِّيهِ، وَوَجَبَ لَهُ الضَّمَانُ عَلَى الْآخَرِ، إنْ كَانَ تَلَفُهُ بِتَعَدٍّ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.