واستبراء سنة.
الشروح عليها
واستبراء سنة. ويشترط أيضا في صحة التوبة عن إخراج صلاة أو صوم أو وقتهما قضاؤهما وإن كثر وعن القذف أن يقول القاذف قذفي باطل وأنا نادم عليه ولا أعود إليه وعن الغيبة أن يستحلها من المغتاب إن بلغته ولم يتعذر بموت أو غيبة طويلة وإلا كفى الندم والاستغفار له كالحاسد.
واشترط جمع متقدمون أنه لا بد في التوبة من كل معصية من الاستغفار أيضا واعتمده البلقيني.
وقال بعضهم يتوقف في التوبة في الزنا على استحلال زوج المزني بها إن لم يخف فتنة وإلا فليتضرع إلى الله تعالى في إرضائه عنه.
وجعل بعضهم الزنا مما ليس فيه حق آدمي فلا يحتاج فيه إلى الاستحلال والأوجه الأول.
ويسن للزاني ككل مرتكب معصية الستر على نفسه بأن لا يظهرها ليحد أو يعزر
لا أن يتحدث بها تفكها أو مجاهرة فإن هذا حرام قطعا
وكذا يسن لمن أقر بشيء من ذلك الرجوع عن إقراره به.
قال شيخنا: من مات وله دين لم يستوفه ورثته يكون هو المطالب في الآخرة على الأصح.
وبعد استبراء سنة من حين توبة فاسق ظهر فسقه لأنها قلبية وهو متهم لقبول شهادتهم وعود ولايته فاعتبر ذلك لتقوي دعواه وإنما
(قوله: ويشترط أيضا) أي كما اشترط ما مر لصحة التوبة.
(وقوله: عن إخراج صلاة أو صوم عن وقتهما) أي بأن ترك الصلاة في وقتها، أو الصوم في وقته.
(وقوله: قضاؤهما) أي الصلاة والصوم.
وعبارة الزواجر: الحادي عشر: أي من شروط التوبة التدارك فيما إذا كانت المعصية بترك عبادة، ففي ترك نحو الصلاة والصوم تتوقف صحة توبته على قضائها لوجوبها عليه فورا، وفسقه بتركه كما مر،
فإن لم يعرف مقدار ما عليه من الصلوات مثلا.
قال الغزالي: تحرى وقضى ما تحقق أنه تركه من حين بلوغه.
اه
(قوله: وان كثر) أي القضاء عما فاته، فيشترط لصحة التوبة فعل جميع ما عليه من الصلوات أو الصيام.
(قوله: وعن القذف) معطوف على عن إخراج الخ.
أي ويشترط أيضا في صحة التوبة عن القذف الخ.
(وقوله: أن يقول القاذف إلخ) وفي البجيرمي ما نصه: وانظر هذا القول يكون في أي زمن يقال لمن.
شوبري انتهى.
وفي الزواجر: أنه يقوله بين يدي المستحل منه كالمقذوف.
انتهى.
قال سم: ولو علم أنه لو أعلم مستحق القذف ترتب على ذلك فتنة، فالوجه أنه لا يجب عليه إعلامه، ويكفيه الندم، والعزم على عدم العود، والاقلاع.
اه.
(قوله: قذفي باطل) قيل المراد بهذا أن القذف من حيث هو باطل، لا خصوص قوله: إذ قد يكون صادقا، ولذا رد الجمهور على الاصطخري إشتراطه أن يقول كذبت فيما قذفته.
انتهى.
(قوله: وعن الغيبة الخ) معطوف أيضا على عن إخراج الخ: أي
ويشترط في صحة التوبة أن يستحلها الخ.
وعبارة الزواجر: ولو بلغت الغيبة المغتاب، أو قلنا أنها كالقود والقذف لا تتوقف على بلوغ، فالطريق أن يأتي المغتاب ويستحل منه،
فإن تعذر لموته أو تعذر لغيبته الشاسعة استغفر الله تعالى، ولا اعتبار بتحليل الورثة.
ذكره الحناطي وغيره.
وأقرهم في الروضة.
قال فيها: وأفتى الحناطي بأن الغيبة إذا لم تبلغ المغتاب كفاه الندم والاستغفار له.
وجزم به الصباغ حيث قال: إنما يحتاج لاستحلال المغتاب إذا علم لما داخله من الضرر والغم،
بخلاف ما إذا لم يعلم فلا
فائدة في إعلامه لتأذيه، فليتب فإذا تاب أغناه عن ذلك.
نعم: هن كان تنقصه عند قوم رجع إليهم وأعلمهم أن ذلك لم يكن حقيقة.
اه.
(قوله: ولم يتعذر) أي الاستحلال.
(وقوله: بموت) أي للمغتاب
(وقوله: أو غيبة طويلة) أي له أيضا.
(قوله: وإلا) أي بأن لم تبلغه أو تعذر الاستحلال منه، كفى الندم.
(قوله: والاستغفار له) أي للمغتاب.
وعبارة غيره كالروض وشرحه: ويستغفر الله تعالى من الغيبة.
اه.
ويمكن الجمع بأن يقال يستغفر لنفسه من المعصية الصادرة منه وهي الغيبة، ويستغفر للمغتاب في مقابلة غيبته له، وذلك بأن يقول: اللهم اغفر لنا وله، ثم رأيته مصرحا به في فتح الجواد.
وعبارته: فإن تعذر أو تعسر لغيبته البعيدة، إستغفر له ولنفسه مع ندمه.
ويظهر أن الاستغفار له هنا شرط ليكون في مقابلة تأذيه ببلوغ الخبر له.
اه.
قال سم: فإن استغفر الله ثم بلغته فهل يكفي الاستغفار أم لا؟ والاوجه أنه يكفي.
اه.
(قوله: كالحاسد) أي فإنه يكفي فيه الندم والاستغفار للمحسود، هذا ما يقتضيه صنيعه،
وعبارة التحفة والنهاية: وكذا يكفي الندم والاقلاع عن الحسد.
اه.
وعبارة الروض وشرحه: ويستغفر الله من الحسد، وهو أن يتمنى زوال نعمة غيره، ويسر ببليته.
وعبارة الاصل: والحسد كالغيبة وهي أفيد، ولا يخبر صاحبه: أي لا يلزمه إخبار المحسود.
قال في الروضة: بل لا يسن،
ولو قيل يكره لم يبعد.
اه.
وقوله: وهي أفيد.
قال سم: وكأن وجه الافيدية أنها تفيد أيضا أنه إذا علم المحسود لا بد من إستحلاله.
اه.
(قوله: واشترط جمع متقدمون إنه) أي الحال والشأن.
(وقوله: لا بد في التوبة من كل معصية من الاستغفار) أي لنفسه.
(وقوله: أيضا) أي كما اشترط ما مر في صحة التوبة.
(قوله: وقال بعضهم يتوقف في التوبة الخ) أي يحتاج في صحة التوبة من الزنا على استحلال زوج المزني بها إن لم يخف فتنة.
(وقوله: وإلا) أي بأن خيف فتنة.
(وقوله: فليتضرع إلخ) أي فلا يتوقف على الاستحلال، بل يكفي التضرع إلى الله تعالى في إرضاء الخصم عنه.
(قوله: وجعل بعضهم إلخ) قال في الزواجر، بعد كلام: وقضية ما ذكره - أي الغزالي - من إشتراط الاستحلال في الحرم الشامل للزوجة والمحارم كما صرحوا به، أن الزنا واللواط فيهما حق للآدمي، فتتوقف التوبة منهما على إستحلال أقارب المزني بها، أو الملوط به، وعلى إستحلال زوج المزني بها.
هذا إن لم يخف فتنة، وإلا فليتضرع إلى الله تعالى في إرضائهم عنه.
ويوجه ذلك بأنه لا شك أن في الزنا واللواط إلحاق عار، أي عار بالاقارب، وتلطيخ فراش الزوج، فوجب إستحلالهم حيث لا عذر.
فإن قلت: ينافي ذلك جعل بعضهم من الذنوب التي لا يتعلق بها حق آدمي وطئ الاجنبية فيما دون الفرج وتقبيلها من الصغائر، والزنا وشرب الخمر من الكبائر، وهذا صريح في أن الزنا ليس فيه حق آدمي فلا يحتاج فيه إلى الاستحلال.
قلت: هذا لا يقاوم به كلام الغزالي، لا سيما وقد قال الاذرعي عنه إنه في غاية الحسن والتحقيق، فالعبرة بما دل عليه دون غيره.
اه.
(قوله: فلا يحتاج) أي الزنا وهو تفريع على أنه ليس فيه حق آدمي.
(وقوله: إلى الاستحلال) أي استحلال زوج المزني بها.
(قوله: والاوجه الاول) أي ما قاله بعضهم من أنه يتوقف في التوبة من الزنا على الاستحلال.
(قوله: ويسن للزاني إلخ) أي لقوله عليه السلام: من ابتلي منكم بشئ من هذه القاذورات، فليستتر بستر الله تعالى.
(قوله: الستر على نفسه) نائب فاعل يسن.
(قوله: بأن لا يظهرها) أي المعصية، وهو تصوير للستر المسنون.
(قوله: ليحد أو يعزر) علة الاظهار المنفي، فهو إذا أظهرها يحد أو يعزر، ويكون خلاف السنة.
وإذا لم يظهرها لا يحد ولا يعزر، ويكون مسنونا.
(قوله: لا إن يتحدث بها) معطوف على أن لا يظهرها.
والمعنى عليه: يصور الستر بعدم إظهارها، ولا يصور بالتحدث بالمعصية الخ، وهذا أمر معلوم فلا فائدة في نفيه.
وعبارة التحفة: لا أن لا يتحدث بها، بزيادة لا النافية بعد أن، وهي ظاهرة، وذلك لان معناها أن الستر المسنون لا يصور بعدم التحدث بها تفكها أو مجاهرة، إذ يفيد حينئذ أن عدم التحدث بها سنة،
وأن التحدث خلاف السنة فقط، مع أنه حرام قطعا.
إذا علمت ذلك فلعل في العبارة إسقاط لفظ لا من النساخ.
تأمل.
(وقوله: تفكها) أي استلذاذا بالمعصية.
(وقوله: أو مجاهرة) أي أو لأجل التجاهر بها.
(قوله: فإن هذا) أي التحدث بالمعصية تفكها أو مجاهرة، حرام قطعا.
وخرج بالتحدث لذلك التحدث لا لذلك، بل ليستوفى منه الحد الذي أوجبته المعصية، فهو ليس بحرام، بلا خلاف السنة فقط كما علمت.
(قوله: وكذا يسن لمن أقر بشئ من ذلك) أي من المعاصي.
(وقوله: الرجوع عن إقراره به)
قال في التحفة: ولا يخالف هذا قولهم يسن لمن ظهر عليه حد - أي لله - أن يأتي الامام ليقيمه عليه لفوات الستر، لان المراد بالظهور هنا أن يطلع على زناه مثلا من لا يثبت الزنا بشهادته، فيسن له ذلك،
أما حد الآدمي، أو القود له، أو تعزيره، فيجب الاقرار به ليستوفى منه.
ويسن لشاهد الاول الستر ما لم ير المصلحة في الاظهار، ومحله إن لم يتعلق بالترك إيجاب حد على الغير، وإلا كثلاثة شهدوا بالزنا لزم الرابع الاداء، وأثم بتركه.
وليس استيفاء نحو القود مزيلا للمعصية، بل لا بد معه من التوبة.
اه.
(وقوله: لأن المراد بالظهور هنا) أي في قوله: يسن لمن ظهر عليه الخ.
قال سم: فقال في شرح الروض: قال ابن الرفعة: والمراد به - أي بالظهور - الشهادة.
قال: وألحق به إبن الصباغ ما إذا اشتهر بين الناس.
اه.
(قوله: قال شيخنا الخ) عبارته في الزواجر.
وفي الجواهر: لو مات المستحق واستحقه وارث بعد وارث،
فمن يستحقه في الآخرة.
أربعة أوجه: الاول آخر الورثة، ورابعها إن طالبه صاحبه به فجحده به وحلف فهو له، وإلا انتقل إلى ورثته.
وادعى القاضي أنه لو حلف عليه يكون للاول.
وقال النسائي: لو استحق الوفاء وارث بعد وارث،
فإن كان المستحق ادعاه وحلف.
قال في الكفاية: فالطلب في الآخرة لصاحب الحق بلا خلاف، أو لم يحلف فوجوه، في الكفاية أصحها ما نسبه الرافعي للحناطي كذلك،
والثاني للكل، والثالث للاخير ولمن فوقه ثواب المنع.
قال الرافعي: وإذا دفع لآخر الورثة خرج عن مظلمة الكل، إلا فيما سوف وماطل.
اه.
ملخصا.
وقوله: ثواب المنع: أي من وفاء ما يستحقه.
(قوله: وله) أي لمن مات.
(وقوله: دين) أي على غيره.
(وقوله: لم يستوفه) أي لم يستوف ذلك الميت الدين ممن هو عليه.
(قوله: يكون هو) أي من مات لا ورثته.
(وقوله: المطالب به) - بكسر اللام - اسم فاعل.
(وقوله: على الأصح) مقابله يعلم من العبارة المارة.
(قوله: وبعد استبراء سنة) معطوف على قوله بعد توبة: أي تقبل الشهادة من فاسق بعد توبة وبعد استبراء سنة.
قال في المغني: واستثني من اشتراط ذلك صور منها: مخفي الفسق إذا تاب وأقر وسلم نفسه للحد، لانه لم يظهر التوبة عما كان مستورا عليه إلا عن صلاح.
قاله الماوردي، والروياني.
ومنها ما لو عصى الولي بالعضل ثم تاب زوج في الحال، ولا يحتاج إلى استبراء كما حكاه الرافعي عن البغوي، ومنها شاهد الزنا إذا وجب عليه الحد لعدم تمام العدد، فإنه لا يحتاج بعد التوبة إلى استبراء، بل تقبل شهادته في الحال على المذهب في أصل الروضة، ومنها ناظر الوقف بشرط الواقف، إذا فسق ثم تاب، عادت ولايته من غير إستبراء.
اه.
(قوله: من حين الخ) من إبتدائية متعلقة بمحذوف صفة لسنة: أي بسنة مبتدأة، من حين توبة فاسق.
(وقوله: ظهر فسقه) قيد في كون قبول التوبة يكون بعد إستبراء سنة.
وخرج به ما إذا خفي فسقه وأقر به ليقام عليه الحد، فتقبل شهادته عقب توبته كما مر آنفا.
(قوله: لأنها) أي التوبة قلبية، وهو علة لاشتراط الاستبراء.
(قوله: وهو متهم إلخ) من
تتمة العلة.
أي والفاسق الذي ظهر فسقه متهم: أي في إظهار توبته.
(وقوله: لقبول الخ) هذا سبب التهمة: أي وإنما كان متهما في إظهارها، لانه يقال: ربما أنه إنما أظهرها لاجل أن تقبل شهادته وتعود ولايته.
وعبارة التحفة: وهو متهم بإظهارها لترويج شهادته وعود ولايته، فاعتبر ذلك لتقوى دعواه.
اه.
وقال عميرة: وجه ذلك - أي إشتراط الاستبراء - التحذير من أن يتخذ الفساق مجرد التوبة ذريعة إلى ترويج أقوالهم.
اه.
(قوله: فاعتبر ذلك أي الاستبراء بسنة.
(وقوله: لتقوي دعواه) أي للتوبة.
(قوله: وإنما قدرها) أي مدة الاستبراء.
(وقوله: سنة) الاصح أنها تقريبية لا تحديدية، فيغتفر مثل خمسة أيام لا ما زاد عليها.
اه.
بجيرمي.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.