يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَجْمَعَ رِيقَهُ فَيَبْلَعَهُ
الشروح عليها
مسألة: (ويُكْرَهُ للصّائِمِ أن يَجْمَعَ رِيقَه فيَبْلَعَه، وأن يَبْتلعَ النُّخامَةَ. وهل يُفْطِرُ بهما؟ على وَجْهَيْن) لا يُفَطِّرُ ابْتِلاعُ الرِّيقِ إذا لم يَجْمَعْه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ غُبارَ الطّرِيقِ.
ويُكْرَهُ للصّائِمِ جَمْعُ رِيقِه وابْتِلاعُه؛ لإِمْكانِ التَّحَرُّزِ منه.
فإن جَمَعَه ثم ابْتَلَعَه قَصْدًا، لم يُفَطِّرْه؛ لأنَّه يَصِلُ إلى جَوْفِه مِن مَعِدَتِه، أشْبَهَ إذا لم يَجْمَعْه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُفَطِّرُه؛ لأنَّه أمْكَنَه التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ ما لو قَصَد ابْتِلاعَ غُبارِ الطرَّيقِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛
فإنَّ الرِّيقَ لا يُفَطِّر إذا لم يَجْمَعْه،
وإن قَصَد ابْتِلاعَه، فكذلك إذا جَمَعَه،
بخِلافِ غُبارِ الطَّريقِ. فإن خَرَج ريقُه إلى ثَوْبِه، أو بينَ أَصابِعِه، أو بينَ شَفَتَيْه، ثم عاد فابْتَلَعَه، أو بَلَع رِيقَ غيرِه، أفْطَرَ؛ لأنَّه ابْتَلَعَه مِن غيرِ فَمِه، أشْبَهَ غيرَ الرِّيقِ.
فإن قِيلَ: فقد رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُقَبِّلُها وهو صائِمٌ, ويَمُصُّ لِسانَها. رَواه أبو داودَ . قُلْنا: قد رُوِىَ عن أبى داودَ أنَّه قال: هذا إسْنادٌ ليس بصَحِيحٍ.
ويَجُوزُ أن يَكُونَ يُقَبِّلُ في الصوم، ويَمُصُّ لِسانَها في غيرِه.
ويَجُوزُ أن يَمُصَّه ثم لا يَبْتَلِعُه، ولأنَّه لم يَتَحَقَّقِ انْفِصالُ ما على لِسانِها مِن البَلَلِ إلى فَمِه، فأشْبَهَ ما لو تَرَك حَصاةً مَبْلُولَةً في فيه، أو لو تَمَضْمَضَ بماءٍ ثم مَجَّه.
ولو تَرَك في فَمِه حَصاةً أو دِرْهَمًا فأخْرَجَه وعليه بِلَّةٌ مِن الرِّيقِ، ثم أعادَه في فِيه، نَظَرْتَ؛
فإن كان ما عليه مِن الرِّيقِ كَثِيرًا فابْتَلَعَه، أفْطَرَ،
وإن كان يَسِيرًا لم يُفْطِرْ بابْتِلاعِ رِيقِه.
وقال بعضُ أصحابِنا: يُفْطِرُ لابْتِلاعِه ذلك البَلَلَ الذى كان على الجِسْمِ. ولَنا، أنَّه لا يَتَحَقَّقُ انْفِصالُ ذلك البَلَلِ ودُخُولُه إلى حَلْقِه، كالمَضْمَضَةِ، والتَّسَوُّكِ بالسِّواكِ الرَّطْبِ والمَبْلُولِ. ويُقَوِّى ذلك حديثُ عائشةَ في مَصِّ لِسانِها.
ولو أخْرَجَ لِسانَه وعليه بِلَّةٌ، ثم عاد فأدْخَلَه وابْتَلَعَ رِيقَه، لم يُفْطِرْ.
فصل: وإنِ ابْتَلَعَ النُّخامَةَ، فقد. روَى حَنْبَلٌ، قال: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يَقُولُ: إذا تَنَخَّمَ ثم ازْدَرَدَه، فقد أفْطَرَ؛ لأنَّ النُّخامَةَ تَنْزِلُ مِن الرَّأْسِ، والرِّيقُ مِن الفَمِ.
ولو تَنَخَّعَ مِن جَوْفِه ثم ازْدَرَدَه، أفْطَرَ. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منها، أشْبَهَ الدَّمَ، ولأنَّها مِن غيرِ الفَمِ، أشْبَهَ القَئَ. وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، لا يُفْطِرُ. فإنَّه
قال، في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ: ليس عليك قَضاءٌ إذا ابْتَلَعْتَ النُّخاعَةَ وأنت صائمٌ. لأنَّه مُعْتَادٌ في الفَمِ، أشْبَهَ الرِّيقَ.
فصل: فإن سال فَمُه دَمًا، أو خَرَج إليه قَلْسٌ أو قَىْءٌ فازْدَرَدَه، أفْطَرَ وإن كان يَسِيرًا؛ لأنَّ الفَمَ في حُكْمِ الظّاهِرِ، والأصْلُ حُصُولُ الفِطْرِ بكلِّ واصِلٍ منه، لكنْ عُفِىَ عن الرِّيقِ، لعَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ منه، فيَبْقَى فيما عَداه على الأصْلِ.
وإن ألْقاه مِن فِيه، وبَقِىَ فَمُه نَجِسًا، أو تَنَجَّسَ فَمُه بشئٍ مِن خارِجٍ، فابْتَلَعَ رِيقَه،
فإن كان معه جُزْءٌ مِن المُنَجَّسِ أفْطَرَ بذلك الجُزْءِ، وإلَّا فلا.
١٠٨٢ -
بَابُ مَا يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ فِعْلُهُ وَمَا يُسْتَحَبُّ وَحُكْمُ الْقَضَاءِ] ِ. (يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَجْمَعَ رِيقَهُ فَيَبْلَعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي الْفِطْرِ بِهِ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَصْدًا، وَبِأَنَّهُ إِذَا ابْتَلَعَهُ مِنْ غَيْرِ جَمْعٍ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ كَغُبَارِ الطَّرِيقِ،
يُكْرَهُ للصَّائمِ أنْ يَجْمَعَ رِيقَه فيَبْتَلِعَه،
وأنْ يَبْتَلِعَ النُّخامَةَ. وهل يُفْطِرُ بهما؟ على وَجْهَيْن. إذا جمَع رِيقَه وابْتَلعَه قَصْدًا، كُرِهَ، بلا نِزاعٍ، ولا يُفْطِرُ به. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، كما لو ابْتلَعَه قَصْدًا ولم يَجْمَعْه. وجزمَ به فى «الوَجِيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، يُفْطِرُ بذلك، فيَحْرُمُ فِعْلُه. وأطْلقَهما فى «الهِدَايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلَاصَةِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفَائقِ».
فوائد؛ إحداها, لو أخْرَجَ رِيقَه إلى ما بينَ شَفَتَيْه، ثم أعادَه وبلَعَه، حرُمَ عليه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأفْطَرَ به. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه فى «الفُروعِ». وجزمَ به فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، وغيرِهم.
وقال المَجْدُ: لا يُفْطِرُ إلَّا إذا خرَج إلى ظاهِرِ شَفَتَيْه، ثم يُدْخِلُه ويَبْلَعُه؛ لإِمْكانِ التَّحَرُّزِ منه عادَةً، كغيرِ الرِّيقِ. الثَّانيةُ، لو أخْرَجَ حَصاةً مِن فَمِه أو دِرْهَمًا أو خَيْطًا ثم أَعادَه،
فإنْ كان ما عليه كثيرًا فبَلَعَه، أفْطَرَ،
وإنْ كان يَسِيرًا، لم يُفْطِرْ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيلَ: يُفْطِرُ. الثَّالثةُ، لو أخْرَجَ لِسانَه ثم أدْخَلَه إلى فيه بما عليه وبلَعَه، لم يُفْطِرْ،
ولو كان كثيرًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ؛ مِنهم القاضى. وجزمَ به فى «المُذهَبِ» وغيرِه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. قال فى «الفُروعِ»: أطْلَقَه الأصحابُ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يُفْطِرُ. وأطْلقَهما فى «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن». الرَّابعةُ، لو تنَجَّسَ فَمُه، أو خرَج إليه قَىْءٌ، أو قَلْسٌ فبَلَعَه، أفْطَر، نصَّ عليه،
وإنْ قَلَّ؛ لإِمْكانِ التَّحَرُّزِ منه،
وإنْ بصَقَه وبَقِىَ فَمُه نَجِسًا فبَلَع رِيقَه،
فإنْ تحَقَّقَ أنَّه بلَع شيئًا نَجِسًا، أفْطَرَ، وإلَّا فلا.
وأمَّا النُّخامَةُ إذا بلَعَها، فأَطْلَقَ المُصَنِّفُ فى الفِطْرِ به وَجْهَيْن. واعلمْ أنَّ النُّخامَةَ تَارَةً تكونُ مِن جَوْفِه، وتَارَةً تكونُ مِن دِماغِه، وتَارَةً تكونُ مِن حَلْقِه.
فإذا وصَلَتْ إلى فَمِه ثم بلَعَها، فللأصحابِ فيها ثلَاثُ طُرُقٍ؛ أحدُها، إنْ كانتْ مِن جَوْفِه، أفْطرَ بها، قوْلاً واحِدًا، وإلا فرِوَايَتان. وهذه الطَّريقَةُ هى الصَّحيحَةُ، وهى طرِيقَةُ صاحِبِ «الفُروعِ» وغيرِه؛ إحْداهما، يُفْطِرُ فيَحْرُمُ. وهو المذهبُ. جزمَ به ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه»، وصاحِبُ «المُنَوِّرِ». وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الشَرْحِ». والثَّانيةُ، لا يُفْطِرُ، فيُكْرَهُ. جزمَ به فى «الوَجِيزِ». وأطْلقَهما فى «الفُروعِ». الطَّريقُ الثَّانِى، فى بَلْعِ النُّخامَةِ مِن غيرِ تَفْريقٍ رِوايَتان، وهي طرِيقَةُ القاضى وغيرِه.
قالَه في «المُسْتَوْعِبِ». وجزمَ بها
وَيُكْرَهُ ذَوْقُ الطَّعَامِ، وَإنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِى حَلْقِهِ، أَفْطَرَ.
فى «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، والمَجْدُ فى «شَرْحِه»، و «مُحَرَّرِه»، والمُصَنِّفُ هنا، وفى «المُغْنِى»، والنَّاظِمُ، وغيرُهم. وقدَّمها فى «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفَائقِ»، وغيرِهم؛ إحداهما، يُفْطِرُ بذلك. وهو المذهبُ، جزمَ به ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه»، و «المُنَوِّرِ». وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ». والثَّانيةُ، لا يُفْطِرُ به. صحَّحَه فى «الفُصُولِ». وجزمَ به فى «الوَجِيزِ». وأطْلقَهما فى «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفَائقِ»، و «المُغْنِى».
الطَّريقُ الثَّالثُ، إنْ كانتْ مِن دِمَاغِه، أفْطَرَ، قوْلًا واحِدًا.
وإنْ كانتْ مِن صَدْرِه، فرِوايَتان. وهى طرِيقَةُ ابنِ أبى مُوسَى. نقَلَه عنه فى «المُسْتَوْعِبِ».
[باب ما يكره وما يستحب وحكم القضاء] قال المصنف رحمه الله: (يكره للصائم أن يجمع ريقه فيبلعه، وأن يبتلع النخامة، وهل يفطر بهما؟ على وجهين) .
أما كون الصائم يكره له أن يجمع ريقه فيبلعه،
وأن يبلع النخامة فلأنه قد اختلف في كون ذلك مفطراً فأدنى أحواله أن يكون مكروهاً.
وأما كونه يفطر بهما على وجهٍ فلأنه ابتلع ذلك على وجهٍ يمكنه التحرز منه أشبه غبار الدقيق إذا قصد ابتلاعه.
وأما كونه لا يفطر بهما على وجهٍ فلأنه غير واصل من خارج أشبق الريق.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.