وَكَذَا مُكَابِرٌ فِي مِصْرٍ لَيْلًا بِسِلَاحٍ وَخَنَّاقٌ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ عَمْدًا يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ لَا قَاتِلِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ وَهِيَ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْأُولَى فَقَطْ
الشروح عليها
(وَكَذَا) أَهْلُ عُصْبَةٍ وَ (مُكَابِرٌ فِي مِصْرٍ لَيْلًا بِسِلَاحٍ وَخَنَّاقٌ) خَنَقَ غَيْرَ مَرَّةٍ فَحُكْمُهُمْ كَالْبُغَاةِ. (مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ) وَلَوْ (عَمْدًا يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ) بِهِ يُفْتَى وَإِنْ كَانَ أَعْظَمَ وِزْرًا مِنْ قَاتِلِ غَيْرِهِ. وَرَجَّحَ الْكَمَالُ قَوْلَ الثَّانِي بِمَا فِي مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أُتِيَ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ» . (لَا) يُصَلَّى عَلَى (قَاتِلِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ) إهَانَةً لَهُ، وَأَلْحَقَهُ فِي النَّهْرِ بِالْبُغَاةِ. (وَهِيَ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ) كُلُّ تَكْبِيرَةٍ قَائِمَةٌ مَقَامَ رَكْعَةٍ (يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْأُولَى فَقَطْ) وَقَالَ أَئِمَّةُ بَلْخٍ فِي كُلِّهَا
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا أَهْلُ عُصْبَةٍ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ،
وَفِي نُسْخَةٍ عَصَبِيَّةٍ.
وَفِي نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ: الْعَصَبِيَّةُ وَالتَّعَصُّبُ: الْمُحَامَاةُ وَالْمُدَافَعَةُ. وَالْعَصَبِيُّ: مَنْ يُعِينُ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ، وَاَلَّذِي يَغْضَبُ لِعُصْبَتِهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إلَى عَصَبِيَّةٍ أَوْ قَاتَلَ عَصَبِيَّةً»
قَالَ فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ: وَفِي النَّوَازِلِ: وَجَعَلَ مَشَايِخُنَا الْمَقْتُولِينَ فِي الْعَصَبِيَّةِ فِي حُكْمِ أَهْلِ الْبَغْيِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.
وَفِي الْمُغْنِي: جَعَلَ الدَّرْوَازَكِيُّ وَالْكَلَابَاذِيُّ كَالْبَاغِي
وَكَذَا الْوَاقِفُونَ النَّاظِرُونَ إلَيْهِمَا إنْ أَصَابَهُمْ حَجَرٌ أَوْ غَيْرُهُ وَمَاتُوا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ،
وَلَوْ مَاتُوا بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ. اهـ. قَالَ ط: وَمِثْلُهُمْ سَعْدٌ وَحَرَامٌ بِمِصْرَ وَقَيْسٌ وَيَمَنٌ بِبَعْضِ الْبِلَادِ اهـ.
أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا حَيْثُ كَانَ الْبَغْيُ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ،
فَلَوْ بَغَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَقَصَدَ الْآخَرُ الْمُدَافَعَةَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ يَكُونُ الْمُدَافِعُ شَهِيدًا.
وَفِي شَرْحِ مُنْلَا مِسْكِينٍ مَا يُؤَيِّدُهُ فَرَاجِعْهُ
(قَوْلُهُ: وَمُكَابِرٍ فِي مِصْرٍ لَيْلًا بِسِلَاحٍ) كَذَا فِي الدُّرَرِ وَالْبَحْرِ وَغَيْرِهِمَا. وَالْمُكَابِرُ: بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُتَغَلِّبُ إسْمَاعِيلُ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ يَقِفُ فِي مَحَلٍّ مِنْ الْمِصْرِ يَتَعَرَّضُ لِمَعْصُومٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ مِنْ أَنَّهُ يَكُونُ قَاطِعَ طَرِيقٍ إذَا كَانَ فِي الْمِصْرِ لَيْلًا مُطْلَقًا أَوْ نَهَارًا بِسِلَاحٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، فَيُعْطَى أَحْكَامَ قَاطِعِ الطَّرِيقِ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ مِنْ أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَخْذِ شَيْءٍ وَقَتَلَ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَتُوبَ،
وَإِنْ أَخَذَ مَالًا قُطِعَ مِنْ خِلَافٍ وَإِنْ قَتَلَ مَعْصُومًا قُتِلَ حَدًّا عَلَى مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي مَحَلِّهِ، فَحَيْثُ كَانَ حَدُّهُ الْقَتْلَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُ بِسِلَاحٍ غَيْرُ قَيْدٍ لِأَنَّهُ إذَا وَقَفَ فِي الْمِصْرِ لَيْلًا لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ قَاتِلًا بِسِلَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ كَحَجَرٍ أَوْ عَصًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ خَنَقَ غَيْرَ مَرَّةٍ) هُوَ مُفَادُ صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَقَيَّدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْبُغَاةِ بِمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْمِصْرِ.
وَعِبَارَتُهُ فِي الشَّرْحِ: وَمَنْ تَكَرَّرَ الْخَنِقُ بِكَسْرِ النُّونِ مِنْهُ فِي الْمِصْرِ أَيْ خَنَقَ مِرَارًا، ذَكَرَهُ مِسْكِينٌ قُتِلَ بِهِ سِيَاسَةً لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ يُدْفَعُ شَرُّهُ بِالْقَتْلِ وَإِلَّا بِأَنْ خَنَقَ مَرَّةً لَا لِأَنَّهُ كَالْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ، وَفِيهِ الْقَوَدُ عِنْدَ غَيْرِ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ أَيْ
وَأَمَّا عِنْدَهُ فَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ كَالْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ بِأَنْ خَنَقَ مَرَّةً أَنَّ التَّكْرَارَ يَحْصُلُ بِمَرَّتَيْنِ
(قَوْلُهُ: فَحُكْمُهُمْ كَالْبُغَاةِ) كَذَا فِي الْبَحْرِ وَالزَّيْلَعِيِّ: أَيْ حُكْمُ أَهْلِ عَصَبِيَّةٍ وَمُكَابِرٍ وَخَنَّاقٍ حُكْمُ الْبُغَاةِ فِي أَنَّهُمْ لَا يُغَسَّلُونَ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا فِي الدُّرَرِ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ غُسِّلُوا: أَيْ الْبُغَاةُ وَالْقُطَّاعُ وَالْمُكَابِرُ، فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَقَدَّمْنَا تَرْجِيحَهَا
(قَوْلُهُ بِهِ يُفْتَى) لِأَنَّهُ فَاسِقٌ غَيْرُ سَاعٍ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ،
وَإِنْ كَانَ بَاغِيًا عَلَى نَفْسِهِ كَسَائِرِ فُسَّاقِ الْمُسْلِمِينَ زَيْلَعِيٌّ
(قَوْلُهُ: وَرَجَّحَ الْكَمَالُ قَوْلَ الثَّانِي إلَخْ) أَيْ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ: إنَّهُ يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إسْمَاعِيلُ عَنْ خِزَانَةِ الْفَتَاوَى.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَالْكِفَايَةِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ الْإِمَامِ السَّعْدِيِّ: الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا تَوْبَةَ لَهُ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ، لَكِنْ تَأَيَّدَ الثَّانِي بِالْحَدِيثِ. اهـ.
أَقُولُ: قَدْ يُقَالُ: لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ سِوَى «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ» فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ امْتَنَعَ زَجْرًا لِغَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ كَمَا امْتَنَعَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَدْيُونِ،
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ صَلَاةِ أَحَدٍ عَلَيْهِ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ إذْ لَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ صَلَاتِهِ وَصَلَاةِ غَيْرِهِ. قَالَ تَعَالَى {إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ بَحْثًا كَذَلِكَ، وَأَيْضًا فَالتَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ لَا تَوْبَةَ لَهُ مُشْكِلٌ عَلَى قَوَاعِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الْعَاصِي، بَلْ التَّوْبَةُ مِنْ الْكُفْرِ مَقْبُولَةٌ قَطْعًا وَهُوَ أَعْظَمُ وِزْرًا، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مَا إذَا تَابَ حَالَةَ الْيَأْسِ كَمَا إذَا فَعَلَ بِنَفْسِهِ مَا لَا يَعِيشُ مَعَهُ عَادَةً كَجُرْحٍ مُزْهِقٍ فِي سَاعَتِهِ وَإِلْقَاءٍ فِي بَحْرٍ أَوْ نَارٍ فَتَابَ،
أَمَّا لَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ، وَبَقِيَ حَيًّا أَيَّامًا مَثَلًا ثُمَّ تَابَ وَمَاتَ فَيَنْبَغِي الْجَزْمُ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ وَلَوْ كَانَ مُسْتَحِلًّا لِذَلِكَ الْفِعْلِ؛ إذْ التَّوْبَةُ مِنْ الْكُفْرِ حِينَئِذٍ مَقْبُولَةٌ فَضْلًا عَنْ الْمَعْصِيَةِ، بَلْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الْعَاصِي حَالَةَ الْيَأْسِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِيمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ عَمْدًا،
أَمَّا لَوْ كَانَ خَطَأً فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكِفَايَةِ وَغَيْرِهَا وَسَيَأْتِي عَدُّهُ مَعَ الشُّهَدَاءِ
(قَوْلُهُ: لَا يُصَلَّى عَلَى قَاتِلِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا قَتَلَهُ الْإِمَامُ قِصَاصًا،
أَمَّا لَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ يُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَا فِي الْبُغَاةِ وَنَحْوِهِمْ، وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا فَلْيُرَاجَعْ
(قَوْلُهُ وَأَلْحَقَهُ فِي النَّهْرِ بِالْبُغَاةِ) أَيْ فَلَا يُعَدُّ خَامِسًا هَكَذَا فَهِمْت، ثُمَّ رَأَيْته فِي ط، لَكِنْ فِيهِ أَنَّ عِبَارَةَ النَّهْرِ هَكَذَا: وَالْعَصَبِيَّةُ كَالْبُغَاةِ،
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ الْخَنَّاقُ وَقَاتِلُ أَحَدِ أَبَوَيْهِ اهـ وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ الْمُسْتَثْنَى أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَئِمَّةُ بَلْخٍ فِي كُلِّهَا) وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ، وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَفِي حَاشِيَتِهِ لِلرَّمْلِيِّ: رُبَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْحَنَفِيَّ إذَا اقْتَدَى بِالشَّافِعِيِّ فَالْأَوْلَى مُتَابَعَتُهُ فِي الرَّفْعِ وَلَمْ أَرَهُ. اهـ.
أَقُولُ: وَلَمْ يَقُلْ يَجِبُ لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ إنَّمَا تَجِبُ فِي الْوَاجِبِ أَوْ الْفَرْضِ، وَهَذَا الرَّفْعُ غَيْرُ وَاجِبٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ؛ وَمَا فِي شَرْحِ الْكَيْدَانِيَّةِ لِلْقُهُسْتَانِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْمُتَابَعَةُ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي تَكْبِيرَاتِ الرُّكُوعِ وَتَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُسَوَّغُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ بِالنَّظَرِ إلَى الرَّفْعِ فِي تَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ، لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ قَالَ بِهِ الْبَلْخِيُّونَ مِنْ أَئِمَّتِنَا، وَقَدْ أَوْضَحْنَا الْمَقَامَ فِي آخِرِ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ، وَقَدَّمْنَا أَيْضًا شَيْئًا مِنْهُ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.