فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: وإن كان صاحبها جعل لمن وجدها شيئا معلوما فله أخذه، إن كان التقطها بعد أن بلغه الجعل. ش: الجعالة جائزة في الجملة، لقول الله تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: ٧٢] . ٢٢٠٨ - «وعن أبي سعيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: انطلق نفر من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا، لعلهم أن يكون عندهم بعض شيء. فأتوهم فقالوا: أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم شيء؟ فقال بعضهم: والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا، فصالحوهم على قطيع من غنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: ٢] فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قلبة، قال: فأوفوهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسموا. فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنذكر له الذي كان، فننظر الذي يأمرنا. فقدموا على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكروا له ذلك، فقال: «وما يدريك أنها رقية؟» ثم قال: «قد أصبتم، اقسموا، واضربوا لي معكم سهما» وضحك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» -.

متفق عليه، واللفظ للبخاري، والحكمة تقتضي ذلك،

٣٬٦٠٨

فإن العمل قد يكون مجهولا كصورتنا، فتتعذر الإجارة فيه، والحاجة تدعو إلى رده، وقد لا يجد متبرعا فاقتضت حكمة الشارع جواز ذلك. إذا تقرر هذا فإذا جعل رب اللقطة لمن وجدها شيئا معلوما، فلمن وجدها أخذه، لما تقدم، ولقوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «المسلمون عند شروطهم» وكما لو استأجره على بناء حائط، ونحو ذلك، لكن بشرط أن يلتقطها بعد أن بلغه الجعل، ليكون عمله في مقابلة الجعل،

٣٬٦٠٩

أما إن وجدها قبل بلوغ الجعل فلا شيء له؛ لأنه متبرع بعمله. وقد تضمن كلام الخرقي أمورا (منها) أنه لا يشترط العلم بالعمل، ولا المدة، وهو صحيح،

٣٬٦١٠

بخلاف الإجارة، والحكمة ما تقدم، (ومنها) أنه لو قدر المدة، كأن قال: إن وجدتها في شهر ونحو ذلك. صح نظرا لإطلاق كلامه، لاحتمال الغرر فيها،

٣٬٦١١

بخلاف الإجارة على الصحيح، (ومنها) أنه لا يشترط تعيين العامل، للحاجة الداعية إلى ذلك،

٣٬٦١٢

بخلاف الإجارة، (ومنها) أن العمل قائم مقام القبول؛ لأنه يدل عليه، أشبه الوكالة، (ومنها) أن الجعل لا بد وأن يكون معلوما، كالإجارة وغيرها من العقود، وحمل البعير في الآية معلوم عندهم، والقياس على العمل لا يصح، للحاجة الداعية ثم،

٣٬٦١٣

بخلاف هنا، وفي المغني تخريج بجواز جهالة الجعل، إن لم يمنع التسليم، كقوله: من رد ضالتي فله نصفها.

٣٬٦١٤

بخلاف: فله شيء. من قول الإمام: إذا قال الأمير في الجهاد: من جاء بعشرة رؤوس فله رأس. جاز،

٣٬٦١٥

ومن قوله: إذا جعل جعلا لمن يدله على قلعة أو طريق، من مال الكفار مجهولا، كجارية بعينها، وقد عرف من هذا ما توافق الجعالة الإجارة فيه، وما تخالفها، وتخالفها أيضا في أن الإجارة عقد لازم، والجعالة عقد جائز، وتوافقها في أن ما جاز أخذ العوض عليه في الإجارة جاز في الجعالة، وما لا فلا. وظاهر كلام الخرقي أن الجعل في مقابلة الوجدان، وهو ظاهر كلام أبي البركات وغيره، فعلى هذا هي بعد الوجدان كغيرها من اللقطات، لصاحبها أخذها،

٣٬٦١٦

ولا يجب على الملتقط مئونة ردها،

٣٬٦١٧

وقال في المغني: إذا قال: من وجد لقطتي فله دينار. فقرينة الحال تدل على اشتراط الرد، إذ هو المقصود، لا الوجدان المجرد، وإنما ذكر الوجدان لأنه سبب الرد، فكأنه قال: من وجد لقطتي فردها علي.

٣٬٦١٨

قلت: ولعله يريد بالرد تسليم العين، أو التمكين منها،

٣٬٦١٩

وكذلك يريد الخرقي بالوجدان الوجدان المقصود، لا مجرد الوجدان، حتى لو ضاعت بعد أو تلفت استحق الجعل، لأن هذا غير مقصود قطعا،

٣٬٦٢٠

وإذا يرتفع الخلاف. ومفهوم كلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - كما تقدم أنه لو وجد اللقطة قبل بلوغ الجعل أنه لا شيء له،

٣٬٦٢١

وكذلك في كل عمل عمله لغيره بغير جعل، لئلا يلزم الإنسان ما لم يتلزمه، ولم تطب نفسه به، إلا في صورة واحدة وهي رد الآبق،

٣٬٦٢٢

فإن فيه مقدرا على المشهور المعروف،

٣٬٦٢٣

والمختار للأصحاب.

٢٢٠٩ - لأنه يروى عن عمر، وعلي، وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ولم نعرف لهم في زمنهم مخالفا. ٢٢١٠ - وعن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه جعل في رد الآبق إذا جاء به خارجا من الحرم دينارا، ولأن

المصلحة

تقتضي ذلك، لئلا يلحقوا بدار الحرب ويرجعوا عن دينهم، وبذلك فارقوا غيرهم، وتوقف في رواية ابن منصور فقال: لا أدري، قد تكلم الناس فيه، لم يكن عنده فيه حديث صحيح، فأخذ من ذلك أبو محمد رواية بأنه لا شيء فيه،

٣٬٦٢٤

وقال: وهو ظاهر كلام الخرقي لقوله: وإذا أبق العبد فلمن جاء به إلى ربه ما أنفق عليه، ولم يذكر جعلا، وأقرب إلى الصحة، قياسا على غيرهم، لأن الأصل عدم الوجوب، والحديث مرسل، وفيه مقال، ولهذا قال ابن منصور عن الإمام: لم يكن عنده فيه حديث صحيح.

٣٬٦٢٥

وفي أخذ رواية من هذا نظر، لأن الواقف لا ينسب له قول، وكونه ظاهر قول الخرقي ينازع فيه أيضا، لأن الخرقي ذكر هذا في النفقات، وهو بصدد بيانها، لا بيان الجعل، وعلى كل حال فالمذهب الأول. وعليه اختلف في قدر الجعل، واتفق الأصحاب فيما علمته أنه إن رده من خارج المصر ففيه روايتان (إحداهما) - واختارها الخلال - أن الواجب له أربعون درهما.

٢٢١١ - اعتمادا على أن ذلك قول ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. (والثانية) أنه دينار أو اثنا عشر درهما.

٢٢١٢ - نظرا إلى أنه يروى عن عمر وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - واختلف نقل الأصحاب فيما إذا رده من المصر، ففي الهداية، والمقنع، والمحرر، أن الواجب له دينار، أو اثنا عشر درهما،

٣٬٦٢٦

وفي الخصال لابن البنا، وكتاب الروايتين، أنه عشرة دراهم، وبالغ القاضي في ذلك فقال: إن الرواية لا تختلف في ذلك،

٣٬٦٢٧

وفي المغني أنه دينار أو عشرة دراهم،

٣٬٦٢٨

وفي الكافي أنه دينار، أو اثنا عشر درهما في رواية،

٣٬٦٢٩

وفي أخرى دينار، وفي خلاف الشريف، وأبي الخطاب، والجامع الصغير، أنه دينار أو اثنا عشر درهما في رواية،

٣٬٦٣٠

وفي أخرى عشرة دراهم، وجمع الطرق أنه دينار أو اثنا عشر درهما في رواية،

٣٬٦٣١

وفي أخرى دينار أو عشرة دراهم،

٣٬٦٣٢

وفي ثالثة دينار، وفي رابعة عشرة دراهم، وقد نقل ابن هانئ عن أحمد فيمن عمر قناة قوم أنه يرجع عليهم، ذكر ذلك القاضي في الغصب، من كتاب التعليق، وذكره من رواية محمد بن أبي حرب الجرجاني، وعلله بأن الآثار بمنزلة الأعيان، فكما أن يرجع بالأعيان، كذلك يرجع بالآثار،

٣٬٦٣٣

قلت: وهذا التعليل إنما يقتضي الرجوع فيما عمله، بأن يزيله، كما يرجع في الأعيان، لا أنه يرجع ببدل ذلك على مالك العين، والله أعلم.

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَة كَانَ صَاحِبُ اللُّقَطَة جَعَلَ لِمَنْ وَجَدَهَا شَيْئًا مَعْلُومًا] (٤٥٢٧) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا جَعَلَ لِمَنْ وَجَدَهَا شَيْئًا مَعْلُومًا، فَلَهُ أَخْذُهُ إنْ كَانَ الْتَقَطَهَا بَعْدَ أَنْ بَلَغَهُ الْجُعْلُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْجَعَالَةَ فِي رَدِّ الضَّالَّةِ وَالْآبِقِ وَغَيْرِهِمَا جَائِزَةٌ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:{وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} . وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ «أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَوْا حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَلَمْ يُقْرُوهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقَالُوا: هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا: لَمْ تُقْرُونَا، فَلَا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعَ شِيَاهٍ، فَجَعَلَ رَجُلٌ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفُلُ، فَبَرَأَ الرَّجُلُ، فَأَتَوْهُمْ بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لَا نَأْخُذُهَا حَتَّى نَسْأَلَ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَسَأَلُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ» .

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ،

٢١٬٦٣٧

فَإِنَّ الْعَمَلَ قَدْ يَكُونُ مَجْهُولًا، كَرَدِّ الْآبِقِ وَالضَّالَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا تَنْعَقِدُ الْإِجَارَةُ فِيهِ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى رَدِّهِمَا، وَقَدْ لَا يَجِدُ مَنْ يَتَبَرَّعُ بِهِ، فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى إبَاحَةِ بَذْلِ الْجُعْلِ فِيهِ، مَعَ جَهَالَةِ الْعَمَلِ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ،

٢١٬٦٣٨

بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِجَارَةَ لَمَّا كَانَتْ لَازِمَةً، افْتَقَرَتْ إلَى تَقْدِيرِ مُدَّةٍ، وَالْعُقُودُ الْجَائِزَةُ كَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ لَا يَجِبُ تَقْدِيرُ مُدَّتِهَا، وَلِأَنَّ الْجَائِزَةَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَرْكُهَا، فَلَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَلْزَمَهُ مَجْهُولٌ عِنْدَهُ،

٢١٬٦٣٩

بِخِلَافِ اللَّازِمَةِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا،

٢١٬٦٤٠

فَإِذَا قَالَ: مَنْ رَدَّ عَلَيَّ ضَالَّتِي أَوْ عَبْدِي الْآبِقَ، أَوْ خَاطَ لِي هَذَا الْقَمِيصَ، أَوْ بَنَى لِي هَذَا الْحَائِطَ، فَلَهُ كَذَا

٢١٬٦٤١

وَكَذَا. صَحَّ، وَكَانَ عَقْدًا جَائِزًا، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ فِيهِ قَبْلَ حُصُولِ الْعَمَلِ. لَكِنْ إنْ رَجَعَ الْجَاعِلُ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالْعَمَلِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،

٢١٬٦٤٢

وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ، فَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَمِلَ بِعِوَضٍ، فَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ وَإِنْ فَسَخَ الْعَامِلُ قَبْلَ إتْمَامِ الْعَمَلِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ، حَيْثُ لَمْ يَأْتِ بِمَا شَرَطَ عَلَيْهِ الْعِوَضَ، وَيَصِيرُ كَعَامِلِ الْمُضَارَبَةِ إذَا فَسَخَ قَبْلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ. وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَمَلِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى كَوْنِ الْعَمَلِ مَجْهُولًا، بِأَنْ لَا يَعْلَمَ مَوْضِعَ الضَّالَّةِ وَالْآبِقِ، وَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى جَهَالَةِ الْعِوَضِ وَالثَّانِي أَنَّ الْعَمَلَ لَا يَصِيرُ لَازِمًا، فَلَمْ يَجِبْ كَوْنُهُ مَعْلُومًا، وَالْعِوَضُ يَصِيرُ لَازِمًا بِإِتْمَامِ الْعَمَلِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ مَعْلُومًا.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجُوزَ الْجَعَالَةُ مَعَ جَهَالَةِ الْعِوَضِ إذَا كَانَتْ الْجَهَالَةُ لَا تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي الْآبِقَ فَلَهُ نِصْفُهُ،

٢١٬٦٤٣

وَمَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ ثُلُثُهَا.

٢١٬٦٤٤

فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إذَا قَالَ الْأَمِيرُ فِي الْغَزْوِ: مَنْ جَاءَ بِعَشَرَةِ رُءُوسٍ فَلَهُ رَأْسٌ. جَازَ وَقَالُوا: إذَا جَعَلَ جُعْلًا لِمَنْ يَدُلُّهُ عَلَى قَلْعَةٍ، أَوْ طَرِيقٍ سَهْلٍ، وَكَانَ الْجُعْلُ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا، كَجَارِيَةٍ يُعَيِّنُهَا الْعَامِلُ فَيُخَرَّجُ هَاهُنَا مِثْلُهُ.

٢١٬٦٤٥

فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْجَهَالَةُ تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ، لَمْ تَصِحَّ الْجَعَالَةُ، وَجْهًا وَاحِدًا.

٢١٬٦٤٦

وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ مَعْلُومًا، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي مِنْ الْبَصْرَةِ، أَوْ بَنَى لِي هَذَا الْحَائِطَ، أَوْ خَاطَ قَمِيصِي هَذَا، فَلَهُ كَذَا صَحَّ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَحَّ مَعَ الْجَهَالَةِ فَمَعَ الْعِلْمِ أَوْلَى.

٢١٬٦٤٧

وَإِنْ عَلَّقَهُ بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، فَقَالَ: مَنْ رَدَّ لِي عَبْدِي مِنْ الْعِرَاقِ فِي شَهْرٍ، فَلَهُ دِينَارٌ. أَوْ مَنْ خَاطَ قَمِيصِي هَذَا فِي الْيَوْمِ، فَلَهُ دِرْهَمٌ. صَحَّ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ إذَا جَازَتْ مَجْهُولَةً، فَمَعَ التَّقْدِيرِ أَوْلَى فَإِنْ قِيلَ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَجُوزُ فِي الْإِجَارَةِ، فَكَيْفَ أَجَزْتُمُوهُ فِي الْجَعَالَةِ؟ قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا أَنَّ الْجَعَالَةَ يُحْتَمَلُ فِيهَا الْغَرَرُ، وَتَجُوزُ مَعَ جَهَالَةِ الْعَمَلِ وَالْمُدَّةِ،

٢١٬٦٤٨

بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ. الثَّانِي أَنَّ الْجَعَالَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِالدُّخُولِ فِيهَا مَعَ الْغَرَرِ ضَرَرٌ،

٢١٬٦٤٩

بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ، فَإِنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ،

٢١٬٦٥٠

فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا مَعَ الْغَرَرِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ. الثَّالِثُ أَنَّ الْإِجَارَةَ إذَا قُدِّرَتْ بِمُدَّةٍ، لَزِمَهُ الْعَمَلُ فِي جَمِيعِهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بَعْدَهَا،

٢١٬٦٥١

فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ، فَرُبَّمَا عَمِلَهُ قَبْلَ الْمُدَّةِ،

٢١٬٦٥٢

فَإِنْ قُلْنَا: يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ فَقَدْ لَزِمَهُ مِنْ الْعَمَلِ أَكْثَرُ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ،

٢١٬٦٥٣

وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُهُ. فَقَدْ خَلَا بَعْضُ الْمُدَّةِ مِنْ الْعَمَلِ، إنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ قَبْلَ عَمَلِهِ، فَأَلْزَمْنَاهُ إتْمَامَ الْعَمَلِ، فَقَدْ لَزِمَهُ الْعَمَلُ فِي غَيْرِ الْمُدَّةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا،

٢١٬٦٥٤

وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ. فَمَا أَتَى بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ،

٢١٬٦٥٥

بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ الْعَمَلَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الْجُعْلَ هُوَ عَمَلٌ مُقَيَّدٌ بِمُدَّةٍ، إنْ أَتَى بِهِ فِيهَا اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ،

٢١٬٦٥٦

وَإِنْ لَمْ يَفِ بِهِ فِيهَا، فَلَا شَيْءَ لَهُ إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ مَنْ عَمِلَ الْعَمَلَ بَعْدَ أَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ عِوَضٌ يُسْتَحَقُّ بِعَمَلٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ، كَالْأَجْرِ فِي الْإِجَارَةِ.

٢١٬٦٥٧

[فَصْلٌ جَعَلَ الْجَعْلَ فِي الْجَعَالَةِ لَوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ] (٤٥٢٨) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْجُعْلَ فِي الْجَعَالَةِ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، فَيَقُولَ لَهُ: إنْ رَدَدْت عَبْدِي فَلَكَ دِينَارٌ. فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ مَنْ يَرُدُّهُ سِوَاهُ.

٢١٬٦٥٨

وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَهُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَيَقُولَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ دِينَارٌ.

٢١٬٦٥٩

فَمَنْ رَدَّهُ اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ لِوَاحِدٍ فِي رَدِّهِ شَيْئًا مَعْلُومًا، وَلِآخَرَ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَقَلَّ.

٢١٬٦٦٠

وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْمُعَيَّنِ عِوَضًا، وَلِسَائِرِ النَّاسِ عِوَضًا آخَرَ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَجْرُ فِي الْإِجَارَةِ مُخْتَلِفًا مَعَ التَّسَاوِي فِي الْعَمَلِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى فَإِنْ قَالَ: مَنْ رَدَّ لُقَطَتِي فَلَهُ دِينَارٌ. فَرَدَّهَا ثَلَاثَةٌ، فَلَهُمْ الدِّينَارُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْعَمَلِ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ الْعِوَضُ، فَاشْتَرَكُوا فِي الْعِوَضِ، كَالْأَجْرِ فِي الْإِجَارَةِ.

٢١٬٦٦١

فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ هَذَا النَّقْبَ فَلَهُ دِينَارٌ. فَدَخَلَهُ جَمَاعَةٌ، اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِينَارًا كَامِلًا، فَلِمَ لَا يَكُونُ هَاهُنَا كَذَلِكَ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّاخِلِينَ دَخَلَ دُخُولًا كَامِلًا، كَدُخُولِ الْمُنْفَرِدِ، فَاسْتَحَقَّ الْعِوَضَ كَامِلًا، وَهَا هُنَا لَمْ يَرُدُّهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ كَامِلًا، إنَّمَا اشْتَرَكُوا فِيهِ، فَاشْتَرَكُوا فِي عِوَضِهِ. فَنَظِيرُ مَسْأَلَةِ الدُّخُولِ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِي فَلَهُ دِينَارٌ فَرَدَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَبْدًا. وَنَظِيرُ مَسْأَلَةِ الرَّدِّ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ نَقَبَ السُّورَ فَلَهُ دِينَارٌ.

فَنَقَبَ ثَلَاثَةٌ نَقْبًا وَاحِدًا. فَإِنْ جَعَلَ لِوَاحِدٍ فِي رَدِّهَا دِينَارًا، وَلِآخَرَ دِينَارَيْنِ، وَلِثَالِثٍ ثَلَاثَةً، فَرَدَّهُ الثَّلَاثَةُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُ مَا جَعَلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عَمَلَ ثُلُثَ الْعَمَلِ، فَاسْتَحَقَّ ثُلُثَ الْمُسَمَّى.

٢١٬٦٦٢

فَإِنْ جَعَلَ لِوَاحِدٍ دِينَارًا، وَلِآخَرَيْنِ عِوَضًا مَجْهُولًا، فَرَدُّوهُ مَعًا، فَلِصَاحِبِ الدِّينَارِ ثَلَاثَةٌ، وَلِلْآخَرَيْنِ أَجْرُ عَمَلِهِمَا وَإِنْ جَعَلَ لِوَاحِدٍ شَيْئًا فِي رَدِّهَا، فَرَدَّهَا هُوَ وَآخَرَانِ مَعَهُ، وَقَالَا: رَدَدْنَا مُعَاوَنَةً لَهُ. اسْتَحَقَّ جَمِيعَ الْجُعْلِ، وَلَا شَيْءَ لَهُمَا،

٢١٬٦٦٣

وَإِنْ قَالَا: رَدَدْنَاهُ لِنَأْخُذَ الْعِوَضَ لِأَنْفُسِنَا. فَلَا شَيْءَ لَهُمَا، وَلَهُ ثُلُثُ الْجُعْلِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ ثُلُثَ الْعَمَلِ، فَاسْتَحَقَّ ثُلُثَ الْجُعْلِ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْآخَرَانِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا عَمِلَا مِنْ غَيْرِ جُعْلٍ. وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.

٢١٬٦٦٤

[فَصْلٌ قَالَ مَنْ رَدَّ عَبْدِي مِنْ بَلَدِ كَذَا فَلَهُ دِينَارٌ] فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي مِنْ بَلَدِ كَذَا فَلَهُ دِينَارٌ. فَرَدَّهُ إنْسَانٌ مِنْ نِصْفِ طَرِيقِ ذَلِكَ الْبَلَدِ، اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْجُعْلِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ نِصْفَ الْعَمَلِ.

٢١٬٦٦٥

وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدَيَّ فَلَهُ دِينَارٌ. فَرَدَّ أَحَدَهُمَا، فَلَهُ نِصْفُ الدِّينَارِ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ نِصْفَ الْعَبْدَيْنِ،

٢١٬٦٦٦

وَإِنْ رَدَّ الْعَبْدَ مِنْ غَيْرِ الْبَلَدِ الْمُسَمَّى، فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلَ فِي رَدِّهِ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَعَلَ فِي رَدِّ أَحَدِ عَبْدَيْهِ شَيْئًا فَرَدَّ الْآخَرَ.

تعليق

وَلَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ دِينَارٌ. فَرَدَّهُ إنْسَانٌ إلَى نِصْفِ الطَّرِيقِ، فَهَرَبَ مِنْهُ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ الْجُعْلَ بِرَدِّهِ، وَلَمْ يَرُدَّهُ

٢١٬٦٦٧

وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، فَخَاطَهُ، وَلَمْ يُسَلِّمْهُ حَتَّى تَلِفَ، لَمْ يَسْتَحِقَّ أُجْرَةً.

٢١٬٦٦٨

فَإِنْ قِيلَ: فَإِنْ كَانَ الْجَاعِلُ قَالَ: مَنْ وَجَدَ لُقَطَتِي فَلَهُ دِينَارٌ فَقَدْ وُجِدَ الْوِجْدَانُ؟ قُلْنَا: قَرِينَةُ الْحَالِ تَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الرَّدِّ، وَالْمَقْصُودُ هُوَ الرَّدُّ لَا الْوِجْدَانُ الْمُجَرَّدُ، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِذِكْرِ الْوِجْدَانِ لِأَنَّهُ سَبَبُ الرَّدِّ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ وَجَدَ لُقَطَتِي فَرَدَّهَا عَلَيَّ.

[فَصْل الْجَعَالَة تُسَاوِي الْإِجَارَةَ فِي اعْتِبَارِ الْعِلْمِ بِالْعِوَضِ] (٤٥٣٠) فَصْلٌ: وَالْجَعَالَةُ تُسَاوِي الْإِجَارَةِ فِي اعْتِبَارِ الْعِلْمِ بِالْعِوَضِ، وَمَا كَانَ عِوَضًا فِي الْإِجَارَةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْجَعَالَةِ، وَمَا لَا فَلَا،

٢١٬٦٦٩

وَفِي أَنَّ مَا جَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ الْأَعْمَالِ، جَازَ أَخْذُهُ عَلَيْهِ فِي الْجَعَالَةِ، وَمَا لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ، مِثْلُ الْغِنَاءِ وَالزَّمْرِ وَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ، لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَيْهِ، وَمَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، مِمَّا لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ فَاعِلَهُ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَيْهِ،

٢١٬٦٧٠

فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ، كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْحَجِّ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ فِي الْإِجَارَةَ وَيُفَارِقُ الْإِجَارَةَ فِي أَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ، وَهِيَ لَازِمَةٌ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِالْمُدَّةِ، وَلَا بِمِقْدَارِ الْعَمَلِ، وَلَا يُعْتَبَرُ وُقُوعُ الْعَقْدِ مَعَ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ. فَعَلَى هَذَا مَتَى شَرَطَ عِوَضًا مَجْهُولًا، كَقَوْلِهِ: إنْ رَدَدْت عَبْدِي فَلَكَ ثَوْبٌ، أَوْ فَلَكَ سَلَبُهُ. أَوْ شَرَطَ عِوَضًا مُحَرَّمًا، كَالْخَمْرِ وَالْحُرِّ، أَوْ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ ثُلُثُهُ، أَوْ مَنْ رَدَّ عَبْدَيَّ فَلَهُ أَحَدُهُمَا.

فَرَدَّهُ إنْسَانٌ اسْتَحَقَّ أَجْرَ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَاسْتَحَقَّ أَجْرَهُ، كَمَا فِي الْإِجَارَةِ.

٢١٬٦٧١

[فَصْلٌ رَدَّ لُقَطَةً أَوْ ضَالَّةً أَوْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا غَيْرَ رَدِّ الْآبِقِ بِغَيْرِ جَعَلَ] (٤٥٣١) فَصْلٌ: وَمَنْ رَدَّ لُقَطَةً أَوْ ضَالَّةً، أَوْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا غَيْرَ رَدِّ الْآبِقِ، بِغَيْرِ جُعْلٍ، لَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضًا. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِوَضَ مَعَ الْمُعَاوَضَةِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ مَعَ عَدَمِهَا، كَالْعَمَلِ فِي الْإِجَارَةِ.

٢١٬٦٧٢

فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْجُعْلِ، فَقَالَ: جَعَلْت لِي فِي رَدِّ لُقَطَتِي كَذَا. فَأَنْكَرَ الْمَالِكُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْعِوَضِ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزَّائِدِ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الْعِوَضِ، فَكَذَلِكَ فِي قَدْرِهِ، كَرَبِّ الْمَالِ فِي الْمُضَارَبَةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَحَالَفَا، كَالْمُتَبَايِعِينَ إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، وَالْأَجِيرُ وَالْمُسْتَأْجِرِ إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْأَجْرِ. فَعَلَى هَذَا إنْ تَحَالَفَا فُسِخَ الْعَقْدُ، وَوَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ.

٢١٬٦٧٣

وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ اخْتَلَفَا فِي الْمَسَافَةِ، فَقَالَ: جَعَلْت لَك الْجُعْلَ عَلَى رَدِّهَا مِنْ حَلَبَ فَقَالَ: بَلْ عَلَى رَدِّهَا مِنْ حِمْصَ.

٢١٬٦٧٤

وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنِ الْعَبْدِ الَّذِي جُعِلَ الْجُعْلُ فِي رَدِّهِ، فَقَالَ: رَدَدْت الْعَبْدَ الَّذِي شَرَطْت لِي الْجُعْلَ فِيهِ. قَالَ: بَلْ شَرَطْت لَك الْجُعْلَ فِي الْعَبْدِ الَّذِي لَمْ تَرُدَّهُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِشَرْطِهِ، وَلِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ شَرْطًا فِي هَذَا الْعَقْدِ فَأَنْكَرَهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الشَّرْطِ.

٢١٬٦٧٥

[فَصْلٌ رَدُّ الْعَبْدِ الْآبِقِ] (٤٥٣٢) فَصْلٌ: أَمَّا رَدُّ الْعَبْدِ الْآبِقِ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ بِرَدِّهِ وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ لَهُ. رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُوجِبُ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ جُعْلِ الْآبِقِ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا جُعْلَ لَهُ فِيهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ:"

٢١٬٦٧٦

وَإِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ فَلِمَنْ جَاءَ بِهِ إلَى سَيِّدِهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ ". وَلَمْ يَذْكُرْ جُعْلًا. وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْرُطَ لَهُ عِوَضًا، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، كَمَا لَوْ رَدَّ جَمَلَهُ الشَّارِدَ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ فِي جُعْلِ الْآبِقِ، إذَا جَاءَ بِهِ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ، دِينَارًا وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ فِي زَمَنِهِمْ مُخَالِفًا، فَكَانَ إجْمَاعًا.

وَلِأَنَّ فِي شَرْطِ الْجُعْلِ فِي رَدِّهِمْ حَثًّا عَلَى رَدِّ الْإِبَاقِ، وَصِيَانَةً لَهُمْ عَنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَرِدَّتِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَتَقْوِيَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ. وَبِهَذَا فَارَقَ رَدَّ الشَّارِدِ، فَإِنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ. وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَقْرَبُ إلَى الْمَصْلَحَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَالْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ فِي هَذَا مُرْسَلٌ، وَفِيهِ مَقَالٌ، وَلَمْ يَثْبُتْ الْإِجْمَاعُ فِيهِ وَلَا الْقِيَاسُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ، وَلَا تَحَقَّقَتْ أَيْضًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ الظَّاهِرُ هَرَبَهُمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إلَّا فِي الْمَجْلُوبِ مِنْهَا، إذَا كَانَتْ قَرِيبَةً، وَهَذَا بَعِيدٌ فِيهِمْ

٢١٬٦٧٧

فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي قَدْرِ الْجُعْلِ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ دِينَارٌ، إنْ رَدَّهُ مِنْ الْمِصْرِ،

٢١٬٦٧٨

وَإِنْ رَدَّهُ مِنْ خَارِجِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يَلْزَمُهُ دِينَارٌ، أَوْ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، لِلْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ فِيهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَالثَّانِيَةُ، لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا إنْ رَدَّهُ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَشُرَيْحٍ. فَرَوَى أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: قُلْت لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: إنِّي أَصَبْت عَبِيدًا إبَاقًا. فَقَالَ: لَك أَجْرٌ وَغَنِيمَةٌ. فَقُلْت: هَذَا الْأَجْرُ، فَمَا الْغَنِيمَةُ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ رَأْسٍ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا.

٢١٬٦٧٩

وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَعْطَيْت الْجُعْلَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَفِيضٌ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ. قَالَ الْخَلَّالُ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَصَحُّ إسْنَادًا.

وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا وَجَدَهُ عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ.

٢١٬٦٨٠

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ رَدَّهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا،

٢١٬٦٨١

وَإِنْ كَانَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ، يُرْضَخُ لَهُ عَلَى قَدْرِ الْمَكَانِ الَّذِي تَعْنِي إلَيْهِ وَلَا فَرْقَ عِنْدَ إمَامِنَا بَيْنَ أَنْ يَزِيدَ الْجُعْلَ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ أَوْ لَا يَزِيدَ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ.

٢١٬٦٨٢

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ قَلِيلَ الْقِيمَةِ نَقَصَ الْجُعْلُ مِنْ قِيمَتِهِ دِرْهَمًا، لِئَلَّا يَفُوتَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ جَمِيعُهُ. وَلَنَا عُمُومُ الدَّلِيلِ، وَلِأَنَّهُ جُعْلٌ يُسْتَحَقُّ فِي رَدِّ الْآبِقِ، فَاسْتَحَقَّهُ وَإِنْ زَادَ عَلَى قِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ جَعَلَهُ لَهُ صَاحِبُهُ، وَيَسْتَحِقُّهُ إنْ مَاتَ سَيِّدُهُ فِي تَرِكَتِهِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.

٢١٬٦٨٣

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ كَانَ الَّذِي رَدَّهُ مِنْ وَرَثَةِ الْمَوْلَى، سَقَطَ الْجُعْلُ وَلَنَا أَنَّ هَذَا عِوَضٌ عَنْ عَمَلِهِ، فَلَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، كَالْأَجْرِ فِي الْإِجَارَةِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ وَرَثَةِ الْمَوْلَى. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ مَنْ رَدَّهُ مَعْرُوفًا بِرَدِّ الْإِبَاقِ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ.

٢١٬٦٨٤

وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ، اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَنَا الْخَبَرُ، وَالْأَثَرُ الْمَذْكُورُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ، وَلِأَنَّهُ رَدَّ آبِقًا، فَاسْتَحَقَّ الْجُعْلَ، كَالْمَعْرُوفِ بِرَدِّهِمْ.

٢١٬٦٨٥

[فَصْلٌ أَخْذُ الْآبِقِ لِمَنْ وَجَدَهُ] (٤٥٣٣) فَصْل: وَيَجُوزُ أَخْذُ الْآبِقِ لِمَنْ وَجَدَهُ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُؤْمَنُ لَحَاقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَارْتِدَادُهُ، وَاشْتِغَالُهُ بِالْفَسَادِ فِي سَائِر الْبِلَادِ،

٢١٬٦٨٦

بِخِلَافِ الضَّوَالِّ الَّتِي تَحْفَظُ نَفْسَهَا.

٢١٬٦٨٧

فَإِذَا أَخَذَهُ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، إنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ،

٢١٬٦٨٨

وَإِنْ وَجَدَ صَاحِبَهُ، دَفَعَهُ إلَيْهِ إذَا أَقَامَ بِهِ الْبَيِّنَةَ، أَوْ اعْتَرَفَ الْعَبْدُ أَنَّهُ سَيِّدُهُ.

٢١٬٦٨٩

وَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَيِّدَهُ، دَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، فَيَحْفَظُهُ لِصَاحِبِهِ، أَوْ يَبِيعُهُ إنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي بَيْعِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا وَلَيْسَ لِمُلْتَقِطِهِ بَيْعُهُ وَلَا تَمَلُّكُهُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَنْحَفِظُ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ كَضَوَالِّ الْإِبِلِ.

٢١٬٦٩٠

فَإِنْ بَاعَهُ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ؛ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.

٢١٬٦٩١

وَإِنْ بَاعَهُ الْإِمَامُ لِمَصْلَحَةٍ رَآهَا فِي بَيْعِهِ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ فَاعْتَرَفَ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، قُبِلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ بِهَذَا نَفْعًا، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَرًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ، فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ السَّيِّدُ ثُمَّ أَقَرَّ بِعِتْقِهِ. فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَخْذُ ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ أَنَّهُ حُرٌّ وَلَا يَسْتَحِقُّ ثَمَنَهُ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ، فَهُوَ كَتَرِكَةِ مَنْ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ.

٢١٬٦٩٢

فَإِنْ عَادَ السَّيِّدُ فَأَنْكَرَ الْعِتْقَ، وَطَلَبَ الْمَالَ، دُفِعَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ.

٢١٬٦٩٣

[فَصْلٌ أَبَقَ الْعَبْدُ فَحَصَلَ فِي يَدِ حَاكِمٍ فَأَقَامَ سَيِّدُهُ بَيِّنَةً عِنْدَ حَاكِمِ بَلَدٍ آخَرَ] (٤٥٣٤) فَصْلٌ: وَإِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ، فَحَصَلَ فِي يَدِ حَاكِمٍ، فَأَقَامَ سَيِّدُهُ بَيِّنَةً عِنْدَ حَاكِمِ بَلَدٍ آخَرَ أَنَّ فُلَانًا الَّذِي صِفَتُهُ كَذَا

٢١٬٦٩٤

وَكَذَا، وَاسْتَقْصَى صِفَاتِهِ، عَبْدَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ أَبَقَ مِنْهُ، فَقَبِلَ الْحَاكِمُ بَيِّنَتَهُ، وَكَتَبَ الْحَاكِمُ إلَى الْحَاكِمِ الَّذِي عِنْدَهُ الْعَبْدُ: ثَبَتَ عِنْدِي إبَاقُ فُلَانٍ الَّذِي صِفَتُهُ كَذَا

٢١٬٦٩٥

وَكَذَا. قَبِلَ كِتَابَهُ، وَسَلَّمَ إلَيْهِ الْعَبْدَ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ: يَأْخُذُ بِهِ كَفِيلًا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ أَثْبَتَتْهُ بِصِفَاتِهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ بِوَصْفِهِ فِي السَّلَمِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ: لَا يَجِبُ تَسْلِيمُهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ عَلَى عَيْنِهِ، وَإِنَّمَا يَشْهَدُونَ بِالصِّفَاتِ، وَقَدْ تَتَّفِقُ الصِّفَاتُ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَعْيَانِ، وَيُفَارِقُ الْمُسْلَمَ فِيهِ،

٢١٬٦٩٦

فَإِنَّ الْوَاجِبَ أَقَلُّ مَا يُوجَدُ مِنْهُ الصِّفَةُ، وَهُوَ غَيْرُ مُعَيِّنٍ. وَلَنَا أَنَّهُ يُقْبَلُ كِتَابُ الْحَاكِمِ إلَى الْحَاكِمِ عَلَى شَخْصٍ غَائِبٍ، وَيُؤْخَذُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ، وَلَيْسَ ثَمَّ شَهَادَةٌ عَلَى عَيْنٍ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَصِفَتِهِ، فَكَذَا هَاهُنَا، إذَا ثَبَتَ وُجُوبُ تَسْلِيمِهِ،

٢١٬٦٩٧

فَإِنَّ الْحَاكِمَ الَّذِي يُسَلِّمُهُ يَخْتِمُ فِي عُنُقِهِ خَيْطًا ضَيِّقًا لَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِهِ، وَيَدْفَعُهُ إلَى الْمُدَّعِي أَوْ وَكِيلِهِ، لِيَحْمِلَهُ إلَى الْحَاكِمِ الْكَاتِبِ، لِيُشْهِدَ الشُّهُودَ عَلَى عَيْنِهِ،

٢١٬٦٩٨

فَإِنْ شَهِدُوا بِعَيْنِهِ، سُلِّمَ إلَى مُدَّعِيه،

٢١٬٦٩٩

وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا وَجَبَ رَدُّهُ إلَى الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ، وَيَكُونُ فِي ضَمَانِ الَّذِي أَخَذَهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.