فَيُعْطَى قَدْرَ مَا يَصِلُ بِهِ إِلَى بَلَدِهِ وَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ مَا يُغْنِيهِ وَالْعَامِلُ قَدْرَ أُجْرَتِهِ وَالْمُؤَلَّفُ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّأْلِيفُ
الشروح عليها
مسألة: (ويُعْطى الفَقِيرُ والمِسْكِينُ ما يُغْنِيهما) لأنَّ الدَّفْعَ إليهما للحاجَةِ، فيُقَدَّرُ بقَدْرِها،
فإن قُلْنا: إنَّ الغِنَى هو ما تَحْصُلُ به الكِفايةُ. أُعْطِىَ ما يَكْفِيه في حَوْلٍ كامِلٍ؛ لأنَّ الحَوْلَ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُ الزَّكاةِ بتَكَرُّرِه، فيَنْبَغِى أن يَأْخُذَ ما يكْفِيه إلى مِثْلِه، ويُعْتَبرُ وُجُودُ الكِفايَةِ له ولعائِلَتِه ومَن يَمُونُه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهم مَقْصُودٌ دَفْعُ حاجَتِه، فيُعْتَبرُ له ما يُعْتَبرُ للمُنْفَردِ.
وإن قُلْنا: إنَّ الغِنَى يَحْصُلُ بخَمْسِين دِرْهمًا. جاز أن يَأْخُذَ له ولعائِلَتِه حتَّى يَصِيرَ لكلِّ واحِدٍ منهم خَمْسُون. قال أحمدُ، في رِوايَةِ أبى داودَ، في مَن يُعْطَى الزَّكاةَ، وله عِيالٌ: يُعْطى كُلُّ واحدٍ مِن عِيالِه خَمْسِين خَمْسِين. ١٠٠٥ - مسألة: (و) يُعْطى (العامِلُ قَدْرَ أُجْرَتِه) لأنَّ الَّذى يأْخُذُه بسَبَب العملِ، فوَجَبَ أن يكونَ بمِقْدَارِهِ، (والمُؤْلَّفُ ما يَحْصُلُ به التَّألِيفُ) لأنَّه المَقْصُودُ.
١٠٠٦ -
(فَيُعْطَى) هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ (قَدْرَ مَا يَصِلُ بِهِ إِلَى بَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُجَوَّزَ لِأَحَدِهِمَا هُوَ التَّوَصُّلُ إِلَى بَلَدِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُدْفَعَ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَالْفَقِيرِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعْطَى، وَلَوْ كَانَ ذَا يَسَارٍ فِي بَلَدِهِ،
فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ غَيْرَ بَلَدِهِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُعْطَى، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ، ظَاهِرُ رِوَايَةِ صَالِحٍ وَغَيْرِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَوَّزَ الدَّفْعَ إِلَيْهِ لِلرُّجُوعِ إِلَى بَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُهِمٌّ لَا غَنَاءَ لَهُ عَنْهُ، فَلَا يَجُوزُ إِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ،
وَعَنْهُ وَاخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ: يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَا يَكْفِيهِ لِمُنْتَهَى قَصْدِهِ وَعَوْدِهِ إِلَى بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِعَانَةً عَلَى بُلُوغِ الْغَرَضِ الصَّحِيحِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُعْطَى،
وَلَوْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ " الشَّرْحِ " خِلَافًا لِلْمَجْدِ، [مِقْدَارُ مَا يُعْطِيهِ لِكُلِّ صِنْفٍ] (وَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ مَا يُغْنِيهِ) أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ لِلْحَاجَةِ فَتُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا؛ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَ، وَشَرَطَ الْخِرَقِيُّ أَنْ يَكُونَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ إِلَى الْغِنَى؛ لِأَنَّ الْغِنَى لَوْ سَبَقَ الدَّفْعَ لَمْ يَجُزْ، فَكَذَا إِذَا قَارَبَ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، (وَالْعَامِلُ قَدْرَ أُجْرَتِهِ) ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَأْخُذُهُ بِسَبَبِ الْعَمَلِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ بِمِقْدَارِهِ (وَالْمُؤَلَّفُ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّأْلِيفُ) ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ
ويُعْطَى الفَقِيرُ والمِسْكينُ ما يُغْنِيه. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ كلَّ واحدٍ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِنَ الفَقيرِ والمِسْكينِ يأْخُذُ تَمامَ كِفايَتِه سَنةً. قال النَّاظِمُ: وهو أوْلَى. قال فى «الحاوِيَيْن»: هذا أصحُّ عندِى. قال فى «تَجْرِيدِ العِنايَةِ»: ويُعْطَيان كِفايَتَهما لتَمام سنَةٍ، لا أكْثَرَ، على الأشْهَرِ. وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «الإِفادَاتِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «المُنْتَخَبِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفائقِ».
قال ناظِمُ المُفْرَداتِ:
ولا يَجوزُ الدَّفْعُ للفَقِيرِ ... أَكْثرَ مِن غِناهُ فى التَّقْديرِ
وعنه، يأْخُذُ تَمامَ كِفايَتهِ دائمًا بمَتْجَرٍ أو آلَةِ صَنْعَةٍ، ونحوِ ذلك. اخْتارَه فى «الفائقِ». وهى قوْلٌ فى «الرِّعايَةِ».
وعنه، لا يأْخُذُ أكْثَر مِن خَمْسِين دِرْهمًا حتَّى تَفْرَغَ،
ولو أخَذَها فى السَّنَةِ مِرارًا،
وإنْ كَثُرَ. نصَّ عليه، وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن». واخْتارَ الآجُرِّىُّ، والشَّيْخُ تَقِىُّ الْدِّينِ، جَوازَ الأخْذِ مِنَ الزَّكاةِ جُمْلةً واحدَةً، ما يصِيرُ به غَنِيًّا وإنْ كَثُرَ.
والمذهبُ، لا يجوزُ ذلك. وتقدَّم آخِرَ بابِ إخْراجِ الزَّكاةِ اشْتِراطُ قَبْضِ الفَقيرِ للزَّكاةِ وما يتَعلَّقُ به، وتقدَّم أيضًا ذلك قرِيبًا. وَالْعَامِلُ قَدْرَ أُجْرَتِهِ، وَالْمُكَاتَبُ وَالْغَارِمُ مَا يَقضِيَان بِهِ دَيْنَهُمَا، وَالْمُؤلَّفُ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّأْلِيفُ، والعامِلُ قَدْرَ أُجْرَتِه. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ ما يأْخُذُه العامِلُ أُجْرَةٌ. نصَّ عليه، وعليه أَكْثرُ الأصحابِ. وذكَرَه ابنُ عَبْدِ البَرِّ إجْماعًا.
وقيلَ: ما يأْخُذُه زَكاةٌ. فعلى المذهبِ، يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ المِثْلِ، جاوَزَ الثَّمُنَ أو لم يُجاوِزْه. نصَّ عليه، وهو الصَّحيحُ.
وعنه، له ثُمُنُ ما يَجْبِيه. قال المَجْدُ فى «شَرْحِه»: فعلى هذه الرِّوايَةِ، إنْ جاوَزتْ أُجْرَتُه ذلك، أُعْطِه مِنَ المَصالحِ. انتهى. هذا الحُكْمُ إذا لم يسْتَأْجِرْه الإِمامُ.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يسْتَحِقُّ ذلك بالشَّرْعِ، ونصَّ عليه، وعليه أكْثرُ الأصحابِ.
وقال القاضى، فى «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»: قِياسُ المذهبِ، أنَّه لا يسْتَحِقُّ إذا لم يُشْرَطْ له جُعْلٌ، إلَّا أنْ يكونَ معْروفًا بأخْذِ الأُجْرَةِ على عمَلِه. ذكَرَه فى «القاعِدَةِ الرَّابعةِ والسَّبْعِين».
فأمَّا إنِ اسْتَأْجرَه، فتقدَّم آخِرَ فَصْلِ العاملِ.
فائدة: يُقَدَّمُ العامِلُ بأُجْرتِه على غيرِه مِن أهْلِ الزَّكاةِ،
وإنْ نوَى التَّطوُّعَ بعَمَلِه، فلَه الأخْذُ. قالَه الأصحابُ. وتقدَّم أنَّ الإِمام ونائبَه فى الزَّكاةِ لا يأْخُذُ شيئًا عندَ اشْتِراطِ إسْلامِه. والمولَّفُ ما يَحْصُلُ بِه التَّأْليفُ. هكذا قال أكثَرُ الأصحابِ.
وقال وَالغَازِى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِغَزْوِهِ وَإنْ كَثُرَ، بعضُهم: يُعْطَى الغَنِىُّ، ما يرَى الإِمامُ. قال فى «الفُروعِ»: ومُرادُه ما ذكَرَه جماعةٌ، ما يحْصُلُ به التَّأْليفُ؛ لأنَّه المَقْصودُ، ولا يُزادُ عليه؛ لعدَمِ الحاجةِ.
فائدة: قوله: والغَازِى ما يحْتاجُ إليه لغَزْوهِ. وهذا بلا نِزاعٍ، لكِنْ لا يشْتَرى ربُّ المالِ ما يحْتاجُ إليه الغازِى ثم يدْفَعُه. على الصَّحيح مِنَ المذهبِ؛ لأنَّه قِيمَةٌ. قال فى «الفُروعِ»: فيه رِوايَتان، ذكَرَهما أبو حَفْصٍ؛ الأشْهَرُ المَنْعُ. ونقَلَه صالِح، وعَبْدُ اللَّهِ، وابنُ الحَكَمِ، واخْتارَه القاضى وغيرُه.
وعنه، يجوزُ. ونقَلَه ابنُ الحَكَمِ أيضًا، وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»،
فقال: ويجوزُ أنْ يشْتَرِىَ كلُّ واحِدٍ مِن زَكاتِه خيْلًا وسِلاحًا، ويجْعَلَه فى سَبيلِ اللَّهِ تعالى.
وعنه، المَنْعُ منه. انتهى. وأطْلَقهما فى «الفُروعِ».
وقال: ولا يجوزُ أنْ يشتَرِى مِنَ الزَّكاةِ فرَسًا يصيرُ حَبِيسًا فى الجِهادِ، ولا دارًا، ولا ضيْعَةً للرِّباطِ، أو يَقِفَها على الغُزاةِ، ولا غَزْوُه على فَرَسٍ أخْرجَه مِن زَكاتِه. نصَّ على ذلك كلِّه، لأنَّه لم يُعْطِها لأحَدٍ، ويجْعَلْ نفْسَه مَصْرِفًا، ولا يُغْزَى بها عنه،
وكذا لا يَحُجُّ بها، ولا يُحَجُّ بها عنه.
وأمَّا إذا اشْتَرى الإِمامُ فرَسًا بزكاةِ رجُلٍ، فلَه دفْعُها إليه يغْزُو عليها، كما له أن يَرُدَّ وَلَا يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
وَمَنْ كَانَ ذَا عِيَالٍ أخَذَ مَا يَكْفِيهِمْ. وَلَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُمْ مَعَ الْغِنَى، إلَّا أَرْبَعَةٌ؛ الْعَامِلُ، وَالْمُؤَلَّفُ، وَالْغَارِمُ لإصْلَاحِ ذَاتِ البَيْنِ، وَالْغَازِى.
عليه زَكاتَه لفَقْرِه أو غُرْمِه.
قال: (ويعطى الفقير والمسكين ما يغنيه، والعامل قدر أجرته، والمكاتب والغارم ما يقضيان به دينهما، والمؤلف ما يحصل به التأليف، والغازي ما يحتاج إليه لغزوه وإن كثر، ولا يزاد أحد منهم عن ذلك. ومن كان ذا عيال أخذ ما يكفيهم) .
أما كون الأصناف المذكورة يعطون ما ذكر فلأن من جاز دفع الزكاة إليه لمعنى جاز أن يعطى ما دام ذلك المعنى موجوداً فيه لأن السبب المجوز للأخذ باق فيترتب عليه ما يقتضيه.
وأما كونهم لا يزاد أحد منهم عن ذلك فلأن الإعطاء هنا لمعنى فمتى زال ذلك المعنى لم يجز إعطاؤه بذلك السبب لأن الحكم ينتفي لانتفاء سببه. فعلى هذا الفقير والمسكين يعطيان قدر كفايتهما لأن عدم الكفاية هو المجوز فقدر بقدره.
وقول المصنف رحمه الله: ما يغنيه؛ يحتمل أن مراده ما يكفيه، ويحتمل أن يكون نبه على جواز الدفع ولو صار به غنياً، كمن يدفع له خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب أو قدر الكفاية على اختلاف الروايتين فيما يحصل به الغنى؛ لأن المانع من أخذ الزكاة الغنى وحين الدفع لم يكن غنياً. وشرط الخرقي: أن يكون المدفوع لا يخرج المدفوع إليه إلى الغنى.
فعلى هذا لا يجوز أن يدفع إليه خمسين درهماً أو قيمتها من الذهب أو قدر الكفاية جملة واحدة لأن الغنى لو سبق الدفع لم يجز فكذلك إذا قارن كالجمع بين الأختين.
والعامل أجرة عمله لأن السبب المجوز لأخذه عمله فوجب أن يتقدر بمقدار أجرته.
والمكاتب والغارم ما يقضيان به دينهما لأن السبب المجوز فيهما الدين فوجب أن يتقدر بالوفاء.
والمؤلف: ما يحصل به التأليف لأن سببه التأليف فيقدر به.
والغازي: ما تندفع به حاجته من مركوب وسلاح ونحو ذلك لأن سببه ذلك فيقدر به.
وصرح المصنف رحمه الله بقوله: وإن كثر لئلا يتوهم أنه لا يجوز أن يكون قدر نصاب لأن سبب الدفع في ذلك الحاجة إلى ما ذكر فوجب أن يعطى ما بقي السبب عملاً بمقتضاه.
وأما كون من له عيال يأخذ ما يكفيهم فلأن الحاجة داعية إلى إزالة حاجتهم كلهم فجاز الأخذ لهم كلهم كالأخذ لنفسه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.