فَإِنْ بَاعَهُ بَيْعًا صَحِيحًا بَاتًّا لِغَيْرِ بَائِعِهِ وَفَسَادُهُ بِغَيْرِ الْإِكْرَاهِ أَوْ وَهَبَهُ وَسَلَّمَ أَوْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ قَبْضِهِ أَوْ وَقَفَهُ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ أَوْصَى بِهِ
الشروح عليها
(فَإِنْ بَاعَهُ) أَيْ بَاعَ الْمُشْتَرِي الْمُشْتَرَى فَاسِدًا (بَيْعًا صَحِيحًا بَاتًّا)
فَلَوْ فَاسِدًا أَوْ بِخِيَارٍ لَمْ يَمْتَنِعْ الْفَسْخُ (لِغَيْرِ بَائِعِهِ)
فَلَوْ مِنْهُ كَانَ نَقْضًا لِلْأَوَّلِ كَمَا عَلِمْت (وَفَسَادُهُ بِغَيْرِ الْإِكْرَاهِ)
فَلَوْ بِهِ يَنْقُضُ كُلَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُشْتَرِي (أَوْ وَهَبَهُ وَسَلَّمَ أَوْ أَعْتَقَهُ) أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ اسْتَوْلَدَهَا وَلَوْ لَمْ تَحْبَلْ رَدَّهَا مَعَ عُقْرِهَا اتِّفَاقًا سِرَاجٌ (بَعْدَ قَبْضِهِ)
فَلَوْ قَبْلَهُ لَمْ يَعْتِقْ بِعِتْقِهِ بَلْ بِعِتْقِ الْبَائِعِ بِأَمْرِهِ،
وَكَذَا لَوْ أَمَرَهُ بِطَحْنِ الْحِنْطَةِ أَوْ ذَبْحِ الشَّاةِ فَيَصِيرُ الْمُشْتَرِي قَابِضًا اقْتِضَاءً فَقَدْ مَلَكَ الْمَأْمُورُ مَا لَا يَمْلِكُهُ الْآمِرُ وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ عَلَى خِلَافِ هَذَا
إمَّا رِوَايَةٌ أَوْ غَلَطٌ مِنْ الْكَاتِبِ كَمَا بَسَطَهُ الْعِمَادِيُّ (أَوْ وَقَفَهُ) وَقْفًا صَحِيحًا، لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَهُ حِينَ وَقَفَهُ وَأَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ.
وَمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ عَلَى خِلَافِ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا بَسَطَهُ الْمُصَنِّفُ (أَوْ رَهَنَهُ أَوْ أَوْصَى) أَوْ تَصَدَّقَ (بِهِ) نَفَذَ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ وَامْتَنَعَ الْفَسْخُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْعَبْدِ بِهِ إلَّا فِي أَرْبَعٍ مَذْكُورَةٍ فِي الْأَشْبَاهِ،
وَكَذَا كُلُّ تَصَرُّفٍ قَوْلِيٍّ غَيْرَ إجَارَةٍ وَنِكَاحٍ وَهَلْ يَبْطُلُ نِكَاحُ الْأَمَةِ بِالْفَسْخِ، الْمُخْتَارِ نَعَمْ السِّجَاعِيُّ،
وَمَتَى زَالَ الْمَانِعُ كَرُجُوعِ هِبَةٍ وَعَجْزِ مُكَاتَبٍ وَفَكِّ رَهْنٍ عَادَ حَقُّ الْفَسْخِ لَوْ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ لَا بَعْدَهُ
(قَوْلُهُ فَإِنْ بَاعَهُ إلَخْ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ مَا دَامَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَقَيَّدَ بِبَيْعِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَوْ بَاعَهُ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي وَادَّعَى أَنَّ الثَّانِيَ كَانَ قَبْلَ فَسْخِ الْأَوَّلِ وَقَبَضَهُ وَزَعَمَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ الْفَسْخِ وَالْقَبْضِ مِنْ الْأَوَّلِ فَالْقَوْلُ لَهُ لَا لِلْبَائِعِ وَيَنْفَسِخُ الْأَوَّلُ بِقَبْضِ الثَّانِي بَحْرٌ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ
وَمِثْلُهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ انْفِسَاخِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ نَائِبٌ عَنْ الْبَائِعِ فِي الْقَبْضِ لِوُجُوبِ التَّسْلِيمِ عَلَيْهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَقَعَ فِي يَدِ الْبَائِعِ. تَأَمَّلْ، وَأَفَادَ أَنَّ الْبَيْعَ ثَابِتٌ،
أَمَّا لَوْ ادَّعَى الْمُشْتَرِي بَيْعَهُ مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ وَبَرْهَنَ لَا يُقْبَلُ وَلِلْبَائِعِ أَخْذُهُ وَلَوْ صَدَّقَهُ فَلَهُ الْقِيمَةُ كَمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ
(قَوْلُهُ لَمْ يَمْتَنِعْ الْفَسْخُ) ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ فِيهِمَا لَيْسَ بِلَازِمٍ وَلَمْ يَدْخُلْ الْمَبِيعُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي فِي صُورَةِ الْخِيَارِ ط.
[تَنْبِيهٌ] عَبَّرَ فِي الْوُقَايَةِ بِقَوْلِهِ فَإِنْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ بَاعَهُ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَغْنَى بِهِ عَمَّا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ
(قَوْلُهُ كَمَا عَلِمْت) مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَكُلُّ مَبِيعٍ فَاسِدٌ ط
(قَوْلُهُ وَفَسَادُهُ) أَيْ فَسَادُ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ
(قَوْلُهُ يَنْقُضُ كُلَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُشْتَرِي) أَيْ الَّتِي يُمْكِنُ نَقْضُهَا،
بِخِلَافِ مَا لَا يُمْكِنُ كَالْإِعْتَاقِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِيهِ أَخْذُ الْقِيمَةِ مِنْ الْمُكْرِهِ بِالْكَسْرِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَسَلَّمَ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: شَرَطَ فِي الْهِدَايَةِ التَّسْلِيمَ فِي الْهِبَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُفِيدُ الْمِلْكَ إلَّا بِهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ
(قَوْلُهُ أَوْ اسْتَوْلَدَهَا) أَفَادَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَعَ الْقِيمَةِ الْعُقْرُ،
وَقِيلَ عَلَيْهِ عُقْرُهَا أَيْضًا جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ.
قَالَ ط: وَظَاهِرُهُ: أَيْ ظَاهِرُ مَا فِي الْمَتْنِ أَنَّ الْمُرَادَ اسْتِيلَادٌ حَادِثٌ،
فَلَوْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ أَوَّلًا اسْتَوْلَدَهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا فَاسِدًا وَقَبَضَهَا هَلْ يَكُونُ كَذَلِكَ لِمِلْكِهِ إيَّاهَا فَلْيُحَرَّرْ. اهـ.
قُلْت: الظَّاهِرُ بَقَاءُ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الشَّرْعِ وَلَمْ يَعْرِضْ عَلَيْهِ تَصَرُّفٌ حَادِثٌ يَمْنَعُهُ.
[تَنْبِيهٌ] نُقِلَ فِي النَّهْرِ عَنْ السِّرَاجِ أَنَّ التَّدْبِيرَ كَالِاسْتِيلَادِ،
وَمِثْلُهُ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ، وَلَمْ يَرَهُ فِي الْبَحْرِ مَنْقُولًا فَذَكَرَهُ بَحْثًا
(قَوْلُهُ بَعْدَ قَبْضِهِ) الْأَوْلَى ذِكْرُهُ آخِرَ الْمَسَائِلِ ط
(قَوْلُهُ فَلَوْ قَبْلَهُ لَمْ يَعْتِقْ بِعِتْقِهِ) تَخْصِيصُهُ التَّفْرِيعَ عَلَى الْعِتْقِ يُوهِمُ أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ قَبْضِهِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَوْ أَعْتَقَهُ فَقَطْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَكَانَ الْأَظْهَرُ أَنْ يَقُولَ
فَلَوْ قَبْلَهُ لَمْ تَنْفُذْ تَصَرُّفَاتُهُ الْمَذْكُورَةُ إلَّا إذَا أَعْتَقَهُ الْبَائِعُ بِأَمْرِ الْمُشْتَرِي
(قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ أَمَرَهُ إلَخْ)
وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: وَلَوْ بُرًّا فَخَلَطَهُ الْبَائِعُ بِطَعَامِ الْمُشْتَرِي بِأَمْرِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ صَارَ قَابِضًا وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ بَحْرٌ
(قَوْلُهُ فَيَصِيرُ الْمُشْتَرِي قَابِضًا اقْتِضَاءً) مَا يُقَدَّرُ لِتَصْحِيحِ الْكَلَامُ كَأَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِأَلْفٍ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي سَبْقَ الْبَيْعِ لِيَصِحَّ الْعِتْقُ عَنْ الْآمِرِ، وَهُنَا كَذَلِكَ،
فَإِنَّ صِحَّةَ تَصَرُّفِ الْبَائِعِ عَنْ الْمُشْتَرِي تَقْتَضِي أَنْ يُقَدَّرَ الْقَبْضُ سَابِقًا عَلَيْهِ وَلِهَذَا
قَالَ فِي الْمِنَحِ عَنْ الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ الْبَائِعَ بِالْعِتْقِ فَقَطْ طَلَبَ أَنْ يُسَلِّطَهُ عَلَى الْقَبْضِ،
وَإِذَا أَعْتَقَ الْبَائِعُ بِأَمْرِهِ صَارَ الْمُشْتَرِي قَابِضًا قَبْضًا سَابِقًا عَلَيْهِ اهـ فَافْهَمْ.
مَطْلَبٌ يَمْلِكُ الْمَأْمُورُ مَا لَا يَمْلِكُهُ الْآمِرُ
(قَوْلُهُ مَا لَا يَمْلِكُهُ الْآمِرُ) فَإِنَّ الْآمِرَ وَهُوَ الْمُشْتَرِي لَا يَصِحُّ إعْتَاقُهُ بِنَفْسِهِ،
وَلَا يَجُوزُ لَهُ الطَّحْنُ وَالذَّبْحُ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَأْمُورَ وَهُوَ الْبَائِعُ وَهُوَ الْبَائِعُ فِي مَسْأَلَةِ الطَّحْنِ وَالذَّبْحِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْفَسْخُ رَفْعًا لِلْمَعْصِيَةِ كَمَا مَرَّ،
وَفِي فِعْلِهِ ذَلِكَ تَقْرِيرُهَا، فَقَدْ اسْتَوَى الْآمِرُ وَالْمَأْمُورُ فِي ذَلِكَ وَلِذَلِكَ ذَكَرَ فِي الْبَحْرِ مَسْأَلَةَ الْأَمْرِ بِالْعِتْقِ فَقَطْ. ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ عَجِيبَةٌ حَيْثُ مَلَكَ الْمَأْمُورُ مَا لَمْ يَمْلِكْ الْآمِرُ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبَائِعَ يَأْثَمُ بِالْعِتْقِ أَيْضًا لِمَا قُلْنَا، وَلَكِنْ الَّذِي مَلَكَهُ هُوَ دُونَ الْآمِرِ وَإِنَّمَا هُوَ نَفَاذُ الْعِتْقِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْإِثْمِ وَعَدَمِهِ كَمَا فِي بَاقِي تَصَرُّفَاتِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَبْضِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَدَبَّرْهُ.
[تَنْبِيهٌ] لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظِيرٌ يَمْلِكُ الْمَأْمُورُ فِيهِ مَا لَا يَمْلِكُهُ الْآمِرُ، وَهُوَ مَا مَرَّ فِي قَوْلِ الْمَتْنِ أَوْ أَمَرَ الْمُسْلِمُ بِبَيْعِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ شِرَائِهِمَا - ذِمِّيًّا، أَوْ أَمَرَ الْمُحْرِمُ غَيْرَهُ بِبَيْعِ صَيْدِهِ
(قَوْلُهُ وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ إلَخْ) أَيْ حَيْثُ جَعَلَ الْعِتْقَ عَنْ الْبَائِعِ وَالدَّقِيقَ وَالشَّاةَ لَهُ أَيْضًا؛
وَمِثْلُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَيْضًا
(قَوْلُهُ كَمَا بَسَطَهُ الْعِمَادِيُّ) وَأَقَرَّهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ
(قَوْلُهُ وَقْفًا صَحِيحًا) فَلَوْ فَاسِدًا كَأَنْ اشْتَرَطَ فِيهِ بَيْعَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ لَا يَمْنَعُ الْفَسْخَ ط
(قَوْلُهُ وَأَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ) عَطْفٌ لَازِمٌ عَلَى قَوْلِهِ وَقَفَهُ
(قَوْلُهُ وَمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ)
حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ وَقَفَهُ أَوْ جَعَلَهُ مَسْجِدًا لَا يَبْطُلُ حَقُّ الْفَسْخِ مَا لَمْ يُبْنَ. اهـ. ح أَيْ فَالْمَانِعُ مِنْ الْفَسْخِ هُوَ الْبِنَاءُ
(قَوْلُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ) حَمَلَهُ فِي النَّهْرِ عَلَى إحْدَى رِوَايَتَيْنِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ التَّغْلِيطِ ح، وَحَمَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُقْضَ بِهِ،
أَمَّا إذَا قَضَى بِهِ فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ الْفَسَادُ لِلُزُومِهِ.
قُلْت: لَكِنَّ الْمَسْجِدَ يَلْزَمُ بِدُونِ الْقَضَاءِ اتِّفَاقًا فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ أَوْ رَهَنَهُ) أَيْ وَسَلَّمَهُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَلْزَمُ بِدُونِهِ
(قَوْلُهُ أَوْ أَوْصَى بِهِ) أَيْ ثُمَّ مَاتَ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ مِلْكِهِ إلَى مِلْكِ الْمُوصَى لَهُ وَهُوَ مِلْكٌ مُبْتَدَأٌ فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ مِنَحٌ
(قَوْلَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ) أَيْ وَسَلَّمَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ الْمُتَصَدِّقِ بِدُونِ تَسْلِيمٍ
(قَوْلُهُ نَفَذَ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ) أَيْ لَزِمَ وَإِلَّا فَالْأَصْلُ أَنَّ النَّافِذَ مَا قَابَلَ الْمَوْقُوفَ وَاللَّازِمَ مَا لَا خِيَارَ فِيهِ، وَهَذَا فِيهِ خِيَارُ الْفَسَادِ، وَبِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ لَزِمَ تَأَمَّلْ.
ثُمَّ إنَّ الشَّارِحَ تَبِعَ الْمُصَنِّفَ حَيْثُ جَعَلَ فَاعِلَ نَفَذَ هُوَ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْهِدَايَةِ أَنَّ الْفَاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلَى مَا ذُكِرَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ.
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ: فَإِذَا أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ وَسَلَّمَهُ فَهُوَ جَائِزٌ وَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْقَبْضِ فَتَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ فِيهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الْقِيمَةُ؛ لِأَنَّهُ انْقَطَعَ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْعَبْدِ بِهِ، وَالِاسْتِرْدَادُ حَقُّ الشَّرْعِ وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ لِفَقْرِهِ فَقَدْ فَوَّتَ الْمُكْنَةَ بِتَأْخِيرِ التَّوْبَةِ. اهـ.
مُلَخَّصًا: أَيْ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ كَانَ هُوَ التَّوْبَةَ بِالْفَسْخِ وَالِاسْتِرْدَادِ وَبِتَأْخِيرِهِ إلَى وُجُودِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ عَبْدٍ يَكُونُ قَدْ فَوَّتَ مُكْنَتَهُ مِنْ الِاسْتِرْدَادِ فَتَعَيَّنَ لُزُومِ الْقِيمَةِ،
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ تَقَرَّرَتْ عَلَيْهِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهَا إلَّا بِالتَّوْبَةِ وَإِنَّ الْفَسْخَ قَبْلَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ تَوْبَةٌ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ الشَّارِحُ رَفْعًا لِلْمَعْصِيَةِ
(قَوْلُهُ إلَّا فِي أَرْبَعِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْأَشْبَاهِ: الْعَقْدُ الْفَاسِدُ إذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ عَبْدٍ لَزِمَ وَارْتَفَعَ الْفَسَادُ إلَّا فِي مَسَائِلَ: أَجَرَ فَاسِدًا فَأَجَرَ الْمُسْتَأْجِرُ صَحِيحًا فَلِلْأَوَّلِ نَقْضُهَا الْمُشْتَرِي مِنْ الْمُكْرَهِ لَوْ بَاعَ صَحِيحًا فَلِلْمُكْرَهِ نَقْضُهُ الْمُشْتَرِي فَاسِدًا إذَا أَجَرَ فَلِلْبَائِعِ نَقْضُهُ،
وَكَذَا إذَا زَوَّجَ اهـ. وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ كَلَامَ الْمَتْنِ فِي تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي فَاسِدًا فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْأُولَى لِعَدَمِ دُخُولِهَا
وَكَذَا الثَّانِيَةُ لِاحْتِرَازِ الْمَتْنِ عَنْهَا، وَالصُّورَةُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ ذَكَرَهُمَا الشَّارِحُ حَيْثُ قَالَ غَيْرَ إجَارَةٍ وَنِكَاحٍ اهـ ح.
قُلْت: وَالضَّمَائِرُ فِي نَقْضِهِ لِلْعَقْدِ الْأَوَّلُ بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ
وَكَذَا إذَا زَوَّجَ: أَيْ يَكُونُ لِلْبَائِعِ نَقْضُ الْبَيْعِ لَا التَّزْوِيجِ، فَلَا يُنَافِي فِي مَا يَأْتِي تَحْرِيرُهُ
(قَوْلُهُ وَكَذَا كُلُّ تَصَرُّفٍ قَوْلِيٍّ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ وَأَرَادَ بِهِ نَحْوَ التَّدْبِيرِ، وَمَا لَوْ جَعَلَهُ مَهْرًا أَوْ بَدَلَ صُلْحٍ أَوْ إجَارَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُخْرِجُهُ مِنْ مِلْكِهِ كَمَا تُفِيدُهُ عِبَارَةُ النُّقَايَةِ الَّتِي نَقَلْنَاهَا عِنْدَ قَوْلِهِ فَإِنْ بَاعَهُ
(قَوْلُهُ غَيْرَ إجَارَةٍ وَنِكَاحٍ) أَيْ فَلَا يَمْنَعَانِ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تُفْسَخُ بِالْأَعْذَارِ وَرَفْعُ الْفَسَادِ مِنْ الْأَعْذَارِ وَالنِّكَاحُ لَيْسَ فِيهِ إخْرَاجٌ عَنْ الْمِلْكِ بَحْرٌ
(قَوْلُهُ وَهَلْ يَبْطُلُ نِكَاحُ الْأَمَةِ) لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَمْنَعُ الْبَائِعَ مِنْ فَسْخِ الْبَيْعِ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ هَلْ يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ الَّذِي عَقَدَهُ الْمُشْتَرِي كَمَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ أَمْ لَا؟
(قَوْلُهُ الْمُخْتَارُ نَعَمْ وَلْوَالِجِيَّةٌ) مُخَالِفٌ لِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ مِنْ عَدَمِ الِانْفِسَاخِ،
وَكَذَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَغَايَةِ الْبَيَانِ عَنْ التُّحْفَةِ.
وَقَالَ فِي الْمُجْتَبَى إلَّا الْإِجَارَةَ وَتَزْوِيجَ الْأَمَةِ، لَكِنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ بِالِاسْتِرْدَادِ دُونَ النِّكَاحِ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ: لَوْ فُسِخَ الْبَيْعُ لِلْفَسَادِ وَأَخَذَ الْبَائِعُ الْجَارِيَةَ مَعَ نُقْصَانِ التَّزْوِيجِ ثُمَّ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ رَدَّ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي مَا أَخَذَهُ مِنْ النُّقْصَانِ.
وَفِي السِّرَاجِ لَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ بِالْأَعْذَارِ وَقَدْ عَقَدَهُ الْمُشْتَرِي وَهِيَ عَلَى مِلْكِهِ. وَقَدْ نَقَلَ فِي الْبَحْرِ عِبَارَةَ السِّرَاجِ. ثُمَّ قَالَ: وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ: لَوْ زَوَّجَ الْجَارِيَةَ الْمَبِيعَةَ ثُمَّ قَبَضَهَا وَانْتَقَضَ الْبَيْعُ فَإِنَّ النِّكَاحَ يَبْطُلُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مَتَى انْتَقَضَ قَبْلَ الْقَبْضِ انْتَقَضَ مِنْ الْأَصْلِ الْوَلْوَالِجيَّةِ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَكَانَ النِّكَاحُ بَاطِلًا. اهـ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا فِي السِّرَاجِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَوْ يَظْهَرُ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ.
اهـ.
مَا فِي الْبَحْرِ، وَتَبِعَهُ فِي النَّهْرِ وَالْمِنَحِ، وَكَتَبْت فِيمَا عَلَّقْته عَلَى الْبَحْرِ أَنَّ الْفَرْقَ مَوْجُودٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْوَلْوَالِجِيِّ فِيمَا قَبْلَ الْقَبْضِ، وَكَلَامُ السِّرَاجِ فِيمَا بَعْدَ الْقَبْضِ الْمُفِيدُ لِلْمِلْكِ ثُمَّ رَأَيْت ط نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْفَرْقِ،
وَكَذَلِكَ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمِنَحِ حَيْثُ قَالَ الْعَجَبُ مِنْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ مَا فِي السِّرَاجِ فِيمَا عُقِدَ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ قَبْلَ الْقَبْضِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كُلٍّ مِنْ الْعِبَارَتَيْنِ فَكَيْفَ يُسْتَشْكَلُ بِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَلَئِنْ كَانَ كَلَامُ السِّرَاجِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَكَلَامُ الْوَلْوَالِجِيِّ فِي مُطْلَقِ الْبَيْعِ، فَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ فَاسِدَ الْبَيْعِ كَجَائِزِهِ فِي الْأَحْكَامِ فَتَأَمَّلْ. اهـ.
قُلْت: وَيَكْفِينَا مَا أَسْمَعْنَاك نَقْلَهُ عَنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ، عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ كَلَامَ الْوَلْوَالِجيَّةِ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مُطْلَقِ الْبَيْعِ بَلْ مُرَادُهُ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ صُورَةً
إمَّا أَنْ يَنْتَقِضَ بِالِاسْتِحْقَاقِ أَوْ بِالْخِيَارِ أَوْ بِهَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْأَوَّلَيْنِ بَيْنَ مَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَمَا بَعْدَهُ لِعَدَمِ الْمِلْكِ أَصْلًا فَتَخْصِيصُهُ الْحُكْمَ بِمَا قَبْلَ الْقَبْضِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ،
فَإِذَا زَوَّجَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ فَسَخَ الْعَقْدَ يَظْهَرُ بُطْلَانُ النِّكَاحِ لِكَوْنِهِ قَبْلَ الْمِلْكِ،
بِخِلَافِ مَا إذَا زَوَّجَهَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ زَوَّجَهَا وَهِيَ فِي مِلْكِهِ فَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِفَسْخِ الْبَيْعِ.
وَأَمَّا إذَا مَاتَتْ الْجَارِيَةُ قَبْلَ قَبْضِهَا فِي يَدِ الْبَائِعِ فَقَدْ صَرَّحَ فِي مُتَفَرِّقَاتِ بُيُوعِ الْبَحْرِ عَنْ الْفَتْحِ بِأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ وَإِنْ بَطَلَ الْبَيْعُ
(قَوْلُهُ كَرُجُوعِ هِبَةٍ) أَيْ رُجُوعِ وَاهِبٍ فِي هِبَتِهِ بِقَضَاءٍ أَوْ بِدُونِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْفَتْحِ
(قَوْلُهُ عَادَ حَقُّ الْفَسْخِ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ لَمْ تُوجِبْ الْفَسْخَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي حَقِّ الْكُلِّ فَصُولَيْنِ.
وَكَذَا لَوْ فَسَخَ الْبَيْعَ بِعَيْبٍ بَعْدَ قَبْضِهِ بِقَضَاءٍ فَلِلْبَائِعِ حَقُّ الْفَسْخِ لَوْ لَمْ يَقْضِ بِقِيمَتِهِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ،
وَلَوْ رَدَّ بِعَيْبٍ بِلَا قَضَاءٍ لَا يَعُودُ حَقُّ الْفَسْخِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ ثَانِيًا بَحْرٌ؛ لِأَنَّ رَدَّهُ بِلَا قَضَاءٍ عَقْدٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ ثَالِثٍ
(قَوْلُهُ لَا بَعْدَهُ) أَيْ لَوْ زَالَ الْمَانِعُ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي لَا يَعُودُ حَقُّ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ أَبْطَلَ حَقَّ الْبَائِعِ فِي الْعَيْنِ، وَنَقَلَهُ إلَى الْقِيمَةِ بِإِذْنِ الشَّرْعِ فَلَا يَعُودُ حَقُّهُ إلَى الْعَيْنِ،
وَإِنْ ارْتَفَعَ السَّبَبُ، كَمَا لَوْ قَضَى عَلَى الْغَاصِبِ بِقِيمَةِ الْمَغْصُوبِ بِسَبَبِ الْإِبَاقِ ثُمَّ عَادَ الْعَبْدُ ذَخِيرَةٌ، وَمُرَادُهُ بِالْقِيمَةِ مَا يَعُمُّ الْمِثْلَ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.