فرع:
الشروح عليها
فرع: سن دخول صلاة بنشاط وفراغ قلب وفيها خشوع بقلبه وبجوارحه,
أما مأموم علم أو شك قبل ركوعه وبعد ركوع إمامه أنه ترك الفاتحة فيقرؤها ويسعى خلفه وبعد ركوعهما لم يعد إلى القيام لقراءته الفاتحة بل يتبع إمامه ويصلي ركعة بعد سلام الإمام.
فرع سن دخول صلاة بنشاط لأنه تعالى ذم تاركيه بقوله: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى} [٤- سورة النساء /الآية: ١٤٢] والكسل: الفتور والتواني.
وفراغ قلب من الشواغل لأنه أقرب إلى الخشوع.
وسن فيها أي في صلاته كلها خشوع بقلبه بأن لا يحضر فيه غير ما هو فيه وإن تعلق بالآخرة.
وبجوارحه بأن لا يعبث بأحدها وذلك لثناء الله تعالى في كتابه العزيز على فاعليه بقوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [٢٣ سورة المؤمنون/ الآيتان ١, ٢] ولانتفاء ثواب الصلاة بانتفائه كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة ولان لنا وجها اختاره جمع أنه شرط للصحة.
ومما يحصل الخشوع استحضاره أنه بين يدي ملك الملوك الذي
(قوله: فرع: سن دخول صلاة إلخ) قال حجة الإسلام الغزالي: واعلم أن تخصيص الصلاة من الشوائب والعلل، وإخلاصها لله تعالى، وأداءها بالشروط الظاهرة والباطنة من خشوع وغيره، سبب لحصول أنوار القلب، وتلك الأنوار مفاتيح علوم المكاشفة.
فأولياء الله المكاشفون بملكوت السموات والأرض وأسرار الربوبية إنما يكاشفون في الصلاة، لا سيما في السجود، إذ يتقرب العبد من ربه عزوجل بالسجود.
ولذلك قال تعالى: * (واسجد واقترب) * فليحذر الإنسان مما يفسدها ويحبطها، فإنها إذا فسدت فسدت جميع الأعمال، إذ هي كالرأس للجسد.
وورد أنها عرس الموحدين، لأنه يجتمع فيها أنواع العبادة، كما أن العرس يجتمع فيه أنواع الطعام.
فإذا صلى العبد ركعتين يقول الله: عبدي، مع ضعفك أتيتني بألوان العبادة قياما وركوعا وسجودا وقراءة وتحميدا وتهليلا وتكبيرا وسلاما، فأنا مع جلالتي وعظمتي لا يجمل مني أن أمنعك جنة فيها ألوان النعيم.
أوجبت لك الجنة بنعيمها كما عبدتني بألوان العبادة، وأكرمك برؤيتي كما عرفتني بالوحدانية.
فإني لطيف أقبل عذرك وأقبل الخير منك برحمتي، فإني أجد من أعذبه من الكفار وأنت لا تجد إلها غيري يغفر سيئاتك.
عندي لك بكل ركعة قصر في الجنة وحوراء، وبكل سجدة نظرة إلى وجهي.
وهذا لا يكون إلا لمن أخلص فيها لله وحده.
اه.
قال بعض العارفين: ينبغي لمن أراد الصلاة الكاملة أن يستعد لها قبل دخول الوقت بالوضوء،
وإذا دخل الوقت صلى السنة الراتبة، لأن العبد ربما تشعب باطنه وتفرق همه - من نحو المخالطة وأمر المعاش - فتحصل له كدورة.
فإذا قدم السنة زال ذلك، ثم يجدد التوبة عند الفريضة من كل ذنب عمله،
ومن الذنوب عامة وخاصة، ويستقبل القبلة بظاهره والحضرة الإلهية بباطنه، ويقرأ قل أعوذ برب الناس، ثم يرفع يديه ويستحضر في تحرمه عظمة الإله وكبرياءه، ويعلم أن معنى أكبر أنه أكبر من أن يتعاظمه شئ أو يكون في جنب عظمته، وليس معناه أنه أكبر مما سواه من المخلوقين إذ ليس له مشابه.
وفي العوارف: سئل أبو سعيد الخراز: كيف الدخول في الصلاة؟ فقال: هو أن تقبل عليه تعالى كإقبالك عليه يوم القيامة، ووقوفك بين يديه ليس بينك وبينه ترجمان، وهو مقبل عليك وأنت تناجيه.
قال في الأربعين: الأصل ما معناه: ولا تقل الله أكبر إلا وفي قلبك ليس أكبر منه.
ولا تقل وجهت وجهي إلا وقلبك متوجه بكله إليه تعالى ومعرض عن غيره.
ولا تقل الحمد لله إلا وقلبك طافح بشكر نعمته عليك، فرح به.
ولا تقل إياك نعبد وإياك نستعين إلا وأنت مستشعر ضعفك وعجزك، فإنه ليس إليك ولا إلى غيرك من الامر شئ.
وكذلك في جميع الأذكار والأعمال.
روي عنه عليه السلام أنه قال: يقول الله عزوجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين،
فإذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال الله عزوجل: مجدني عبدي.
فإذا قال: الحمد لله رب العالمين.
قال: حمدني عبدي.
فإذا قال: الرحمن الرحيم.
قال: أثنى علي عبدي.
فإذا قال: مالك يوم الدين.
قال: فوض إلي عبدي.
فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين.
قال: هذا بيني وبين عبدي.
فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم.
قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل.
(قوله: بنشاط) أي بهمة ورغبة.
(قوله: ذم تاركيه) أي النشاط.
(قوله: بقوله إلخ) متعلق بذم.
وقوله: وإذا قاموا أي المنافقون.
وقوله: قاموا كسالى أي متثاقلين.
وأنشد أبو حيان في ذم من ينتمي إلى الفلاسفة: وما انتسبوا إلى الإسلام إلا لصون دمائهم أن لا تسالا فيأتون المناكر في نشاط ويأتون الصلاة وهم كسالى
(قوله: والكسل: الفتور والتواني) أي وهو ضد النشاط.
(قوله: وفراغ قلب) بالجر، معطوف على نشاط.
أي خلوه وتجرده.
وقوله: من الشواغل أي الدنيوية، لأن ذلك أدعى لتحصيل الغرض.
فإذا كانت صلاته كذلك انفتح له فيها من المعارف ما يقصر عنه فهم كل عارف، ولذلك قال عليه السلام: وجعلت قرة عيني في الصلاة.
ومثل هذه هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر.
اه م ر.
وفي المغني: قال القاضي: يكره أن يفكر في صلاته في أمر دنيوي أو مسألة فقهية،
أما التفكر في أمر الآخرة فلا بأس به،
وأما فيما يقرؤه فمستحب.
(فائدة) فيها بشرى، روى ابن حبان في صحيحه، من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا، إن العبد إذا قام يصلي أتى بذنوبه فوضعت على رأسه، أو على عاتقه، فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه، أي حتى لا يبقى منها شئ إن شاء الله تعالى.
اه.
(قوله: لأنه) أي فراغ القلب.
وقوله: أقرب إلى الخشوع أي إلى تحصيله.
(قوله: وسن فيها خشوع) اختلفت آراء العلماء فيه، فذهب بعضهم إلى أنه غض البصر وخفض الصوت، ومحله القلب.
وعن على: أن لا يلتفت يمينا وشمالا.
وعن ابن جبير: أن لا يعرف من على يمينه ولا من على يساره.
وعن عمرو بن دينار: هو السكون وحسن الهيئة.
وعن ابن سيرين: هو أن لا ترفع بصرك عن موضع سجودك.
وعن عطاء: هو أن لا تعبث بشئ من جسدك في الصلاة.
وقيل: هو جمع الهمة والإعراض عماسوى الصلاة.
وقال في النهاية: وقد اختلفوا هل الخشوع من أعمال الجوارح كالسكون؟ أو من أعمال القلوب كالخوف؟ أو هو عبارة عن المجموع على أقوال للعلماء؟ اه.
(قوله: بأن لا يحضر فيه إلخ) تصوير للخشوع بالقلب.
(قوله: غير ما هو فيه) أي غير ما هو متلبس به وبصدده، من الصلاة وما تشتمل عليه.
وقوله: وإن تعلق بالآخرة أي وإن تعلق ذلك الغير بالآخرة، كذكر الجنة والنار وغيرهما من الأحوال السنية التي لا تعلق لها بذلك المقام.
قال ع ش: وهذا قد يشكل عليه استحباب كثرة الدعاء في السجود والركوع والاستغفار وطلب الرحمة إذا مر بآية استغفار أو رحمة، والاستجارة من العذاب إذا مر بآية عذاب، إلى غير ذلك مما يحمل على طلب الدعاء في صلاته،
فإن ذلك فرع عن التفكر في غير ما هو فيه، ولا سيما إذا كان الدعاء بطلب أمر دنيوي، اللهم إلا أن يقال إن هذا نشأ من التسبيح والدعاء المطلوبين في صلاته أو القراءة فليس أجنبيا عما هو فيه.
اه.
وفي الأحياء: واعلم أن من مكايده - أي الشيطان - أن يشغلك في صلاتك بذكر الآخرة وتدبير فعل الخيرات ليمنعك عن فهم ما تقرأ.
فاعلم أن كل ما يشغلك عن فهم معاني قراءتك فهو وسواس.
فإن حركة اللسان غير مقصودة بل المقصود معانيها.
(قوله: وجوارحه) أي وخشوع بجوارحه.
وقوله: بأن لا يعبث بأحدها تصوير للخشوع بالجوارح.
(قوله: وذلك لثناء الله تعالى الخ) أي وإنما كان الخشوع سنة لثناء الله تعالى على فاعلي الخشوع، أي المتصفين به.
ولقوله عليه الصلاة والسلام: ما من عبد يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يقوم فيركع ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وقد أوجب الله له الجنة.
(قوله: ولانتفاء ثواب الصلاة بانتفائه) أي الخشوع.
(قوله: كما دلت عليه) أي على انتفاء ما ذكر.
وقوله: الأحاديث الصحيحة سيأتي بيان بعضها.
(قوله: ولأن لنا وجها اختاره جمع أنه شرط للصحة) قال حجة الإسلام الغزالي في بيان اشتراط الخشوع والحضور: اعلم أن أدلة ذلك كثيرة.
فمن ذلك قوله تعالى: * (وأقم الصلاة لذكري) * وظاهر الأمر الوجوب، والغفلة تضاد الذكر.
فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيما للصلاة لذكره.
وقوله تعالى: * (ولا تكن من الغافلين) * فهي
وظاهره التحريم.
وقوله.
عزوجل: * (حتى تعلموا ما تقولون) * تعليل لنهي السكران.
وهو مطرد في الغافل المستغرق بالوسواس وأفكار الدنيا.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: إنما الصلاة تمسكن وتواضع.
حصر بالألف واللام.
وكلمة إنما للتحقيق والتوكيد.
قوله - صلى الله عليه وسلم -: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا.
وصلاة الغافل لا تمنع من الفحشاء والمنكر.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: كم من قائم حظه من صلاته التعب والنصب.
وما أراد به إلا الغافل.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها.
والتحقيق فيه أن المصلي مناج ربه عزوجل، كمورد به الخبر.
والكلام مع الغفلة ليس بمناجاة ألبتة.
وأطال الكلام في الاستدلال على ذلك،
ثم قال: فإن قلت إن حكمت ببطلان الصلاة وجعلت حضور القلب شرطا في صحتها خالفت إجماع الفقهاء، فإنهم لم يشترطوا إلا حضور القلب عند التكبير.
فاعلم أنه قد تقدم في كتاب العلم أن الفقهاء لا يتصرفون في الباطن ولا يشقون عن القلوب ولا في طريق الآخرة، بل يبنون ظاهر أحكام الدين على ظاهر أعمال الجوارح.
على أنه لا يمكن أن يدعى الإجماع، فقد نقل عن بشر بن الحارث فيما رواه عنه أبو طالب المكي عن سفيان الثوري أنه قال: من لم يخشع فسدت صلاته.
وروي عن الحسن أنه قال: كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع.
وعن معاذ بن جبل: من عرف من على يمينه وشماله متعمدا وهو في الصلاة فلا صلاة له.
وروي أيضا مسندا، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها ولا عشرها، وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها.
وهذا لو نقل عن غيره لجعل مذهبا فكيف لا يتمسك به،
وقال عبد الواحد بن زيد أجمعت العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها، فجعله إجماعا.
وما نقل من هذا الجنس عن الفقهاء المتورعين وعن علماء الآخرة أكثر من أن يحصى.
والحق الرجوع إلى أدلة الشرع، والأخبار والآثار ظاهرة في هذا الشرط، إلا أن مقام الفتوى في التكليف الظاهر يتقدر بقدر قصور الخلق، فلا يمكن أن يشترط على الناس إحضار القلب في جميع الصلاة فإن ذلك يعجز عنه كل البشر إلا الأقلين وإذا لم يمكن اشتراط الاستيعاب للضرورة فلا مرد له إلا أن يشترط منه ما ينطلق عليه الاسم،
ولو في اللحظة الواحدة، وأولى اللحظات به لحظة التكبير، فاقتصرنا على التكليف بذلك.
اه.
(قوله: ومما يحصل الخشوع إلخ) أي ومما يقتضي الخشوع ويكون سببا فيه، استحضاره أنه بين يدي ملك الملوك.
ومما يحصله أيضا: الهمة.
قال حجة الإسلام: اعلم أن حضور القلب سببه الهمة،
فإن قلبك تابع لهمتك فلا يحضر إلا فيما يهمك.
ومهما أهمك أمر حضر القلب فيه شاء أم أبى، فهو مجبول على ذلك ومسخر فيه.
والقلب إذا لم يحضر في الصلاة لم يكن متعطلا بل جائلا فيما الهمة مصروفة إليه من أمور الدنيا.
فلا حيلة ولا علاج لإحضار القلب إلا بصرف الهمة إلى الصلاة، والهمة لا تتصرف إليها ما لم يتبين أن الغرض المطلوب منوط بها.
وذلك هو الإيمان والتصديق بأن الآخرة خير وأبقى وأن الصلاة وسيلة إليها.
فإذا أضيف هذا إلى حقيقة العلم بحقارة الدنيا ومهماتها، حصل من مجموعها حضور القلب في الصلاة.
وبمثل هذه العلة يحضر قلبك إذا حضرت بين يدي بعض الأكابر ممن لا يقدر على مضرتك ومنفعتك،
فإذا كان لا يحضر عند المناجاة مع ملك الملوك الذي بيده الملك والملكوت والنفع والضر فلا تظنن أن له سببا سوى ضعف الإيمان، فاجتهد الآن في تقوية الإيمان.
انتهى.
ولله در العلامة الفقيه إسماعيل المقري رحمه الله تعالى حيث قال: تصلي بلا قلب صلاة بمثلها يكون الفتى مستوجبا للعقوبة تظل وقد أتممتها غير عالم تزيد احتياطا ركعة بعد ركعة فويلك تدري من تناجيه معرضا وبين يدي من تنحني غير مخبت تخاطبه إياك نعبد مقبلا على غيره فيها لغير ضرورة ولو رد من ناجاك للغير طرفه تميزت من غلط عليه وغيرة
أما تستحي من مالك الملك أن يرى صدودك عنه يا قليل المروءة إلهي اهدنا فيمن هديت وخذ بنا إلى الحق نهجا في سواء الطريقة
(وقوله: استحضاره) أي المصلي.
وقوله: أنه بين يدي الخ أي أنه قائم بين يدي ملك الملوك الذي يعلم السر، أي ما يسرونه، وأخفى منه.
وقوله: يناجيه أي يكلمه ويخاطبه.
والجملة في محل نصب حال من اسم أن أو خبر بعد خبر لها.
(قوله: وأنه ربما إلخ) أي استحضاره أن الله سبحانه وتعالى ربما تجلى عليه، أي على من ترك الخشوع بصفة القهر، فيعاقبه ويرد عليه صلاته.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.